قصة الجرح — الفصل الثامن عشر والختامي
018
018
نطقت بهذه الكلمات، وأقسمت عليها. وهكذا تبدأ حكاية المكلومين. حكاية الدم، حين يسيل أحمرَ، ويجفّ أسودَ. حكاية جراحنا العزيزة── التي لن تندمل أبدًا. حكاية لن أرويها لأي أحد.
الخاتمة.
أو بالأحرى، حياتي من الآن فصاعدًا.
في اليوم التالي، أيقظتني أختاي الصغيرتان، كارين وتسوكِيهي، من نومي بعنف للمرة الأولى منذ مدة طويلة، وانتهى بي المطاف متوجهًا إلى المدرسة. لم يقل والداي شيئًا يُذكر بشأن ابنهما الأكبر، الذي عاد، بحسب الرواية الرسمية، من رحلة بحث عن الذات استمرت أسبوعين، بينما لم تفعل أختاي سوى الانفجار ضاحكتين. في الواقع، أظن أنني فعلت أشياء يعجز المرء عن التعليق عليها، وأشياء تستحق أن يُضحك عليّ بسببها، لذا لم يكن أمامي، على ما أعتقد، سوى تقبّل الأمر كما هو.
على أي حال، يبدأ الفصل الدراسي الجديد اليوم.
ركبت دراجتي وتوجهت إلى المدرسة. لقد مرّ أسبوعان منذ آخر مرة ركبت فيها الدراجة أيضًا. وخلصت إلى أن المرء لا ينسى كيفية ركوب الدراجة لمجرد أنه مرّ بتجربة جهنمية صغيرة.
وصلت.
كانت قوائم توزيع الطلاب على الفصول معلّقة في صالة الألعاب الرياضية.
«أوه!»
لقد وقعت معجزة. كان اسمي واسم هانيكاوا في الخانة نفسها. حسنًا، ربما لا يستحق الأمر أن نسميه معجزة، لكن قلبي خفق قليلًا من شدة الفرح. لم أشعر بشيء كهذا إطلاقًا حين أُعيد توزيع الفصول عند انتقالنا إلى السنة الثانية. لم أكن أعرف كيف أصف حقيقة هذا الشعور أو ماهيته، لكن المهم أنني نجحت في أن أكون في الفصل نفسه مع هانيكاوا.
وبينما كان الطلاب يتزاحمون للتحقق من فصولهم قبل الآخرين، بحثت عن هانيكاوا بين الحشود وناديتها. فطالبة متفوقة مرسومة كما لو كانت صورة مثالية للتفوق، مثلها، نادرة حتى في ثانوية ناويتسو، لذا عثرت عليها على الفور.
كانت قد غيّرت تسريحة شعرها.
حسنًا، لم تفعل أكثر من تقسيم ضفيرتها الواحدة إلى ضفيرتين، واحدة على كل جانب، ومع ذلك فقد غيّر هذا وحده انطباعها كثيرًا.
«آه، ما هذا، إنه أراراغي-كن… أهلًااا!»
بدت هانيكاوا مرهقة.
كانت كتفاها متدليتين، وانحنت إلى الأمام قليلًا، أو هكذا خُيّل إليّ.
يا لها من بداية كئيبة للفصل الدراسي الجديد!
«مـ، ما الأمر يا آنسة هانيكاوا؟»
ما الذي حدث؟
هل يزعجها أنها أصبحت في الفصل نفسه معي؟
هاجمتني هذه الأوهام الارتيابية، لكن بدا أن الأمر ليس كذلك.
«آآه…»
أمسكت هانيكاوا بكمّ زِيّي المدرسي وسحبتني إلى خارج صالة الألعاب الرياضية. وحين وصلنا إلى مكان يمكننا فيه التحدث على انفراد، قالت بصوت أشبه بالأنين:
«لقد نسيت حمّالة صدري في مستودع الأدوات الرياضية!»
«آه.»
«لا بد أنهم عثروا عليها الآن…»
كنت قد بذلت قصارى جهدي، قدر استطاعتي، لمعالجة آثار ما حدث في الملعب، لكن الباب الحديدي لمستودع الأدوات الرياضية، الذي جعله بصر مصاص الدماء يتكور ويتجعد كقطعة من ورق الألومنيوم، كان أمرًا يستحيل إصلاحه، لذا تركته على حاله وغادرت. لم أذهب إلى الملعب بعد، لكن بما أن الباب اختفى بأكمله، فمن المؤكد أن الأمر أثار ضجة، ومما لا شك فيه أنهم سيفتشون المنطقة المحيطة بالمستودع تفتيشًا دقيقًا.
يبدو أن هذا ما كانت هانيكاوا قلقة بشأنه.
«صحيح أن الظروف لم تكن تسمح لي بالتفكير في أمر كهذا، لكن هذه هانيكاوا تسوباسا قد ارتكبت خطأ العمر… بل إنها وصمة عار ستلازمني طوال حياتي.»
«اطمئني يا هانيكاوا.»
«ولماذا؟»
«لقد استعدتها بنفسي.»
«ماذا قلت؟!»
«أأنا من قد يسمح لكِ بالتعرض لموقف محرج كهذا؟»
«ومن أين لك كل هذا الوقت في خضم ما حدث؟!»
«مهلًا مهلًا، لا تقولي شيئًا محزنًا إلى هذا الحد. طوال عطلة الربيع، لم أُعطِ أي شيء أولوية في تفكيري على ملابسك الداخلية.»
«لا تخبرني بأشياء محزنة كهذه!»
«وعلى هذا، أصبحت لديّ الآن في غرفتي مجموعة كاملة، الجزء العلوي والسفلي متطابقان.»
«أعِدها إليّ!»
وهكذا، وما إلى ذلك.
بما أنه كان لا يزال هناك بعض الوقت قبل قرع جرس الحصة الأولى، قررت أنا وهانيكاوا أن نتحدث قليلًا في المكان نفسه. وبالطبع، كان موضوع حديثنا مصاصي الدماء. وقد تكرمت هانيكاوا بعرض إحدى معلوماتها الموسوعية عنهم.
«حسنًا، هذه إحدى النظريات المتداولة.»
استهلّت كلامها بهذا التمهيد، ثم تابعت:
«يمتص مصاصو الدماء دماء البشر، لكن معنى امتصاص الدم يختلف تمامًا بين امتصاصه بوصفه طعامًا، وامتصاصه لصنع تابع جديد.»
«آه، أظن أنني سمعت هذا من أحدهما، إما منها شخصيًا وإما من أوشينو.»
«امتصاص الدم بغرض التغذية مجرد تناول للطعام، أما صنع تابع جديد فيبدو أنه أقرب إلى ممارسة الجنس.»
«مـ، ممارسة الجنس؟»
«أنا أتحدث بجدية.»
قالت هانيكاوا ذلك، ثم تابعت:
«يقال إن الشهية الجنسية والشهية للطعام متشابهتان إلى حد ما. وإذا فكرت في الأمر بهذه الطريقة، فستفهم لماذا لا يرغب مصاصو الدماء في صنع أتباع جدد كثيرًا، أليس كذلك؟ أما هي تحديدًا… فقد صنعت تابعين اثنين خلال خمسمئة سنة. لا أعرف الكثير عن مفهوم العفة لدى مصاصي الدماء، لكنها تبدو شديدة التمسك بعفتها، أليس كذلك؟»
«التمسك بعفتها؟»
«أتساءل إن كان تابعها الأول حبيبها.»
كانت تُوصف بأنها تتبع مبدأ عدم صنع أتباع جدد──
مصاصة دماء شديدة التمسك بعفتها.
حتى حين كانت على وشك الموت، لم تكن لتلجأ إلى صنع تابع جديد كي تنجو── أليس كذلك؟
إذًا…
في أي ظرف قد تصنع تابعًا؟
هذا هو السؤال.
«…لكنها كانت بشرية، وهو مصاص دماء.»
«ألم تجعل منه تابعًا لهذا السبب؟ يمكن القول إن وجود أنصاف مصاصي الدماء يؤكد إمكانية هذا النوع من الارتباط… لكن حسنًا، ربما تختلف الحالة هنا قليلًا. على أي حال، هذا مجرد تخمين. لكن ربما لهذا السبب حاولت أن تعيد التجربة التي عاشتها آنذاك معك يا أراراغي-كن── أعني، كنوع من التكفير عن ذنبها.»
«التكفير عن الذنب──»
لم تستطع إعادة تابعها الأول إلى إنسان.
لذلك أسقطت صورة الأول على تابعها الثاني، عليّ أنا.
ربما كان الأمر كذلك فعلًا.
«أظن أنها لم تكن تريد أن يقتلها صيادو مصاصي الدماء الثلاثة، لكن أليس من الممكن أنها لم تعثر على المكان الذي أرادت أن تموت فيه حقًا إلا حين التقت بك يا أراراغي-كن؟ حين التقت بتابعها الثاني؟»
«المكان الذي أرادت أن تموت فيه…»
«حين تفكر في الأمر، فإنها، بمجرد أن جعلتك تابعًا لها وفقدت معظم قدراتها بوصفها مصاصة دماء── أو بالأحرى، فقدت قدرتها على امتصاص الدماء── ربما كانت قد عقدت العزم بالفعل على أن تموت جوعًا. فمصاصو الدماء يموتون إن لم يستطيعوا امتصاص الدماء.»
«صحيح… هذا ما حدث.»
«لكنها لم تكن تستطيع أن تموت جوعًا، على ما أظن، ما دامت تريد إعادتك إلى إنسان.»
«…اسمعي، لقد عرضت عليّ الليلة الماضية، في البداية، أن نعيش معًا إلى الأبد، أو شيئًا من هذا القبيل… أتساءل ماذا كانت ستفعل لو أنني قبلت عرضها.»
«ألم يكن كل شيء سيجري كما قالت؟»
«كما قالت؟»
«حتى إن لم يستطع أحدنا العيش بمفرده، فيمكن لشخصين أن يعيشا معًا، أليس كذلك؟»
«……..»
«يقولون شيئًا من قبيل: اثنان أفضل من واحد، والانفراد باثنين أفضل من وجود ثلاثة.»
«لا أدري ما أقول»، قالت هانيكاوا.
«ولا أنا»، أجبتها.
«الندبة.»
«هم؟»
«لقد بقيت الندبة.»
نظرت هانيكاوا إلى عنقي وقالت ذلك.
أثر نابين باقيين على جانبي رقبتي.
«أوه؟ أليس الياقة تخفيهما جيدًا؟»
«ممم، ربما لا يلاحظهما إلا من يعرف بوجودهما.»
عقدت ذراعيها وتفحصت الأثر من زوايا مختلفة.
«ثم إن هناك حصص التربية البدنية أيضًا… ربما عليك أن تطيل شعرك قليلًا يا أراراغي-كن.»
«صحيح… لكن العناية به ستكون مزعجة.»
«إلى أي حد بقيت في جسدك طبيعة مصاص الدماء؟»
«لن أعرف إلا بعد أن أختبر الأمر بنفسي، لكن… يبدو أن قدرتي على الشفاء قد تحسنت إلى حد ما. حتى إنني أشعر أن لثتي لم تعد تنزف بسهولة حين أفرّش أسناني.»
«يا له من أثر طفيف…»
«هذا كل ما في الأمر. إذا أردنا النظر إلى الجانب الإيجابي، فقد عدت إلى كوني إنسانًا، على الأقل، لكنني احتفظت ببعض الآثار الجانبية.»
«فهمت… آثار جانبية، إذًا.»
«على أي حال، سواء أكنت إنسانًا الآن أم لا، فإن مجرد قدرتي على الخروج تحت أشعة الشمس هكذا يجعل العالم يبدو مختلفًا تمامًا.»
«يا لك من متفائل.»
ابتسمت هانيكاوا بخجل.
وبدا لي أن ابتسامتها هي الأخرى── أكثر إشراقًا وإبهارًا بكثير حين أراها تحت الشمس.
«على أي حال، إذا واجهت أي مشكلة، فأخبرني في أي وقت. يمكنني تدليك كتفيك بقدر ما تشاء.»
«حسنًا. سأخبرك كلما رغبت في التدليك. سأبحث في الأمر مسبقًا، وأستعد نفسيًا كما ينبغي، وأتأكد من أنني سأتمكن في المرة المقبلة من تدليكك بطريقة تجعلك تستمتعين به.»
«…أنت تقصد كتفيّ، أليس كذلك؟»
«هم؟ آه، أ… أجل، حسنًا.»
«إجابتك مبهمة…»
ابتسمت هانيكاوا ابتسامة متكلفة.
لكنها، على أي حال، مدت يدها اليمنى نحوي وقالت:
«بما أننا حظينا أخيرًا بفرصة أن نكون في الفصل نفسه يا أراراغي-كن── فلا بد أن أستغلها لأعيدك إلى جادة الصواب.»
«إعادتي إلى جادة الصواب… ما هذا الكلام؟»
«الكلمة اليابانية التي تعني إعادة التأهيل تُكتب بحروف تعني أيضًا البعث من جديد.»
أليس هذا مناسبًا لك، يا أراراغي-كن الذي لا يموت؟
هذا ما قالته هانيكاوا.
«أتطلع إلى قضاء سنة دراسية جيدة معك يا أراراغي-كن.»
«وأنا كذلك. بل أتطلع إلى البقاء على وفاق معك طويلًا، وليس سنة واحدة فحسب.»
لا شك أن ذلك سيكون أقصر من الأبدية.
ومع ذلك، أتطلع إلى أن يستمر طويلًا.
صافحت يد هانيكاوا اليمنى.
كانت مصافحة صداقة حقيقية.
ثم ذهبنا إلى الفصل، حيث تلقينا من معلمنا المسؤول التعليمات المعتادة لبداية العام الدراسي الجديد. لم يختلف الأمر كثيرًا عما يحدث كل سنة. أخبرنا المعلم بأننا سنختار رئيس الفصل غدًا، وطلب منا التفكير في الشخص الذي نراه مناسبًا. وبالطبع، سأصوّت لهانيكاوا── أما ممثل الذكور، فلا يهمني من يكون.
ثم حلّ وقت الانصراف.
توجهت وحدي إلى مبنى معهد الدروس الخصوصية المهجور.
أخبرت هانيكاوا بوجهتي قبل أن أنطلق. فكرت في أن أذهب معها، لكن هذه المسألة تقع على عاتقي أنا، ولا أحد غيري يتحمل مسؤوليتها.
استغرقت الرحلة بالدراجة نحو عشرين دقيقة، حتى وصلت إلى المكان.
لم يعد الأمر مجرد منزل شخص آخر أعرفه جيدًا، بل صار أشبه بمنزلي أنا. عبرت الفتحة الموجودة في السياج وتسللت إلى داخل الأرض المحيطة بالمبنى. ومع ذلك، حين فكرت في الأمر، أدركت أن هذه كانت المرة الأولى التي أتأمل فيها المبنى من الخارج في وضح النهار، أو تكاد تكون كذلك.
تحت ضوء الشمس، بدا── متهالكًا أكثر مما توقعت.
متآكلًا، متهدمًا.
مبنى أشبه بجثة هامدة.
هكذا تبدو الأمور حين تراها عين بشرية.
أطرقت بعينيّ ودخلت ذلك الخراب── ثم صعدت الدرج.
تجاوزت الطابق الثاني.
كنت متجهًا إلى الطابق الرابع.
لم يعد ضوء الشمس نقطة ضعف بالنسبة إلى «هي».
فهي لم تعد مصاصة دماء.
تفقدت الفصل الذي أحدثنا ثقبًا في سقفه، لكن لم يكن هناك أحد. فتحت باب الفصل المجاور── وكان ذلك الباب بدوره معطوبًا قليلًا── فوجدت أوشينو هناك.
«أهلًا! تأخرت يا أراراغي-كن── لقد طال انتظاري.»
استقبلني أوشينو بنبرة مسترخية.
وكان يرتدي قميصه المعتاد.
استلقى على سرير مرتجل صنعه من الطاولات، ولم يكن يبدو، بأي حال من الأحوال، كشخص ظل ينتظرني طوال الوقت. لكن لا فائدة من الاعتراض على مثل هذه التفاصيل.
«هاها! يبدو الزي المدرسي رائعًا عليك يا أراراغي-كن. بالكاد عرفتك!»
«مع أنني، كما ترى، طالب في المدرسة.»
«آه، صحيح. كدت أنسى. أجل، أجل، أراراغي-كن هو بطل معارك القوى الخارقة المدرسية.»
«ذلك من الماضي السحيق، حتى إنني لا أعرف إن كان قد حدث فعلًا أم لا.»
وعلى أي حال، فأنا لست من طينة الأبطال.
ولا حتى دور الشرير أو الوحش يلائمني.
أما الآن، فأنا مجرد طالب ثانوي.
طالب، كما تراني── وكما يبدو واضحًا.
وإن كنت لا أزال بعيدًا قليلًا عن طبيعة البشر.
«حقًا؟ ألم تأتِ رئيسة الصف معك؟»
«لا، جئت وحدي. هل كنت تفضّل أن تأتي معي؟»
«لا، في هذه الحالة لا فرق كبيرًا.»
ثم تابع أوشينو:
«لكن اسمح لي أن أقول لك هذا من باب الحرص عليك، يا أراراغي-كن: عليك أن تكون حذرًا للغاية فيما يتعلق بها. ينبغي ألا ترفع عينيك عنها. تلك الفتاة── خطرة أكثر مما ينبغي. هذه المرة، انقاد الجميع وراءها… وأنت وأنا، بل الجميع دون استثناء، وجدنا أنفسنا ندور في فلكها. وإذا أصبحت هي محور الأحداث مرة أخرى، فلا أستطيع، بصراحة، حتى أنا أن أتوقع ما قد يحدث.»
«أجل… لا حاجة لأن تخبرني. هذا ما أنوي فعله أصلًا.»
أجبته:
«فهي صديقتي.»
«حسنًا، كما تشاء. على أي حال، ليس الأمر رعايةً لاحقة للعمل الذي أنجزته فحسب، لكنني مهتم أيضًا بما ستؤول إليه أمورك يا أراراغي-كن. لذا أنوي البقاء في هذا الخراب لبعض الوقت── بحثت في أماكن كثيرة، لكن يبدو أن هذا المبنى المهجور هو أكثرها ملاءمة للإقامة. إذا حدث شيء، فتعال واستشرني.»
«الاستشارة عندك ستكلّفني كثيرًا.»
«لن تكون التكلفة باهظة. إنه مقابل عادل.»
قال ذلك، ثم أشار بسيجارته غير المشتعلة إلى زاوية الفصل.
«حسنًا، لنبدأ أول جلسة── هيا بنا.»
في زاوية الفصل.
كانت هناك فتاة شقراء.
جالسة وهي تضم ركبتيها إلى صدرها.
فتاة صغيرة تبدو في نحو الثامنة من عمرها.
ليست في السابعة والعشرين.
ولا في السابعة عشرة، ولا الثانية عشرة، ولا العاشرة──
بل فتاة شقراء في الثامنة من عمرها.
كانت هي.
تحدق إليّ بعينين حادتين── نظرة تنضح بالعداء.
«…حقًا.»
تساءلت عمّا ينبغي أن أطلق عليها.
فتاة لا ظل لها ولا ملامح، لا أصل لها ولا فصل، بل حتى بلا اسم.
ما تبقى من مصاصة دماء.
بقايا كائن شيطاني جميل.
وفوق ذلك──
وجود لا يمكنني نسيانه، مهما حدث.
«أنا آسف… حقًا.»
اقتربت من الفتاة.
ثم جلست القرفصاء أمامها، حتى أكون في مستواها، واحتضنتها برفق.
«إذا رغبتِ في قتلي، فيمكنك فعل ذلك في أي وقت.»
لم تقل الفتاة شيئًا.
لم تعد تقول لي أي شيء.
قاومتني قليلًا، وكأنها تتذمر وترفض ما أفعله، لكنها سرعان ما هدأت، ثم غرست أنيابها في عنقي بصمت.
ألم خفيف.
ثم شعور بالنشوة اجتاح جسدي كله.
«ومع ذلك، لا أظن أن هذا هو التصرف الصحيح بالضرورة.»
قال أوشينو من خلفي بنبرته اللامبالية.
«أيمكننا أن نسميه أنانية البشر؟ إن اشمئزازك من أكل مصاصي الدماء للبشر يشبه، إذا أردنا قول الأمر بطريقة أخرى، خيبة أملك حين ترى قطة لطيفة تأكل فأرًا. وهكذا، اخترت أن تربي مصاصة دماء، إن جاز التعبير، بوصفها حيوانًا أليفًا. تبرد أنيابها، وتنتزع مخالبها، وتخنق صوتها، وتخصيها── وهكذا. لقد عوملتَ أنت كحيوان أليف، فرددت المعاملة نفسها على سيدتك. هذه هي القصة، لا أكثر. وحين تنظر إلى الأمر بهذه الطريقة── لا يبدو أنه حكاية بطولية جميلة إلى هذا الحد.»
«……..»
«إنسان مستعد للتضحية بحياته من أجل مصاصة دماء، ومصاصة دماء مستعدة للتضحية بحياتها من أجل إنسان. تبدو علاقتهما كأنها دماء تُغسل بالدماء── ومع ذلك، لا يمكن للدم أن يتنكر لأصله. وبما أن هذا جزء من عملي، فلن أتدخل فيما بينكما، لكن… إن سئمت يومًا من نفسك بسبب هذا كله، فأخبرني، وسأجد حلًا بطريقة أو بأخرى، يا أراراغي-كن.»
«لن أسأم من ذلك.»
أجبته بينما كانت الفتاة تمتص دمي.
«لأنني أفعل هذا بمحض إرادتي.»
«إذًا، افعل ما يحلو لك.»
كان كلام أوشينو جافًا، وكأنه يتنصل من الأمر.
وبينما كانت كلماته تتركني وحيدًا في ظهري، احتضنت جسد الفتاة الصغير الهش برفق── جسدًا يبدو كأنه قد يتحطم حتى بقوة ذراع بشرية إن ضغطت عليه قليلًا.
لقد آذى كل منا الآخر، وها نحن نلعق جراح بعضنا بعضًا.
لقد صرنا كائنين موسومين بالجراح، لا نكف عن طلب بعضنا بعضًا.
«إن كنتِ ستموتين غدًا، فلا بأس إن انتهت حياتي غدًا أيضًا── وإن كنتِ ستعيشين هذا اليوم، فسأعيش أنا أيضًا هذا اليوم.»
في اليوم التالي، أيقظتني أختاي الصغيرتان، كارين وتسوكِيهي، من نومي بعنف للمرة الأولى منذ مدة طويلة، وانتهى بي المطاف متوجهًا إلى المدرسة. لم يقل والداي شيئًا يُذكر بشأن ابنهما الأكبر، الذي عاد، بحسب الرواية الرسمية، من رحلة بحث عن الذات استمرت أسبوعين، بينما لم تفعل أختاي سوى الانفجار ضاحكتين. في الواقع، أظن أنني فعلت أشياء يعجز المرء عن التعليق عليها، وأشياء تستحق أن يُضحك عليّ بسببها، لذا لم يكن أمامي، على ما أعتقد، سوى تقبّل الأمر كما هو. على أي حال، يبدأ الفصل الدراسي الجديد اليوم. ركبت دراجتي وتوجهت إلى المدرسة. لقد مرّ أسبوعان منذ آخر مرة ركبت فيها الدراجة أيضًا. وخلصت إلى أن المرء لا ينسى كيفية ركوب الدراجة لمجرد أنه مرّ بتجربة جهنمية صغيرة. وصلت. كانت قوائم توزيع الطلاب على الفصول معلّقة في صالة الألعاب الرياضية. «أوه!» لقد وقعت معجزة. كان اسمي واسم هانيكاوا في الخانة نفسها. حسنًا، ربما لا يستحق الأمر أن نسميه معجزة، لكن قلبي خفق قليلًا من شدة الفرح. لم أشعر بشيء كهذا إطلاقًا حين أُعيد توزيع الفصول عند انتقالنا إلى السنة الثانية. لم أكن أعرف كيف أصف حقيقة هذا الشعور أو ماهيته، لكن المهم أنني نجحت في أن أكون في الفصل نفسه مع هانيكاوا. وبينما كان الطلاب يتزاحمون للتحقق من فصولهم قبل الآخرين، بحثت عن هانيكاوا بين الحشود وناديتها. فطالبة متفوقة مرسومة كما لو كانت صورة مثالية للتفوق، مثلها، نادرة حتى في ثانوية ناويتسو، لذا عثرت عليها على الفور. كانت قد غيّرت تسريحة شعرها. حسنًا، لم تفعل أكثر من تقسيم ضفيرتها الواحدة إلى ضفيرتين، واحدة على كل جانب، ومع ذلك فقد غيّر هذا وحده انطباعها كثيرًا. «آه، ما هذا، إنه أراراغي-كن… أهلًااا!» بدت هانيكاوا مرهقة. كانت كتفاها متدليتين، وانحنت إلى الأمام قليلًا، أو هكذا خُيّل إليّ. يا لها من بداية كئيبة للفصل الدراسي الجديد! «مـ، ما الأمر يا آنسة هانيكاوا؟» ما الذي حدث؟ هل يزعجها أنها أصبحت في الفصل نفسه معي؟ هاجمتني هذه الأوهام الارتيابية، لكن بدا أن الأمر ليس كذلك. «آآه…» أمسكت هانيكاوا بكمّ زِيّي المدرسي وسحبتني إلى خارج صالة الألعاب الرياضية. وحين وصلنا إلى مكان يمكننا فيه التحدث على انفراد، قالت بصوت أشبه بالأنين: «لقد نسيت حمّالة صدري في مستودع الأدوات الرياضية!» «آه.» «لا بد أنهم عثروا عليها الآن…» كنت قد بذلت قصارى جهدي، قدر استطاعتي، لمعالجة آثار ما حدث في الملعب، لكن الباب الحديدي لمستودع الأدوات الرياضية، الذي جعله بصر مصاص الدماء يتكور ويتجعد كقطعة من ورق الألومنيوم، كان أمرًا يستحيل إصلاحه، لذا تركته على حاله وغادرت. لم أذهب إلى الملعب بعد، لكن بما أن الباب اختفى بأكمله، فمن المؤكد أن الأمر أثار ضجة، ومما لا شك فيه أنهم سيفتشون المنطقة المحيطة بالمستودع تفتيشًا دقيقًا. يبدو أن هذا ما كانت هانيكاوا قلقة بشأنه. «صحيح أن الظروف لم تكن تسمح لي بالتفكير في أمر كهذا، لكن هذه هانيكاوا تسوباسا قد ارتكبت خطأ العمر… بل إنها وصمة عار ستلازمني طوال حياتي.» «اطمئني يا هانيكاوا.» «ولماذا؟» «لقد استعدتها بنفسي.» «ماذا قلت؟!» «أأنا من قد يسمح لكِ بالتعرض لموقف محرج كهذا؟» «ومن أين لك كل هذا الوقت في خضم ما حدث؟!» «مهلًا مهلًا، لا تقولي شيئًا محزنًا إلى هذا الحد. طوال عطلة الربيع، لم أُعطِ أي شيء أولوية في تفكيري على ملابسك الداخلية.» «لا تخبرني بأشياء محزنة كهذه!» «وعلى هذا، أصبحت لديّ الآن في غرفتي مجموعة كاملة، الجزء العلوي والسفلي متطابقان.» «أعِدها إليّ!» وهكذا، وما إلى ذلك. بما أنه كان لا يزال هناك بعض الوقت قبل قرع جرس الحصة الأولى، قررت أنا وهانيكاوا أن نتحدث قليلًا في المكان نفسه. وبالطبع، كان موضوع حديثنا مصاصي الدماء. وقد تكرمت هانيكاوا بعرض إحدى معلوماتها الموسوعية عنهم. «حسنًا، هذه إحدى النظريات المتداولة.» استهلّت كلامها بهذا التمهيد، ثم تابعت: «يمتص مصاصو الدماء دماء البشر، لكن معنى امتصاص الدم يختلف تمامًا بين امتصاصه بوصفه طعامًا، وامتصاصه لصنع تابع جديد.» «آه، أظن أنني سمعت هذا من أحدهما، إما منها شخصيًا وإما من أوشينو.» «امتصاص الدم بغرض التغذية مجرد تناول للطعام، أما صنع تابع جديد فيبدو أنه أقرب إلى ممارسة الجنس.» «مـ، ممارسة الجنس؟» «أنا أتحدث بجدية.» قالت هانيكاوا ذلك، ثم تابعت: «يقال إن الشهية الجنسية والشهية للطعام متشابهتان إلى حد ما. وإذا فكرت في الأمر بهذه الطريقة، فستفهم لماذا لا يرغب مصاصو الدماء في صنع أتباع جدد كثيرًا، أليس كذلك؟ أما هي تحديدًا… فقد صنعت تابعين اثنين خلال خمسمئة سنة. لا أعرف الكثير عن مفهوم العفة لدى مصاصي الدماء، لكنها تبدو شديدة التمسك بعفتها، أليس كذلك؟» «التمسك بعفتها؟» «أتساءل إن كان تابعها الأول حبيبها.» كانت تُوصف بأنها تتبع مبدأ عدم صنع أتباع جدد── مصاصة دماء شديدة التمسك بعفتها. حتى حين كانت على وشك الموت، لم تكن لتلجأ إلى صنع تابع جديد كي تنجو── أليس كذلك؟ إذًا… في أي ظرف قد تصنع تابعًا؟ هذا هو السؤال. «…لكنها كانت بشرية، وهو مصاص دماء.» «ألم تجعل منه تابعًا لهذا السبب؟ يمكن القول إن وجود أنصاف مصاصي الدماء يؤكد إمكانية هذا النوع من الارتباط… لكن حسنًا، ربما تختلف الحالة هنا قليلًا. على أي حال، هذا مجرد تخمين. لكن ربما لهذا السبب حاولت أن تعيد التجربة التي عاشتها آنذاك معك يا أراراغي-كن── أعني، كنوع من التكفير عن ذنبها.» «التكفير عن الذنب──» لم تستطع إعادة تابعها الأول إلى إنسان. لذلك أسقطت صورة الأول على تابعها الثاني، عليّ أنا. ربما كان الأمر كذلك فعلًا. «أظن أنها لم تكن تريد أن يقتلها صيادو مصاصي الدماء الثلاثة، لكن أليس من الممكن أنها لم تعثر على المكان الذي أرادت أن تموت فيه حقًا إلا حين التقت بك يا أراراغي-كن؟ حين التقت بتابعها الثاني؟» «المكان الذي أرادت أن تموت فيه…» «حين تفكر في الأمر، فإنها، بمجرد أن جعلتك تابعًا لها وفقدت معظم قدراتها بوصفها مصاصة دماء── أو بالأحرى، فقدت قدرتها على امتصاص الدماء── ربما كانت قد عقدت العزم بالفعل على أن تموت جوعًا. فمصاصو الدماء يموتون إن لم يستطيعوا امتصاص الدماء.» «صحيح… هذا ما حدث.» «لكنها لم تكن تستطيع أن تموت جوعًا، على ما أظن، ما دامت تريد إعادتك إلى إنسان.» «…اسمعي، لقد عرضت عليّ الليلة الماضية، في البداية، أن نعيش معًا إلى الأبد، أو شيئًا من هذا القبيل… أتساءل ماذا كانت ستفعل لو أنني قبلت عرضها.» «ألم يكن كل شيء سيجري كما قالت؟» «كما قالت؟» «حتى إن لم يستطع أحدنا العيش بمفرده، فيمكن لشخصين أن يعيشا معًا، أليس كذلك؟» «……..» «يقولون شيئًا من قبيل: اثنان أفضل من واحد، والانفراد باثنين أفضل من وجود ثلاثة.» «لا أدري ما أقول»، قالت هانيكاوا. «ولا أنا»، أجبتها. «الندبة.» «هم؟» «لقد بقيت الندبة.» نظرت هانيكاوا إلى عنقي وقالت ذلك. أثر نابين باقيين على جانبي رقبتي. «أوه؟ أليس الياقة تخفيهما جيدًا؟» «ممم، ربما لا يلاحظهما إلا من يعرف بوجودهما.» عقدت ذراعيها وتفحصت الأثر من زوايا مختلفة. «ثم إن هناك حصص التربية البدنية أيضًا… ربما عليك أن تطيل شعرك قليلًا يا أراراغي-كن.» «صحيح… لكن العناية به ستكون مزعجة.» «إلى أي حد بقيت في جسدك طبيعة مصاص الدماء؟» «لن أعرف إلا بعد أن أختبر الأمر بنفسي، لكن… يبدو أن قدرتي على الشفاء قد تحسنت إلى حد ما. حتى إنني أشعر أن لثتي لم تعد تنزف بسهولة حين أفرّش أسناني.» «يا له من أثر طفيف…» «هذا كل ما في الأمر. إذا أردنا النظر إلى الجانب الإيجابي، فقد عدت إلى كوني إنسانًا، على الأقل، لكنني احتفظت ببعض الآثار الجانبية.» «فهمت… آثار جانبية، إذًا.» «على أي حال، سواء أكنت إنسانًا الآن أم لا، فإن مجرد قدرتي على الخروج تحت أشعة الشمس هكذا يجعل العالم يبدو مختلفًا تمامًا.» «يا لك من متفائل.» ابتسمت هانيكاوا بخجل. وبدا لي أن ابتسامتها هي الأخرى── أكثر إشراقًا وإبهارًا بكثير حين أراها تحت الشمس. «على أي حال، إذا واجهت أي مشكلة، فأخبرني في أي وقت. يمكنني تدليك كتفيك بقدر ما تشاء.» «حسنًا. سأخبرك كلما رغبت في التدليك. سأبحث في الأمر مسبقًا، وأستعد نفسيًا كما ينبغي، وأتأكد من أنني سأتمكن في المرة المقبلة من تدليكك بطريقة تجعلك تستمتعين به.» «…أنت تقصد كتفيّ، أليس كذلك؟» «هم؟ آه، أ… أجل، حسنًا.» «إجابتك مبهمة…» ابتسمت هانيكاوا ابتسامة متكلفة. لكنها، على أي حال، مدت يدها اليمنى نحوي وقالت: «بما أننا حظينا أخيرًا بفرصة أن نكون في الفصل نفسه يا أراراغي-كن── فلا بد أن أستغلها لأعيدك إلى جادة الصواب.» «إعادتي إلى جادة الصواب… ما هذا الكلام؟» «الكلمة اليابانية التي تعني إعادة التأهيل تُكتب بحروف تعني أيضًا البعث من جديد.» أليس هذا مناسبًا لك، يا أراراغي-كن الذي لا يموت؟ هذا ما قالته هانيكاوا. «أتطلع إلى قضاء سنة دراسية جيدة معك يا أراراغي-كن.» «وأنا كذلك. بل أتطلع إلى البقاء على وفاق معك طويلًا، وليس سنة واحدة فحسب.» لا شك أن ذلك سيكون أقصر من الأبدية. ومع ذلك، أتطلع إلى أن يستمر طويلًا. صافحت يد هانيكاوا اليمنى. كانت مصافحة صداقة حقيقية. ثم ذهبنا إلى الفصل، حيث تلقينا من معلمنا المسؤول التعليمات المعتادة لبداية العام الدراسي الجديد. لم يختلف الأمر كثيرًا عما يحدث كل سنة. أخبرنا المعلم بأننا سنختار رئيس الفصل غدًا، وطلب منا التفكير في الشخص الذي نراه مناسبًا. وبالطبع، سأصوّت لهانيكاوا── أما ممثل الذكور، فلا يهمني من يكون. ثم حلّ وقت الانصراف. توجهت وحدي إلى مبنى معهد الدروس الخصوصية المهجور. أخبرت هانيكاوا بوجهتي قبل أن أنطلق. فكرت في أن أذهب معها، لكن هذه المسألة تقع على عاتقي أنا، ولا أحد غيري يتحمل مسؤوليتها. استغرقت الرحلة بالدراجة نحو عشرين دقيقة، حتى وصلت إلى المكان. لم يعد الأمر مجرد منزل شخص آخر أعرفه جيدًا، بل صار أشبه بمنزلي أنا. عبرت الفتحة الموجودة في السياج وتسللت إلى داخل الأرض المحيطة بالمبنى. ومع ذلك، حين فكرت في الأمر، أدركت أن هذه كانت المرة الأولى التي أتأمل فيها المبنى من الخارج في وضح النهار، أو تكاد تكون كذلك. تحت ضوء الشمس، بدا── متهالكًا أكثر مما توقعت. متآكلًا، متهدمًا. مبنى أشبه بجثة هامدة. هكذا تبدو الأمور حين تراها عين بشرية. أطرقت بعينيّ ودخلت ذلك الخراب── ثم صعدت الدرج. تجاوزت الطابق الثاني. كنت متجهًا إلى الطابق الرابع. لم يعد ضوء الشمس نقطة ضعف بالنسبة إلى «هي». فهي لم تعد مصاصة دماء. تفقدت الفصل الذي أحدثنا ثقبًا في سقفه، لكن لم يكن هناك أحد. فتحت باب الفصل المجاور── وكان ذلك الباب بدوره معطوبًا قليلًا── فوجدت أوشينو هناك. «أهلًا! تأخرت يا أراراغي-كن── لقد طال انتظاري.» استقبلني أوشينو بنبرة مسترخية. وكان يرتدي قميصه المعتاد. استلقى على سرير مرتجل صنعه من الطاولات، ولم يكن يبدو، بأي حال من الأحوال، كشخص ظل ينتظرني طوال الوقت. لكن لا فائدة من الاعتراض على مثل هذه التفاصيل. «هاها! يبدو الزي المدرسي رائعًا عليك يا أراراغي-كن. بالكاد عرفتك!» «مع أنني، كما ترى، طالب في المدرسة.» «آه، صحيح. كدت أنسى. أجل، أجل، أراراغي-كن هو بطل معارك القوى الخارقة المدرسية.» «ذلك من الماضي السحيق، حتى إنني لا أعرف إن كان قد حدث فعلًا أم لا.» وعلى أي حال، فأنا لست من طينة الأبطال. ولا حتى دور الشرير أو الوحش يلائمني. أما الآن، فأنا مجرد طالب ثانوي. طالب، كما تراني── وكما يبدو واضحًا. وإن كنت لا أزال بعيدًا قليلًا عن طبيعة البشر. «حقًا؟ ألم تأتِ رئيسة الصف معك؟» «لا، جئت وحدي. هل كنت تفضّل أن تأتي معي؟» «لا، في هذه الحالة لا فرق كبيرًا.» ثم تابع أوشينو: «لكن اسمح لي أن أقول لك هذا من باب الحرص عليك، يا أراراغي-كن: عليك أن تكون حذرًا للغاية فيما يتعلق بها. ينبغي ألا ترفع عينيك عنها. تلك الفتاة── خطرة أكثر مما ينبغي. هذه المرة، انقاد الجميع وراءها… وأنت وأنا، بل الجميع دون استثناء، وجدنا أنفسنا ندور في فلكها. وإذا أصبحت هي محور الأحداث مرة أخرى، فلا أستطيع، بصراحة، حتى أنا أن أتوقع ما قد يحدث.» «أجل… لا حاجة لأن تخبرني. هذا ما أنوي فعله أصلًا.» أجبته: «فهي صديقتي.» «حسنًا، كما تشاء. على أي حال، ليس الأمر رعايةً لاحقة للعمل الذي أنجزته فحسب، لكنني مهتم أيضًا بما ستؤول إليه أمورك يا أراراغي-كن. لذا أنوي البقاء في هذا الخراب لبعض الوقت── بحثت في أماكن كثيرة، لكن يبدو أن هذا المبنى المهجور هو أكثرها ملاءمة للإقامة. إذا حدث شيء، فتعال واستشرني.» «الاستشارة عندك ستكلّفني كثيرًا.» «لن تكون التكلفة باهظة. إنه مقابل عادل.» قال ذلك، ثم أشار بسيجارته غير المشتعلة إلى زاوية الفصل. «حسنًا، لنبدأ أول جلسة── هيا بنا.» في زاوية الفصل. كانت هناك فتاة شقراء. جالسة وهي تضم ركبتيها إلى صدرها. فتاة صغيرة تبدو في نحو الثامنة من عمرها. ليست في السابعة والعشرين. ولا في السابعة عشرة، ولا الثانية عشرة، ولا العاشرة── بل فتاة شقراء في الثامنة من عمرها. كانت هي. تحدق إليّ بعينين حادتين── نظرة تنضح بالعداء. «…حقًا.» تساءلت عمّا ينبغي أن أطلق عليها. فتاة لا ظل لها ولا ملامح، لا أصل لها ولا فصل، بل حتى بلا اسم. ما تبقى من مصاصة دماء. بقايا كائن شيطاني جميل. وفوق ذلك── وجود لا يمكنني نسيانه، مهما حدث. «أنا آسف… حقًا.» اقتربت من الفتاة. ثم جلست القرفصاء أمامها، حتى أكون في مستواها، واحتضنتها برفق. «إذا رغبتِ في قتلي، فيمكنك فعل ذلك في أي وقت.» لم تقل الفتاة شيئًا. لم تعد تقول لي أي شيء. قاومتني قليلًا، وكأنها تتذمر وترفض ما أفعله، لكنها سرعان ما هدأت، ثم غرست أنيابها في عنقي بصمت. ألم خفيف. ثم شعور بالنشوة اجتاح جسدي كله. «ومع ذلك، لا أظن أن هذا هو التصرف الصحيح بالضرورة.» قال أوشينو من خلفي بنبرته اللامبالية. «أيمكننا أن نسميه أنانية البشر؟ إن اشمئزازك من أكل مصاصي الدماء للبشر يشبه، إذا أردنا قول الأمر بطريقة أخرى، خيبة أملك حين ترى قطة لطيفة تأكل فأرًا. وهكذا، اخترت أن تربي مصاصة دماء، إن جاز التعبير، بوصفها حيوانًا أليفًا. تبرد أنيابها، وتنتزع مخالبها، وتخنق صوتها، وتخصيها── وهكذا. لقد عوملتَ أنت كحيوان أليف، فرددت المعاملة نفسها على سيدتك. هذه هي القصة، لا أكثر. وحين تنظر إلى الأمر بهذه الطريقة── لا يبدو أنه حكاية بطولية جميلة إلى هذا الحد.» «……..» «إنسان مستعد للتضحية بحياته من أجل مصاصة دماء، ومصاصة دماء مستعدة للتضحية بحياتها من أجل إنسان. تبدو علاقتهما كأنها دماء تُغسل بالدماء── ومع ذلك، لا يمكن للدم أن يتنكر لأصله. وبما أن هذا جزء من عملي، فلن أتدخل فيما بينكما، لكن… إن سئمت يومًا من نفسك بسبب هذا كله، فأخبرني، وسأجد حلًا بطريقة أو بأخرى، يا أراراغي-كن.» «لن أسأم من ذلك.» أجبته بينما كانت الفتاة تمتص دمي. «لأنني أفعل هذا بمحض إرادتي.» «إذًا، افعل ما يحلو لك.» كان كلام أوشينو جافًا، وكأنه يتنصل من الأمر. وبينما كانت كلماته تتركني وحيدًا في ظهري، احتضنت جسد الفتاة الصغير الهش برفق── جسدًا يبدو كأنه قد يتحطم حتى بقوة ذراع بشرية إن ضغطت عليه قليلًا. لقد آذى كل منا الآخر، وها نحن نلعق جراح بعضنا بعضًا. لقد صرنا كائنين موسومين بالجراح، لا نكف عن طلب بعضنا بعضًا. «إن كنتِ ستموتين غدًا، فلا بأس إن انتهت حياتي غدًا أيضًا── وإن كنتِ ستعيشين هذا اليوم، فسأعيش أنا أيضًا هذا اليوم.»
نطقت بهذه الكلمات، وأقسمت عليها.
وهكذا تبدأ حكاية المكلومين.
حكاية الدم، حين يسيل أحمرَ، ويجفّ أسودَ.
حكاية جراحنا العزيزة── التي لن تندمل أبدًا.
حكاية لن أرويها لأي أحد.
018
في اليوم التالي، أيقظتني أختاي الصغيرتان، كارين وتسوكِيهي، من نومي بعنف للمرة الأولى منذ مدة طويلة، وانتهى بي المطاف متوجهًا إلى المدرسة. لم يقل والداي شيئًا يُذكر بشأن ابنهما الأكبر، الذي عاد، بحسب الرواية الرسمية، من رحلة بحث عن الذات استمرت أسبوعين، بينما لم تفعل أختاي سوى الانفجار ضاحكتين. في الواقع، أظن أنني فعلت أشياء يعجز المرء عن التعليق عليها، وأشياء تستحق أن يُضحك عليّ بسببها، لذا لم يكن أمامي، على ما أعتقد، سوى تقبّل الأمر كما هو. على أي حال، يبدأ الفصل الدراسي الجديد اليوم. ركبت دراجتي وتوجهت إلى المدرسة. لقد مرّ أسبوعان منذ آخر مرة ركبت فيها الدراجة أيضًا. وخلصت إلى أن المرء لا ينسى كيفية ركوب الدراجة لمجرد أنه مرّ بتجربة جهنمية صغيرة. وصلت. كانت قوائم توزيع الطلاب على الفصول معلّقة في صالة الألعاب الرياضية. «أوه!» لقد وقعت معجزة. كان اسمي واسم هانيكاوا في الخانة نفسها. حسنًا، ربما لا يستحق الأمر أن نسميه معجزة، لكن قلبي خفق قليلًا من شدة الفرح. لم أشعر بشيء كهذا إطلاقًا حين أُعيد توزيع الفصول عند انتقالنا إلى السنة الثانية. لم أكن أعرف كيف أصف حقيقة هذا الشعور أو ماهيته، لكن المهم أنني نجحت في أن أكون في الفصل نفسه مع هانيكاوا. وبينما كان الطلاب يتزاحمون للتحقق من فصولهم قبل الآخرين، بحثت عن هانيكاوا بين الحشود وناديتها. فطالبة متفوقة مرسومة كما لو كانت صورة مثالية للتفوق، مثلها، نادرة حتى في ثانوية ناويتسو، لذا عثرت عليها على الفور. كانت قد غيّرت تسريحة شعرها. حسنًا، لم تفعل أكثر من تقسيم ضفيرتها الواحدة إلى ضفيرتين، واحدة على كل جانب، ومع ذلك فقد غيّر هذا وحده انطباعها كثيرًا. «آه، ما هذا، إنه أراراغي-كن… أهلًااا!» بدت هانيكاوا مرهقة. كانت كتفاها متدليتين، وانحنت إلى الأمام قليلًا، أو هكذا خُيّل إليّ. يا لها من بداية كئيبة للفصل الدراسي الجديد! «مـ، ما الأمر يا آنسة هانيكاوا؟» ما الذي حدث؟ هل يزعجها أنها أصبحت في الفصل نفسه معي؟ هاجمتني هذه الأوهام الارتيابية، لكن بدا أن الأمر ليس كذلك. «آآه…» أمسكت هانيكاوا بكمّ زِيّي المدرسي وسحبتني إلى خارج صالة الألعاب الرياضية. وحين وصلنا إلى مكان يمكننا فيه التحدث على انفراد، قالت بصوت أشبه بالأنين: «لقد نسيت حمّالة صدري في مستودع الأدوات الرياضية!» «آه.» «لا بد أنهم عثروا عليها الآن…» كنت قد بذلت قصارى جهدي، قدر استطاعتي، لمعالجة آثار ما حدث في الملعب، لكن الباب الحديدي لمستودع الأدوات الرياضية، الذي جعله بصر مصاص الدماء يتكور ويتجعد كقطعة من ورق الألومنيوم، كان أمرًا يستحيل إصلاحه، لذا تركته على حاله وغادرت. لم أذهب إلى الملعب بعد، لكن بما أن الباب اختفى بأكمله، فمن المؤكد أن الأمر أثار ضجة، ومما لا شك فيه أنهم سيفتشون المنطقة المحيطة بالمستودع تفتيشًا دقيقًا. يبدو أن هذا ما كانت هانيكاوا قلقة بشأنه. «صحيح أن الظروف لم تكن تسمح لي بالتفكير في أمر كهذا، لكن هذه هانيكاوا تسوباسا قد ارتكبت خطأ العمر… بل إنها وصمة عار ستلازمني طوال حياتي.» «اطمئني يا هانيكاوا.» «ولماذا؟» «لقد استعدتها بنفسي.» «ماذا قلت؟!» «أأنا من قد يسمح لكِ بالتعرض لموقف محرج كهذا؟» «ومن أين لك كل هذا الوقت في خضم ما حدث؟!» «مهلًا مهلًا، لا تقولي شيئًا محزنًا إلى هذا الحد. طوال عطلة الربيع، لم أُعطِ أي شيء أولوية في تفكيري على ملابسك الداخلية.» «لا تخبرني بأشياء محزنة كهذه!» «وعلى هذا، أصبحت لديّ الآن في غرفتي مجموعة كاملة، الجزء العلوي والسفلي متطابقان.» «أعِدها إليّ!» وهكذا، وما إلى ذلك. بما أنه كان لا يزال هناك بعض الوقت قبل قرع جرس الحصة الأولى، قررت أنا وهانيكاوا أن نتحدث قليلًا في المكان نفسه. وبالطبع، كان موضوع حديثنا مصاصي الدماء. وقد تكرمت هانيكاوا بعرض إحدى معلوماتها الموسوعية عنهم. «حسنًا، هذه إحدى النظريات المتداولة.» استهلّت كلامها بهذا التمهيد، ثم تابعت: «يمتص مصاصو الدماء دماء البشر، لكن معنى امتصاص الدم يختلف تمامًا بين امتصاصه بوصفه طعامًا، وامتصاصه لصنع تابع جديد.» «آه، أظن أنني سمعت هذا من أحدهما، إما منها شخصيًا وإما من أوشينو.» «امتصاص الدم بغرض التغذية مجرد تناول للطعام، أما صنع تابع جديد فيبدو أنه أقرب إلى ممارسة الجنس.» «مـ، ممارسة الجنس؟» «أنا أتحدث بجدية.» قالت هانيكاوا ذلك، ثم تابعت: «يقال إن الشهية الجنسية والشهية للطعام متشابهتان إلى حد ما. وإذا فكرت في الأمر بهذه الطريقة، فستفهم لماذا لا يرغب مصاصو الدماء في صنع أتباع جدد كثيرًا، أليس كذلك؟ أما هي تحديدًا… فقد صنعت تابعين اثنين خلال خمسمئة سنة. لا أعرف الكثير عن مفهوم العفة لدى مصاصي الدماء، لكنها تبدو شديدة التمسك بعفتها، أليس كذلك؟» «التمسك بعفتها؟» «أتساءل إن كان تابعها الأول حبيبها.» كانت تُوصف بأنها تتبع مبدأ عدم صنع أتباع جدد── مصاصة دماء شديدة التمسك بعفتها. حتى حين كانت على وشك الموت، لم تكن لتلجأ إلى صنع تابع جديد كي تنجو── أليس كذلك؟ إذًا… في أي ظرف قد تصنع تابعًا؟ هذا هو السؤال. «…لكنها كانت بشرية، وهو مصاص دماء.» «ألم تجعل منه تابعًا لهذا السبب؟ يمكن القول إن وجود أنصاف مصاصي الدماء يؤكد إمكانية هذا النوع من الارتباط… لكن حسنًا، ربما تختلف الحالة هنا قليلًا. على أي حال، هذا مجرد تخمين. لكن ربما لهذا السبب حاولت أن تعيد التجربة التي عاشتها آنذاك معك يا أراراغي-كن── أعني، كنوع من التكفير عن ذنبها.» «التكفير عن الذنب──» لم تستطع إعادة تابعها الأول إلى إنسان. لذلك أسقطت صورة الأول على تابعها الثاني، عليّ أنا. ربما كان الأمر كذلك فعلًا. «أظن أنها لم تكن تريد أن يقتلها صيادو مصاصي الدماء الثلاثة، لكن أليس من الممكن أنها لم تعثر على المكان الذي أرادت أن تموت فيه حقًا إلا حين التقت بك يا أراراغي-كن؟ حين التقت بتابعها الثاني؟» «المكان الذي أرادت أن تموت فيه…» «حين تفكر في الأمر، فإنها، بمجرد أن جعلتك تابعًا لها وفقدت معظم قدراتها بوصفها مصاصة دماء── أو بالأحرى، فقدت قدرتها على امتصاص الدماء── ربما كانت قد عقدت العزم بالفعل على أن تموت جوعًا. فمصاصو الدماء يموتون إن لم يستطيعوا امتصاص الدماء.» «صحيح… هذا ما حدث.» «لكنها لم تكن تستطيع أن تموت جوعًا، على ما أظن، ما دامت تريد إعادتك إلى إنسان.» «…اسمعي، لقد عرضت عليّ الليلة الماضية، في البداية، أن نعيش معًا إلى الأبد، أو شيئًا من هذا القبيل… أتساءل ماذا كانت ستفعل لو أنني قبلت عرضها.» «ألم يكن كل شيء سيجري كما قالت؟» «كما قالت؟» «حتى إن لم يستطع أحدنا العيش بمفرده، فيمكن لشخصين أن يعيشا معًا، أليس كذلك؟» «……..» «يقولون شيئًا من قبيل: اثنان أفضل من واحد، والانفراد باثنين أفضل من وجود ثلاثة.» «لا أدري ما أقول»، قالت هانيكاوا. «ولا أنا»، أجبتها. «الندبة.» «هم؟» «لقد بقيت الندبة.» نظرت هانيكاوا إلى عنقي وقالت ذلك. أثر نابين باقيين على جانبي رقبتي. «أوه؟ أليس الياقة تخفيهما جيدًا؟» «ممم، ربما لا يلاحظهما إلا من يعرف بوجودهما.» عقدت ذراعيها وتفحصت الأثر من زوايا مختلفة. «ثم إن هناك حصص التربية البدنية أيضًا… ربما عليك أن تطيل شعرك قليلًا يا أراراغي-كن.» «صحيح… لكن العناية به ستكون مزعجة.» «إلى أي حد بقيت في جسدك طبيعة مصاص الدماء؟» «لن أعرف إلا بعد أن أختبر الأمر بنفسي، لكن… يبدو أن قدرتي على الشفاء قد تحسنت إلى حد ما. حتى إنني أشعر أن لثتي لم تعد تنزف بسهولة حين أفرّش أسناني.» «يا له من أثر طفيف…» «هذا كل ما في الأمر. إذا أردنا النظر إلى الجانب الإيجابي، فقد عدت إلى كوني إنسانًا، على الأقل، لكنني احتفظت ببعض الآثار الجانبية.» «فهمت… آثار جانبية، إذًا.» «على أي حال، سواء أكنت إنسانًا الآن أم لا، فإن مجرد قدرتي على الخروج تحت أشعة الشمس هكذا يجعل العالم يبدو مختلفًا تمامًا.» «يا لك من متفائل.» ابتسمت هانيكاوا بخجل. وبدا لي أن ابتسامتها هي الأخرى── أكثر إشراقًا وإبهارًا بكثير حين أراها تحت الشمس. «على أي حال، إذا واجهت أي مشكلة، فأخبرني في أي وقت. يمكنني تدليك كتفيك بقدر ما تشاء.» «حسنًا. سأخبرك كلما رغبت في التدليك. سأبحث في الأمر مسبقًا، وأستعد نفسيًا كما ينبغي، وأتأكد من أنني سأتمكن في المرة المقبلة من تدليكك بطريقة تجعلك تستمتعين به.» «…أنت تقصد كتفيّ، أليس كذلك؟» «هم؟ آه، أ… أجل، حسنًا.» «إجابتك مبهمة…» ابتسمت هانيكاوا ابتسامة متكلفة. لكنها، على أي حال، مدت يدها اليمنى نحوي وقالت: «بما أننا حظينا أخيرًا بفرصة أن نكون في الفصل نفسه يا أراراغي-كن── فلا بد أن أستغلها لأعيدك إلى جادة الصواب.» «إعادتي إلى جادة الصواب… ما هذا الكلام؟» «الكلمة اليابانية التي تعني إعادة التأهيل تُكتب بحروف تعني أيضًا البعث من جديد.» أليس هذا مناسبًا لك، يا أراراغي-كن الذي لا يموت؟ هذا ما قالته هانيكاوا. «أتطلع إلى قضاء سنة دراسية جيدة معك يا أراراغي-كن.» «وأنا كذلك. بل أتطلع إلى البقاء على وفاق معك طويلًا، وليس سنة واحدة فحسب.» لا شك أن ذلك سيكون أقصر من الأبدية. ومع ذلك، أتطلع إلى أن يستمر طويلًا. صافحت يد هانيكاوا اليمنى. كانت مصافحة صداقة حقيقية. ثم ذهبنا إلى الفصل، حيث تلقينا من معلمنا المسؤول التعليمات المعتادة لبداية العام الدراسي الجديد. لم يختلف الأمر كثيرًا عما يحدث كل سنة. أخبرنا المعلم بأننا سنختار رئيس الفصل غدًا، وطلب منا التفكير في الشخص الذي نراه مناسبًا. وبالطبع، سأصوّت لهانيكاوا── أما ممثل الذكور، فلا يهمني من يكون. ثم حلّ وقت الانصراف. توجهت وحدي إلى مبنى معهد الدروس الخصوصية المهجور. أخبرت هانيكاوا بوجهتي قبل أن أنطلق. فكرت في أن أذهب معها، لكن هذه المسألة تقع على عاتقي أنا، ولا أحد غيري يتحمل مسؤوليتها. استغرقت الرحلة بالدراجة نحو عشرين دقيقة، حتى وصلت إلى المكان. لم يعد الأمر مجرد منزل شخص آخر أعرفه جيدًا، بل صار أشبه بمنزلي أنا. عبرت الفتحة الموجودة في السياج وتسللت إلى داخل الأرض المحيطة بالمبنى. ومع ذلك، حين فكرت في الأمر، أدركت أن هذه كانت المرة الأولى التي أتأمل فيها المبنى من الخارج في وضح النهار، أو تكاد تكون كذلك. تحت ضوء الشمس، بدا── متهالكًا أكثر مما توقعت. متآكلًا، متهدمًا. مبنى أشبه بجثة هامدة. هكذا تبدو الأمور حين تراها عين بشرية. أطرقت بعينيّ ودخلت ذلك الخراب── ثم صعدت الدرج. تجاوزت الطابق الثاني. كنت متجهًا إلى الطابق الرابع. لم يعد ضوء الشمس نقطة ضعف بالنسبة إلى «هي». فهي لم تعد مصاصة دماء. تفقدت الفصل الذي أحدثنا ثقبًا في سقفه، لكن لم يكن هناك أحد. فتحت باب الفصل المجاور── وكان ذلك الباب بدوره معطوبًا قليلًا── فوجدت أوشينو هناك. «أهلًا! تأخرت يا أراراغي-كن── لقد طال انتظاري.» استقبلني أوشينو بنبرة مسترخية. وكان يرتدي قميصه المعتاد. استلقى على سرير مرتجل صنعه من الطاولات، ولم يكن يبدو، بأي حال من الأحوال، كشخص ظل ينتظرني طوال الوقت. لكن لا فائدة من الاعتراض على مثل هذه التفاصيل. «هاها! يبدو الزي المدرسي رائعًا عليك يا أراراغي-كن. بالكاد عرفتك!» «مع أنني، كما ترى، طالب في المدرسة.» «آه، صحيح. كدت أنسى. أجل، أجل، أراراغي-كن هو بطل معارك القوى الخارقة المدرسية.» «ذلك من الماضي السحيق، حتى إنني لا أعرف إن كان قد حدث فعلًا أم لا.» وعلى أي حال، فأنا لست من طينة الأبطال. ولا حتى دور الشرير أو الوحش يلائمني. أما الآن، فأنا مجرد طالب ثانوي. طالب، كما تراني── وكما يبدو واضحًا. وإن كنت لا أزال بعيدًا قليلًا عن طبيعة البشر. «حقًا؟ ألم تأتِ رئيسة الصف معك؟» «لا، جئت وحدي. هل كنت تفضّل أن تأتي معي؟» «لا، في هذه الحالة لا فرق كبيرًا.» ثم تابع أوشينو: «لكن اسمح لي أن أقول لك هذا من باب الحرص عليك، يا أراراغي-كن: عليك أن تكون حذرًا للغاية فيما يتعلق بها. ينبغي ألا ترفع عينيك عنها. تلك الفتاة── خطرة أكثر مما ينبغي. هذه المرة، انقاد الجميع وراءها… وأنت وأنا، بل الجميع دون استثناء، وجدنا أنفسنا ندور في فلكها. وإذا أصبحت هي محور الأحداث مرة أخرى، فلا أستطيع، بصراحة، حتى أنا أن أتوقع ما قد يحدث.» «أجل… لا حاجة لأن تخبرني. هذا ما أنوي فعله أصلًا.» أجبته: «فهي صديقتي.» «حسنًا، كما تشاء. على أي حال، ليس الأمر رعايةً لاحقة للعمل الذي أنجزته فحسب، لكنني مهتم أيضًا بما ستؤول إليه أمورك يا أراراغي-كن. لذا أنوي البقاء في هذا الخراب لبعض الوقت── بحثت في أماكن كثيرة، لكن يبدو أن هذا المبنى المهجور هو أكثرها ملاءمة للإقامة. إذا حدث شيء، فتعال واستشرني.» «الاستشارة عندك ستكلّفني كثيرًا.» «لن تكون التكلفة باهظة. إنه مقابل عادل.» قال ذلك، ثم أشار بسيجارته غير المشتعلة إلى زاوية الفصل. «حسنًا، لنبدأ أول جلسة── هيا بنا.» في زاوية الفصل. كانت هناك فتاة شقراء. جالسة وهي تضم ركبتيها إلى صدرها. فتاة صغيرة تبدو في نحو الثامنة من عمرها. ليست في السابعة والعشرين. ولا في السابعة عشرة، ولا الثانية عشرة، ولا العاشرة── بل فتاة شقراء في الثامنة من عمرها. كانت هي. تحدق إليّ بعينين حادتين── نظرة تنضح بالعداء. «…حقًا.» تساءلت عمّا ينبغي أن أطلق عليها. فتاة لا ظل لها ولا ملامح، لا أصل لها ولا فصل، بل حتى بلا اسم. ما تبقى من مصاصة دماء. بقايا كائن شيطاني جميل. وفوق ذلك── وجود لا يمكنني نسيانه، مهما حدث. «أنا آسف… حقًا.» اقتربت من الفتاة. ثم جلست القرفصاء أمامها، حتى أكون في مستواها، واحتضنتها برفق. «إذا رغبتِ في قتلي، فيمكنك فعل ذلك في أي وقت.» لم تقل الفتاة شيئًا. لم تعد تقول لي أي شيء. قاومتني قليلًا، وكأنها تتذمر وترفض ما أفعله، لكنها سرعان ما هدأت، ثم غرست أنيابها في عنقي بصمت. ألم خفيف. ثم شعور بالنشوة اجتاح جسدي كله. «ومع ذلك، لا أظن أن هذا هو التصرف الصحيح بالضرورة.» قال أوشينو من خلفي بنبرته اللامبالية. «أيمكننا أن نسميه أنانية البشر؟ إن اشمئزازك من أكل مصاصي الدماء للبشر يشبه، إذا أردنا قول الأمر بطريقة أخرى، خيبة أملك حين ترى قطة لطيفة تأكل فأرًا. وهكذا، اخترت أن تربي مصاصة دماء، إن جاز التعبير، بوصفها حيوانًا أليفًا. تبرد أنيابها، وتنتزع مخالبها، وتخنق صوتها، وتخصيها── وهكذا. لقد عوملتَ أنت كحيوان أليف، فرددت المعاملة نفسها على سيدتك. هذه هي القصة، لا أكثر. وحين تنظر إلى الأمر بهذه الطريقة── لا يبدو أنه حكاية بطولية جميلة إلى هذا الحد.» «……..» «إنسان مستعد للتضحية بحياته من أجل مصاصة دماء، ومصاصة دماء مستعدة للتضحية بحياتها من أجل إنسان. تبدو علاقتهما كأنها دماء تُغسل بالدماء── ومع ذلك، لا يمكن للدم أن يتنكر لأصله. وبما أن هذا جزء من عملي، فلن أتدخل فيما بينكما، لكن… إن سئمت يومًا من نفسك بسبب هذا كله، فأخبرني، وسأجد حلًا بطريقة أو بأخرى، يا أراراغي-كن.» «لن أسأم من ذلك.» أجبته بينما كانت الفتاة تمتص دمي. «لأنني أفعل هذا بمحض إرادتي.» «إذًا، افعل ما يحلو لك.» كان كلام أوشينو جافًا، وكأنه يتنصل من الأمر. وبينما كانت كلماته تتركني وحيدًا في ظهري، احتضنت جسد الفتاة الصغير الهش برفق── جسدًا يبدو كأنه قد يتحطم حتى بقوة ذراع بشرية إن ضغطت عليه قليلًا. لقد آذى كل منا الآخر، وها نحن نلعق جراح بعضنا بعضًا. لقد صرنا كائنين موسومين بالجراح، لا نكف عن طلب بعضنا بعضًا. «إن كنتِ ستموتين غدًا، فلا بأس إن انتهت حياتي غدًا أيضًا── وإن كنتِ ستعيشين هذا اليوم، فسأعيش أنا أيضًا هذا اليوم.»
