اذكر الله
…
على الحدود الغربية.
حلقت العديد من الأسود في السماء، وحمل كل اسد منهم محارباً ضخماً فوق ظهره، وكانت اعدادهم بالآلاف!
كانت هذه الأسود ناصعة البياض، لبدتها تشبه في هيئتها السحاب المتراكم فوق بعضه، وحول مفاصل اقدامها من الأسفل كان توجد كتلة سحاب صغيرة تزيدها فوق الجمال جمالاً!
كانت هذه اسود السحاب، وحوش تنتمي لقانون صغير يسمى قانون السحاب الأساسي. وكما من اسمها فإن مناطق عيشها كانت بين السحب في السماء.
هذه الوحوش لم تكن تمتلك اجنحة لتطير بها، لكن بفضل تقاربها مع قانون السحاب، وبفضل خصائص اجسادها المميزة، فقد كانت تستطيع الطفو في السماء دون اي مشاكل، وحتى سرعتها كان اسرع من معظم الوحوش الطائرة، هذا بغض النظر عن قوتها البدنية الهائلة وقوة تحملها، مما جعل هذا الوحش هو المطية المثالية لإمبراطورية الاسد الذهبي.
وفوق اسود السحاب، جلس محاربي عرق الأسد الذهبي، المدرعين بدروعهم الذهبية المميزة، حاملين اعلام الإمبراطورية، والمرسوم عليها رجل يصارع اسد!
“ايها القائد، امامنا الآن مملكة تدعى بالتنين الأزرق، وهي التي عثر عليها كشافتنا!” اقترب رجل من قائد البعثة وتحدث بما لديه.
جلس قائد البعثة على اسد سحاب عملاق اكبر من بقية الأسود، وعندما سمع اسم التنانين تبدلت ملامح وجهه للإشمئزاز على الفور “تلك السحالي القذرة، إقبضوا على كل من في تلك المملكة، سيتم اسرهم وتحويلهم الى عبيد!”
“عُلم ايها القائد!”
…
الحدود الجنوبية.
لو وقفت في المنتصف، على الخط الفاصل بين اليابسة والماء، لوجدت ان احد الجانبين كان مياهاً على مد البصر، وعلى الجانب الأخر راملاً حتى اقصى الأفق.
رمال لا ترى لها نهاية مهما نظرت، وفي هذه اللحظة، وفي هذه المنطقة، نزل من السماء عشرة سفن هائلة الحجم، احجامها ضعف حجم سفن امبراطورية التنانين وبقية الامبراطوريات، سفن بيضاء وزرقاء اللون، عليها شعار لشجرة اوراقها زرقاء وجذعها بني مائل للخضرة… رمز شجرة المهد الخالدة!
نزلت السفن تدريجياً حتى توقفت على مسافة من الرمال ولم تهبط اكثر، وخرج منها اكثر من عشرة اشخاص، كانوا جميعهم من الجان، وسرعان ما اجتمعوا ليتناقشوا فيما بينهم…
“هل نتوقف هنا ام نكمل؟” نظر احد الجان ذو شعر اخضر حوله الى الصحراء اللامتناهية وتحدث في عدم راحة.
بصفته جان من نوع جان الخشب، والذين كانوا يميلون اكثر الى شق تكوين النبات والأخشاب من قانون التكوين، فهذه البيئة لم تكن مناسبة لهم البتة!
“اقول ان نستريح هنا قليلاً ونكمل في الغد؟” تحدث جان اخر من المستوى الخامس ذو شعر ازرق، ولكن سرعان ما عارضه القائد ذو الشعر الأسود…
“كلا يجب ان نكمل المسير، لقد التقطت السفن بالفعل إشارة المنظمة القديمة التي تركها السلف ورائه قبل المغادرة من هذه القارة، يجب ان نذهب ونتحقق ان كانت تلك المنظمة لازالت موجودة ام لا!”
اومأ بقية القادة عند سماع هذا، وعاد الجميع الى السفينة التي يقودها، وسرعان ما اكملوا مسيرتهم عابرين الصحراء الكبرى في جنوب القارة الأم، والتي تقدر مساحتها بخمسة بالمئة من مساحة القارة الكلية، وبعد اكثر من ساعة اخرى من السفر، عبروا اخيراً الصحراء الكبرى، ولكنهم لم يتوقفوا عن السفر.
فقط بعد تجاوز عدة مناطق اخرى، ولم يكن يفصلهم عن غابة النور سوى بضع مناطق قليلة، وصلوا الى المنطقة المرادة، ووقفوا امام احد الجبال.
نزل القادة العشرة معاً امام احد الكهوف، وتحديداً الكهف الذي يلتقطون منه الإشارة، وبمجرد وصولهم الى مدخل الكهف، وجدوا عجوزاً اصلع اهلكه العمر يجلس امام الكهف ممسكاً بعصاه.
لم يكن هذا العجوز سوى مجرد جان من المستوى الثالث، ولكن بمجرد ان شعر بقدوم الزوار الجدد، لم يهتم بمكانتهم او قوتهم او من هم حتى، بل فتح فمه المتشقق بصعوبة واستطاع النطق بالكاد…
“اركانين مولا سيلي!”
عندما سمع القادة هذه الكلمات استغربوا جميعاً ونظروا نحو بعضهم البعض في حيرة، ما عدا القائد ذو الشعر الأسود، فقد تقدم الى الأمام وتحدث هو الأخر بتلك اللغة غير المفهومة…
“ارشيديس مولا نالي!”
عند سماع هذا، فتح العجوز عينيه البيضاء والعمياء بصعوبة شديدة، ونزل الدمع من عينيه، ورفع عصاه وضرب بها احد الصخور بجانبه، فانفتح باب جانبي من الجبل، كان بعيداً قليلاً عن الكهف ببضعة عشرات من الأمتار، وأشار اليه العجوز وقال بلغة مفهومه “تفضلوا بالدخول ايها المبشِّرون!”
اومأ القائد ذو الشعر الأسود، وتقدم نحو الباب الحجري وتبعه بقية القادة، وسأل قائد ذو شعر ابيض “ما كانت تلك اللغة غير المفهومة تلك؟”
سار القائد ذو الشعر الأسود في المقدمة، وأجاب دون ان يلتفت حتى “انها لغة قبيلة البشر الذين تحولوا الى جان قبل اكثر من مائة الف عام، هذا قبل ان يتم توحيد اللغة بين الامبراطوريات الاربعة، وقبل ان توجد الامبراطوريات الاربعة حتى. وقد تم اعتمادها لدينا لكتابة وإيصال الرسائل فائقة الاهمية، ولا يتقنها سوى قلة قليلة من الجان، وقد تم حرق جميع المخطوطات الخاصة بها تقريباً، ولا يتم تعلمها او تعليمها سوى من قِبل معلم يتقنها!”
“اذاً لماذا هذا العجوز يتقنها؟” سأل قائد اخر ذو شعر احمر.
“انه لا يتقنها، بل يعرف بضعة كلمات فقط ويعرف الرد عليها، ويبدوا انه الموكل بانتظار المبشرين ‘نحن’!”
“موكل بانتظارنا، اذاً هل ينتظرونا منذ مئة الف عام!” تحدث قائد ذو شعر ذهبي ونظر البقية نحو القائد ذو الشعر الأسود بذهول.
هم لم يعلموا ما هي هذه المنظمة ولا اية تفاصيل عنها سوى انها منظمة تم تركها من قِبل الاجيال الاولى قبل مغادرتهم القارة، ومن يعلم بعض تفاصيلها هو القائد ذو الشعر الأسود، اما هم فعندما سمعوا اسم منظمة قديمة ظنوا على الفور انها لم تعد موجودة او انشقت وشكلت كياناً مستقلاً بحلول الآن، فمن سينتظر مائة الف عام بحق الخالق الواحد دون ان يرى املاً لانتظاره او ثمناً، وخاصة انه لم يتواجد اي نوع من الاتصال بينهم وبين هذه المنظمة طيلة المئة الف عام!
امام هذا السؤال، ابتسم القائد ذو الشعر الأسود بخبث وقال بسخرية “اجل كانوا ينتظرون، فلم يكن امامهم اي خيار اخر!”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.