006
وهكذا، بعد عودتي إلى المنزل.
«يا سيدي، ثمة أمر أودّ استشارتك فيه على نحو خاص. ما رأيك بأن نتحدث بصراحة، من القلب إلى القلب؟»
في الواقع، كنت قد تناولت الغداء في منزل كانبارو. فبعد أن ودّعت كارين وهي تذهب برفقة كانبارو، كنت على وشك العودة إلى المنزل، حين دعتني جدّة كانبارو إلى الغداء.
نعم، الغداء.
تعيش كانبارو سورُوغا مع جدّيها، ثلاثةً في منزل واحد. وبالنظر إلى فخامة ذلك المنزل الياباني التقليدي، فلا عجب أن يكون جدّها، عماد الأسرة، صاحب عمل لا يعرف التقاعد، على ما يبدو؛ إذ نادرًا ما يكون موجودًا في المنزل خلال النهار.
وبما أن فكرة «اللقاء بغرض التوفيق بين العروسين» هذه طُرحت على نحو مفاجئ، فلم يخطر ذلك ببالي، لكن حين فكرت في الأمر، أدركت أن وقت الظهيرة هو وقت الغداء، بطبيعة الحال. وكانت الجدّة قد أعدّت الطعام بالفعل لشخصين، لها ولحفيدتها كانبارو.
وهكذا انتهى بي الأمر إلى تلبية دعوتها.
كنت أنوي فقط إلقاء التحية بما أنني جئت إلى هناك على أي حال، لكنني ربما تسببت لها، بدلًا من ذلك، في بعض الإزعاج. لقد أطلت البقاء أكثر مما ينبغي، بكل المقاييس.
لكن مهارة جدّة كانبارو في الطهي تضاهي مهارة الطهاة الأسطوريين، ولذلك لم أستطع الاعتذار والرفض تمامًا، فاستسلمت لإغراء الطعام.
ولعلّ ذلك يعود إلى أننا كنا في ذروة عطلة أوبون، لكن الطعام كان يابانيًا تقليديًا، بطابع رسمي بعض الشيء، وقد بدا أكثر تعقيدًا في تحضيره من وجباتها المعتادة. كان وليمة أسعدت معدتي حقًا.
لكنني أدركت وأنا آكل أنني حظيت بثقتها على نحو يفوق ما كنت أتوقعه بكثير. صحيح أنه ليس من السهل أن تتعامل بفتور مع طالب أكبر سنًا غامض يأتي لترتيب غرفة حفيدتها مرتين في الشهر، لكن…
على أي حال.
حتى لو كانت المرأة جدّة زميلة أصغر مني سنًا، وبلغت سن الستين منذ زمن، فإن تناول الطعام على انفراد مع امرأة أمر كفيل بأن يجعلني مرتبكًا إلى حد لا يُطاق.
لكن دعونا نترك ذلك جانبًا.
أظن أن جدّة كانبارو لا تزال قلقة بشأن ذراع حفيدتها اليسرى.
إنها قلقة على كانبارو.
لكن، كما قالت كانبارو بنفسها في المرة الماضية، فإن جدّتها… أو جدّها، لا يستطيعان التعمق كثيرًا في ظروفها.
بسبب ما حدث لأم كانبارو.
…أما إن كانت جدّتها تشعر بالذنب تجاهي بسبب ذلك، فذلك سوء فهم لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة.
تمامًا كما هي الحال مع سينجوغاهارا.
كانبارو أيضًا… لم يفعل أحد شيئًا لإنقاذها؛ لقد نجت وحدها، بطريقتها الخاصة.
لم يكن هناك شيء أستطيع فعله.
ولا شيء كنت قد فعلته بالفعل.
لذا سأكتفي بفهم الأمر على أنني تلقيت دعوة إلى الغداء اليوم لمجرد توطيد أواصر الود، لا أكثر.
ومع ذلك، احتياطًا، تبادلت رقم هاتفي وعنوان بريدي الإلكتروني مع الجدّة. وعلى عكس كانبارو، كانت بارعة في التعامل مع الهاتف بسرعة مذهلة؛ جدّة متمكنة من التكنولوجيا بكل معنى الكلمة!
ثم عدت إلى المنزل، وتبادلت أطراف الحديث مع هاتشيكوجي، وسألتني أونونوكي عن الطريق.
ولهذا، ما إن دخلت المنزل حتى صعدت الدرج من دون أن ألتقط أنفاسي، وبدّلت ملابس البيت، ثم جلست أمام مكتبي، عازمًا على تغيير مزاجي والبدء بالمذاكرة…
حتى ظهرت من ظلي، ببطء، فتاة صغيرة ذات شعر أشقر وعينين ذهبيتين.
«……..»
أوشينو شينوبو.
مصاصة دماء عاشت خمسمئة عام، وكايغي ماتت طوال خمسمئة عام.
مصاصة الدماء ذات الحديد والدم والبرودة.
ذلك الوحش الذي ألقى بي، خلال عطلة الربيع، من حياة طالب ثانوي عادي فاشل إلى قاع الجحيم، وأجبرني بلا رحمة على الزحف فوق الأرض… لم أعد الآن سوى بقاياه المتبقية، حثالة ما تبقّى منه بعد عصره.
كانت سيدتي السابقة، لكنها في الوقت نفسه تابعتي الحالية.
بسبب هجوم أوشينو شينوبو، تحوّل أراراغي كويومي إلى مصاص دماء؛ وبسبب هجوم أوشينو شينوبو على أراراغي كويومي، لم تعد أوشينو شينوبو مصاصة دماء.
حدثت أشياء كثيرة، وفقدنا أشياء كثيرة.
فقدنا كل شيء.
لا حاجة إلى إطالة الكلام؛ هذا كل ما في الأمر.
في وضعنا الحالي، شينوبو محبوسة داخل ظلي.
وفي المقابل، يبدو أنها قادرة على استخدام بعض قدراتها كمصاصة دماء ما دامت داخل ظلي.
أما الخروج والدخول، فالأمر متروك لها تمامًا.
أعني، هذه الفتاة كانت تتجاهلني تمامًا حين أريد منها أي رد فعل، لكنها اختارت أن تظهر بكل وقاحة في اللحظة التي قررت فيها أخيرًا أن أبدأ المذاكرة.
«…همف.»
أدرت الكرسي وعدت بوجهي نحو المكتب.
هاه؟ أين ذهب قلم الرصاص؟ أين وضعته… آه، صحيح، لقد كسرته بسبب كارين، ذلك القلم الخماسي الأضلاع.
لا مفر، سأستخدم قلم الرصاص الميكانيكي.
سأشتري قلمًا خماسي الأضلاع آخر لاحقًا.
«اسمعني أيها الأحمق!»
أحكمت شينوبو ذراعها حول عنقي من الخلف، في حركة خنق تُعرف باسم «تشوك سليبر».
وبذراعها الصغيرة الشاحبة، راحت تضغط بلا رحمة على قصبتي الهوائية… مهلاً، لماذا تستطيع مصاصة دماء استخدام حركة قتالية كهذه لا تعتمد على الضرب أصلًا؟!
«أستسلم، أستسلم، أستسلم! اتركيني، اتركيني، اتركيني! إذا تركتِني فسأفهم!»
صرخت بهذه العبارة، التي تشبه إلى حد بعيد كلمات قيلت خلال حادثة الخامس عشر من مايو عام 1932، وأنا أحاول جاهدًا النقر على مرفق شينوبو للاستسلام. كانت تلك ثمرة مذاكرتي للامتحانات، لكن بما أنني أخطأت في كتابة بعض الكلمات، فمن المستبعد أن أحصل على أي درجات.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن شينوبو كانت تراقب من داخل ظلي، هذا الصباح، بينما كانت كارين تتدلل عليّ وتلتصق بي.
بالنسبة إلى كارين، لم يكن ذلك خنقًا من نوع «تشوك سليبر» على الإطلاق؛ كانت تظن أنها تعبث معي فحسب، أو بالأحرى تتملقني كي أعرّفها بكانبارو. لكنني، من جهتي، لم أكن أفكر آنذاك إلا في خوفي على عظام عنقي.
ولا بد أن شعور الخوف والقلق ذاك قد انتقل إلى شينوبو عبر الظل.
إذن، هذا هو سبب فعلتها.
…لكن، إذا اتبعنا هذا المنطق، وبما أننا مرتبطان عبر الظل، فإن خنقي أنا يعني أن عنق شينوبو سيُخنق أيضًا.
يبدو أن شينوبو لم تفكر في هذه النقطة؛ فبعد أن أزاحت ذراعها عن عنقي، راحت تسعل وتختنق قليلًا، وكأنها تعاني.
كان ذلك مشهدًا بالغ الحماقة، بكل المقاييس.
وبالمناسبة، فإن مشاركة الإحساس هذه تسير في اتجاه واحد، منّي إلى شينوبو، وليس العكس. فعلى سبيل المثال، لو تلقيت ركلة ركبة من كارين، فسينعكس الضرر على شينوبو أيضًا؛ لكن لو مرّرت يدي على صدر شينوبو المسطّح، فلن أشعر بأي أثر مقابل لذلك.
أعرف أن هذا مثال فظيع، لكنني فضّلت الوضوح هنا.
«ما الأمر؟ ما هذه الاستشارة التي تتحدثين عنها؟ ليس هذه المرة فقط؛ أنتِ دائمًا هكذا. حين أريدك أن تظهري، لا تظهرين أبدًا، ثم ما إن أقرر البدء بشيء حتى تخرجي في اللحظة المناسبة وكأنك كنتِ تنتظرينها. ما أنتِ بالضبط؟ جنّي العطاس بالمقلوب؟ تظهرين من دون أن يناديك أحد، بدلًا من أن تظهري حين يناديك؟»
«بل أنا أقرب إلى أكوبي-تشان.»
قالت شينوبو ذلك بعدما استعادت عافيتها أخيرًا.
لقد بدأت مصاصة الدماء النبيلة السابقة تتشرب الثقافة اليابانية بطريقة غريبة حقًا.
لقد حقق التعليم المكثف الذي تلقته على يد أوشينو نتائج مذهلة في فترة قصيرة، لكن يبدو أن عملية تسريع نموها قد تجاوزت الحد، فظهرت عليها بعض الانحيازات الغريبة.
«ثم إنك، يا سيدي، لا ينبغي أن تستغرب عجزي عن الظهور حين تريدني أن أظهر؛ فهذا أمر طبيعي. فدورة حياتي معاكسة تمامًا لدورتك.»
«آه… صحيح، فأنتِ ليلية.»
حسنًا، حتى وصف مصاصة دماء بأنها «ليلية» يبدو تعبيرًا غريبًا إلى حد ما.
إنها تكره الشمس، وتحب القمر.
هذه غريزة متأصلة في طبيعة مصاصي الدماء، وغريزة بقاء تظل تلاحقهم حتى بعد أن يكفّوا عن كونهم مصاصي دماء.
مثل خوف البشر من النار.
إن وصف الأمر بأنه مجرد «نمط حياة ليلي»، وهو تعبير أشبه بالخدعة في المجتمع البشري، لا يكفي لتفسيره.
«أجل، فأنا ليلية.»
«……..»
أليس لديكِ أي اعتزاز بكبريائك كمصاصة دماء؟
مع أنني آخر من يحق له قول ذلك، بعدما سلبتكِ إياه.
«لكن يا شينوبو، ماذا عن الآن؟ إنه وقت الظهيرة في عزّ النهار! بل إن الشمس في أوج نشاطها الآن.»
«همم… أشعر أنني بحاجة إلى كريم واقٍ من الشمس. وإلى نظارات شمسية أيضًا. عيناي تحترقان.»
«…حسنًا إذن.»
أتعرفون؟ ثمة شيء…
لقد تحولت شينوبو تمامًا إلى ذلك النوع الفاشل من مصاصي الدماء الذي يظهر في المانغا الكوميدية.
أكاد أتوقع منها أن تنهي كل جملة بعبارة «زَماس».
«بالطبع، ثمة سبب وجيه لانقلابي على نظام الليل والنهار.»
«سبب وجيه؟ لا أعرف ما هو، لكنك يا شينوبو قاطعتِ قبل قليل تواصلي البريء مع هاتشيكوجي. لن أستمع إلى استشارة من شخص كهذا.»
«همف. لم أفعل سوى أنني لم أستطع التغاضي عن الأمر، فأنا من الفئة نفسها. على الأقل حين تكون مستيقظة، لا حين تكون نائمة.»
الفئة نفسها؟
هل تقصد فئة محبي الفتيات الصغيرات؟
«ألا يمكن أن تنتظري حتى أنتهي من المذاكرة؟ ألا يمكنكِ تأجيل الأمر قليلًا؟»
«الموضوع خطير إلى حد ما. ولا يحتمل التأخير.»
«ما هذا… حسنًا، حسنًا، سأستمع إليكِ.»
يا لي من شخص سهل الاستمالة.
ليس الأمر أنني أكره المذاكرة وأهرب إلى ما هو أسهل… بل إنني بدأت أستمتع بالمذاكرة مؤخرًا، بفضل هانيكاوا.
لكن شينوبو نقطة ضعفي.
بل يمكن القول إنها أعظم عقدة لديّ.
نحن معًا طوال الوقت، ليلًا ونهارًا، حتى وإن كانت داخل ظلي؛ وسنظل مضطرين إلى التعايش معًا من الآن فصاعدًا. لذا فإن التقارب والتفاهم أمران مهمان.
أدرت الكرسي مرة أخرى، والتفتُّ نحو شينوبو.
عندها قالت بنبرة جادة:
«يا سيدي، وفقًا لمعلومات حصلت عليها من مصدر سري، يبدو أن متجر ميستر دونات يقيم حاليًا حملة تُباع فيها جميع المنتجات بمئة ين.»
«……..»
مهلًا.
مصدر سري؟ أليست هذه المعلومات مأخوذة بوضوح من المنشور الإعلاني الذي كان مرفقًا بالصحيفة؟
لقد رأيته أنا أيضًا.
«علينا الذهاب الآن، وإلا نفدت الكمية.»
«لا، هذه المتاجر لا تنفد منتجاتها بهذه السهولة…»
ألهذا السبب قاطعتِ مذاكرتي؟
حب شينوبو لمتجر ميستر دونات يعود إلى أيام إقامتها مع أوشينو في ذلك المبنى المهجور، لكنه يبدو أنها تخلّت أخيرًا عن أسلوبها السلبي، وبدأت تسعى بنفسها إلى ما تريده.
لقد اشتد تحولها إلى شخصية مادية بصورة مبالغ فيها.
على الأقل، اطلبي الدم بدلًا من ذلك.
حتى الآن، كثيرًا ما استخدمتُ ميستر دونات طُعمًا لاستدراج شينوبو، التي كانت تختبئ في الظل ولا تخرج منه، مثلما نصطاد جراد البحر.
لكن يبدو أن الإفراط في صيدها قد انقلب عليّ.
لقد أصبحت صاحبة ذوق رفيع.
«وفوق ذلك، سمعت من بعض الجهات أن منتجًا جديدًا قد ظهر هذه المرة أيضًا. لا بد من التحقق منه في أقرب وقت.»
«بعض الجهات؟… شبكة معلوماتك لا تتجاوز المنشورات الإعلانية، أليس كذلك؟ لا تتظاهري بأن لديكِ شبكة علاقات واسعة. ألهذا السبب سهرتِ طوال الليل، أو بالأحرى طوال النهار، وقلبتِ نظام نومك؟…»
وفوق ذلك، قاطعتِ موعدي مع هاتشيكوجي.
يا له من سبب وجيه حقًا.
وبناءً على ما سبق، يمكنني أن أستنتج أن شينوبو لم تتفاعل من داخل الظل حين افترقتُ عن أونونوكي، لأنها كانت على الأرجح تغفو في ذلك الوقت، ورأسها يتمايل من النعاس.
لكن، حين أفكر في الأمر، فإن الوقت الذي تنشط فيه شينوبو عادةً هو الوقت الذي يكون فيه ميستر دونات مغلقًا.
«آه، حسنًا، حسنًا. سأذهب لشراء بعض الدونات قبل العشاء، لأغيّر جوّي قليلًا. كنتِ تحبين غولدن تشوكليت، أليس كذلك؟»
«لا.»
هزّت شينوبو رأسها.
هزّته بعناد، وبإصرار شديد.
هاه؟
أظن أنني سمعتها تقول ذلك من قبل… هل كنت مخطئًا؟ لكنني ربطت الأمر بشعرها الأشقر، ولذلك كنت واثقًا من أنها غولدن تشوكليت. أم أن هناك أنواعًا أخرى من الدونات التي تحمل اسم «غولدن» في قائمة ميستر دونات، وأنا لا أعرفها؟
لكن شينوبو لم تكن تهز رأسها لهذا السبب.
لقد طلبت مني شيئًا مروّعًا.
«خذني إلى المتجر. أريد أن أختار بنفسي، بعينيّ هاتين.»
«……..»
…حين أفكر في الأمر، لو كانت تريد مني شراء الدونات فحسب، لكان بإمكانها ترك ورقة صغيرة تكتب فيها ما تريد. يبدو أن شينوبو قاومت النعاس وبقيت مستيقظة حتى الآن، لأنها أرادت الذهاب إلى ميستر دونات بنفسها.
«…ضوء الشمس شديد، فهل تستطيعين الخروج أصلًا؟»
«حسنًا، لن أصاب بأكثر من قليل من الاسمرار. لم أعد مصاصة دماء حقيقية بالمعنى الكامل، كما تعلم. لا أحتاج إلى كريم واقٍ من الشمس بالضرورة؛ يكفي أن أرتدي قبعة.»
«همم…»
أما أنا، فلست بخير على الإطلاق.
لكنني، في الحقيقة، كنت أتوقع أن تطلب شينوبو شيئًا كهذا يومًا ما. وها قد جاء اليوم المنتظر أخيرًا.
أي استشارة هذه يا أيتها الطفلة الصغيرة؟
إنها مجرد نوبة من نوبات الدلال.
ومع ذلك، كما ذكرت سابقًا، كنت أعرف أنا أيضًا أن ميستر دونات يقيم حاليًا حملة المئة ين؛ فقد رأيت الإعلان نفسه الذي رأته شينوبو.
وكنت أفكر في شراء بعض الدونات لها في وقت قريب.
والأرجح أن سبب إلحاحها في هذا التوقيت بالذات هو أنها رأتني هذا الصباح، في اللحظة التي كنت فيها على وشك الاستيقاظ أو في بدايته، أستجيب على مضض لطلب كارين، أختي التي لا تنسجم معي.
بالنسبة إلى شينوبو، كان ذلك يُعدّ «سهرًا»؛ فقد شاهدت ما حدث في وقت كانت فيه بالكاد مستيقظة.
وهو السبب نفسه الذي جعلها تقلّد حركة الخنق التي استخدمتها كارين قبل قليل.
لا بد أنها فكرت أنني، في هذه اللحظة، رجل يسهل التأثير فيه.
ربما قالت في نفسها: «يا له من أحمق! لقد تراخى لمجرد أن حبيبته بدأت تُظهر له جانبها اللطيف، فصار يعيش في سعادة حالمة.»
إنها تفكر في أشياء كثيرة.
هممم.
حسنًا، لا أمانع تلبية هذا الطلب البسيط، باعتباره احتفالًا بإصلاح حال سينجوغاهارا، إن صحّ التعبير.
لكن المشكلة أن شينوبو تلفت الأنظار، ولذلك يصعب عليّ اصطحابها إلى الخارج.
فهي شقراء، وتبدو أجنبية، وهذا وحده كافٍ لجعلها مميزة، ناهيك عن جمالها الذي يجعلها أشبه بدمية.
وقد تلفت الأنظار أكثر حتى من هاشكوجي حين أتحدث معها.
وبالعكس، أو بالأحرى، إذا أردت، فرفض هذه النزوة أمر سهل جدًا… فرغم أن علاقتنا الغريبة تشبه علاقة سيد وعبد، حيث يكون كل منا سيد الآخر وعبده في الوقت نفسه، فإنني، من الناحية العملية، أحتل المرتبة الأعلى في تسلسل الأوامر.
ويبدو أن سلطة إصدار الأوامر هذه تملك قوة إلزامية لا يمكن تخيلها؛ فقد جرّبت أشياء كثيرة، لكن حتى الآن، لا توجد أي استثناءات حقيقية: أوشينو شينوبو تطيع أراراغي كويومي طاعة مطلقة.
إنها أقرب إلى نقلٍ كامل للصلاحيات منها إلى مجرد سلطة إصدار الأوامر.
يا لقواعد مصاصي الدماء المخيفة.
لذا، لو رفضتُ بحزم وقلت إن الأمر ممنوع، فلن يكون أمام شينوبو سوى التراجع.
لكن، ربما لأنني أملك هذه السلطة المطلقة، لا أستطيع استخدامها باستخفاف؛ أو بالأحرى، يصعب عليّ أن أرفض طلبًا منها بهذه القسوة.
القوة المفرطة قد تتحول إلى نقطة ضعف.
فما يمنحك القوة قد يكون هو نفسه موطن ضعفك.
«مهلًا، يا سيدي. أليس من الأفضل أن تلبي طلبي؟ ألا تكره أن أظل أفسد مواعيدك مع تلك الفتاة الصغيرة ذات ذيلَي الحصان إلى الأبد؟»
«ه-هل تنوين اتخاذ هاتشيكوجي رهينة؟! هاتشيكوجي التي أحبها! يا لكِ من كائن حقير!»
لا.
في هذه الحالة، بدلًا من احتجاز هاتشيكوجي رهينة، فإن شينوبو تحاول حمايتها، في الواقع.
«…لكن ماذا عن هذا يا شينوبو؟ لقاءاتي مع هاتشيكوجي تكون في النهار غالبًا. هل تستطيعين البقاء مستيقظة طوال الوقت؟ يومان أو ثلاثة أمر ممكن، لكن إلى الأبد؟ هذا مستحيل، أليس كذلك؟»
«همم.»
عقدت شينوبو ذراعيها، وكأنها تقول إن كلامي صحيح.
إنها مصاصة دماء قوية الشهية، سواء للطعام أو للنوم.
إنها تتبع رغباتها بإخلاص.
«وفوق ذلك يا شينوبو، أنتِ تعرفين هذا. لا تستهيني بي. أنا رجل لا يخضع للابتزاز.»
«حسنًا، ماذا لو تعاونتُ معك بإرادتي؟ عندها قد تتمكن من جعل تلك الفتاة ذات ذيلَي الحصان تفعل ما تشاء بها أكثر مما تفعل الآن.»
«أوه… هذا عرض مغرٍ إلى حد ما.»
في إحدى غرف منزل عادي، كانت حقوق فتاة تُنتهك على نحو مقلق.
يا له من أمر مرعب.
أم تُرى أن هاتشيكوجي لا تملك حقوقًا أصلًا؟
«كُكُكُكُ. إنه عرض لا بأس به. إذا استخدمتُ قدراتي الخارقة، فستتمكن من فعل ما يحلو لك من أشياء منحرفة بالفتيات، لا بتلك الصغيرة وحدها!»
«همم… أنتِ تعرفين كيف تغرين المرء.»
صحيح أنها تبدو طفلة صغيرة، لكنها في الأصل أشبه بـ«دراكولينا».
بل إنها تتضمن بعض صفات الساككوبوس أيضًا.
ولهذا لا تشعر بمقاومة كبيرة تجاه الأمور المثيرة.
وعلى أي حال، ما دامت شهيتها للطعام والنوم قوية إلى هذا الحد، فلا بد أن تكون رغبتها الجنسية قوية أيضًا.
تبًا… لم تكن لديّ رفاهية التفكير في مثل هذه الأمور آنذاك، لكن لو أدركت هذه الحقيقة خلال عطلة الربيع، حين كانت شينوبو في هيئتها البالغة، لربما…
إنها ذكرى مريرة لا أستطيع الندم عليها بما يكفي.
بل يمكن وصفها بأنها خطيئة.
«مهلًا، لكن يا شينوبو، بعدما فقدتِ معظم قدراتك كمصاصة دماء، ما الذي تستطيعين فعله أصلًا؟ لا يمكنك استخدام أي شيء يشبه القدرات الخارقة، أليس كذلك؟»
ألم تكن قدرتك الوحيدة تقريبًا هي امتصاص الطاقة؟
لكن هذا، بمعنى واسع، مجرد تناول للطعام.
لن أسمح لكِ بأكل هاتشيكوجي.
فهي مخزون الطعام الذي أريد الاحتفاظ به إلى الأبد.
«…حسنًااا.»
بدت شينوبو حائرة، وراحت تفكر في الأمر.
كانت في مأزق.
ويبدو أن مصاصة الدماء الأسطورية، التي كانت تتمتع يومًا بقدرات تكاد تكون مطلقة، قد عادت لتواجه عجزها الحالي، وشعرت بالانكسار من جديد.
«يمكنني الاختباء في ظلك… ثم النظر من تحت تنانير الفتيات من الأرض، والإفصاح عن لون ملابسهن الداخلية…»
كان اقتراحًا ضعيفًا، وبائسًا للغاية.
لقد فاحت منه رائحة شخصية صغيرة الشأن.
بدأت أشعر بالحزن.
«أجل! يمكنني جعل الملابس الداخلية مرئية!»
«حتى لو صغتِ الأمر بلغة تشبه استراتيجيات الشركات الحديثة، فلن يصبح جذابًا ولو قليلًا.»
تنهدت.
«آه، حسنًا، حسنًا. فهمت، فهمت. اليوم يبدو أن النجوم قد اصطفّت على هذا النحو. سأصطحبك معي.»
إن الوقت الذي نهدره في هذا الكلام الفارغ أطول بكثير مما سنقضيه في تنفيذ الطلب نفسه. وبالإضافة إلى أنني لم أعد أحتمل الحزن الذي يثيره عجزها ــ مع أن هذا هو السبب الأول بلا شك ــ فقد تذكرت أن لديّ أنا أيضًا بعض الأسئلة التي أريد طرحها على شينوبو.
لقد تجاهلتني قبل قليل، لكنني أريد أن أسألها عن أونونوكي يوتسوغي.
وعن كاغينوي يوزورو أيضًا.
حتى لو كانت تغفو في ذلك الوقت، فإن كانتا حقًا من نوع معين من الكائنات، فلا بد أن شينوبو قد شعرت بشيء ما منهما.
فهي ملكة الكايغي، والكايغي الأشد كايغية بينها جميعًا.
قاتلة الكايغي… شينوبو.
«أيها الأحمق! لقد وقعت في شباك حديثي!»
«لقد كشفتِ نواياكِ بنفسك… حسنًا، سأعطيك إشارة حين نصل إلى أمام المتجر، فاختبئي في ظلي حتى ذلك الحين على الأقل. سأذهب بالدراجة. ومن الأفضل لكِ أيضًا أن تقللي مدة تعرضك للشمس، أليس كذلك؟»
«أجل. الشمس عدوتي.»
«عدوتك؟»
«سأهزمها يومًا ما.»
«……..»
يا له من طموح هائل.
إنها مليئة بإحساس الشخصية التافهة، ومع ذلك فإن طموحها هائل.
«سنصل خلال ثلاثين دقيقة تقريبًا، فاصمدي وحاولي البقاء مستيقظة.»
«لا تقلق. سأقضي وقت الانتظار في ظلك وأنا ألعب بجهاز دي إس.»
«……..»
هل تستطيعين إدخال جهاز دي إس إلى ظلي؟
هل أصبح ظلي أشبه بجيب رباعي الأبعاد؟
يا لها من قدرة تخزين مذهلة.
«لا يمكنني إدخال الأشياء المادية إلى الظل. ما يدخل إليه هو جسدي فقط.»
«إذن فهذا غير منطقي. ماذا عن جهاز دي إس؟»
«أنا أمتلك قدرة خلق الأشياء من العدم؛ فهل تظن أنني عاجزة عن صنع جهاز ألعاب؟ لقد استلهمت تصميمه من الجهاز الذي استعرتَه من تلك الفتاة ذات الغرّة الشبيهة بواجهة برنامج نيهيرويدا يو.»
«لماذا تعرفين قائد البرنامج أصلًا؟»
سينغوكو، بالطبع.
آه، صحيح…
إنها تستطيع صنع الملابس.
إذن، لا بد أن صنع جهاز ألعاب أمر بسيط بالنسبة إليها.
والآن تذكرت أن سينغوكو أعارتني جهاز دي إس قبل فترة قصيرة.
حين زرت منزلها في المرة السابقة، كان مليئًا بأجهزة ألعاب قديمة مثل إم إس إكس 2 وإم زد-721، ولذلك افترضت أنها لا تهتم كثيرًا بالألعاب الحديثة. لكنني ذكرت لها عرضًا: «أود تجربة جهاز دي إس أو ما شابه. سمعت أن هناك الكثير من البرامج التعليمية له أيضًا»، أو شيئًا من هذا القبيل، وفي اليوم التالي أعارتني سينغوكو جهاز نينتندو دي إس مع الألعاب.
فكرت حينها: إذن كان لديها واحد بالفعل!
لكنني استغربت بريقه الجديد، وكأنه اشتُري في اليوم السابق، ومع ذلك استخدمته لبعض الوقت للمذاكرة.
لقد أعدت إليها الجهاز كاملًا، لكنني استفدت منه كثيرًا، ولذلك وعدتها بأن أصطحبها إلى المسبح يومًا ما تعبيرًا عن شكري. وقد تذكرت هذا الوعد للتو.
إن طلب اصطحابها إلى المسبح أمنية لطيفة للغاية.
ما زالت سينغوكو طفلة في نهاية المطاف.
آه، صحيح، لقد طلبت مني أيضًا مساعدتها في تدريب زملائها على التمثيل في المسرحية الصفية التي سيقدمونها في الحفل المدرسي. ينبغي أن أساعدها في ذلك خلال العطلة الصيفية أيضًا.
…………
لكن لماذا أشعر، لسبب لا أعرفه، بأنني محاصر أكثر فأكثر؟ كأنهم يطوقونني من الخارج، ويضيقون الخناق عليّ، فيما تتراكم حولي الوقائع التي تجعل الأمور تبدو وكأنها حُسمت سلفًا…
كل ما في الأمر أنني استعرت جهاز دي إس من صديقة أختي الصغيرة، ومع ذلك، إذا نظر أحدهم إلى الأمر من بعيد، ألا يبدو أنني تورطت في شيء خطير للغاية؟
«الجهاز الذي صنعته لك لن تتمكن من اللعب به إلا داخل ظلك. لا يمكنني استخدام قدراتي الخارقة في الخارج. إذن، أراك لاحقًا.»
قالت ذلك، ثم قفزت شينوبو إلى ظلي.
لكن، إذا كانت تستطيع صنع جهاز ألعاب، فلماذا لا تصنع ميستر دونات أيضًا؟ على أي حال، لا بد أن الأمر ليس بهذه البساطة.
صحيح أن الاكتفاء الذاتي أساس الحياة، لكن الطعام الذي يصنعه شخص آخر يكون ألذ أحيانًا.
حسنًا، لننطلق.
لم أكن متحمسًا لهذه المهمة، لكنني، بطريقة أو بأخرى، لم أتعرض مؤخرًا لكثير من المصائب، وهذا أمر غير معتاد بالنسبة إليّ، بعدما توقفت سينجوغاهارا عن ممارسة العنف المنزلي ضدي.
لا بد أن أستعيد التوازن قليلًا، وإلا فسأصبح ذلك الشخص السيئ المسلي الذي يتنمر على أخته العملاقة والفتاة الضائعة لمجرد التسلية.
من الأفضل الحفاظ على رصيد المحبة.
فلأؤدِّ دور السائق الخاص لمصاصة دماء، ولو لمرة.
نهضت من الكرسي، وبدّلت ملابس البيت بملابس الخروج مجددًا، وأخذت مفتاح دراجتي، ثم غادرت غرفتي. وعندما نزلت الدرج، التقيت تسوكيهي في الممر.
هممم.
كنت أحاول التسلل إلى الخارج من دون أن تراني، لكن التوقيت لم يكن في صالحي.
كانت تسوكيهي قد خرجت لتوّها من الحمام.
يبدو أنها استحمّت بعد الغداء لأنها لم تعد تحتمل الحر؛ فمعدل الأيض لديها مرتفع، وهي كثيرة التعرق.
وبما أن والدينا يعملان معًا طوال العام، من دون إجازة حتى في أوبون أو رأس السنة، فإننا نحن الإخوة مضطرون إلى إعداد غدائنا بأنفسنا خلال العطلة الصيفية. وقد ذهبت كارين إلى منزل كانبارو، بينما تناولت أنا طعامي حتى الشبع في منزل عائلتها، لذا كان على تسوكيهي اليوم أن تعتمد على نفسها: تطهو لنفسها ثم تنظف ما استخدمته. اكتفاء ذاتي بكل معنى الكلمة. وبما أنها تنتمي إلى نادي الشاي، فمن الغريب أنها تجيد أعمال المنزل على نحو لا بأس به.
…لو فكرت الآن أن «فاير سيسترز» بارعتان في الأعمال المنزلية لأنهما أختان ناريتان، فستكون تلك هزيمتي. أما كارين، النصف الآخر من الثنائي، فهي سيئة في الطبخ كما قد يتوقع المرء، وإن كانت تنظف بشكل عادي تمامًا.
لكنها أنهت غسل الأطباق ثم استحمّت.
يا لها من حياة هانئة.
كانت تسوكيهي، المحبة للملابس اليابانية التقليدية، ترتدي يوكاتا، وتمسك بمنشفة صغيرة. وكان لون بشرتها البيضوي الوردي بعد الاستحمام يشبه بتلات الكرز.
لماذا تتجول في ممر منزلها وكأنها في نُزل ينابيع ساخنة؟
لو كانت هانيكاوا، لكان للأمر معنى، لكنني لا أشعر بأي سعادة من رؤية شعرك المبلل يا تسوكيهي.
«آه، أخي! هل ستخرج مجددًا؟»
«أجل، سأخرج مجددًا.»
«وماذا عن المذاكرة؟»
«قالت لي السماء إن عليّ أن أتركها اليوم.»
أعني، ليس السماء حقًا.
بل الشيطان.
هزّت تسوكيهي رأسها وكأنها لا تفهم تمامًا.
هممم.
حين أراها تميل برأسها هكذا، تبدو حقًا فتاة هادئة ومسترخية.
عيناها متدليتان، وتعبير وجهها رخو.
وكتفاها متهدلان، وظهرها منحني.
إنها تشبه دب الباندا المترهل إلى حد بعيد.
لكن لا ينبغي أن يخدعك مظهرها. فكما يتضح من حقيقة أنها حاولت هذا الصباح أن تثقبني أنا وكارين بمخرز، فإن أراراغي تسوكيهي ليست فتاة هادئة أو مسترخية على الإطلاق.
إنها باندا لا تترهل.
وباندا لا تترهل تعني دبًا.
هي لا تمتلك مهارات القتال التي تتمتع بها كارين، وتؤدي دور العقل المدبر بين فاير سيسترز، لكن عدوانيتها الهستيرية الحادة تشبه الوحوش، حتى إنني، وأنا أخوها، أجدها مخيفة.
إذا أردت التعبير عن رأيي بصراحة، فإن كارين غبية من النوع الذي يندفع إلى الأمام بلا تفكير، ولذلك يسهل عليّ التعامل معها نسبيًا؛ أما تسوكيهي فهي غبية من النوع الذي يلتف ويدور حول الأمور، ولهذا يصعب عليّ السيطرة عليها.
إن كانت كارين لهبًا أحمر، فتسوكيهي لهب أزرق.
إذا اقتربت منهما بلا حذر، فستحترق.
ولن يقتصر الأمر على الجلد؛ بل سيصل الحريق إلى اللحم.
والآن، بعدما فقدت سينجوغاهارا هيتاغي، النمرة الهائجة، بعضًا من حدتها، أصبح الموضوع الذي ينبغي أن أركز عليه هو كيفية تعليم أختي الصغرى النشيطة، طالبة السنة الثانية في الإعدادية، كيف يسير العالم.
سأتحدث مع هانيكاوا في هذا الشأن.
وربما نحتاج إلى برنامج إصلاح أشد صرامة.
«أخي، هل ستتأخر كارين كثيرًا اليوم؟»
«من يدري؟ لا أعرف.»
لقد طلبت منها العودة قبل العشاء، لكنني لست واثقًا من أن تلك الكلمات وصلت إليها أصلًا، بعدما كانت في غاية الحماسة أمام المعلمة كانبارو التي تعجب بها.
وقد ينتهي الأمر بها إلى المبيت هناك.
وربما تصعد درجات البلوغ… أو على الأقل درجات الأنوثة.
وإن حدث ذلك، فليحدث ما يحدث.
بل إن الأمر لا يعنيني أصلًا.
«همم، فهمت… لكن كارين أيضًا من النوع الذي يفقد القدرة على الرؤية أمامه عندما يتحمس.»
«ليس بقدر ما تفعلين أنتِ.»
حين رددت عليها، نفخت تسوكيهي خديها بامتعاض، وكأنها تشعر بأنني ظلمتها.
لا تدرك ذلك بنفسها.
وهذا تحديدًا ما يجعلها خطيرة.
كما أن نفخها خديها جعلها تشبه دب الباندا المترهل أكثر، وهو أمر خطير أيضًا.
«ما الأمر؟ هل كنت تريد شيئًا من كارين؟ ظننت أن نشاط فاير سيسترز الأخير، أي التطوع في لعبة الأبطال الخارقين، قد انتهى إلى حد كبير، بما في ذلك متابعة الأمور بعد ذلك.»
«لا، ليس الأمر أنني أريد منها شيئًا بعينه. لكن…»
قالت تسوكيهي ذلك بملامح معقدة قليلًا، وكأنها تجد صعوبة في التعبير عما تريد قوله.
«بدأت أشعر مؤخرًا بأنني وكارين نقضي وقتًا أطول ونحن نفعل الأشياء كلٌّ على حدة.»
«هم؟»
حقًا؟
من وجهة نظري، تبدوان كعادتكما، ملتصقتين ببعضكما في كل وقت، وتتحركان معًا أينما ذهبتما.
كأنكما شخصان يسيران في جسد واحد.
لكن، حتى لو كان الأمر متعلقًا بالعائلة، فهذه مجرد وجهة نظري من الخارج.
ربما تشعران أنتما بشيء مختلف.
إحساس غريب، أو بوادر تغيّر.
«…هل تشاجرتما؟ هل هناك شيء يجعلكما تشعران بالحرج تجاه بعضكما؟»
«لا لا، ليس هذا، ليس هذا. ما زلنا صديقتين مقربتين. بل نحن مثل الشريط والربطة.»
«تشاو؟»
«تشوتشو!»
لغة الإخوة.
لو سمعنا شخص غريب يتحدث بهذه الطريقة، لما فهم شيئًا مما نقوله.
ومع ذلك، فإننا نستطيع التواصل بها، وهذا ما يجعل علاقة الإخوة أمرًا مخيفًا… لا، في الواقع، ربما لا نفهم نحن أنفسنا ما نقوله أيضًا.
لا يوجد أي تواصل حقيقي بيننا.
«لكن، كما هو بديهي، بدأت أفكر بأننا لن نستطيع الاستمرار في تسمية أنفسنا فاير سيسترز إلى الأبد.»
«هاه؟»
كتمت ضحكة خفيفة.
كنت أرى أن الأمر بديهي، لكنني فوجئت أيضًا بأن تسوكيهي هي من بادرت إلى قول شيء كهذا.
«حين أفكر في الأمر، حتى أنت يا أخي كنت قريبًا منا في الماضي. كانوا يسمونك كويومي الودود.»
«لم يسمّني أحد بهذا الاسم.»
لكننا كنا نلعب معًا، بما في ذلك سينغوكو.
رغم أنني وأختيّ لا ننسجم كثيرًا الآن، فهذا لا يعني أننا كنا متخاصمين طوال حياتنا. أظن أن نقطة التحول كانت حين انتقلت إلى المرحلة الإعدادية.
ربما شعرت فجأة بأن أختيّ طفلتان، أو شيء من هذا القبيل.
…حين أستعيد الأمر الآن، يبدو السبب أنانيًا للغاية، ومنحازًا إلى نفسي.
لست أخًا يستحق الكثير من الثناء.
مع أن هاتين الاثنتين أختان غير عاديتين إلى حد كبير، ولا يمكن قياسهما على الأخوات عمومًا.
«هممم. على أي حال، ستصبح كارين طالبة ثانوية قريبًا. صحيح أن مدرستكما تعتمد نظام الانتقال الداخلي، لكن مبنى المرحلة الثانوية يقع في مكان آخر، أليس كذلك؟ سيتغير روتين حياتها أيضًا…»
ألقيت نظرة على ظلي. كان الممر مظلمًا لأن الأنوار مطفأة، لذا بدا الظل ضبابيًا، وحدوده غير واضحة.
وأنا أفكر في مصاصة الدماء التي يُفترض أنها تلعب بجهاز دي إس داخله، تابعت كلامي:
«…لا بد أن أشياء كثيرة ستتغير بينكما. قد لا يسعدك ذلك، ولا يسعد كارين أيضًا.»
«صحيح. ثم إن الشرطة لن تتساهل معها عندما تصبح في أواخر سن المراهقة.»
«……..»
تسوكيهي لا تتردد في استخدام جنسها وعمرها سلاحًا حين تحتاج إلى ذلك.
مخيف، مخيف حقًا.
في رأيي، ما تفعلانه ليس أكثر من لعب دور الأبطال الخارقين، لكن حقيقة أن فاير سيسترز تتظاهران بأنهما حارستا العدالة قد تكون، من منظور المجتمع، أمرًا يبعث على الارتياح.
ومع ذلك، إن سمحتم لي بإضافة شيء آخر، فإن مفهوم العدالة لدى كارين ليس مطابقًا لمفهوم العدالة لدى تسوكيهي.
إذا كنا سنطلق على الفعل اسم «العدالة» حين يتحرك المرء من أجل الآخرين دون أن يطلب مقابلًا، وبإخلاص تام…
فإن العدالة بالنسبة إلى كارين هي الهدف.
وهذا مفهوم سهل الفهم للغاية، وإن كان ساذجًا جدًا. إنها عدالة مستقيمة، لا يمكن لأي شخص أن يسيء فهمها، وهي كارين أراراغي بكل ما فيها.
أما تسوكيهي، فالعدالة بالنسبة إليها هواية.
إنها مجرد نشاط تمارسه للتسلية.
وبصراحة، يصعب وصف ذلك بأنه سذاجة محضة، لأن هناك كثيرًا من البالغين في العالم يفكرون بالطريقة نفسها.
لا شك أن عدالة كلتيهما تبدو زائفة، لكن طبيعتها متناقضة تمامًا.
حتى الزيف ليس نوعًا واحدًا.
كارين لا تختار الوسائل حين يكون الهدف هو المهم، أما تسوكيهي فلا تختار الهدف حين تكون الوسيلة هي المهمّة. ومن المؤكد أن انسجامهما جيد رغم ذلك.
إذا كانت كارين هي الطرف المهيمن، فستكون تسوكيهي الطرف الخاضع.
وإذا كانت تسوكيهي هي الطرف المهيمن، فستكون كارين الطرف المحايد.
ليستا متشابهتين كالتوأمين.
إنما ينسجم طرفاهما لأن كل واحدة تكمل النقص لدى الأخرى.
الأخت الكبرى التي تحب الشجار، والأخت الصغرى التي تستطيع إيجاد سبب للشجار في أي شيء.
فاير سيسترز، من مدرسة توغينوكي الإعدادية الثانية.
لهب أحمر، ولهب أزرق.
«أظن أنك تعرف ذلك بالفعل يا أخي، لكن…»
ربما لم تكن تسوكيهي تقرأ أفكاري، رغم أنها شرعت تتحدث وكأنها التقطت مسار تفكيري.
«أعتقد أنني لست مؤمنة بالعدالة بشغف كارين نفسه.»
«…حقًا؟»
كان هذا تصريحًا مفاجئًا آخر.
بالنسبة إليّ، كان الأمر واضحًا في الأصل، لكن معرفتي بأن تسوكيهي تدرك ذلك بنفسها تستحق الدهشة.
«أنا أحب العدالة، بل أحبها كثيرًا، لكن ليس لديّ مفهوم راسخ خاص بي عنها. كارين تقول كثيرًا أشياء مثل: دم العدالة في عروقي لا يسمح بهذا، أو روح العدالة في داخلي تشتعل.»
«صحيح، تقول ذلك كثيرًا.»
تقول تلك العبارات المحرجة بكل هدوء، وكأنها لا ترى فيها شيئًا غريبًا.
«لكنني لم أشعر بشيء من هذا قط. العدالة موجودة داخل كارين، لكنها ليست موجودة داخلي. أما العدالة التي أؤمن بها… فهي عدالة كارين، وعدالتك أنت أيضًا يا أخي.»
«عدالتي أنا؟»
هاه؟
ما الذي تعنيه بذلك؟
«حتى لو كنت مستشارة فاير سيسترز، ففي النهاية، كارين هي محور فاير سيسترز، وأنا مجرد مساعدة لها، أساندها وأعاونها.»
لو لم تكن كارين واثقة إلى هذا الحد من عدالة ما تؤمن به، لما آمنت أنا بالعدالة أصلًا، لأنها شيء غير مؤكد.
قالت تسوكيهي ذلك بهدوء.
«ومن هذه الناحية، فإن ما تقوله صحيح يا أخي. على الأقل بالنسبة إليّ، عدالتي زائفة. فأنا أتأثر بآراء من حولي بسهولة أكبر مما ينبغي لشخص يدّعي أنه يمثل العدالة.»
«……..»
هممم.
حين تقول ذلك بوضوح ومن تلقاء نفسها، يصبح من الصعب عليّ الرد. وكأنها قررت الاعتراف بالأمر بلا أي محاولة للإنكار.
هذا مختلف تمامًا عما تقوله عادةً.
هل كانت تفكر في كل هذا حين تكون وحدها؟ إنه أمر لم أتوقعه فعلًا.
حين تختلف آراء فاير سيسترز، تكون الأولوية لرأي كارين، لكن ليس لمجرد أنها الأخت الكبرى؛ يبدو أن هناك سببًا آخر وراء ذلك.
كنت أظن أنني أعرف كل شيء عن أختيّ، لكن بينما كنت أحاول إخفاء ارتباكي، واصلت تسوكيهي حديثها:
«إذا كانت كارين تمارس العدالة من أجل الآخرين، فأنا أمارس العدالة بتأثير من الآخرين. كان هناك اختلاف في اتجاهاتنا منذ البداية. لذلك يا أخي، بدأت أشعر أكثر فأكثر بأن وقت فاير سيسترز قد شارف على نهايته. تذكّر ما حدث مؤخرًا، حين تصرفت كارين بمفردها، في تلك الحادثة التي اضطررت فيها إلى استخدام جسدك لإيقافها.»
«آه، صحيح.»
لقد تصرفت بمفردها فعلًا.
كنت قد اعتبرت ذلك مجرد اندفاع مألوف من كارين، لكن الآن، بعدما أشارت تسوكيهي إلى الأمر، ربما كان علامة واضحة أخرى على بداية التغيير.
إنها بداية تخرّج أراراغي كارين من فاير سيسترز.
«…لا بأس بذلك، أليس كذلك؟ أظن أنكما كنتما متقاربتين أكثر مما ينبغي طوال هذه المدة.»
حين انتقلت إلى المرحلة الإعدادية، تغيّر أسلوبي في التعامل مع أختيّ، لكن كارين، سواء كان ذلك أمرًا جيدًا أم سيئًا، لم تغيّر طريقتها في التعامل مع تسوكيهي حتى بعد دخولها المرحلة الإعدادية.
أظن أن ذلك يرجع إلى شخصيتها البسيطة المستقيمة، التي تشبه الخيزران المشقوق، لكن حتى هي لا بد أن تكفّ عن كونها طفلة في يوم ما.
لا بد من ذلك.
لا بد من ذلك!
أرجوكِ، فلتكبري يومًا ما!
…حسنًا، لقد تحولت أمنيتي إلى رجاء ملحّ، لكن المهم أن دخول المرحلة الثانوية سيوسع عالمها.
وقد تتغير بالفعل، ولكن على نحو مختلف عن تغيّري أنا حين أصبحت طالبًا ثانويًا فاشلًا.
ستتغير…
وستنضج.
فهي ما تزال في الخامسة عشرة من عمرها.
وهذا يعني أن أمامها متسعًا كبيرًا للنمو.
«أعرف أن الأمر لا مفر منه، لكنني لا أدري… هل ستبدأ كارين أيضًا في مضايقتي مثلما تفعل أنت حين تصبح طالبة ثانوية؟»
تنهدت تسوكيهي.
«إذا أصبحتم اثنين ضدي، فلن تكون هناك منافسة أصلًا. ستكون مباراة من طرف واحد، واستعراضًا للقوة. سيتحطم توازن اللعبة الذي حافظت عليه حتى الآن تحطمًا كاملًا. سأقضي كل ليلة وأنا أبكي على وسادتي.»
«لا تقولي أشياء تجعلني أبدو سيئًا أمام الناس. أنا أرى نفسي أخًا يعتمد عليه، يهتم بكما ويعتني بكما دائمًا.»
«تعتني بنا؟ ماذا تقصد؟ هل تقصد أن تلمس صدري بينما تنظف أسنانك؟»
«…هاهاها.»
ضحك الأخ الأكبر محاولًا التهرب من الإجابة.
كانت تتحدث معي بعفوية، لكن من المؤسف أنها لم تنسَ ما حدث هذا الصباح… وهذا أمر طبيعي، بالطبع.
لو شاهد أحدهم أخا وأخته يتشابكان فوق السرير في الصباح الباكر، فسيكون ذلك صدمة لا تُمحى طوال الحياة.
«حسنًا، لقد قررت.»
قبضت تسوكيهي يدها بقوة، وكأنها تعلن عن قرارها الداخلي.
«عندما تعود كارين اليوم، سنتحدث. سنتناقش بجدية حول مستقبل فاير سيسترز وما إذا كان ينبغي لنا الاستمرار.»
«ماذا؟ هل يمكن أن ينتهي الأمر بحلّ الفريق؟»
«هذا وارد! بسبب اختلاف التوجه الفني! إذا أرادت كارين الاستقلال، فلن أمنعها! سأودّعها والدموع في عينيّ!»
قلت ذلك مازحًا، أو بالأحرى كنت أعبث معها بوضوح، لكنها أشارت إليّ بإصبعها وكأنني قلت بالضبط ما كانت تنتظره.
يا لها من غبية.
حتى لو ظللت أتمسك بأمل أن تكبر كارين وتصبح أكثر نضجًا حين تدخل الثانوية، فلا يسعني إلا أن أشعر بأن اليوم الذي ستنضج فيه تسوكيهي لا يزال بعيدًا جدًا.
مع أنها تبدو ذكية حين تتحدث عن أمور كهذه.
«وعليك أن تحضر حفلة حلّ الفريق يا أخي! سأدعو الكثير من طالبات الإعدادية!»
«لا مفر من ذلك. سأجد وقتًا وأمرّ لألقي التحية في تلك المناسبة.»
أجبتها بلا اكتراث.
وليس لأن فكرة وجود الكثير من طالبات الإعدادية قد أغرتني، بالطبع.
لكن مهما كانت قوة تصميمها، أظن أن هذا النقاش بين الأختين لن يحدث الليلة على الأقل.
فالمفاجأة المرعبة المتمثلة في اختفاء ذيل حصان كارين، الذي أحبّه الناس طويلًا، ستصدم تسوكيهي أولًا.
وبعدها، من المؤكد أن مخرز تسوكيهي سيهاجمني مجددًا.
هممم، ربما ينبغي أن أطلب من شينوبو أن تمتص قليلًا من دمي احتياطًا، استعدادًا لذلك.
آه، صحيح.
بما أنني تحدثت عن ذيل حصان كارين، فلا بد أن أذكر تسريحة شعر تسوكيهي أيضًا.
كنت هذا الصباح مشغولًا إلى أقصى حد بتفادي هجمات المخرز، ولم أجد فرصة لذكر هذه التفاصيل، لكن تسوكيهي غيّرت تسريحة شعرها مرة أخرى مع بداية شهر أغسطس.
ومع ذلك، على عكس هانيكاوا وسينجوغاهارا وكارين، فإن تسوكيهي تغيّر تسريحة شعرها كما تغيّر ملابسها، لذلك لم يعد الأمر مفاجئًا بالنسبة إليّ.
لكن يبدو أنها لم تكن راضية كثيرًا عن قصة «دَتش بوب» السابقة، إذ غيّرت تسريحتها هذه المرة بعد أقل من شهر، في فترة أقصر من المعتاد.
في الرابع عشر من أغسطس، كان شعر أراراغي تسوكيهي يصل إلى كتفيها، بتسريحة مستقيمة ذات مظهر ناضج. وبما أنها خرجت لتوّها من الاستحمام، كان من الصعب ملاحظة ذلك الآن، لكن أطراف شعرها كانت ملتفة قليلًا إلى الداخل. وبطريقة لا أعرف كيف تحققها، كانت خصلاتها اللامعة تتلألأ رغم أن الضوء لم يكن قويًا، فتبدو التسريحة ناعمة وأنيقة.
حسنًا، إذا نحّيت جانبًا حقيقة أنني أخوها، وقيّمت مظهرها بموضوعية، فيمكنني القول إنها تبدو أكثر نضجًا قليلًا مما يوحي به ما في داخلها.
لكنها تنتقل بين الشعر الطويل المستقيم وقصة البوب وغيرها بسرعة مذهلة… أخشى أن تختار يومًا ما تسريحة «كونرو» ذات الضفائر الملتصقة بالرأس.
سأمنعها بكل قوتي إن حاولت ذلك.
على أي حال، تستطيع تسريحة شعر واحدة أن تغيّر مظهر الفتاة تمامًا. وعلى الرغم من أنني قلت إن مظهر تسوكيهي يبدو أنضج من شخصيتها، فإنني أشعر بأنها أصبحت أقل طفولية قليلًا منذ اختارت هذه التسريحة المستقيمة.
قد يكون الأمر مجرد انطباع لديّ بسبب مظهرها الجديد، لكن حتى ذلك يحمل شيئًا من الأمل. فحين أستعيد ما حدث هذا الصباح، ربما كان استخدام المخرز اختيارًا متساهلًا بالنسبة إلى تسوكيهي. لو كانت لا تزال بقصة البوب، لما استغربت لو أحضرت مثقابًا كهربائيًا من المخزن.
حسنًا، ليس الأمر مهمًا إلى هذه الدرجة.
مجرد تحديث.
أما أنا، فمنذ عطلة الربيع، تركت شعري ينمو دون قصّ كي أخفي آثار العضة التي تركتها شينوبو عند عنقي. وقد فاتتني تمامًا فرصة قصّه، حتى صرت الآن من أصحاب الشعر الطويل إلى حد كبير.
لست أشبه كيتارو من «جيغوكو سينسي نوبي» بقدر ما أشبه ميزاري.
لا، حسنًا، ليس إلى درجة أنني أشبه ميزاري فعلًا.
«إذن، أيها الأخ الحنون، ألم تكن على وشك الخروج؟»
«آه، صحيح.»
لقد انشغلت بالحديث معها أكثر مما ينبغي.
رغم أنني لا أشارك شينوبو الإحساس، فإنني أستطيع أن أتخيل مدى نفاد صبرها داخل الظل.
ربما تلعب بجهاز دي إس، وربما تبكي أيضًا.
بهدوء، وبحزن شديد.
«حسنًا، اعتني بالمنزل في غيابي. أنوي العودة سريعًا. هل تريدين مني شراء شيء في طريقي؟»
«لا شيء. رحلة سعيدة!»
«رحلة سعيدة لي إذن. لكن عودي أنتِ إلى غرفتك بسرعة أيضًا. لا أستطيع فتح الباب بينما تقفين في الممر مرتدية اليوكاتا بهذه الطريقة المنفرجة.»
«ميا؟»
«أقول لكِ ألا تتجولي بهذه الهيئة الفاضحة. لا تتعمّدي ارتداء ملابس تكشف أكثر مما ينبغي.»
الملابس اليابانية التقليدية جميلة، لكن إن كنتِ سترتدينها، فارتديها كما ينبغي.
يا لكِ من مبتدئة.
حتى طريقة لفّ الحزام عشوائية، ولذلك فإن صدرك وساقيك ظاهرين تقريبًا… ومع أن جسدك يشبه جسد الأطفال، فلا يوجد في الأمر أي إثارة على الإطلاق.
بل إن رؤيته تزعجني.
…همم؟
أوه، يا ترى؟
«مهلًا يا تسوكيهي.»
«نعم؟»
«سأخلعها.»
أعلنت ذلك، ومددت يدي نحو عقدة حزام اليوكاتا.
«هاه؟ ماذا؟ لا، توقف يا أخي! ماذا تفعل؟ لاااا!»
حاولت تسوكيهي المقاومة، لكن على عكس كارين، فهي ليست أختًا مقاتلة، ولذلك كانت مقاومتها أشبه بالعدم بالنسبة إليّ.
لديّ خبرة واسعة في المواجهات الحقيقية، كما تعلمون.
لم أتمكن من التصرف تمامًا مثل ذلك المسؤول الفاسد في مسلسلات الساموراي، لكنني فككت الحزام بسرعة، وخلعت اليوكاتا عنها بقدر ما استطعت، ثم استخدمت الحزام لربط معصميها، واعتليت جسدها وألقيتها على أرض الممر.
لو انفتح الباب الأمامي في هذه اللحظة بالذات، لكانت الصورة كارثية بكل معنى الكلمة.
لو كانت كارين هي التي عادت إلى المنزل، لربما أمكن تدارك الأمر، لكن لو كان والدانا، الثنائي الأبوي، هما من فتحا الباب، فستنتهي الأمور حقًا.
سينتهي المسلسل كله عند هذا الفصل.
يا لها من نهاية مروعة، تجعل المرء يتمنى لو أن القصة اكتفت بإنهاء أحداثها الأساسية فحسب.
لكن ما هذا؟ يبدو أن رصيدي من المحبة لا يتحسن اليوم على الإطلاق.
إنه لا ينخفض فحسب، بل يهبط هبوطًا حادًا، كأنني أسقط في خط مستقيم، دون أن أجد نقطة أتوقف عندها.
هكذا تمامًا.
«همم؟ نعم، كما توقعت.»
«ماذا؟ ماذا؟ ماذا يحدث؟ ما الذي يجري الآن؟ لماذا أجد نفسي عارية على يد أخي، ومقيّدة، ومطروحة أرضًا؟»
«لا شيء يا تسوكيهي. ألم يكن لديكِ جرح في هذه المنطقة؟»
أشرت إلى منطقة صدر تسوكيهي.
إنها منطقة تغطيها الملابس الداخلية عادةً، لكن بما أنها خرجت لتوّها من الاستحمام، فلم تكن ترتدي حمالة الصدر الرياضية ذات القماش الناعم، ولذلك كانت المنطقة مكشوفة تمامًا.
رأيتها من خلال فتحة اليوكاتا التي انفرجت قليلًا، فساورني الشك… واتضح أنني كنت محقًا.
الجرح الذي كان ينبغي أن يكون هناك… اختفى.
إنه جرح لا يُنسى، ولذلك أتذكره جيدًا.
بل إنه ليس شيئًا يمكن نسيانه أصلًا.
لم يكن مجرد «حادثة»، بل كان «واقعة» بكل معنى الكلمة.
جرح أصيبت به تسوكيهي حين كانت في المرحلة الابتدائية. لا أعرف على وجه الدقة ما السبب، لكن الأمر انتهى بها إلى الوقوع في مشكلة والتسبب في مشكلة أخرى، ثم القفز من سطح مبنى المدرسة.
لم ترتطم بالأرض؛ إذ صادف أن شاحنة كانت متوقفة في نقطة سقوطها، فسقطت على غطائها القماشي، كما لو أن الأمر مشهد من فيلم كونغ فو. وهكذا نجت من الموت، لكن إصاباتها كانت خطيرة للغاية.
ومن بين تلك الإصابات، كان الجرح في منطقة الصدر، الذي سبّبه إطار غطاء الشاحنة حين اخترق جسدها مباشرةً. وقد أكد الطبيب، بثقة لا تقبل الجدل، أن ذلك الجرح لن يختفي طوال حياتها.
ومع ذلك…
همم؟
«هاه؟ انتظري، الآن بعد أن فكرت في الأمر، لا توجد أي ندوب على جسدك.»
حين انتبهت إلى الأمر، أدركت أن الأمر لا يقتصر على ذلك الجرح.
بما أن تسوكيهي تنتمي إلى فاير سيسترز، وتلعب دور حارسة العدالة، لكنها لا تملك مهارات القتال الاستثنائية التي تتمتع بها كارين، فقد كانت تعيش حياة لا تخلو من الجروح والكدمات.
آه، عذرًا، ولأكون صريحًا، فإن شجاراتها معي كانت سببًا لا يُستهان به من أسباب تلك الجروح أيضًا… لكن آثارها اختفت جميعًا.
لم يبقَ منها أي أثر.
بشرة ناعمة ونقية، بلون وردي خفيف بعد الاستحمام.
كأنها بيضة مصقولة.
لامعة وناعمة.
لا بد أنها تطرد الماء عنها بسهولة مذهلة.
«ستلتئم الجروح، هذا طبيعي. فأنا بشر.»
«همم؟ آه، صحيح.»
هذا صحيح، بالطبع.
لكن…
ثمة شيء غريب في الأمر.
بل لماذا لم ألاحظ ذلك من قبل؟
صحيح أنني لا أتفحص بشرة أختي طوال الوقت ــ أي نوع من المنحرفين سأكون لو فعلت ذلك؟ ــ ولذلك لا أستطيع الجزم تمامًا… لكن هل يمكن أن تكون هذه طبيعة أجساد الشباب؟
هل السبب هو تجدد الخلايا؟
هممم.
«على أي حال، هل يمكنك أن تنهض عني الآن يا أخي؟ إذا كنت تريد التأكد من وجود الجرح أو اختفائه، فخلع ملابسي ربما كان له مبرر، لكن ربط معصمي واعتلائي ودفعِي إلى الأرض لم تكن أمورًا ضرورية على الإطلاق.»
«صحيح، هذا صحيح.»
لقد اندفعت في الأمر دون تفكير.
أي نوع من الإخوة يطرح أختيه أرضًا في يوم واحد؟
هممم.
على الأقل، لو كانت الندوب قد ازدادت، لكان الأمر مقلقًا، لكن اختفاء الندوب يبدو خبرًا سارًا، أليس كذلك؟
فهي فتاة في النهاية.
لا يمكنها أن تتباهى بإصابات الشرف وما شابه ذلك إلى الأبد.
وبعد أن اقتنعت بهذا ــ فالأمر في الأصل ليس غريبًا إلى هذه الدرجة ــ لمست صدر تسوكيهي، ثم ابتعدت عنها.
«لماذا لم تبتعد عني إلا بعد أن لمست صدري؟!»
«لا أعرف. هكذا فحسب.»
بما أن الفرصة سنحت.
مثل المكسب الإضافي في طريق العودة.
ولو أردت التعبير عنها بكلمتين يابانيتين قصيرتين، فالأمر ببساطة أنني فعلتها دون تفكير.
«كان في متناول يدي، ففكرت أن أرى كيف يبدو.»
«بهذه العفوية؟!»
«أجل. هيا. بوي. بوي، بوي، بوي.»
«لا تلمسني بقدمك! لا توجد أي مؤثرات صوتية مرحة من هذا النوع!»
«فاير!»
«لن أُطلق سلسلة هجمات!»
«آيس ستورم. دايا كيوت. برين دامد. جوغيم. بايوين!»
«با-تان-كيوو!»
بالطبع، لم تسقط أي قطع مزعجة من نوع «بويُو» فوق رأسي… حسنًا، ربما كان هناك عدد من القطع المتوقعة فوق رأسي يكفي لإحداث كارثة، بل كانت كلها قطعًا صلبة.
لكن، بوصفي من محبي سلسلة «ماادو مونوغاتاري»، أتمنى أن أتمكن من تنفيذ سلسلة من سبع حركات متتابعة في الواقع مرة واحدة على الأقل قبل أن أموت.
«كفى يا أخي! لقد لمست صدر أختك مرات كثيرة جدًا!»
«إذا اقتطعتِ هذه العبارة وحدها من سياقها، فستجعلني أبدو كشخصية غريبة جدًا…»
لم يتبقّ شيء من رصيد المحبة.
لا تكفي كلمات مثل «وحشي» أو «شيطان» لوصف ما أصبحت عليه.
أنا شرٌّ مطلق، شيطانٌ من طراز رفيع.
«سأستخدم هذه العبارة في ملصق ترويجي في المكتبات!»
«أي مكتبة ستقبل باستخدام ملصق كهذا؟»
«أتمنى أن أجد مكتبة تجرؤ على ذلك.»
«لا تحرّضيهم على هذا!»
أي نوع من الإضرار بسمعة الآخرين هذا؟
«حقًا، يا لك من أخ… حقًا، حقًا.»
نهضت تسوكيهي عن أرض الممر، وراحت تتمتم وهي تعيد ارتداء اليوكاتا التي خلعتها عنها على عجل.
«إذا واصلت فعل أشياء كهذه، فسنضطر حقًا إلى إخبار هانيكاوا بكل ما تفعله، يا أخي.»
«أتمنى ألا تفعلا ذلك.»
لا أعرف مقدار الغضب الذي سأواجهه.
لكن، حين أفكر في الأمر بهدوء، يبدو أن معاييري واضحة إلى حد ما.
هناك أشخاص يجوز لي لمسهم، وأشخاص لا يجوز لي لمسهم.
«حقًا، حقًا، حقًا! لماذا علينا نحن الأختين أن نحافظ على علاقة بريئة مع حبيبينا، بينما نضطر إلى إقامة علاقة عميقة مع أخينا؟»
«لا تتحسري على ذلك. من يدري، ربما تتعرض كارين الآن للموقف نفسه.»
علاقة عميقة، أو بالأحرى علاقة من نوع قصص الحب الموجهة للمراهقين… وعلى يد زميلتي الأصغر سنًا تحديدًا.
حين أفكر في الأمر بهذه الطريقة، يمكن القول إن فاير سيسترز تظلان مرتبطتين ببعضهما حتى في الأماكن التي لا أراها.
لكن، حبيب؟
إنهما تملكان حبيبين بالفعل.
«آه، ما اسمه؟ حبيبك هو روسوكوزاوا، أليس كذلك؟ هل ما زلتما معًا؟»
«آسفة، لكن علاقتنا ممتازة. نحن عاشقان، بل عاشقان حتى الانفجار. أما ميزودوري، حبيب كارين، فقد سمعت أن بينهما بعض النشاز مؤخرًا… لكن علاقتهما تسير على ما يرام في الأساس. وبالطبع، لو عرفا أن أخانا يعاملنا بهذه الطريقة، فسنضطر أنا وكارين إلى الانفصال عنهما.»
«همم.»
هذا يثير غضبي بطريقة ما.
إن حقيقة أن لأختيّ حبيبين أمر لا أستطيع تقبله بوصفـي أخاهما. وفوق ذلك، فإن وجود حبيب في المرحلة الإعدادية أمر يدعو إلى الحسد.
ليتهما تنفصلان.
لكن، إذا انكشف لهما ما أفعله بأختيّ، فقد تتركني سينجوغاهارا أيضًا، وتقدّم لي ورقة الطلاق ذات الثلاثة أسطر.
ولهذا، حتى لو كانت قد أصلحت سلوكها، فلا أستطيع تقديم سينجوغاهارا إلى أختيّ بوصفها حبيبتي بعد.
إن مجرد معرفتهما بوجود ورقة هانيكاوا تسوباسا في يدي يجعلني في مأزق كبير.
وهانيكاوا ليست حليفة لي في هذه المسألة، على أي حال.
«حسنًا، سأذهب الآن فعلًا.»
«لا تعد! لم يعد لك منزل تعود إليه يا أخي!»
«كلا، سأعود حتمًا… إلى داخل صدرك!»
وهكذا، بعد تبادل عباراتنا بلغة الإخوة، التي تجعل كلًّا منا يفهم الآخر من كلمة واحدة، انتظرت حتى رأيت تسوكيهي تصعد إلى الطابق الثاني، ثم فتحت الباب الأمامي أخيرًا وخرجت.
وبطبيعة الحال، لم يكن من الممكن أن أتوقع في تلك اللحظة أنني لن أمد يدي إلى باب هذا المنزل مرة أخرى أبدًا.
لم يكن ذلك أمرًا يمكنني توقّعه، بطبيعة الحال، في ذلك الوقت.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.