قصة الجرح — الفصل الثاني عشر
012
لعل السبب يعود إلى اختلاف حجم ما استعادتْه؛ فقد كان ما أكلته من ساقها اليمنى يبدأ من تحت الركبة، بينما كانت الساق اليسرى كاملة منذ أصل الفخذ. وعلى أي حال، كان التغيّر الذي طرأ على كيس-شوت بعد أن التهمت ساقها اليسرى هائلًا. كنت قد ذُهلت أصلًا من نموها من هيئة طفلة في العاشرة إلى هيئة فتاة في الثانية عشرة──لكن هذه المرة، رغم أنني كنت أعرف منذ البداية أن تغيرًا جسديًا سيحدث، ربما كان وقع المفاجأة أشد. بعد أن استعادت كيس-شوت ساقها اليسرى، نمت دفعة واحدة حتى بلغت عمرًا ظاهريًا يقارب عمري. سبعة عشر عامًا. وربما تجاوزتني طولًا أيضًا. وبالطبع، فإن الفترة الممتدة من الثانية عشرة إلى السابعة عشرة هي حتى عند البشر مرحلة «النمو» التي تواصل «مرحلة البلوغ»──وهي الفترة التي تتغير فيها الملامح الخارجية أكثر من أي وقت آخر، لكن، ولأعطي مثالًا أكثر تحديدًا، فقد أصبح حجم صدرها شيئًا مهولًا بحق. لو عادت إلى رفع صدرها والتباهي به كما كانت تفعل من قبل، فسيصبح الأمر مخيفًا للغاية. كما أصبحت ملامح وجهها أكثر نضجًا بكثير، وبالتناسب مع ذلك تغير تصميم فستانها أيضًا إلى شيء أكثر أناقة ورصانة. وازداد شعرها طولًا، وجُمع في ذيل حصان. نتيجة مذهلة. لا، في نهاية المطاف، كيس-شوت عمرها خمسمئة سنة أصلًا، مهما كانت الهيئة التي تتخذها. «همم.» قالت كيس-شوت ذلك وهي تبدو راضية عن نفسها. وكما حدث حين استعادت ساقها اليمنى، فإن كيس-شوت لا تحاول إخفاء شعورها بالرضا أو فرحتها بهذه الأمور الصغيرة إطلاقًا، ولذلك، أنا الذي تحركت فعليًا بوصفِي «يديها وقدميها»، شعرت بالسعادة وأنا أراها سعيدة. فالأمر يستحق العناء فعلًا. «أشعر أن حال جسدي قد تحسن كثيرًا──أما فيما يتعلق بقوة الخلود، فيمكن القول أنني استعدت معظمها تقريبًا.» «حقًا؟ … ألا يعني هذا أنك تستطيعين تولّي المعركة التالية بنفسك تقريبًا؟» «كلا، وللأسف، لا يبدو أنني أستطيع استخدام مهاراتي كمصاصة دماء بعد. كل ما في الأمر أن قتلي أصبح أصعب مما كان عليه سابقًا. ربما أستطيع مقاتلة دراماتورغي، لكن في حالتي الحالية لا أستطيع حتى هزيمة إبيسود.» لكن كيس-شوت قالت ذلك بنبرة حذرة. «ناهيك عن غيوتين كاتر.» «…………» ستقول الشيء نفسه──هذا ما ظننته. بعد ذلك. أولًا، جعلنا هانيكاوا، بعد أن شُفيت جراحها، تعود إلى منزلها──كان من الأفضل أن تعود بينما كان أوشينو يراقب إبيسود. وفي الحقيقة، كان هناك أيضًا احتمال أن أوشينو لا يريد مواجهة هانيكاوا وجهًا لوجه (فحتى بعد اليوم الأول، لم تتسنَّ لأوشينو وهانيكاوا مواجهة بعضهما في توقيت مناسب على نحو غريب──ولم يكن من المعقول أن تكون هانيكاوا قادرة على تجنب اللقاء به من تلقاء نفسها، لذا إن كان أحدهما يتجنب الآخر، فلا بد أن يكون أوشينو هو من يتجنب هانيكاوا)؛ ويبدو أن هانيكاوا التقطت الأمر بحساسيتها المعتادة، فعادت إلى منزلها وهي مقتنعة. قائلة: «أراك غدًا.» ثم رحلت. وبعد ذلك، أنا وأوشينو وإبيسود الذي استيقظ، تولينا تنظيف ساحة المدرسة التي بعثرناها بعنف. ملأنا يدويًا الحفرة التي أحدثها انغراس الصليب الضخم في أرض الساحة، وأعدنا حفرة الرمل إلى حالتها السابقة، ثم تولينا أمر أشلاء هانيكاوا المتناثرة (والتي، بطبيعة الحال، لم تتبخر مهما طال انتظارنا). وكان الأمر سيصبح دمويًا بعض الشيء، لكننا جمعناها ودفناها في حوض الزهور، ثم نصبنا لافتة كتبنا عليها «قبر بي-تشان». صاحب فكرة ذلك كان الخبير نفسه، أوشينو ميمي. أما وضع صليب مصنوع من أغصان الأشجار على القبر فكان، حتى بالنسبة إلى نكتة سوداء، مبالغة بعض الشيء)، وبذلك، ورغم أنه لا يمكن القول إن كل شيء عاد إلى ما كان عليه، انتهينا من التنظيف بالقدر الذي يسمح لنا بإخفاء آثار ما حدث. أما أوشينو وإبيسود──فقد غادرا بعد ذلك معًا، تاركينني خلفهما. «أنا الخاسر.» قال إبيسود ذلك وهو على وشك الرحيل. «تبًا، هذا يضحك جدًا──يبدو أنني فقدت حدّتي فعلًا. أن ينجح مبتدئ حديث التحول مثلك في انتزاع نقطة مني──» «…………» «لا تحدّق بي هكذا──سأعتذر عن أمر تلك الفتاة الصغيرة. لقد سخنت أعصابي أكثر مما ينبغي. وفوق ذلك──رغم أنني كنت أتصرف وكأن الأمر لا يعني لي شيئًا، فإن قتال تابع قاتلة الكايغي عمل شاق بالنسبة إليّ أيضًا. لم يكن لدي من سعة البال ما يكفي لأتغاضى عن مشاركتك لمجرد أنك شخص عادي──ومع ذلك، انتهى بي الأمر خاسرًا في النهاية، ولذلك لا يبدو الكلام في صالحي كثيرًا. لكن لا تظن أن حركة استعراضية سخيفة كهذه تكفي لمواجهة غيوتين كاتر. أنا مجنون إلى حد بعيد أيضًا──لكن جنونه من مستوى آخر تمامًا.» وفي النهاية، أعاد إبيسود إليّ ساق كيس-شوت اليسرى كما وعد──أو بالأحرى، لم يكن من الممكن القول إن الأمر تم وفقًا للوعد حرفيًا، فقد تدخلت هانيكاوا، ثم هاجم إبيسود هانيكاوا التي تدخلت، وكدت أنا أقتل إبيسود، فتحولت المواجهة إلى فوضى عارمة، لكن── كان قد أعاد ساق كيس-شوت اليسرى. وكما فعل في اليوم السابق، عاد أوشينو في الساعات الأولى من فجر الخامس من أبريل، حاملًا ساق كيس-شوت اليسرى داخل حقيبة سفر. وسرعان ما التهمتها كيس-شوت. التهمتها بنهم شديد، حقًا. ثم تغيرت هيئتها إلى هيئة فتاة في السابعة عشرة. «غيوتين كاتر إذن──» رجل يشبه القس، بتسريحة شعر شائكة كالقنفذ. وكان الوحيد──الذي لم يكن مسلحًا. «──من يكون ذلك الرجل؟ أنتِ وإبيسود تبدوان شديدَي الحذر منه.» «ألم أشرح لك الأمر؟» «شرحك غامض نوعًا ما. هناك أمور كثيرة لا أعرفها إلا بعد وقوعها. أخبريني بشكل أوضح. سأصغي إليك جيدًا هذه المرة.» كانت شمس الخامس من أبريل توشك على الشروق. وطالما بقيت في هذه الغرفة بالطابق الثاني من مبنى مركز الدروس القديم، فلا داعي للقلق بشأن ضوء الشمس، ومع ذلك أردت أن أسمع القصة قبل أن تنام كيس-شوت. أعني أنني أنا أيضًا أشعر بالنعاس. وبالمناسبة، وضع أوشينو الحقيبة ثم خرج مجددًا. لقد ذهب لإجراء آخر مفاوضاته──رغم أنه ذلك الوغد المتباهي، إلا أنه مجتهد في العمل إلى حد لا بأس به. سوف أدفع المال في النهاية. وعليه أن يعمل بما يوازي ذلك. لكن، متى ينام هذا الرجل أصلًا…؟ «حتى لو قلت ذلك. حتى لو شرحت لك الأمر من الصفر إلى الموجب، فلن تكون هناك فائدة عملية كبيرة.» «ليس الأمر بلا فائدة. … وبالمناسبة، تلك العبارة، ليست «من السالب إلى الموجب»، بل «من الواحد إلى العشرة».» من الواحد إلى العشرة. هكذا قلت. «غيوتين كاتر… هو «إنسان»، أليس كذلك؟» «بلى. ليس مصاص دماء مثل دراماتورغي، ولا نصف مصاص دماء مثل إبيسود. إنه إنسان خالص، مجرد إنسان عادي.» «لا أظنه مجرد إنسان عادي…» ولا أظنه خالصًا أيضًا. لا أظن أن كلمة «خالص» تليق برجل مثله. «هم. حسنًا، كما تقول.» قالت كيس-شوت. «إنه إذن… رجل دين.» «هاه. لا تقولي لي إنه وحدة خاصة سرية تابعة للمسيحية.» «قريب من ذلك، وبعيد عنه.» هزت كيس-شوت رأسها ردًا على مزحتي. … لم أشعر بهذا الأمر حين كنت أتعامل مع هيئتيها في العاشرة والثانية عشرة من العمر، لكن عندما أصبحت في هيئة فتاة تقاربني سنًا، بدأت أشعر بالتوتر لسبب ما. كانت كيس-شوت جميلة كدمية. … إنها تشبه عارضة أزياء أجنبية نوعًا ما. أو──تشبه نبيلة من العصور الوسطى رأيتها في فيلم. ربما كان الفستان هو ما أوحى إليّ بذلك فحسب. «لا أدري كيف ينبغي التعبير عن ذلك في لغة هذا البلد… لكن الترجمة الحرفية ستفي بالغرض.» «الترجمة الحرفية؟» «غيوتين كاتر هو رئيس أساقفة في ديانة ناشئة حديثة العهد نسبيًا.» «رئيس──رئيس أساقفة؟» إذن هو شخصية كبيرة. رئيس أساقفة في هذا العمر──وبما أنه إنسان، فلا بد أن عمره في الأساس قريب من عمر مظهره، أليس كذلك؟ «ليس لتلك الديانة اسم──وهي منظمة لا أفهمها جيدًا حتى أنا. لكن هناك أمر واحد واضح تمامًا──تلك الديانة تنكر وجود الكايغي استنادًا إلى عقيدتها.» «آها…» ديانة ناشئة حديثة العهد، إذن. لكن الإحساس بالزمن لدى كيس-شوت، التي عاشت خمسمئة سنة، لا يمكن الاعتماد عليه بصراحة. فمن المحتمل أنها ستسمي حتى ديانة تأسست قبل الحرب «ديانة ناشئة حديثة العهد». ترى في أي جيل من رؤساء الأساقفة هو؟ لا يمكن أن يكون المؤسس، أليس كذلك؟ «لقد فرض غيوتين كاتر على نفسه مهمة القضاء على وجود الكايغي الذي يفترض أن يكون غير موجود أصلًا، داخل تلك الديانة. وبعبارة أخرى، غيوتين كاتر رئيس أساقفة، وفي الوقت نفسه قائد للوحدة الخاصة السرية التي تتحدث عنها.» «فهمت.» «إنه قائد الظل للفصيلة السوداء التابعة للمجموعة الرابعة المظلمة للوحدة الخاصة السرية الخلفية.» «هذه ترجمة حرفية أكثر من اللازم.» ترجمها بسلاسة أكبر. إنها مباشرة إلى درجة مؤلمة. «لكن… مهما يكن، هو «إنسان»، أليس كذلك؟ مهما كانت الحيل التي سيستخدمها، أليس من المفترض ألا يكون ندًا لمصاصة دماء؟» «إنسان ليس مصاص دماء ولا نصف مصاص دماء، ويتولى بنفسه مهمة صيد مصاصي الدماء باعتبارها تخصصه. أليس هذا تحديدًا ما ينبغي أن نحذر منه؟──ففي الواقع، ألم يسلبني ذراعيّ؟» «صحيح.» دراماتورغي أخذ الساق اليمنى. إبيسود أخذ الساق اليسرى. وغيوتين كاتر أخذ الذراع اليمنى واليسرى── إذا نظرنا إلى الأمر ببساطة، فهذا ضعف عدد الأجزاء. «مع أنني كنت غافلة حينها. وفوق ذلك، لم أكن في أفضل حالاتي.» قدمت كيس-شوت عذرًا واهيًا بعض الشيء. لكنني لن أعلّق. «إذا كان دراماتورغي يصطاد مصاصي الدماء من أجل العمل، وإبيسود يصطادهم بدافع شخصي، فإن غيوتين كاتر يصطادهم بدافع الرسالة. ولئن كنت أنا من يقول هذا، فإن الإيمان أمر مزعج للغاية.» العمل. الدافع الشخصي. الرسالة. حسنًا──الرسالة فعلًا قد تكون أكثر إزعاجًا من الدافع الشخصي. «إذن ماذا أفعل؟» «افعل ما يحلو لك. الأمر متروك لك.» «…………» لا أدري إن كانت كيس-شوت مصاصة الدماء الأسطورية أو أيًا كان، لكن هذا أشبه بمباراة مصارعة بين بطل السومو وبقية العالم، أكثر مما ينبغي. ومع ذلك، لم تقل كيس-شوت سوى ذلك، ثم استلقت على السرير البسيط ونامت في الحال. هممم. بما أن مظهرها أصبح مظهر فتاة في مثل سني، بل فتاة جميلة جدًا، فمن الصعب عليّ التعامل مع الأمر حين تعرض عليّ هيئة نومها بهذه الثقة ومن دون حذر. يكاد الأمر يبدو وكأنها تغريني. وأشعر أيضًا أن عدم فعل شيء سيكون تصرفًا غير لائق. مع أنني أشعر في الوقت نفسه أن هذا كله مجرد إفراط مني في الوعي بذاتي. كانت دوامة أوهام لا نهاية لها. «… حسنًا، لا يهم.» إنه وقت مناسب أصلًا──وقت الفجر──لذا سأخلد أنا أيضًا إلى النوم. فقد فهمت جيدًا من قضية إبيسود هذه المرة أن وضع خطة لا معنى له في الغالب──فالخطة السطحية لا تفعل سوى أن تجعلني مرتبكًا حين تنحرف الأمور عن مسارها. ينبغي أن أقاتل وأنا أحتفظ بهامش من الهدوء. مع أن هذا طلب تعجيزي بحد ذاته. من المقرر أن تأتي هانيكاوا أيضًا اليوم بعد غروب الشمس──فلديّ حديث معها. سأحصل على قسط جيد من النوم قبل ذلك، وأستعيد حالتي المثلى. صحيح أن جسد مصاصة الدماء، الذي «يحافظ دائمًا على حالة صحية جيدة»، لا يحتاج إلى النوم أصلًا كي يكون في أفضل حالاته، لكن ما أحتاجه هنا هو، إن صح التعبير، رعاية نفسية. اليوم هو الخامس من أبريل بالفعل. وعطلة الربيع، دون أن أشعر، أوشكت على الانتهاء. هل سأتمكن يا ترى من العودة إلى إنسان قبل بداية الفصل الدراسي الجديد──فما إن يبدأ الفصل الجديد، فلن يكون عذر البحث عن الذات، أو أي هراء من هذا القبيل، مقبولًا بأي حال──وأنا أفكر في ذلك، غلبني النوم. يبدو أن مصاصي الدماء ينامون عادة في التوابيت──أما أنا أيضًا، مثل كيس-شوت وأوشينو، فنمت فوق سرير صنعته من الطاولات. وعندما استيقظت، كان المساء قد حل بالفعل. لم أرَ حلمًا. يبدو أن مصاصي الدماء لا يرون الأحلام. وعندما أفكر في الأمر جيدًا، أجد أنني منذ تحولي إلى مصاص دماء أنام نحو اثنتي عشرة ساعة في اليوم، لكن بما أنني لا أستطيع النشاط بسهولة ما دامت الشمس مشرقة، فلا حيلة في ذلك. من يَنَمْ ينمُ. كانت كيس-شوت لا تزال نائمة──وهي لا تنمو لأنها تنام بالطبع، لكن الاستيقاظ لأجد امرأة شقراء فائقة الجمال نائمة إلى جواري كان، من ناحية ما، أكثر إثارة للدهشة من وجود كيس-شوت في هيئة طفلة. أما هانيكاوا──فلم تكن قد وصلت بعد على ما يبدو. ولم يعد أوشينو بعد أيضًا. وبما أنه يعرف أن هانيكاوا ستأتي، فإذا كان يتجنب مواجهتها معها عمدًا فعلًا، فلن يعود أوشينو لبعض الوقت بعد. ولم يكن الأمر انتقامًا أو ما شابه، لكنني قررت انتظار هانيكاوا بينما أعيد قراءة مانغا معارك القدرات الخارقة المدرسية التي كنت قد أتممت قراءتها مرة، ثم عادت إليّ عبر أوشينو. وبعد أن انتهيت من نحو خمسة مجلدات، وصلت هانيكاوا. قالت إنها ضلّت الطريق. كالعادة──وكما قال أوشينو ذات مرة، كان ذلك من تأثير الحاجز. إنه حاجز مزعج حقًا──لكن من ناحية أخرى، يمكن القول إن ذلك يجعل المكان مخبأً مثاليًا لكيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد، التي تستعيد قوتها تدريجيًا. جزء من الأجرة──على الأرجح. لا، فيما يتعلق بالحاجز، كان أوشينو هو من أقامه من تلقاء نفسه، أليس كذلك؟ كان يسميه──توازنًا. «صباح الخير، أراراغي-كن.» وضعت هانيكاوا مصباحها اليدوي إلى جانبها وجلست على الكرسي. كانت ترتدي زيها المدرسي. فبعد أن مزق هجوم إبيسود ملابسها المدرسية، من قميصها إلى السترة المدرسية، كنت آمل سرًا أن تكون هذه المرة الأولى التي أرى فيها تسوباسا هانيكاوا بملابسها العادية، لكن يبدو أن ذلك الأمل قد خاب. «خائنة.» «همم؟ ماذا؟ ما الذي تتحدث عنه؟ أنا لم أخنك، يا أراراغي-كن.» «لا، كنت أتحدث عن شيء آخر.» أعني، كان ذلك من عندي أنا أصلًا. لكن لا بد أنها تملك زيًا مدرسيًا احتياطيًا. كما أنني سمعت أن الزي المدرسي للفتيات أكثر عرضة للتلف. «هانيكاوا، كيف حال الجرح في بطنك؟» «الجرح──مع أنه لا يوجد جرح أصلًا.» «حقًا؟ دعيني ألقِ نظرة.» «ما معنى «دعيني» هذه؟» تلقيت توبيخًا. مع أنني كنت جادًا إلى حد ما. لكن حسنًا، لقد تفقدناه مرات عديدة ليلة أمس، وفوق ذلك، ما دامت هانيكاوا نفسها تقول إنها بخير، فربما تكون بخير فعلًا. العلاج بدم مصاصة الدماء. بعد أن فعلت ذلك، ساورني القلق من احتمال أن تتحول هانيكاوا هي الأخرى إلى مصاصة دماء، لكن حين سألت أوشينو، الخبير في هذا المجال، قال إنه لا داعي للقلق. يبدو أن التحول إلى مصاصة دماء وقوة الخلود مختلفان تمامًا من حيث النظام نفسه──بل إن العلاقة بينهما محدودة جدًا. فليست إحداهما وظيفة ثانوية ناتجة عن الأخرى، وإنما هما شيئان منفصلان تمامًا. «إذا كان بإمكاني علاج إصابات الآخرين، فقد فكرت قليلًا أن كون المرء مصاص دماء ليس سيئًا إلى هذا الحد──مع أنني، في الأصل، لو لم أتحول إلى مصاص دماء، لما تعرضتِ أنتِ لإصابة بهذه الخطورة.» «حسنًا، صحيح.» ضحكت هانيكاوا. ثم ألقت نظرة نحو كيس-شوت التي كانت لا تزال تغط في نوم عميق فوق الطاولات المتراصة، وقالت: «آه. صحيح، لقد كبرت──السيدة هارت أندر بليد.» «واو، لقد أصبحت جميلة جدًا. ما زالت هناك بعض الملامح التي تذكر بها، لكن… بهذه الهيئة تكاد تكون شخصًا آخر تمامًا.» «حتى بالنسبة إلى فتاة، تبدو مختلفة إلى هذا الحد؟» «ألا تبدو كذلك لأي شخص؟ … أصبحت تسريحة شعرها ذيل حصان، لكنها لا تفكّه حتى أثناء النوم.» «هممم.» أطلقت هانيكاوا همهمة وهي تفكر. يبدو أن هناك شيئًا يشغل بالها. وبالنظر إلى الأمر، ربما تكون النساء أكثر حساسية من الرجال تجاه مظهر النساء. واصلت هانيكاوا التفكير لبعض الوقت، لكنها في النهاية قررت ألا تقول ما يدور في ذهنها، وأعادت نظرها من كيس-شوت إليّ، ثم أخرجت من حقيبتها: «تفضل، يا أراراغي-كن. أحضرت لك كوكاكولا.» وأخرجت مشروبًا يبدو أنها اشترته من إحدى آلات البيع الموجودة في الجوار، ومدته إليّ. أخذته منها. «آه──شكرًا.» «وبالنسبة إليّ، أحضرت كوكاكولا دايت.» «همم.» «بما أنك تكتسب العضلات بشكل طبيعي إلى هذا الحد، فهل يعني هذا أن أراراغي-كن لا يزداد وزنًا مهما أكل من السعرات الحرارية؟ إذا كان الأمر كذلك، فهذا شيء تحسدك عليه أي فتاة.» «لا أدري. لكنني، إن أردت الحقيقة، أشعر أن شهيتي للطعام ضعيفة نوعًا ما. أشعر أنني بخير حتى من دون أن آكل.» كيس-شوت أيضًا لا تأكل كثيرًا. فالأمر أشبه بأنها لا تأكل لأنها جائعة، بل لأنها تجد الطعام لذيذًا بوصفه نوعًا من المتعة. «أليس غذاء مصاصي الدماء هو الدم؟» «آه، صحيح.» «بالمناسبة، ألا تشعر أنت بشيء يشبه الرغبة في مص الدماء؟» «هم؟ لا──الآن وقد ذكرتِ الأمر، لا.» مع أنني مصاص دماء. كان أوشينو قد قال إن كيس-شوت لا تستطيع استخدام قدرتها على مص الدماء حاليًا، لكن──هل ينطبق الأمر نفسه عليّ؟ لم أفكر في الأمر من قبل. «… هانيكاوا، هل تستطيعين تمييز الفرق في الطعم بين كوكاكولا وكوكاكولا دايت؟» «بالطبع أستطيع.» «أما أنا فلا أستطيع تمييزه جيدًا.» «همم. … حسنًا، خطرت لي فكرة.» «هم؟» «تطوير منتج جديد. نجحت إحدى شركات المشروبات في تصنيع كوكاكولا دايت لا يختلف طعمها إطلاقًا عن كوكاكولا العادية.» «أوه.» «لكن لونها أزرق هاواي.» «تلك ليست كوكاكولا!» انفجرت ضاحكًا. كانت مضحكة قليلًا. وبعد أن ضحكنا لبعض الوقت، تنفست الصعداء. رئيسة لجنة الصف بين رؤساء لجان الصف. الطالبة المثالية. متفوقة دراسيًا. لطالما كانت هذه العبارات هي ما يسبق إلى ذهني، ولذلك، حين أقول هانيكاوا تسوباسا، كنت أظن أنها شديدة الجدية، جامدة كالمسطرة──بل كنت أظنها رئيسة لجنة صف متعالية. لكن حين تتحدث معها، يتبين أنها ليست كذلك إطلاقًا. حديثها ممتع، وهي تفكر دائمًا في الطرف الآخر. حتى بعدما تعرضت له بالأمس. وحتى الآن، لم تحاول إلقاء اللوم عليّ. منذ بداية أبريل، ونحن نلتقي كل يوم──وأغلب الظن أنه لو لم تكن هانيكاوا تفعل ذلك من أجلي، لانكسر قلبي منذ زمن. القلق من أنني قد لا أعود إلى إنسان. والقلق من أنني مضطر إلى مواجهة متخصصين في صيد مصاصي الدماء──وما إن أتراخى قليلًا، حتى تهاجمني هذه المشاعر المضطربة. إنها مشاعر لا يمكن لكيس-شوت، مصاصة الدماء التي تفخر بأنها الأقوى في الأساس، أن تفهمها، وأوشينو لا يهتم أصلًا بمثل هذه الأمور──لكن هانيكاوا بددت مخاوفي. ولم يكن الأمر متعلقًا بما حدث الليلة الماضية فقط. كم أنقذتني هانيكاوا. كم ساعدتني. كنت أظن أنني أدرك ذلك، لكن من سوء حظي أنني لم أستوعب ليلة أمس──قبل أن يحدث ما حدث──حجم ما كانت تفعله من أجلي فعلًا. ولهذا كان عليّ. كان عليّ أن أتحدث إلى هانيكاوا. كان هناك أمر ينبغي أن أخبرها به. «هانيكاوا.» «همم؟» «لا ينبغي لكِ أن تأتي إلى هنا بعد الآن.» «… همم.» ظلت هانيكاوا مبتسمة، ثم نهضت من كرسيها واقتربت مني. «حسنًا، كنت أتوقع أنك ستقول ذلك.» «أرجوك، لا تتأذي من كلامي──الأمر مختلف عن المرة السابقة. في المرة السابقة أيضًا، بالطبع، لم أكن أريد توريطك في الأمر… لكن، بصراحة، كان الجزء الأكبر من المشكلة أنني لم أستطع كبح مشاعري. لقد ندمت لأنني كنت أفرغ غضبي عليك. لكن الأمر مختلف الآن.» «… ما الذي تغير؟» «حين اخترق صليب إبيسود جنبك بالأمس… لم أعد أفهم ما الذي يحدث. اندفع الدم إلى رأسي، و… ظننت أنني سأموت.» «أنا؟» «أنا.» مع أنني أملك جسدًا لا يموت──ظننت أنني سأموت. كان الألم كما لو أن الجرح أصابني أنا. «تحدثنا عن قوة الإنسان، أليس كذلك؟» «…………» «حين تتأذين، أشعر بالألم كما لو كان الأمر يحدث لي أنا. لا──بل أشد بكثير من ألمي أنا. هانيكاوا، أنا…» قلت ذلك. فقد قضيت الليلة الماضية أفكر في طرق مختلفة لصياغة الأمر، لكن في النهاية لم يكن أمامي سوى أن أقولها بصورة مباشرة. «لا أريد العودة إلى إنسان إذا كان الثمن أن أهملك.» «… تهملني؟» قالت هانيكاوا، وقد بدا عليها بعض الارتباك. «أنا لا أشعر أصلًا أنك تفعل بي شيئًا كهذا، يا أراراغي-كن.» «لكن ألا تفكرين في الأمر وتقولين: ماذا أفعل بنفسي؟ أنت تهدرين عطلة الربيع، وهي فترة مهمة من حياتك، من أجلي أنا… وفي نهاية المطاف كدتِ تموتين. ألا تفكرين: ماذا أفعل بنفسي؟» «أ… أبدًا؟» هزت هانيكاوا رأسها بقوة، كما لو أن مجرد قول ذلك لها هو الأمر المستهجن حقًا. «لا أتذكر جيدًا لأن ذاكرتي انقطعت، لكن موتي الوشيك كان مسؤوليتي أنا، أليس كذلك؟ بل إنك، إن أردت الدقة، أنقذتني، أليس كذلك يا أراراغي-كن؟» «لا أستطيع التفكير في الأمر بهذه الطريقة.» كنت أعرف أنها تقول ذلك بصدق. وكنت أعرف أنها لا تفعل ذلك لمراعاة مشاعري. لم يكن ذلك نفاقًا. إنها إنسانة طيبة حقًا. لكن──إلى هذه الدرجة. ولهذا تحديدًا كانت خطرة. «لا أفهم.» «…………» «لا أثق بأنني سأتمكن من إنقاذك إذا وجدتِ نفسك في الوضع نفسه. أعني، لو انعكست الأدوار، فلا أثق بأنني سأتمكن من فعل ما فعلتِه. لا أثق بأنني أستطيع أن أعرض جسدي أمام شخص متهور إلى هذه الدرجة، وأنا لا أملك حتى جسدًا خالدًا──لكن أنتِ تفعلين ذلك ببساطة، أليس كذلك؟» حاولت اختيار كلماتي، لكن──لم أستطع. لم أجد كلمات مناسبة. لم يكن هناك سوى كلمة واحدة تصف هانيكاوا هكذا. «أنتِ مخيفة.» «… مخيفة؟» «بصراحة، أنتِ تثيرين نفوري.» قلت ذلك وأنا أخفض رأسي. «لا تتأذي من كلامي. لم أقصد ذلك──لكنني لا أفهم إطلاقًا لماذا تفعلين كل هذا من أجلي. لا أفهم كيف يمكنك أن تكوني بهذه الدرجة من التفاني تجاه زميل في الصف لم تتعرفي إليه إلا منذ وقت قصير──أنتِ أشبه بقديسة.» قديسة. أو ربما أمًّا مقدسة. «لكن تضحية نفسك من أجلي أثقل مما أستطيع تحمله. أنا لا أملك السعة الكافية لأتحملها. الأمر ليس متعلقًا بما إذا كانت جراحك ستُشفى أم لا──مجرد التفكير في احتمال أن تتأذي من أجلي يجعل جسدي… عاجزًا عن الحركة. وهذا ما يخيفني، ولهذا لا أستطيع مواجهة غيوتين كاتر بهذه الحال.» «ليست تضحية بالنفس.» عندها──قالت هانيكاوا، بنبرة بدا فيها شيء من الغضب: «ليست تضحية بالنفس.» «إذن ما هي؟» «إرضاء ذاتي.» قالت هانيكاوا بنبرة هادئة. «أنت تسيء فهمي يا أراراغي-كن──أنا لست إنسانة صالحة إلى تلك الدرجة، ولست إنسانة قوية أيضًا. أنا أفعل ما أريد فحسب… بل أظن أنه لا يوجد شخص يفكر في نفسه بقدر ما أفكر أنا في نفسي.» «…………» «لو عرفت حقيقتي، فأنا متأكدة أنك ستصاب بخيبة أمل.» وقالت هانيكاوا ذلك وهي تضحك. أشعر بالحرج قليلًا من أن تكون لديك كل تلك الصورة المثالية عني. «أنا مخادعة، وأظن أنني مراوغة أيضًا. إلى درجة تجعلك، يا أراراغي-كن، تنفر مني فعلًا.» «… وأين هذا كله؟» «أين؟ ربما في كل شيء.» ثم قالت: «حتى ما أفعله من أجلك يا أراراغي-كن، أفعله لأنني أريد ذلك فحسب. لذلك لا يوجد ما يدعو إلى أن تؤنب نفسك بسببه.» «هانيكاوا…» «لكن.» صفقت هانيكاوا بيديها أمام صدرها: «طَقّ.» ثم أبقتهما متلاصقتين وقالت: «إذا كنت تجعل الأمور أصعب على أراراغي-كن لمجرد وجودي، فسيكون ذلك انقلابًا كاملًا للأمور عن غايتها، أليس كذلك؟» «لقد أصبحت كمية مانغا معارك القدرات الخارقة المدرسية كبيرة بما يكفي، لذا أظن أن دوري في شراء الحاجيات انتهى أيضًا. إن واصلت قراءة المزيد، فسيتحول الأمر إلى فائض معلومات فحسب. وفي الواقع، لا يبدو أن هناك شيئًا آخر أستطيع فعله من أجلك.» «بل هناك شيء تستطيعين فعله.» حدقت في وجه هانيكاوا، ثم قلت. حدقت فيها جيدًا، ثم قلت: «انتظريني.» «…………» «في الفصل الدراسي الجديد، في تلك المدرسة. انتظريني هناك.» أعرف أن هذا طلب شاق. وأعرف أن انتظار شخص لا تعرفين ما إذا كان سيأتي أم لا، لا بد أن يكون مؤلمًا ومقلقًا للغاية. لكنني مقبل على قتال أخطر متخصص في صيد مصاصي الدماء بين الثلاثة، الرجل الذي يثير حذر الجميع، وحتى لو اجتزت هذه المرحلة، فلا أعرف إن كنت سأتمكن حقًا من العودة إلى إنسان──لذلك، أرجوك انتظريني. «إنني أتطلع من أعماق قلبي إلى أن أتمكن من التحدث معك من جديد.» «… أووه.» تراجعت هانيكاوا خطوة إلى الخلف لسبب ما. وكانت عيناها تبدوان سعيدتين بطريقة غريبة. «بيب بيب بيب، بيب بيب بيب، بيب بيب بيب.» «هم؟ ما هذا الصوت؟» «صوت دقات قلبي.» «ماذا؟! هل تصدر الفتيات مؤثرات صوتية كهذه عندما يخفق قلبهن؟!» إنه يشبه صوت ساعة منبّه مرة أخرى! «كدت أقع في حبك، كان الأمر وشيكًا.» «تقعين في الحُب؟ أم في الحَفْر؟ مثل الينابيع الحارة أو النفط؟» يا له من حديث ثري. إنه حديث ملياردير بحق. «إذن أنت تستخدم هذه الطريقة دائمًا في مغازلة الفتيات.» «هم؟ لا لا. لا أفهم عمّا تتحدثين أصلًا، وأنا بالكاد تحدثت مع فتاة في حياتي.» «لا تتظاهر بأنك من أنصار العفّة. مع أنك اشتريت تلك الكتب المثيرة.» «أوه…!» لكنني فتى في النهاية. لا حيلة في ذلك. «حسنًا.» قالت هانيكاوا ذلك. ثم تمددت إلى أقصى حد وهي تتطاول على أطراف أصابعها بطريقة مبالغ فيها، وبعدها اتخذت تعبيرًا بدا وكأنها عزمت أمرها، وأدخلت كلتا يديها من أسفل تنورتها المدرسية ذات الطيات. ظننت أنها سترفع تنورتها مرة أخرى، لكن مهما يكن، لم تكن هانيكاوا لتفعل شيئًا بلا صلة بالأمر إلى هذه الدرجة. بل خلعت سروالها الداخلي. أنزلت سروالها الداخلي الوردي، المزدان بالدانتيل عند الحافة، ثم أخرجته من ساقيها كلتيهما، مع الحرص على ألا يلامس الجزء المطاطي نعل حذائها. ولا حاجة إلى القول إنني بقيت أحدق فيها عاجزًا عن الكلام. لم يكن للأمر أي سياق إطلاقًا. «هم… حسنًا.» وقد احمر وجه هانيكاوا هذه المرة فعلًا، وبدا عليها الخجل. ثم مدت إليّ ذلك الثوب الداخلي بعد أن لفّته قليلًا في يدها. «إذا أردت قولها بأسلوب مشهد ما قبل ذروة مانغا معارك القدرات الخارقة المدرسية، فالأمر هكذا.» قالت هانيكاوا ذلك بخجل. «سأعيرك إياه. وعندما نلتقي في الفصل الدراسي الجديد، أعده إليّ.» «… لا لا. صحيح أن هناك مشهدًا كهذا في أول مانغا أحضرتِها لي، لكن العنصر الذي استُخدم في ذلك المشهد كان قلادة البطلة، على ما أذكر.» «أنا لا أرتدي قلادة.» قالت هانيكاوا وهي تمسك تنورتها بتوتر: «أنت تحب الملابس الداخلية النسائية، أليس كذلك يا أراراغي-كن؟» «…………!» لن أنكر! لن أنكر ذلك، أقول لكِ! إنكار ذلك سيمس هوية أراراغي كويومي ذاتها، ولهذا لن أنكره، بكل تأكيد! أراراغي كويومي لا يقول «لا»! لكن، لكن… «أ… أممم.» «آه، لكن إن لم تكن تريدها…» «لا، لم أقل إنني لا أريدها. الأمر ليس متعلقًا بالرغبة فيها أو عدم الرغبة فيها أصلًا. نعم، نعم. لحظة، ماذا قلتِ؟ عليّ أن أعيدها إليك عندما نلتقي في الفصل الجديد، أليس كذلك؟» وبينما كنت أشعر بدهشة بسيطة من مدى صغر حجم الملابس الداخلية النسائية بعد خلعها، لم يكن أمامي سوى أن أتلقى قطعة القماش تلك. انتشر دفؤها الناعم داخل يدي. «… آسف. لا أستطيع إعادتها.» «هـ… ماذا؟» «أعني أنني لن أعيدها إليكِ أبدًا. سأحفظها بوصفها إرثًا عائليًا، وسأورثها لأجيال عائلة أراراغي جيلاً بعد جيل.» «لا أريدك أن تفعل ذلك!» «لقد فقدتِ هذا السروال الداخلي من جسدك إلى الأبد.» «يا لك من متسلط!» «لن أعيد إليك السروال الداخلي، لكن في المقابل…» قلت. ثم استجمعت كل ما أستطيع من هيبة، وألقيت نظرة استعراضية وقلت: «سأرد لك الجميل حتمًا. عندما تحتاجين إليّ، وحتى لو لم أستطع فعل شيء، سأكون هناك حتمًا──ومنذ اليوم، أصبح ردّ الجميل لكِ هو غاية حياتي.» «فقط أعد إليّ سروالي الداخلي.» لم ينفع شيء حتى مع كل ذلك الكلام الرنان. هممم. الكلمات عاجزة. قالت هانيكاوا: «أنا الآن مضطرة إلى العودة إلى المنزل من دون سروال داخلي، وفوق ذلك بهذه التنورة ذات مستوى الأمان المنخفض جدًا… يا أراراغي-كن، مقارنة بذلك، ألا يبدو الفوز على رجل اسمه غيوتين كاتر أمرًا سهلًا إلى حد ما؟» «بلى.» مهما كانت المعركة قاسية── إذا تذكرت ذلك، فلا بد أن أتمكن من تجاوزها. بل لا بد أن تكون نزهة سهلة. «إذن، أتمنى لك التوفيق.» «أتمنى لك التوفيق.» سنلتقي في الفصل الدراسي الجديد. ابتسمنا وضرب كل منا قبضة الآخر. مع بداية الفصل الدراسي الجديد بعد انتهاء عطلة الربيع── ومع تطلعي إلى لقاء هانيكاوا. وربما، إن حالفنا الحظ، إلى أن نكون في الصف نفسه. لقد. لقد جددت عزمي على العودة إلى إنسان──لكن. وبينما لم تكن أصداء فراق هانيكاوا قد هدأت بعد، وبعد نحو ثلاث ساعات من مغادرتها، وفي الوقت الذي كانت فيه كيس-شوت قد استيقظت أخيرًا، عاد أوشينو إلى مبنى مركز الدروس القديم──وكان على وجهه تعبير مثقل بالهموم لم أعهده منه إطلاقًا. «آسف، أخطأت في الأمر.» قال أوشينو ذلك بصوت يليق بذلك التعبير. «لقد اختُطفت رئيسة الصف.»
لعل السبب يعود إلى اختلاف حجم ما استعادتْه؛ فقد كان ما أكلته من ساقها اليمنى يبدأ من تحت الركبة، بينما كانت الساق اليسرى كاملة منذ أصل الفخذ. وعلى أي حال، كان التغيّر الذي طرأ على كيس-شوت بعد أن التهمت ساقها اليسرى هائلًا. كنت قد ذُهلت أصلًا من نموها من هيئة طفلة في العاشرة إلى هيئة فتاة في الثانية عشرة──لكن هذه المرة، رغم أنني كنت أعرف منذ البداية أن تغيرًا جسديًا سيحدث، ربما كان وقع المفاجأة أشد.
بعد أن استعادت كيس-شوت ساقها اليسرى، نمت دفعة واحدة حتى بلغت عمرًا ظاهريًا يقارب عمري.
سبعة عشر عامًا.
وربما تجاوزتني طولًا أيضًا.
وبالطبع، فإن الفترة الممتدة من الثانية عشرة إلى السابعة عشرة هي حتى عند البشر مرحلة «النمو» التي تواصل «مرحلة البلوغ»──وهي الفترة التي تتغير فيها الملامح الخارجية أكثر من أي وقت آخر، لكن، ولأعطي مثالًا أكثر تحديدًا، فقد أصبح حجم صدرها شيئًا مهولًا بحق.
لو عادت إلى رفع صدرها والتباهي به كما كانت تفعل من قبل، فسيصبح الأمر مخيفًا للغاية.
كما أصبحت ملامح وجهها أكثر نضجًا بكثير، وبالتناسب مع ذلك تغير تصميم فستانها أيضًا إلى شيء أكثر أناقة ورصانة. وازداد شعرها طولًا، وجُمع في ذيل حصان.
نتيجة مذهلة.
لا، في نهاية المطاف، كيس-شوت عمرها خمسمئة سنة أصلًا، مهما كانت الهيئة التي تتخذها.
«همم.»
قالت كيس-شوت ذلك وهي تبدو راضية عن نفسها.
وكما حدث حين استعادت ساقها اليمنى، فإن كيس-شوت لا تحاول إخفاء شعورها بالرضا أو فرحتها بهذه الأمور الصغيرة إطلاقًا، ولذلك، أنا الذي تحركت فعليًا بوصفِي «يديها وقدميها»، شعرت بالسعادة وأنا أراها سعيدة.
فالأمر يستحق العناء فعلًا.
«أشعر أن حال جسدي قد تحسن كثيرًا──أما فيما يتعلق بقوة الخلود، فيمكن القول أنني استعدت معظمها تقريبًا.»
«حقًا؟ … ألا يعني هذا أنك تستطيعين تولّي المعركة التالية بنفسك تقريبًا؟»
«كلا، وللأسف، لا يبدو أنني أستطيع استخدام مهاراتي كمصاصة دماء بعد. كل ما في الأمر أن قتلي أصبح أصعب مما كان عليه سابقًا. ربما أستطيع مقاتلة دراماتورغي، لكن في حالتي الحالية لا أستطيع حتى هزيمة إبيسود.»
لكن كيس-شوت قالت ذلك بنبرة حذرة.
«ناهيك عن غيوتين كاتر.»
«…………»
ستقول الشيء نفسه──هذا ما ظننته.
بعد ذلك.
أولًا، جعلنا هانيكاوا، بعد أن شُفيت جراحها، تعود إلى منزلها──كان من الأفضل أن تعود بينما كان أوشينو يراقب إبيسود.
وفي الحقيقة، كان هناك أيضًا احتمال أن أوشينو لا يريد مواجهة هانيكاوا وجهًا لوجه (فحتى بعد اليوم الأول، لم تتسنَّ لأوشينو وهانيكاوا مواجهة بعضهما في توقيت مناسب على نحو غريب──ولم يكن من المعقول أن تكون هانيكاوا قادرة على تجنب اللقاء به من تلقاء نفسها، لذا إن كان أحدهما يتجنب الآخر، فلا بد أن يكون أوشينو هو من يتجنب هانيكاوا)؛ ويبدو أن هانيكاوا التقطت الأمر بحساسيتها المعتادة، فعادت إلى منزلها وهي مقتنعة.
قائلة: «أراك غدًا.»
ثم رحلت.
وبعد ذلك، أنا وأوشينو وإبيسود الذي استيقظ، تولينا تنظيف ساحة المدرسة التي بعثرناها بعنف.
ملأنا يدويًا الحفرة التي أحدثها انغراس الصليب الضخم في أرض الساحة، وأعدنا حفرة الرمل إلى حالتها السابقة، ثم تولينا أمر أشلاء هانيكاوا المتناثرة (والتي، بطبيعة الحال، لم تتبخر مهما طال انتظارنا). وكان الأمر سيصبح دمويًا بعض الشيء، لكننا جمعناها ودفناها في حوض الزهور، ثم نصبنا لافتة كتبنا عليها «قبر بي-تشان». صاحب فكرة ذلك كان الخبير نفسه، أوشينو ميمي. أما وضع صليب مصنوع من أغصان الأشجار على القبر فكان، حتى بالنسبة إلى نكتة سوداء، مبالغة بعض الشيء)، وبذلك، ورغم أنه لا يمكن القول إن كل شيء عاد إلى ما كان عليه، انتهينا من التنظيف بالقدر الذي يسمح لنا بإخفاء آثار ما حدث.
أما أوشينو وإبيسود──فقد غادرا بعد ذلك معًا، تاركينني خلفهما.
«أنا الخاسر.»
قال إبيسود ذلك وهو على وشك الرحيل.
«تبًا، هذا يضحك جدًا──يبدو أنني فقدت حدّتي فعلًا. أن ينجح مبتدئ حديث التحول مثلك في انتزاع نقطة مني──»
«…………»
«لا تحدّق بي هكذا──سأعتذر عن أمر تلك الفتاة الصغيرة. لقد سخنت أعصابي أكثر مما ينبغي. وفوق ذلك──رغم أنني كنت أتصرف وكأن الأمر لا يعني لي شيئًا، فإن قتال تابع قاتلة الكايغي عمل شاق بالنسبة إليّ أيضًا. لم يكن لدي من سعة البال ما يكفي لأتغاضى عن مشاركتك لمجرد أنك شخص عادي──ومع ذلك، انتهى بي الأمر خاسرًا في النهاية، ولذلك لا يبدو الكلام في صالحي كثيرًا. لكن لا تظن أن حركة استعراضية سخيفة كهذه تكفي لمواجهة غيوتين كاتر. أنا مجنون إلى حد بعيد أيضًا──لكن جنونه من مستوى آخر تمامًا.»
وفي النهاية، أعاد إبيسود إليّ ساق كيس-شوت اليسرى كما وعد──أو بالأحرى، لم يكن من الممكن القول إن الأمر تم وفقًا للوعد حرفيًا، فقد تدخلت هانيكاوا، ثم هاجم إبيسود هانيكاوا التي تدخلت، وكدت أنا أقتل إبيسود، فتحولت المواجهة إلى فوضى عارمة، لكن──
كان قد أعاد ساق كيس-شوت اليسرى.
وكما فعل في اليوم السابق، عاد أوشينو في الساعات الأولى من فجر الخامس من أبريل، حاملًا ساق كيس-شوت اليسرى داخل حقيبة سفر.
وسرعان ما التهمتها كيس-شوت.
التهمتها بنهم شديد، حقًا.
ثم تغيرت هيئتها إلى هيئة فتاة في السابعة عشرة.
«غيوتين كاتر إذن──»
رجل يشبه القس، بتسريحة شعر شائكة كالقنفذ.
وكان الوحيد──الذي لم يكن مسلحًا.
«──من يكون ذلك الرجل؟ أنتِ وإبيسود تبدوان شديدَي الحذر منه.»
«ألم أشرح لك الأمر؟»
«شرحك غامض نوعًا ما. هناك أمور كثيرة لا أعرفها إلا بعد وقوعها. أخبريني بشكل أوضح. سأصغي إليك جيدًا هذه المرة.»
كانت شمس الخامس من أبريل توشك على الشروق.
وطالما بقيت في هذه الغرفة بالطابق الثاني من مبنى مركز الدروس القديم، فلا داعي للقلق بشأن ضوء الشمس، ومع ذلك أردت أن أسمع القصة قبل أن تنام كيس-شوت.
أعني أنني أنا أيضًا أشعر بالنعاس.
وبالمناسبة، وضع أوشينو الحقيبة ثم خرج مجددًا. لقد ذهب لإجراء آخر مفاوضاته──رغم أنه ذلك الوغد المتباهي، إلا أنه مجتهد في العمل إلى حد لا بأس به.
سوف أدفع المال في النهاية.
وعليه أن يعمل بما يوازي ذلك.
لكن، متى ينام هذا الرجل أصلًا…؟
«حتى لو قلت ذلك. حتى لو شرحت لك الأمر من الصفر إلى الموجب، فلن تكون هناك فائدة عملية كبيرة.»
«ليس الأمر بلا فائدة. … وبالمناسبة، تلك العبارة، ليست «من السالب إلى الموجب»، بل «من الواحد إلى العشرة».»
من الواحد إلى العشرة.
هكذا قلت.
«غيوتين كاتر… هو «إنسان»، أليس كذلك؟»
«بلى. ليس مصاص دماء مثل دراماتورغي، ولا نصف مصاص دماء مثل إبيسود. إنه إنسان خالص، مجرد إنسان عادي.»
«لا أظنه مجرد إنسان عادي…»
ولا أظنه خالصًا أيضًا.
لا أظن أن كلمة «خالص» تليق برجل مثله.
«هم. حسنًا، كما تقول.»
قالت كيس-شوت.
«إنه إذن… رجل دين.»
«هاه. لا تقولي لي إنه وحدة خاصة سرية تابعة للمسيحية.»
«قريب من ذلك، وبعيد عنه.»
هزت كيس-شوت رأسها ردًا على مزحتي.
… لم أشعر بهذا الأمر حين كنت أتعامل مع هيئتيها في العاشرة والثانية عشرة من العمر، لكن عندما أصبحت في هيئة فتاة تقاربني سنًا، بدأت أشعر بالتوتر لسبب ما.
كانت كيس-شوت جميلة كدمية.
… إنها تشبه عارضة أزياء أجنبية نوعًا ما.
أو──تشبه نبيلة من العصور الوسطى رأيتها في فيلم.
ربما كان الفستان هو ما أوحى إليّ بذلك فحسب.
«لا أدري كيف ينبغي التعبير عن ذلك في لغة هذا البلد… لكن الترجمة الحرفية ستفي بالغرض.»
«الترجمة الحرفية؟»
«غيوتين كاتر هو رئيس أساقفة في ديانة ناشئة حديثة العهد نسبيًا.»
«رئيس──رئيس أساقفة؟»
إذن هو شخصية كبيرة.
رئيس أساقفة في هذا العمر──وبما أنه إنسان، فلا بد أن عمره في الأساس قريب من عمر مظهره، أليس كذلك؟
«ليس لتلك الديانة اسم──وهي منظمة لا أفهمها جيدًا حتى أنا. لكن هناك أمر واحد واضح تمامًا──تلك الديانة تنكر وجود الكايغي استنادًا إلى عقيدتها.»
«آها…»
ديانة ناشئة حديثة العهد، إذن.
لكن الإحساس بالزمن لدى كيس-شوت، التي عاشت خمسمئة سنة، لا يمكن الاعتماد عليه بصراحة. فمن المحتمل أنها ستسمي حتى ديانة تأسست قبل الحرب «ديانة ناشئة حديثة العهد».
ترى في أي جيل من رؤساء الأساقفة هو؟
لا يمكن أن يكون المؤسس، أليس كذلك؟
«لقد فرض غيوتين كاتر على نفسه مهمة القضاء على وجود الكايغي الذي يفترض أن يكون غير موجود أصلًا، داخل تلك الديانة. وبعبارة أخرى، غيوتين كاتر رئيس أساقفة، وفي الوقت نفسه قائد للوحدة الخاصة السرية التي تتحدث عنها.»
«فهمت.»
«إنه قائد الظل للفصيلة السوداء التابعة للمجموعة الرابعة المظلمة للوحدة الخاصة السرية الخلفية.»
«هذه ترجمة حرفية أكثر من اللازم.»
ترجمها بسلاسة أكبر.
إنها مباشرة إلى درجة مؤلمة.
«لكن… مهما يكن، هو «إنسان»، أليس كذلك؟ مهما كانت الحيل التي سيستخدمها، أليس من المفترض ألا يكون ندًا لمصاصة دماء؟»
«إنسان ليس مصاص دماء ولا نصف مصاص دماء، ويتولى بنفسه مهمة صيد مصاصي الدماء باعتبارها تخصصه. أليس هذا تحديدًا ما ينبغي أن نحذر منه؟──ففي الواقع، ألم يسلبني ذراعيّ؟»
«صحيح.»
دراماتورغي أخذ الساق اليمنى.
إبيسود أخذ الساق اليسرى.
وغيوتين كاتر أخذ الذراع اليمنى واليسرى──
إذا نظرنا إلى الأمر ببساطة، فهذا ضعف عدد الأجزاء.
«مع أنني كنت غافلة حينها. وفوق ذلك، لم أكن في أفضل حالاتي.»
قدمت كيس-شوت عذرًا واهيًا بعض الشيء.
لكنني لن أعلّق.
«إذا كان دراماتورغي يصطاد مصاصي الدماء من أجل العمل، وإبيسود يصطادهم بدافع شخصي، فإن غيوتين كاتر يصطادهم بدافع الرسالة. ولئن كنت أنا من يقول هذا، فإن الإيمان أمر مزعج للغاية.»
العمل. الدافع الشخصي. الرسالة.
حسنًا──الرسالة فعلًا قد تكون أكثر إزعاجًا من الدافع الشخصي.
«إذن ماذا أفعل؟»
«افعل ما يحلو لك. الأمر متروك لك.»
«…………»
لا أدري إن كانت كيس-شوت مصاصة الدماء الأسطورية أو أيًا كان، لكن هذا أشبه بمباراة مصارعة بين بطل السومو وبقية العالم، أكثر مما ينبغي.
ومع ذلك، لم تقل كيس-شوت سوى ذلك، ثم استلقت على السرير البسيط ونامت في الحال.
هممم.
بما أن مظهرها أصبح مظهر فتاة في مثل سني، بل فتاة جميلة جدًا، فمن الصعب عليّ التعامل مع الأمر حين تعرض عليّ هيئة نومها بهذه الثقة ومن دون حذر.
يكاد الأمر يبدو وكأنها تغريني.
وأشعر أيضًا أن عدم فعل شيء سيكون تصرفًا غير لائق.
مع أنني أشعر في الوقت نفسه أن هذا كله مجرد إفراط مني في الوعي بذاتي.
كانت دوامة أوهام لا نهاية لها.
«… حسنًا، لا يهم.»
إنه وقت مناسب أصلًا──وقت الفجر──لذا سأخلد أنا أيضًا إلى النوم.
فقد فهمت جيدًا من قضية إبيسود هذه المرة أن وضع خطة لا معنى له في الغالب──فالخطة السطحية لا تفعل سوى أن تجعلني مرتبكًا حين تنحرف الأمور عن مسارها.
ينبغي أن أقاتل وأنا أحتفظ بهامش من الهدوء.
مع أن هذا طلب تعجيزي بحد ذاته.
من المقرر أن تأتي هانيكاوا أيضًا اليوم بعد غروب الشمس──فلديّ حديث معها. سأحصل على قسط جيد من النوم قبل ذلك، وأستعيد حالتي المثلى. صحيح أن جسد مصاصة الدماء، الذي «يحافظ دائمًا على حالة صحية جيدة»، لا يحتاج إلى النوم أصلًا كي يكون في أفضل حالاته، لكن ما أحتاجه هنا هو، إن صح التعبير، رعاية نفسية.
اليوم هو الخامس من أبريل بالفعل.
وعطلة الربيع، دون أن أشعر، أوشكت على الانتهاء.
هل سأتمكن يا ترى من العودة إلى إنسان قبل بداية الفصل الدراسي الجديد──فما إن يبدأ الفصل الجديد، فلن يكون عذر البحث عن الذات، أو أي هراء من هذا القبيل، مقبولًا بأي حال──وأنا أفكر في ذلك، غلبني النوم.
يبدو أن مصاصي الدماء ينامون عادة في التوابيت──أما أنا أيضًا، مثل كيس-شوت وأوشينو، فنمت فوق سرير صنعته من الطاولات.
وعندما استيقظت، كان المساء قد حل بالفعل.
لم أرَ حلمًا.
يبدو أن مصاصي الدماء لا يرون الأحلام.
وعندما أفكر في الأمر جيدًا، أجد أنني منذ تحولي إلى مصاص دماء أنام نحو اثنتي عشرة ساعة في اليوم، لكن بما أنني لا أستطيع النشاط بسهولة ما دامت الشمس مشرقة، فلا حيلة في ذلك.
من يَنَمْ ينمُ.
كانت كيس-شوت لا تزال نائمة──وهي لا تنمو لأنها تنام بالطبع، لكن الاستيقاظ لأجد امرأة شقراء فائقة الجمال نائمة إلى جواري كان، من ناحية ما، أكثر إثارة للدهشة من وجود كيس-شوت في هيئة طفلة.
أما هانيكاوا──فلم تكن قد وصلت بعد على ما يبدو.
ولم يعد أوشينو بعد أيضًا.
وبما أنه يعرف أن هانيكاوا ستأتي، فإذا كان يتجنب مواجهتها معها عمدًا فعلًا، فلن يعود أوشينو لبعض الوقت بعد.
ولم يكن الأمر انتقامًا أو ما شابه، لكنني قررت انتظار هانيكاوا بينما أعيد قراءة مانغا معارك القدرات الخارقة المدرسية التي كنت قد أتممت قراءتها مرة، ثم عادت إليّ عبر أوشينو.
وبعد أن انتهيت من نحو خمسة مجلدات، وصلت هانيكاوا.
قالت إنها ضلّت الطريق.
كالعادة──وكما قال أوشينو ذات مرة، كان ذلك من تأثير الحاجز. إنه حاجز مزعج حقًا──لكن من ناحية أخرى، يمكن القول إن ذلك يجعل المكان مخبأً مثاليًا لكيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد، التي تستعيد قوتها تدريجيًا.
جزء من الأجرة──على الأرجح.
لا، فيما يتعلق بالحاجز، كان أوشينو هو من أقامه من تلقاء نفسه، أليس كذلك؟
كان يسميه──توازنًا.
«صباح الخير، أراراغي-كن.»
وضعت هانيكاوا مصباحها اليدوي إلى جانبها وجلست على الكرسي.
كانت ترتدي زيها المدرسي.
فبعد أن مزق هجوم إبيسود ملابسها المدرسية، من قميصها إلى السترة المدرسية، كنت آمل سرًا أن تكون هذه المرة الأولى التي أرى فيها تسوباسا هانيكاوا بملابسها العادية، لكن يبدو أن ذلك الأمل قد خاب.
«خائنة.»
«همم؟ ماذا؟ ما الذي تتحدث عنه؟ أنا لم أخنك، يا أراراغي-كن.»
«لا، كنت أتحدث عن شيء آخر.»
أعني، كان ذلك من عندي أنا أصلًا.
لكن لا بد أنها تملك زيًا مدرسيًا احتياطيًا.
كما أنني سمعت أن الزي المدرسي للفتيات أكثر عرضة للتلف.
«هانيكاوا، كيف حال الجرح في بطنك؟»
«الجرح──مع أنه لا يوجد جرح أصلًا.»
«حقًا؟ دعيني ألقِ نظرة.»
«ما معنى «دعيني» هذه؟»
تلقيت توبيخًا.
مع أنني كنت جادًا إلى حد ما.
لكن حسنًا، لقد تفقدناه مرات عديدة ليلة أمس، وفوق ذلك، ما دامت هانيكاوا نفسها تقول إنها بخير، فربما تكون بخير فعلًا.
العلاج بدم مصاصة الدماء.
بعد أن فعلت ذلك، ساورني القلق من احتمال أن تتحول هانيكاوا هي الأخرى إلى مصاصة دماء، لكن حين سألت أوشينو، الخبير في هذا المجال، قال إنه لا داعي للقلق.
يبدو أن التحول إلى مصاصة دماء وقوة الخلود مختلفان تمامًا من حيث النظام نفسه──بل إن العلاقة بينهما محدودة جدًا. فليست إحداهما وظيفة ثانوية ناتجة عن الأخرى، وإنما هما شيئان منفصلان تمامًا.
«إذا كان بإمكاني علاج إصابات الآخرين، فقد فكرت قليلًا أن كون المرء مصاص دماء ليس سيئًا إلى هذا الحد──مع أنني، في الأصل، لو لم أتحول إلى مصاص دماء، لما تعرضتِ أنتِ لإصابة بهذه الخطورة.»
«حسنًا، صحيح.»
ضحكت هانيكاوا.
ثم ألقت نظرة نحو كيس-شوت التي كانت لا تزال تغط في نوم عميق فوق الطاولات المتراصة، وقالت:
«آه. صحيح، لقد كبرت──السيدة هارت أندر بليد.»
«واو، لقد أصبحت جميلة جدًا. ما زالت هناك بعض الملامح التي تذكر بها، لكن… بهذه الهيئة تكاد تكون شخصًا آخر تمامًا.»
«حتى بالنسبة إلى فتاة، تبدو مختلفة إلى هذا الحد؟»
«ألا تبدو كذلك لأي شخص؟ … أصبحت تسريحة شعرها ذيل حصان، لكنها لا تفكّه حتى أثناء النوم.»
«هممم.»
أطلقت هانيكاوا همهمة وهي تفكر.
يبدو أن هناك شيئًا يشغل بالها.
وبالنظر إلى الأمر، ربما تكون النساء أكثر حساسية من الرجال تجاه مظهر النساء.
واصلت هانيكاوا التفكير لبعض الوقت، لكنها في النهاية قررت ألا تقول ما يدور في ذهنها، وأعادت نظرها من كيس-شوت إليّ، ثم أخرجت من حقيبتها:
«تفضل، يا أراراغي-كن. أحضرت لك كوكاكولا.»
وأخرجت مشروبًا يبدو أنها اشترته من إحدى آلات البيع الموجودة في الجوار، ومدته إليّ.
أخذته منها.
«آه──شكرًا.»
«وبالنسبة إليّ، أحضرت كوكاكولا دايت.»
«همم.»
«بما أنك تكتسب العضلات بشكل طبيعي إلى هذا الحد، فهل يعني هذا أن أراراغي-كن لا يزداد وزنًا مهما أكل من السعرات الحرارية؟ إذا كان الأمر كذلك، فهذا شيء تحسدك عليه أي فتاة.»
«لا أدري. لكنني، إن أردت الحقيقة، أشعر أن شهيتي للطعام ضعيفة نوعًا ما. أشعر أنني بخير حتى من دون أن آكل.»
كيس-شوت أيضًا لا تأكل كثيرًا.
فالأمر أشبه بأنها لا تأكل لأنها جائعة، بل لأنها تجد الطعام لذيذًا بوصفه نوعًا من المتعة.
«أليس غذاء مصاصي الدماء هو الدم؟»
«آه، صحيح.»
«بالمناسبة، ألا تشعر أنت بشيء يشبه الرغبة في مص الدماء؟»
«هم؟ لا──الآن وقد ذكرتِ الأمر، لا.»
مع أنني مصاص دماء.
كان أوشينو قد قال إن كيس-شوت لا تستطيع استخدام قدرتها على مص الدماء حاليًا، لكن──هل ينطبق الأمر نفسه عليّ؟
لم أفكر في الأمر من قبل.
«… هانيكاوا، هل تستطيعين تمييز الفرق في الطعم بين كوكاكولا وكوكاكولا دايت؟»
«بالطبع أستطيع.»
«أما أنا فلا أستطيع تمييزه جيدًا.»
«همم. … حسنًا، خطرت لي فكرة.»
«هم؟»
«تطوير منتج جديد. نجحت إحدى شركات المشروبات في تصنيع كوكاكولا دايت لا يختلف طعمها إطلاقًا عن كوكاكولا العادية.»
«أوه.»
«لكن لونها أزرق هاواي.»
«تلك ليست كوكاكولا!»
انفجرت ضاحكًا.
كانت مضحكة قليلًا.
وبعد أن ضحكنا لبعض الوقت، تنفست الصعداء.
رئيسة لجنة الصف بين رؤساء لجان الصف.
الطالبة المثالية.
متفوقة دراسيًا.
لطالما كانت هذه العبارات هي ما يسبق إلى ذهني، ولذلك، حين أقول هانيكاوا تسوباسا، كنت أظن أنها شديدة الجدية، جامدة كالمسطرة──بل كنت أظنها رئيسة لجنة صف متعالية.
لكن حين تتحدث معها، يتبين أنها ليست كذلك إطلاقًا.
حديثها ممتع، وهي تفكر دائمًا في الطرف الآخر.
حتى بعدما تعرضت له بالأمس.
وحتى الآن، لم تحاول إلقاء اللوم عليّ.
منذ بداية أبريل، ونحن نلتقي كل يوم──وأغلب الظن أنه لو لم تكن هانيكاوا تفعل ذلك من أجلي، لانكسر قلبي منذ زمن.
القلق من أنني قد لا أعود إلى إنسان. والقلق من أنني مضطر إلى مواجهة متخصصين في صيد مصاصي الدماء──وما إن أتراخى قليلًا، حتى تهاجمني هذه المشاعر المضطربة.
إنها مشاعر لا يمكن لكيس-شوت، مصاصة الدماء التي تفخر بأنها الأقوى في الأساس، أن تفهمها، وأوشينو لا يهتم أصلًا بمثل هذه الأمور──لكن هانيكاوا بددت مخاوفي.
ولم يكن الأمر متعلقًا بما حدث الليلة الماضية فقط.
كم أنقذتني هانيكاوا.
كم ساعدتني.
كنت أظن أنني أدرك ذلك، لكن من سوء حظي أنني لم أستوعب ليلة أمس──قبل أن يحدث ما حدث──حجم ما كانت تفعله من أجلي فعلًا.
ولهذا كان عليّ.
كان عليّ أن أتحدث إلى هانيكاوا.
كان هناك أمر ينبغي أن أخبرها به.
«هانيكاوا.»
«همم؟»
«لا ينبغي لكِ أن تأتي إلى هنا بعد الآن.»
«… همم.»
ظلت هانيكاوا مبتسمة، ثم نهضت من كرسيها واقتربت مني.
«حسنًا، كنت أتوقع أنك ستقول ذلك.»
«أرجوك، لا تتأذي من كلامي──الأمر مختلف عن المرة السابقة. في المرة السابقة أيضًا، بالطبع، لم أكن أريد توريطك في الأمر… لكن، بصراحة، كان الجزء الأكبر من المشكلة أنني لم أستطع كبح مشاعري. لقد ندمت لأنني كنت أفرغ غضبي عليك. لكن الأمر مختلف الآن.»
«… ما الذي تغير؟»
«حين اخترق صليب إبيسود جنبك بالأمس… لم أعد أفهم ما الذي يحدث. اندفع الدم إلى رأسي، و… ظننت أنني سأموت.»
«أنا؟»
«أنا.»
مع أنني أملك جسدًا لا يموت──ظننت أنني سأموت.
كان الألم كما لو أن الجرح أصابني أنا.
«تحدثنا عن قوة الإنسان، أليس كذلك؟»
«…………»
«حين تتأذين، أشعر بالألم كما لو كان الأمر يحدث لي أنا. لا──بل أشد بكثير من ألمي أنا. هانيكاوا، أنا…»
قلت ذلك.
فقد قضيت الليلة الماضية أفكر في طرق مختلفة لصياغة الأمر، لكن في النهاية لم يكن أمامي سوى أن أقولها بصورة مباشرة.
«لا أريد العودة إلى إنسان إذا كان الثمن أن أهملك.»
«… تهملني؟»
قالت هانيكاوا، وقد بدا عليها بعض الارتباك.
«أنا لا أشعر أصلًا أنك تفعل بي شيئًا كهذا، يا أراراغي-كن.»
«لكن ألا تفكرين في الأمر وتقولين: ماذا أفعل بنفسي؟ أنت تهدرين عطلة الربيع، وهي فترة مهمة من حياتك، من أجلي أنا… وفي نهاية المطاف كدتِ تموتين. ألا تفكرين: ماذا أفعل بنفسي؟»
«أ… أبدًا؟»
هزت هانيكاوا رأسها بقوة، كما لو أن مجرد قول ذلك لها هو الأمر المستهجن حقًا.
«لا أتذكر جيدًا لأن ذاكرتي انقطعت، لكن موتي الوشيك كان مسؤوليتي أنا، أليس كذلك؟ بل إنك، إن أردت الدقة، أنقذتني، أليس كذلك يا أراراغي-كن؟»
«لا أستطيع التفكير في الأمر بهذه الطريقة.»
كنت أعرف أنها تقول ذلك بصدق.
وكنت أعرف أنها لا تفعل ذلك لمراعاة مشاعري.
لم يكن ذلك نفاقًا.
إنها إنسانة طيبة حقًا.
لكن──إلى هذه الدرجة.
ولهذا تحديدًا كانت خطرة.
«لا أفهم.»
«…………»
«لا أثق بأنني سأتمكن من إنقاذك إذا وجدتِ نفسك في الوضع نفسه. أعني، لو انعكست الأدوار، فلا أثق بأنني سأتمكن من فعل ما فعلتِه. لا أثق بأنني أستطيع أن أعرض جسدي أمام شخص متهور إلى هذه الدرجة، وأنا لا أملك حتى جسدًا خالدًا──لكن أنتِ تفعلين ذلك ببساطة، أليس كذلك؟»
حاولت اختيار كلماتي، لكن──لم أستطع.
لم أجد كلمات مناسبة.
لم يكن هناك سوى كلمة واحدة تصف هانيكاوا هكذا.
«أنتِ مخيفة.»
«… مخيفة؟»
«بصراحة، أنتِ تثيرين نفوري.»
قلت ذلك وأنا أخفض رأسي.
«لا تتأذي من كلامي. لم أقصد ذلك──لكنني لا أفهم إطلاقًا لماذا تفعلين كل هذا من أجلي. لا أفهم كيف يمكنك أن تكوني بهذه الدرجة من التفاني تجاه زميل في الصف لم تتعرفي إليه إلا منذ وقت قصير──أنتِ أشبه بقديسة.»
قديسة.
أو ربما أمًّا مقدسة.
«لكن تضحية نفسك من أجلي أثقل مما أستطيع تحمله. أنا لا أملك السعة الكافية لأتحملها. الأمر ليس متعلقًا بما إذا كانت جراحك ستُشفى أم لا──مجرد التفكير في احتمال أن تتأذي من أجلي يجعل جسدي… عاجزًا عن الحركة. وهذا ما يخيفني، ولهذا لا أستطيع مواجهة غيوتين كاتر بهذه الحال.»
«ليست تضحية بالنفس.»
عندها──قالت هانيكاوا، بنبرة بدا فيها شيء من الغضب:
«ليست تضحية بالنفس.»
«إذن ما هي؟»
«إرضاء ذاتي.»
قالت هانيكاوا بنبرة هادئة.
«أنت تسيء فهمي يا أراراغي-كن──أنا لست إنسانة صالحة إلى تلك الدرجة، ولست إنسانة قوية أيضًا. أنا أفعل ما أريد فحسب… بل أظن أنه لا يوجد شخص يفكر في نفسه بقدر ما أفكر أنا في نفسي.»
«…………»
«لو عرفت حقيقتي، فأنا متأكدة أنك ستصاب بخيبة أمل.»
وقالت هانيكاوا ذلك وهي تضحك.
أشعر بالحرج قليلًا من أن تكون لديك كل تلك الصورة المثالية عني.
«أنا مخادعة، وأظن أنني مراوغة أيضًا. إلى درجة تجعلك، يا أراراغي-كن، تنفر مني فعلًا.»
«… وأين هذا كله؟»
«أين؟ ربما في كل شيء.»
ثم قالت:
«حتى ما أفعله من أجلك يا أراراغي-كن، أفعله لأنني أريد ذلك فحسب. لذلك لا يوجد ما يدعو إلى أن تؤنب نفسك بسببه.»
«هانيكاوا…»
«لكن.»
صفقت هانيكاوا بيديها أمام صدرها: «طَقّ.» ثم أبقتهما متلاصقتين وقالت:
«إذا كنت تجعل الأمور أصعب على أراراغي-كن لمجرد وجودي، فسيكون ذلك انقلابًا كاملًا للأمور عن غايتها، أليس كذلك؟»
«لقد أصبحت كمية مانغا معارك القدرات الخارقة المدرسية كبيرة بما يكفي، لذا أظن أن دوري في شراء الحاجيات انتهى أيضًا. إن واصلت قراءة المزيد، فسيتحول الأمر إلى فائض معلومات فحسب. وفي الواقع، لا يبدو أن هناك شيئًا آخر أستطيع فعله من أجلك.»
«بل هناك شيء تستطيعين فعله.»
حدقت في وجه هانيكاوا، ثم قلت.
حدقت فيها جيدًا، ثم قلت:
«انتظريني.»
«…………»
«في الفصل الدراسي الجديد، في تلك المدرسة. انتظريني هناك.»
أعرف أن هذا طلب شاق.
وأعرف أن انتظار شخص لا تعرفين ما إذا كان سيأتي أم لا، لا بد أن يكون مؤلمًا ومقلقًا للغاية.
لكنني مقبل على قتال أخطر متخصص في صيد مصاصي الدماء بين الثلاثة، الرجل الذي يثير حذر الجميع، وحتى لو اجتزت هذه المرحلة، فلا أعرف إن كنت سأتمكن حقًا من العودة إلى إنسان──لذلك، أرجوك انتظريني.
«إنني أتطلع من أعماق قلبي إلى أن أتمكن من التحدث معك من جديد.»
«… أووه.»
تراجعت هانيكاوا خطوة إلى الخلف لسبب ما.
وكانت عيناها تبدوان سعيدتين بطريقة غريبة.
«بيب بيب بيب، بيب بيب بيب، بيب بيب بيب.»
«هم؟ ما هذا الصوت؟»
«صوت دقات قلبي.»
«ماذا؟! هل تصدر الفتيات مؤثرات صوتية كهذه عندما يخفق قلبهن؟!»
إنه يشبه صوت ساعة منبّه مرة أخرى!
«كدت أقع في حبك، كان الأمر وشيكًا.»
«تقعين في الحُب؟ أم في الحَفْر؟ مثل الينابيع الحارة أو النفط؟»
يا له من حديث ثري.
إنه حديث ملياردير بحق.
«إذن أنت تستخدم هذه الطريقة دائمًا في مغازلة الفتيات.»
«هم؟ لا لا. لا أفهم عمّا تتحدثين أصلًا، وأنا بالكاد تحدثت مع فتاة في حياتي.»
«لا تتظاهر بأنك من أنصار العفّة. مع أنك اشتريت تلك الكتب المثيرة.»
«أوه…!»
لكنني فتى في النهاية.
لا حيلة في ذلك.
«حسنًا.»
قالت هانيكاوا ذلك.
ثم تمددت إلى أقصى حد وهي تتطاول على أطراف أصابعها بطريقة مبالغ فيها، وبعدها اتخذت تعبيرًا بدا وكأنها عزمت أمرها، وأدخلت كلتا يديها من أسفل تنورتها المدرسية ذات الطيات.
ظننت أنها سترفع تنورتها مرة أخرى، لكن مهما يكن، لم تكن هانيكاوا لتفعل شيئًا بلا صلة بالأمر إلى هذه الدرجة.
بل خلعت سروالها الداخلي.
أنزلت سروالها الداخلي الوردي، المزدان بالدانتيل عند الحافة، ثم أخرجته من ساقيها كلتيهما، مع الحرص على ألا يلامس الجزء المطاطي نعل حذائها.
ولا حاجة إلى القول إنني بقيت أحدق فيها عاجزًا عن الكلام.
لم يكن للأمر أي سياق إطلاقًا.
«هم… حسنًا.»
وقد احمر وجه هانيكاوا هذه المرة فعلًا، وبدا عليها الخجل.
ثم مدت إليّ ذلك الثوب الداخلي بعد أن لفّته قليلًا في يدها.
«إذا أردت قولها بأسلوب مشهد ما قبل ذروة مانغا معارك القدرات الخارقة المدرسية، فالأمر هكذا.»
قالت هانيكاوا ذلك بخجل.
«سأعيرك إياه. وعندما نلتقي في الفصل الدراسي الجديد، أعده إليّ.»
«… لا لا. صحيح أن هناك مشهدًا كهذا في أول مانغا أحضرتِها لي، لكن العنصر الذي استُخدم في ذلك المشهد كان قلادة البطلة، على ما أذكر.»
«أنا لا أرتدي قلادة.»
قالت هانيكاوا وهي تمسك تنورتها بتوتر:
«أنت تحب الملابس الداخلية النسائية، أليس كذلك يا أراراغي-كن؟»
«…………!»
لن أنكر!
لن أنكر ذلك، أقول لكِ!
إنكار ذلك سيمس هوية أراراغي كويومي ذاتها، ولهذا لن أنكره، بكل تأكيد!
أراراغي كويومي لا يقول «لا»!
لكن، لكن…
«أ… أممم.»
«آه، لكن إن لم تكن تريدها…»
«لا، لم أقل إنني لا أريدها. الأمر ليس متعلقًا بالرغبة فيها أو عدم الرغبة فيها أصلًا. نعم، نعم. لحظة، ماذا قلتِ؟ عليّ أن أعيدها إليك عندما نلتقي في الفصل الجديد، أليس كذلك؟»
وبينما كنت أشعر بدهشة بسيطة من مدى صغر حجم الملابس الداخلية النسائية بعد خلعها، لم يكن أمامي سوى أن أتلقى قطعة القماش تلك.
انتشر دفؤها الناعم داخل يدي.
«… آسف. لا أستطيع إعادتها.»
«هـ… ماذا؟»
«أعني أنني لن أعيدها إليكِ أبدًا. سأحفظها بوصفها إرثًا عائليًا، وسأورثها لأجيال عائلة أراراغي جيلاً بعد جيل.»
«لا أريدك أن تفعل ذلك!»
«لقد فقدتِ هذا السروال الداخلي من جسدك إلى الأبد.»
«يا لك من متسلط!»
«لن أعيد إليك السروال الداخلي، لكن في المقابل…»
قلت.
ثم استجمعت كل ما أستطيع من هيبة، وألقيت نظرة استعراضية وقلت:
«سأرد لك الجميل حتمًا. عندما تحتاجين إليّ، وحتى لو لم أستطع فعل شيء، سأكون هناك حتمًا──ومنذ اليوم، أصبح ردّ الجميل لكِ هو غاية حياتي.»
«فقط أعد إليّ سروالي الداخلي.»
لم ينفع شيء حتى مع كل ذلك الكلام الرنان.
هممم.
الكلمات عاجزة.
قالت هانيكاوا:
«أنا الآن مضطرة إلى العودة إلى المنزل من دون سروال داخلي، وفوق ذلك بهذه التنورة ذات مستوى الأمان المنخفض جدًا… يا أراراغي-كن، مقارنة بذلك، ألا يبدو الفوز على رجل اسمه غيوتين كاتر أمرًا سهلًا إلى حد ما؟»
«بلى.»
مهما كانت المعركة قاسية──
إذا تذكرت ذلك، فلا بد أن أتمكن من تجاوزها.
بل لا بد أن تكون نزهة سهلة.
«إذن، أتمنى لك التوفيق.»
«أتمنى لك التوفيق.»
سنلتقي في الفصل الدراسي الجديد.
ابتسمنا وضرب كل منا قبضة الآخر.
مع بداية الفصل الدراسي الجديد بعد انتهاء عطلة الربيع──
ومع تطلعي إلى لقاء هانيكاوا.
وربما، إن حالفنا الحظ، إلى أن نكون في الصف نفسه.
لقد.
لقد جددت عزمي على العودة إلى إنسان──لكن.
وبينما لم تكن أصداء فراق هانيكاوا قد هدأت بعد، وبعد نحو ثلاث ساعات من مغادرتها، وفي الوقت الذي كانت فيه كيس-شوت قد استيقظت أخيرًا، عاد أوشينو إلى مبنى مركز الدروس القديم──وكان على وجهه تعبير مثقل بالهموم لم أعهده منه إطلاقًا.
«آسف، أخطأت في الأمر.»
قال أوشينو ذلك بصوت يليق بذلك التعبير.
«لقد اختُطفت رئيسة الصف.»
012
لعل السبب يعود إلى اختلاف حجم ما استعادتْه؛ فقد كان ما أكلته من ساقها اليمنى يبدأ من تحت الركبة، بينما كانت الساق اليسرى كاملة منذ أصل الفخذ. وعلى أي حال، كان التغيّر الذي طرأ على كيس-شوت بعد أن التهمت ساقها اليسرى هائلًا. كنت قد ذُهلت أصلًا من نموها من هيئة طفلة في العاشرة إلى هيئة فتاة في الثانية عشرة──لكن هذه المرة، رغم أنني كنت أعرف منذ البداية أن تغيرًا جسديًا سيحدث، ربما كان وقع المفاجأة أشد. بعد أن استعادت كيس-شوت ساقها اليسرى، نمت دفعة واحدة حتى بلغت عمرًا ظاهريًا يقارب عمري. سبعة عشر عامًا. وربما تجاوزتني طولًا أيضًا. وبالطبع، فإن الفترة الممتدة من الثانية عشرة إلى السابعة عشرة هي حتى عند البشر مرحلة «النمو» التي تواصل «مرحلة البلوغ»──وهي الفترة التي تتغير فيها الملامح الخارجية أكثر من أي وقت آخر، لكن، ولأعطي مثالًا أكثر تحديدًا، فقد أصبح حجم صدرها شيئًا مهولًا بحق. لو عادت إلى رفع صدرها والتباهي به كما كانت تفعل من قبل، فسيصبح الأمر مخيفًا للغاية. كما أصبحت ملامح وجهها أكثر نضجًا بكثير، وبالتناسب مع ذلك تغير تصميم فستانها أيضًا إلى شيء أكثر أناقة ورصانة. وازداد شعرها طولًا، وجُمع في ذيل حصان. نتيجة مذهلة. لا، في نهاية المطاف، كيس-شوت عمرها خمسمئة سنة أصلًا، مهما كانت الهيئة التي تتخذها. «همم.» قالت كيس-شوت ذلك وهي تبدو راضية عن نفسها. وكما حدث حين استعادت ساقها اليمنى، فإن كيس-شوت لا تحاول إخفاء شعورها بالرضا أو فرحتها بهذه الأمور الصغيرة إطلاقًا، ولذلك، أنا الذي تحركت فعليًا بوصفِي «يديها وقدميها»، شعرت بالسعادة وأنا أراها سعيدة. فالأمر يستحق العناء فعلًا. «أشعر أن حال جسدي قد تحسن كثيرًا──أما فيما يتعلق بقوة الخلود، فيمكن القول أنني استعدت معظمها تقريبًا.» «حقًا؟ … ألا يعني هذا أنك تستطيعين تولّي المعركة التالية بنفسك تقريبًا؟» «كلا، وللأسف، لا يبدو أنني أستطيع استخدام مهاراتي كمصاصة دماء بعد. كل ما في الأمر أن قتلي أصبح أصعب مما كان عليه سابقًا. ربما أستطيع مقاتلة دراماتورغي، لكن في حالتي الحالية لا أستطيع حتى هزيمة إبيسود.» لكن كيس-شوت قالت ذلك بنبرة حذرة. «ناهيك عن غيوتين كاتر.» «…………» ستقول الشيء نفسه──هذا ما ظننته. بعد ذلك. أولًا، جعلنا هانيكاوا، بعد أن شُفيت جراحها، تعود إلى منزلها──كان من الأفضل أن تعود بينما كان أوشينو يراقب إبيسود. وفي الحقيقة، كان هناك أيضًا احتمال أن أوشينو لا يريد مواجهة هانيكاوا وجهًا لوجه (فحتى بعد اليوم الأول، لم تتسنَّ لأوشينو وهانيكاوا مواجهة بعضهما في توقيت مناسب على نحو غريب──ولم يكن من المعقول أن تكون هانيكاوا قادرة على تجنب اللقاء به من تلقاء نفسها، لذا إن كان أحدهما يتجنب الآخر، فلا بد أن يكون أوشينو هو من يتجنب هانيكاوا)؛ ويبدو أن هانيكاوا التقطت الأمر بحساسيتها المعتادة، فعادت إلى منزلها وهي مقتنعة. قائلة: «أراك غدًا.» ثم رحلت. وبعد ذلك، أنا وأوشينو وإبيسود الذي استيقظ، تولينا تنظيف ساحة المدرسة التي بعثرناها بعنف. ملأنا يدويًا الحفرة التي أحدثها انغراس الصليب الضخم في أرض الساحة، وأعدنا حفرة الرمل إلى حالتها السابقة، ثم تولينا أمر أشلاء هانيكاوا المتناثرة (والتي، بطبيعة الحال، لم تتبخر مهما طال انتظارنا). وكان الأمر سيصبح دمويًا بعض الشيء، لكننا جمعناها ودفناها في حوض الزهور، ثم نصبنا لافتة كتبنا عليها «قبر بي-تشان». صاحب فكرة ذلك كان الخبير نفسه، أوشينو ميمي. أما وضع صليب مصنوع من أغصان الأشجار على القبر فكان، حتى بالنسبة إلى نكتة سوداء، مبالغة بعض الشيء)، وبذلك، ورغم أنه لا يمكن القول إن كل شيء عاد إلى ما كان عليه، انتهينا من التنظيف بالقدر الذي يسمح لنا بإخفاء آثار ما حدث. أما أوشينو وإبيسود──فقد غادرا بعد ذلك معًا، تاركينني خلفهما. «أنا الخاسر.» قال إبيسود ذلك وهو على وشك الرحيل. «تبًا، هذا يضحك جدًا──يبدو أنني فقدت حدّتي فعلًا. أن ينجح مبتدئ حديث التحول مثلك في انتزاع نقطة مني──» «…………» «لا تحدّق بي هكذا──سأعتذر عن أمر تلك الفتاة الصغيرة. لقد سخنت أعصابي أكثر مما ينبغي. وفوق ذلك──رغم أنني كنت أتصرف وكأن الأمر لا يعني لي شيئًا، فإن قتال تابع قاتلة الكايغي عمل شاق بالنسبة إليّ أيضًا. لم يكن لدي من سعة البال ما يكفي لأتغاضى عن مشاركتك لمجرد أنك شخص عادي──ومع ذلك، انتهى بي الأمر خاسرًا في النهاية، ولذلك لا يبدو الكلام في صالحي كثيرًا. لكن لا تظن أن حركة استعراضية سخيفة كهذه تكفي لمواجهة غيوتين كاتر. أنا مجنون إلى حد بعيد أيضًا──لكن جنونه من مستوى آخر تمامًا.» وفي النهاية، أعاد إبيسود إليّ ساق كيس-شوت اليسرى كما وعد──أو بالأحرى، لم يكن من الممكن القول إن الأمر تم وفقًا للوعد حرفيًا، فقد تدخلت هانيكاوا، ثم هاجم إبيسود هانيكاوا التي تدخلت، وكدت أنا أقتل إبيسود، فتحولت المواجهة إلى فوضى عارمة، لكن── كان قد أعاد ساق كيس-شوت اليسرى. وكما فعل في اليوم السابق، عاد أوشينو في الساعات الأولى من فجر الخامس من أبريل، حاملًا ساق كيس-شوت اليسرى داخل حقيبة سفر. وسرعان ما التهمتها كيس-شوت. التهمتها بنهم شديد، حقًا. ثم تغيرت هيئتها إلى هيئة فتاة في السابعة عشرة. «غيوتين كاتر إذن──» رجل يشبه القس، بتسريحة شعر شائكة كالقنفذ. وكان الوحيد──الذي لم يكن مسلحًا. «──من يكون ذلك الرجل؟ أنتِ وإبيسود تبدوان شديدَي الحذر منه.» «ألم أشرح لك الأمر؟» «شرحك غامض نوعًا ما. هناك أمور كثيرة لا أعرفها إلا بعد وقوعها. أخبريني بشكل أوضح. سأصغي إليك جيدًا هذه المرة.» كانت شمس الخامس من أبريل توشك على الشروق. وطالما بقيت في هذه الغرفة بالطابق الثاني من مبنى مركز الدروس القديم، فلا داعي للقلق بشأن ضوء الشمس، ومع ذلك أردت أن أسمع القصة قبل أن تنام كيس-شوت. أعني أنني أنا أيضًا أشعر بالنعاس. وبالمناسبة، وضع أوشينو الحقيبة ثم خرج مجددًا. لقد ذهب لإجراء آخر مفاوضاته──رغم أنه ذلك الوغد المتباهي، إلا أنه مجتهد في العمل إلى حد لا بأس به. سوف أدفع المال في النهاية. وعليه أن يعمل بما يوازي ذلك. لكن، متى ينام هذا الرجل أصلًا…؟ «حتى لو قلت ذلك. حتى لو شرحت لك الأمر من الصفر إلى الموجب، فلن تكون هناك فائدة عملية كبيرة.» «ليس الأمر بلا فائدة. … وبالمناسبة، تلك العبارة، ليست «من السالب إلى الموجب»، بل «من الواحد إلى العشرة».» من الواحد إلى العشرة. هكذا قلت. «غيوتين كاتر… هو «إنسان»، أليس كذلك؟» «بلى. ليس مصاص دماء مثل دراماتورغي، ولا نصف مصاص دماء مثل إبيسود. إنه إنسان خالص، مجرد إنسان عادي.» «لا أظنه مجرد إنسان عادي…» ولا أظنه خالصًا أيضًا. لا أظن أن كلمة «خالص» تليق برجل مثله. «هم. حسنًا، كما تقول.» قالت كيس-شوت. «إنه إذن… رجل دين.» «هاه. لا تقولي لي إنه وحدة خاصة سرية تابعة للمسيحية.» «قريب من ذلك، وبعيد عنه.» هزت كيس-شوت رأسها ردًا على مزحتي. … لم أشعر بهذا الأمر حين كنت أتعامل مع هيئتيها في العاشرة والثانية عشرة من العمر، لكن عندما أصبحت في هيئة فتاة تقاربني سنًا، بدأت أشعر بالتوتر لسبب ما. كانت كيس-شوت جميلة كدمية. … إنها تشبه عارضة أزياء أجنبية نوعًا ما. أو──تشبه نبيلة من العصور الوسطى رأيتها في فيلم. ربما كان الفستان هو ما أوحى إليّ بذلك فحسب. «لا أدري كيف ينبغي التعبير عن ذلك في لغة هذا البلد… لكن الترجمة الحرفية ستفي بالغرض.» «الترجمة الحرفية؟» «غيوتين كاتر هو رئيس أساقفة في ديانة ناشئة حديثة العهد نسبيًا.» «رئيس──رئيس أساقفة؟» إذن هو شخصية كبيرة. رئيس أساقفة في هذا العمر──وبما أنه إنسان، فلا بد أن عمره في الأساس قريب من عمر مظهره، أليس كذلك؟ «ليس لتلك الديانة اسم──وهي منظمة لا أفهمها جيدًا حتى أنا. لكن هناك أمر واحد واضح تمامًا──تلك الديانة تنكر وجود الكايغي استنادًا إلى عقيدتها.» «آها…» ديانة ناشئة حديثة العهد، إذن. لكن الإحساس بالزمن لدى كيس-شوت، التي عاشت خمسمئة سنة، لا يمكن الاعتماد عليه بصراحة. فمن المحتمل أنها ستسمي حتى ديانة تأسست قبل الحرب «ديانة ناشئة حديثة العهد». ترى في أي جيل من رؤساء الأساقفة هو؟ لا يمكن أن يكون المؤسس، أليس كذلك؟ «لقد فرض غيوتين كاتر على نفسه مهمة القضاء على وجود الكايغي الذي يفترض أن يكون غير موجود أصلًا، داخل تلك الديانة. وبعبارة أخرى، غيوتين كاتر رئيس أساقفة، وفي الوقت نفسه قائد للوحدة الخاصة السرية التي تتحدث عنها.» «فهمت.» «إنه قائد الظل للفصيلة السوداء التابعة للمجموعة الرابعة المظلمة للوحدة الخاصة السرية الخلفية.» «هذه ترجمة حرفية أكثر من اللازم.» ترجمها بسلاسة أكبر. إنها مباشرة إلى درجة مؤلمة. «لكن… مهما يكن، هو «إنسان»، أليس كذلك؟ مهما كانت الحيل التي سيستخدمها، أليس من المفترض ألا يكون ندًا لمصاصة دماء؟» «إنسان ليس مصاص دماء ولا نصف مصاص دماء، ويتولى بنفسه مهمة صيد مصاصي الدماء باعتبارها تخصصه. أليس هذا تحديدًا ما ينبغي أن نحذر منه؟──ففي الواقع، ألم يسلبني ذراعيّ؟» «صحيح.» دراماتورغي أخذ الساق اليمنى. إبيسود أخذ الساق اليسرى. وغيوتين كاتر أخذ الذراع اليمنى واليسرى── إذا نظرنا إلى الأمر ببساطة، فهذا ضعف عدد الأجزاء. «مع أنني كنت غافلة حينها. وفوق ذلك، لم أكن في أفضل حالاتي.» قدمت كيس-شوت عذرًا واهيًا بعض الشيء. لكنني لن أعلّق. «إذا كان دراماتورغي يصطاد مصاصي الدماء من أجل العمل، وإبيسود يصطادهم بدافع شخصي، فإن غيوتين كاتر يصطادهم بدافع الرسالة. ولئن كنت أنا من يقول هذا، فإن الإيمان أمر مزعج للغاية.» العمل. الدافع الشخصي. الرسالة. حسنًا──الرسالة فعلًا قد تكون أكثر إزعاجًا من الدافع الشخصي. «إذن ماذا أفعل؟» «افعل ما يحلو لك. الأمر متروك لك.» «…………» لا أدري إن كانت كيس-شوت مصاصة الدماء الأسطورية أو أيًا كان، لكن هذا أشبه بمباراة مصارعة بين بطل السومو وبقية العالم، أكثر مما ينبغي. ومع ذلك، لم تقل كيس-شوت سوى ذلك، ثم استلقت على السرير البسيط ونامت في الحال. هممم. بما أن مظهرها أصبح مظهر فتاة في مثل سني، بل فتاة جميلة جدًا، فمن الصعب عليّ التعامل مع الأمر حين تعرض عليّ هيئة نومها بهذه الثقة ومن دون حذر. يكاد الأمر يبدو وكأنها تغريني. وأشعر أيضًا أن عدم فعل شيء سيكون تصرفًا غير لائق. مع أنني أشعر في الوقت نفسه أن هذا كله مجرد إفراط مني في الوعي بذاتي. كانت دوامة أوهام لا نهاية لها. «… حسنًا، لا يهم.» إنه وقت مناسب أصلًا──وقت الفجر──لذا سأخلد أنا أيضًا إلى النوم. فقد فهمت جيدًا من قضية إبيسود هذه المرة أن وضع خطة لا معنى له في الغالب──فالخطة السطحية لا تفعل سوى أن تجعلني مرتبكًا حين تنحرف الأمور عن مسارها. ينبغي أن أقاتل وأنا أحتفظ بهامش من الهدوء. مع أن هذا طلب تعجيزي بحد ذاته. من المقرر أن تأتي هانيكاوا أيضًا اليوم بعد غروب الشمس──فلديّ حديث معها. سأحصل على قسط جيد من النوم قبل ذلك، وأستعيد حالتي المثلى. صحيح أن جسد مصاصة الدماء، الذي «يحافظ دائمًا على حالة صحية جيدة»، لا يحتاج إلى النوم أصلًا كي يكون في أفضل حالاته، لكن ما أحتاجه هنا هو، إن صح التعبير، رعاية نفسية. اليوم هو الخامس من أبريل بالفعل. وعطلة الربيع، دون أن أشعر، أوشكت على الانتهاء. هل سأتمكن يا ترى من العودة إلى إنسان قبل بداية الفصل الدراسي الجديد──فما إن يبدأ الفصل الجديد، فلن يكون عذر البحث عن الذات، أو أي هراء من هذا القبيل، مقبولًا بأي حال──وأنا أفكر في ذلك، غلبني النوم. يبدو أن مصاصي الدماء ينامون عادة في التوابيت──أما أنا أيضًا، مثل كيس-شوت وأوشينو، فنمت فوق سرير صنعته من الطاولات. وعندما استيقظت، كان المساء قد حل بالفعل. لم أرَ حلمًا. يبدو أن مصاصي الدماء لا يرون الأحلام. وعندما أفكر في الأمر جيدًا، أجد أنني منذ تحولي إلى مصاص دماء أنام نحو اثنتي عشرة ساعة في اليوم، لكن بما أنني لا أستطيع النشاط بسهولة ما دامت الشمس مشرقة، فلا حيلة في ذلك. من يَنَمْ ينمُ. كانت كيس-شوت لا تزال نائمة──وهي لا تنمو لأنها تنام بالطبع، لكن الاستيقاظ لأجد امرأة شقراء فائقة الجمال نائمة إلى جواري كان، من ناحية ما، أكثر إثارة للدهشة من وجود كيس-شوت في هيئة طفلة. أما هانيكاوا──فلم تكن قد وصلت بعد على ما يبدو. ولم يعد أوشينو بعد أيضًا. وبما أنه يعرف أن هانيكاوا ستأتي، فإذا كان يتجنب مواجهتها معها عمدًا فعلًا، فلن يعود أوشينو لبعض الوقت بعد. ولم يكن الأمر انتقامًا أو ما شابه، لكنني قررت انتظار هانيكاوا بينما أعيد قراءة مانغا معارك القدرات الخارقة المدرسية التي كنت قد أتممت قراءتها مرة، ثم عادت إليّ عبر أوشينو. وبعد أن انتهيت من نحو خمسة مجلدات، وصلت هانيكاوا. قالت إنها ضلّت الطريق. كالعادة──وكما قال أوشينو ذات مرة، كان ذلك من تأثير الحاجز. إنه حاجز مزعج حقًا──لكن من ناحية أخرى، يمكن القول إن ذلك يجعل المكان مخبأً مثاليًا لكيس-شوت أسيرولا-أوريون هارت-أندر-بليد، التي تستعيد قوتها تدريجيًا. جزء من الأجرة──على الأرجح. لا، فيما يتعلق بالحاجز، كان أوشينو هو من أقامه من تلقاء نفسه، أليس كذلك؟ كان يسميه──توازنًا. «صباح الخير، أراراغي-كن.» وضعت هانيكاوا مصباحها اليدوي إلى جانبها وجلست على الكرسي. كانت ترتدي زيها المدرسي. فبعد أن مزق هجوم إبيسود ملابسها المدرسية، من قميصها إلى السترة المدرسية، كنت آمل سرًا أن تكون هذه المرة الأولى التي أرى فيها تسوباسا هانيكاوا بملابسها العادية، لكن يبدو أن ذلك الأمل قد خاب. «خائنة.» «همم؟ ماذا؟ ما الذي تتحدث عنه؟ أنا لم أخنك، يا أراراغي-كن.» «لا، كنت أتحدث عن شيء آخر.» أعني، كان ذلك من عندي أنا أصلًا. لكن لا بد أنها تملك زيًا مدرسيًا احتياطيًا. كما أنني سمعت أن الزي المدرسي للفتيات أكثر عرضة للتلف. «هانيكاوا، كيف حال الجرح في بطنك؟» «الجرح──مع أنه لا يوجد جرح أصلًا.» «حقًا؟ دعيني ألقِ نظرة.» «ما معنى «دعيني» هذه؟» تلقيت توبيخًا. مع أنني كنت جادًا إلى حد ما. لكن حسنًا، لقد تفقدناه مرات عديدة ليلة أمس، وفوق ذلك، ما دامت هانيكاوا نفسها تقول إنها بخير، فربما تكون بخير فعلًا. العلاج بدم مصاصة الدماء. بعد أن فعلت ذلك، ساورني القلق من احتمال أن تتحول هانيكاوا هي الأخرى إلى مصاصة دماء، لكن حين سألت أوشينو، الخبير في هذا المجال، قال إنه لا داعي للقلق. يبدو أن التحول إلى مصاصة دماء وقوة الخلود مختلفان تمامًا من حيث النظام نفسه──بل إن العلاقة بينهما محدودة جدًا. فليست إحداهما وظيفة ثانوية ناتجة عن الأخرى، وإنما هما شيئان منفصلان تمامًا. «إذا كان بإمكاني علاج إصابات الآخرين، فقد فكرت قليلًا أن كون المرء مصاص دماء ليس سيئًا إلى هذا الحد──مع أنني، في الأصل، لو لم أتحول إلى مصاص دماء، لما تعرضتِ أنتِ لإصابة بهذه الخطورة.» «حسنًا، صحيح.» ضحكت هانيكاوا. ثم ألقت نظرة نحو كيس-شوت التي كانت لا تزال تغط في نوم عميق فوق الطاولات المتراصة، وقالت: «آه. صحيح، لقد كبرت──السيدة هارت أندر بليد.» «واو، لقد أصبحت جميلة جدًا. ما زالت هناك بعض الملامح التي تذكر بها، لكن… بهذه الهيئة تكاد تكون شخصًا آخر تمامًا.» «حتى بالنسبة إلى فتاة، تبدو مختلفة إلى هذا الحد؟» «ألا تبدو كذلك لأي شخص؟ … أصبحت تسريحة شعرها ذيل حصان، لكنها لا تفكّه حتى أثناء النوم.» «هممم.» أطلقت هانيكاوا همهمة وهي تفكر. يبدو أن هناك شيئًا يشغل بالها. وبالنظر إلى الأمر، ربما تكون النساء أكثر حساسية من الرجال تجاه مظهر النساء. واصلت هانيكاوا التفكير لبعض الوقت، لكنها في النهاية قررت ألا تقول ما يدور في ذهنها، وأعادت نظرها من كيس-شوت إليّ، ثم أخرجت من حقيبتها: «تفضل، يا أراراغي-كن. أحضرت لك كوكاكولا.» وأخرجت مشروبًا يبدو أنها اشترته من إحدى آلات البيع الموجودة في الجوار، ومدته إليّ. أخذته منها. «آه──شكرًا.» «وبالنسبة إليّ، أحضرت كوكاكولا دايت.» «همم.» «بما أنك تكتسب العضلات بشكل طبيعي إلى هذا الحد، فهل يعني هذا أن أراراغي-كن لا يزداد وزنًا مهما أكل من السعرات الحرارية؟ إذا كان الأمر كذلك، فهذا شيء تحسدك عليه أي فتاة.» «لا أدري. لكنني، إن أردت الحقيقة، أشعر أن شهيتي للطعام ضعيفة نوعًا ما. أشعر أنني بخير حتى من دون أن آكل.» كيس-شوت أيضًا لا تأكل كثيرًا. فالأمر أشبه بأنها لا تأكل لأنها جائعة، بل لأنها تجد الطعام لذيذًا بوصفه نوعًا من المتعة. «أليس غذاء مصاصي الدماء هو الدم؟» «آه، صحيح.» «بالمناسبة، ألا تشعر أنت بشيء يشبه الرغبة في مص الدماء؟» «هم؟ لا──الآن وقد ذكرتِ الأمر، لا.» مع أنني مصاص دماء. كان أوشينو قد قال إن كيس-شوت لا تستطيع استخدام قدرتها على مص الدماء حاليًا، لكن──هل ينطبق الأمر نفسه عليّ؟ لم أفكر في الأمر من قبل. «… هانيكاوا، هل تستطيعين تمييز الفرق في الطعم بين كوكاكولا وكوكاكولا دايت؟» «بالطبع أستطيع.» «أما أنا فلا أستطيع تمييزه جيدًا.» «همم. … حسنًا، خطرت لي فكرة.» «هم؟» «تطوير منتج جديد. نجحت إحدى شركات المشروبات في تصنيع كوكاكولا دايت لا يختلف طعمها إطلاقًا عن كوكاكولا العادية.» «أوه.» «لكن لونها أزرق هاواي.» «تلك ليست كوكاكولا!» انفجرت ضاحكًا. كانت مضحكة قليلًا. وبعد أن ضحكنا لبعض الوقت، تنفست الصعداء. رئيسة لجنة الصف بين رؤساء لجان الصف. الطالبة المثالية. متفوقة دراسيًا. لطالما كانت هذه العبارات هي ما يسبق إلى ذهني، ولذلك، حين أقول هانيكاوا تسوباسا، كنت أظن أنها شديدة الجدية، جامدة كالمسطرة──بل كنت أظنها رئيسة لجنة صف متعالية. لكن حين تتحدث معها، يتبين أنها ليست كذلك إطلاقًا. حديثها ممتع، وهي تفكر دائمًا في الطرف الآخر. حتى بعدما تعرضت له بالأمس. وحتى الآن، لم تحاول إلقاء اللوم عليّ. منذ بداية أبريل، ونحن نلتقي كل يوم──وأغلب الظن أنه لو لم تكن هانيكاوا تفعل ذلك من أجلي، لانكسر قلبي منذ زمن. القلق من أنني قد لا أعود إلى إنسان. والقلق من أنني مضطر إلى مواجهة متخصصين في صيد مصاصي الدماء──وما إن أتراخى قليلًا، حتى تهاجمني هذه المشاعر المضطربة. إنها مشاعر لا يمكن لكيس-شوت، مصاصة الدماء التي تفخر بأنها الأقوى في الأساس، أن تفهمها، وأوشينو لا يهتم أصلًا بمثل هذه الأمور──لكن هانيكاوا بددت مخاوفي. ولم يكن الأمر متعلقًا بما حدث الليلة الماضية فقط. كم أنقذتني هانيكاوا. كم ساعدتني. كنت أظن أنني أدرك ذلك، لكن من سوء حظي أنني لم أستوعب ليلة أمس──قبل أن يحدث ما حدث──حجم ما كانت تفعله من أجلي فعلًا. ولهذا كان عليّ. كان عليّ أن أتحدث إلى هانيكاوا. كان هناك أمر ينبغي أن أخبرها به. «هانيكاوا.» «همم؟» «لا ينبغي لكِ أن تأتي إلى هنا بعد الآن.» «… همم.» ظلت هانيكاوا مبتسمة، ثم نهضت من كرسيها واقتربت مني. «حسنًا، كنت أتوقع أنك ستقول ذلك.» «أرجوك، لا تتأذي من كلامي──الأمر مختلف عن المرة السابقة. في المرة السابقة أيضًا، بالطبع، لم أكن أريد توريطك في الأمر… لكن، بصراحة، كان الجزء الأكبر من المشكلة أنني لم أستطع كبح مشاعري. لقد ندمت لأنني كنت أفرغ غضبي عليك. لكن الأمر مختلف الآن.» «… ما الذي تغير؟» «حين اخترق صليب إبيسود جنبك بالأمس… لم أعد أفهم ما الذي يحدث. اندفع الدم إلى رأسي، و… ظننت أنني سأموت.» «أنا؟» «أنا.» مع أنني أملك جسدًا لا يموت──ظننت أنني سأموت. كان الألم كما لو أن الجرح أصابني أنا. «تحدثنا عن قوة الإنسان، أليس كذلك؟» «…………» «حين تتأذين، أشعر بالألم كما لو كان الأمر يحدث لي أنا. لا──بل أشد بكثير من ألمي أنا. هانيكاوا، أنا…» قلت ذلك. فقد قضيت الليلة الماضية أفكر في طرق مختلفة لصياغة الأمر، لكن في النهاية لم يكن أمامي سوى أن أقولها بصورة مباشرة. «لا أريد العودة إلى إنسان إذا كان الثمن أن أهملك.» «… تهملني؟» قالت هانيكاوا، وقد بدا عليها بعض الارتباك. «أنا لا أشعر أصلًا أنك تفعل بي شيئًا كهذا، يا أراراغي-كن.» «لكن ألا تفكرين في الأمر وتقولين: ماذا أفعل بنفسي؟ أنت تهدرين عطلة الربيع، وهي فترة مهمة من حياتك، من أجلي أنا… وفي نهاية المطاف كدتِ تموتين. ألا تفكرين: ماذا أفعل بنفسي؟» «أ… أبدًا؟» هزت هانيكاوا رأسها بقوة، كما لو أن مجرد قول ذلك لها هو الأمر المستهجن حقًا. «لا أتذكر جيدًا لأن ذاكرتي انقطعت، لكن موتي الوشيك كان مسؤوليتي أنا، أليس كذلك؟ بل إنك، إن أردت الدقة، أنقذتني، أليس كذلك يا أراراغي-كن؟» «لا أستطيع التفكير في الأمر بهذه الطريقة.» كنت أعرف أنها تقول ذلك بصدق. وكنت أعرف أنها لا تفعل ذلك لمراعاة مشاعري. لم يكن ذلك نفاقًا. إنها إنسانة طيبة حقًا. لكن──إلى هذه الدرجة. ولهذا تحديدًا كانت خطرة. «لا أفهم.» «…………» «لا أثق بأنني سأتمكن من إنقاذك إذا وجدتِ نفسك في الوضع نفسه. أعني، لو انعكست الأدوار، فلا أثق بأنني سأتمكن من فعل ما فعلتِه. لا أثق بأنني أستطيع أن أعرض جسدي أمام شخص متهور إلى هذه الدرجة، وأنا لا أملك حتى جسدًا خالدًا──لكن أنتِ تفعلين ذلك ببساطة، أليس كذلك؟» حاولت اختيار كلماتي، لكن──لم أستطع. لم أجد كلمات مناسبة. لم يكن هناك سوى كلمة واحدة تصف هانيكاوا هكذا. «أنتِ مخيفة.» «… مخيفة؟» «بصراحة، أنتِ تثيرين نفوري.» قلت ذلك وأنا أخفض رأسي. «لا تتأذي من كلامي. لم أقصد ذلك──لكنني لا أفهم إطلاقًا لماذا تفعلين كل هذا من أجلي. لا أفهم كيف يمكنك أن تكوني بهذه الدرجة من التفاني تجاه زميل في الصف لم تتعرفي إليه إلا منذ وقت قصير──أنتِ أشبه بقديسة.» قديسة. أو ربما أمًّا مقدسة. «لكن تضحية نفسك من أجلي أثقل مما أستطيع تحمله. أنا لا أملك السعة الكافية لأتحملها. الأمر ليس متعلقًا بما إذا كانت جراحك ستُشفى أم لا──مجرد التفكير في احتمال أن تتأذي من أجلي يجعل جسدي… عاجزًا عن الحركة. وهذا ما يخيفني، ولهذا لا أستطيع مواجهة غيوتين كاتر بهذه الحال.» «ليست تضحية بالنفس.» عندها──قالت هانيكاوا، بنبرة بدا فيها شيء من الغضب: «ليست تضحية بالنفس.» «إذن ما هي؟» «إرضاء ذاتي.» قالت هانيكاوا بنبرة هادئة. «أنت تسيء فهمي يا أراراغي-كن──أنا لست إنسانة صالحة إلى تلك الدرجة، ولست إنسانة قوية أيضًا. أنا أفعل ما أريد فحسب… بل أظن أنه لا يوجد شخص يفكر في نفسه بقدر ما أفكر أنا في نفسي.» «…………» «لو عرفت حقيقتي، فأنا متأكدة أنك ستصاب بخيبة أمل.» وقالت هانيكاوا ذلك وهي تضحك. أشعر بالحرج قليلًا من أن تكون لديك كل تلك الصورة المثالية عني. «أنا مخادعة، وأظن أنني مراوغة أيضًا. إلى درجة تجعلك، يا أراراغي-كن، تنفر مني فعلًا.» «… وأين هذا كله؟» «أين؟ ربما في كل شيء.» ثم قالت: «حتى ما أفعله من أجلك يا أراراغي-كن، أفعله لأنني أريد ذلك فحسب. لذلك لا يوجد ما يدعو إلى أن تؤنب نفسك بسببه.» «هانيكاوا…» «لكن.» صفقت هانيكاوا بيديها أمام صدرها: «طَقّ.» ثم أبقتهما متلاصقتين وقالت: «إذا كنت تجعل الأمور أصعب على أراراغي-كن لمجرد وجودي، فسيكون ذلك انقلابًا كاملًا للأمور عن غايتها، أليس كذلك؟» «لقد أصبحت كمية مانغا معارك القدرات الخارقة المدرسية كبيرة بما يكفي، لذا أظن أن دوري في شراء الحاجيات انتهى أيضًا. إن واصلت قراءة المزيد، فسيتحول الأمر إلى فائض معلومات فحسب. وفي الواقع، لا يبدو أن هناك شيئًا آخر أستطيع فعله من أجلك.» «بل هناك شيء تستطيعين فعله.» حدقت في وجه هانيكاوا، ثم قلت. حدقت فيها جيدًا، ثم قلت: «انتظريني.» «…………» «في الفصل الدراسي الجديد، في تلك المدرسة. انتظريني هناك.» أعرف أن هذا طلب شاق. وأعرف أن انتظار شخص لا تعرفين ما إذا كان سيأتي أم لا، لا بد أن يكون مؤلمًا ومقلقًا للغاية. لكنني مقبل على قتال أخطر متخصص في صيد مصاصي الدماء بين الثلاثة، الرجل الذي يثير حذر الجميع، وحتى لو اجتزت هذه المرحلة، فلا أعرف إن كنت سأتمكن حقًا من العودة إلى إنسان──لذلك، أرجوك انتظريني. «إنني أتطلع من أعماق قلبي إلى أن أتمكن من التحدث معك من جديد.» «… أووه.» تراجعت هانيكاوا خطوة إلى الخلف لسبب ما. وكانت عيناها تبدوان سعيدتين بطريقة غريبة. «بيب بيب بيب، بيب بيب بيب، بيب بيب بيب.» «هم؟ ما هذا الصوت؟» «صوت دقات قلبي.» «ماذا؟! هل تصدر الفتيات مؤثرات صوتية كهذه عندما يخفق قلبهن؟!» إنه يشبه صوت ساعة منبّه مرة أخرى! «كدت أقع في حبك، كان الأمر وشيكًا.» «تقعين في الحُب؟ أم في الحَفْر؟ مثل الينابيع الحارة أو النفط؟» يا له من حديث ثري. إنه حديث ملياردير بحق. «إذن أنت تستخدم هذه الطريقة دائمًا في مغازلة الفتيات.» «هم؟ لا لا. لا أفهم عمّا تتحدثين أصلًا، وأنا بالكاد تحدثت مع فتاة في حياتي.» «لا تتظاهر بأنك من أنصار العفّة. مع أنك اشتريت تلك الكتب المثيرة.» «أوه…!» لكنني فتى في النهاية. لا حيلة في ذلك. «حسنًا.» قالت هانيكاوا ذلك. ثم تمددت إلى أقصى حد وهي تتطاول على أطراف أصابعها بطريقة مبالغ فيها، وبعدها اتخذت تعبيرًا بدا وكأنها عزمت أمرها، وأدخلت كلتا يديها من أسفل تنورتها المدرسية ذات الطيات. ظننت أنها سترفع تنورتها مرة أخرى، لكن مهما يكن، لم تكن هانيكاوا لتفعل شيئًا بلا صلة بالأمر إلى هذه الدرجة. بل خلعت سروالها الداخلي. أنزلت سروالها الداخلي الوردي، المزدان بالدانتيل عند الحافة، ثم أخرجته من ساقيها كلتيهما، مع الحرص على ألا يلامس الجزء المطاطي نعل حذائها. ولا حاجة إلى القول إنني بقيت أحدق فيها عاجزًا عن الكلام. لم يكن للأمر أي سياق إطلاقًا. «هم… حسنًا.» وقد احمر وجه هانيكاوا هذه المرة فعلًا، وبدا عليها الخجل. ثم مدت إليّ ذلك الثوب الداخلي بعد أن لفّته قليلًا في يدها. «إذا أردت قولها بأسلوب مشهد ما قبل ذروة مانغا معارك القدرات الخارقة المدرسية، فالأمر هكذا.» قالت هانيكاوا ذلك بخجل. «سأعيرك إياه. وعندما نلتقي في الفصل الدراسي الجديد، أعده إليّ.» «… لا لا. صحيح أن هناك مشهدًا كهذا في أول مانغا أحضرتِها لي، لكن العنصر الذي استُخدم في ذلك المشهد كان قلادة البطلة، على ما أذكر.» «أنا لا أرتدي قلادة.» قالت هانيكاوا وهي تمسك تنورتها بتوتر: «أنت تحب الملابس الداخلية النسائية، أليس كذلك يا أراراغي-كن؟» «…………!» لن أنكر! لن أنكر ذلك، أقول لكِ! إنكار ذلك سيمس هوية أراراغي كويومي ذاتها، ولهذا لن أنكره، بكل تأكيد! أراراغي كويومي لا يقول «لا»! لكن، لكن… «أ… أممم.» «آه، لكن إن لم تكن تريدها…» «لا، لم أقل إنني لا أريدها. الأمر ليس متعلقًا بالرغبة فيها أو عدم الرغبة فيها أصلًا. نعم، نعم. لحظة، ماذا قلتِ؟ عليّ أن أعيدها إليك عندما نلتقي في الفصل الجديد، أليس كذلك؟» وبينما كنت أشعر بدهشة بسيطة من مدى صغر حجم الملابس الداخلية النسائية بعد خلعها، لم يكن أمامي سوى أن أتلقى قطعة القماش تلك. انتشر دفؤها الناعم داخل يدي. «… آسف. لا أستطيع إعادتها.» «هـ… ماذا؟» «أعني أنني لن أعيدها إليكِ أبدًا. سأحفظها بوصفها إرثًا عائليًا، وسأورثها لأجيال عائلة أراراغي جيلاً بعد جيل.» «لا أريدك أن تفعل ذلك!» «لقد فقدتِ هذا السروال الداخلي من جسدك إلى الأبد.» «يا لك من متسلط!» «لن أعيد إليك السروال الداخلي، لكن في المقابل…» قلت. ثم استجمعت كل ما أستطيع من هيبة، وألقيت نظرة استعراضية وقلت: «سأرد لك الجميل حتمًا. عندما تحتاجين إليّ، وحتى لو لم أستطع فعل شيء، سأكون هناك حتمًا──ومنذ اليوم، أصبح ردّ الجميل لكِ هو غاية حياتي.» «فقط أعد إليّ سروالي الداخلي.» لم ينفع شيء حتى مع كل ذلك الكلام الرنان. هممم. الكلمات عاجزة. قالت هانيكاوا: «أنا الآن مضطرة إلى العودة إلى المنزل من دون سروال داخلي، وفوق ذلك بهذه التنورة ذات مستوى الأمان المنخفض جدًا… يا أراراغي-كن، مقارنة بذلك، ألا يبدو الفوز على رجل اسمه غيوتين كاتر أمرًا سهلًا إلى حد ما؟» «بلى.» مهما كانت المعركة قاسية── إذا تذكرت ذلك، فلا بد أن أتمكن من تجاوزها. بل لا بد أن تكون نزهة سهلة. «إذن، أتمنى لك التوفيق.» «أتمنى لك التوفيق.» سنلتقي في الفصل الدراسي الجديد. ابتسمنا وضرب كل منا قبضة الآخر. مع بداية الفصل الدراسي الجديد بعد انتهاء عطلة الربيع── ومع تطلعي إلى لقاء هانيكاوا. وربما، إن حالفنا الحظ، إلى أن نكون في الصف نفسه. لقد. لقد جددت عزمي على العودة إلى إنسان──لكن. وبينما لم تكن أصداء فراق هانيكاوا قد هدأت بعد، وبعد نحو ثلاث ساعات من مغادرتها، وفي الوقت الذي كانت فيه كيس-شوت قد استيقظت أخيرًا، عاد أوشينو إلى مبنى مركز الدروس القديم──وكان على وجهه تعبير مثقل بالهموم لم أعهده منه إطلاقًا. «آسف، أخطأت في الأمر.» قال أوشينو ذلك بصوت يليق بذلك التعبير. «لقد اختُطفت رئيسة الصف.»
