الفصل 751: سيد بلا شمس
في إحدى قاعات المحاضرات المحصنة في أكاديمية المستيقظين، كان مدرج كبير يمتلئ ببطء بالطلاب. ومع ذلك، لم يبدُ أولئك الشبان والشابات مثل نائمين عديمي الخبرة. بل على العكس، امتلك معظمهم الثقة الصارمة التي يتحلى بها المحاربون المخضرمون الذين صقلتهم المعارك.
كانوا حادين وقساة الملامح، وتظهر عليهم العلامات الواضحة لأولئك الذين عادوا للتو من عالم الأحلام. وللسبب نفسه، سرت في حشد الطلاب طاقة وحيوية نموذجية لأشخاص لامسوا الموت مؤخرًا، لكنهم نجحوا في الإفلات من قبضته أحياء.
كان هؤلاء هم المستيقظون الجدد. فبعد عدة أسابيع من الانقلاب الشتوي، وجد معظم المقدر لهم النجاة طريقهم بالفعل إلى قلعة بشرية وعادوا إلى عالم اليقظة. والآن، كانوا يستقرون في حياتهم ومسؤولياتهم الجديدة.
وبينما اختار البعض شق طريقهم الخاص، قرر الكثيرون البقاء في الأكاديمية لفترة أطول قليلًا. فلم تكن مناهجها موجهة للنائمين فقط بعد كل شيء؛ بل كُرّس جزء أكبر من المجمع للتدريب المستمر للطلاب المستيقظين.
فمجرد نجاة المرء من بوتقة مغامرته الأولى في عالم الأحلام لا يعني أنه يستطيع التوقف عن التعلم، بعد كل شيء. في الواقع، وفي مواجهة تحدياته العديدة، تعلم معظم الناجين درسًا حاسمًا واحدًا.
مهما كان استعدادهم كبيرًا، فإنه لن يكون كافيًا أبدًا.
…صحيحٌ أن المحاضرة التي كان هؤلاء المُستيقظون الشباب على وشك الاستماع إليها لم تكن جزءاً من مساقٍ دراسيٍّ ذي شعبية؛ فالمقرر الذي يحمل عنوان “إدارة الموارد خلال الحملات الاستكشافية الطويلة والتنقل بين القلاع” لا علاقة له بالتدريب القتالي أو التمكن من “الجوانب”. ولهذا السبب، كان المساق مغموراً وغير رائج.
كان السبب وراء احتشاد الطلاب بأعداد كبيرة يعود إلى هوية المحاضر أكثر من كونه متعلقاً بموضوع المقرر الدراسي؛ فبصفته صاعدًا ويتمتع بشهرة واسعة، شكّل هذا المحاضر النجمُ عامل جذبٍ لا يُقاوم بالنسبة للطلاب المُستيقظين.
ومن كان أجدر بتعليمهم من شخصٍ واجه مخاطر عالم الأحلام بشجاعة، وقضى بيديه على عددٍ لا يُحصى من مخلوقات الكابوس؟
ومع اقتراب موعد المحاضرة، استقر الطلاب في مقاعدهم داخل المدرج وانتظروا وصول المحاضر.
وكان من أواخر الداخلين شاب يرتدي ملابس مدنية أنيقة، يغلب عليها اللون الأسود مع لمسات رمادية هادئة. ألقى الشاب نظرة خاطفة على المستيقظين الشبان، ثم تقدم نحو وسط المدرج.
نظر إليه بضعة أشخاص في حيرة.
وبدلًا من الانضمام إلى زملائه الطلاب، سار الشاب نحو مكتب المعلم ومد إحدى يديه. ولدهشة الجميع، كان يستدعي ذكرى!
والأغرب من ذلك، أن تلك الذكرى اتضح أنها على هيئة كرسي خشبي بديع. وضع الفتى الغريب الكرسي، ثم جلس خلف المكتب ونظر إليهم وكأن هذا أكثر الأمور طبيعية في العالم.
فتح العديد من المستيقظين أفواههم للتنديد بتصرفاته الصبيانية، لكنهم ترددوا بعد ذلك. ورغم أنه كان من المحتم أن يثير هذا الطالب غريب الأطوار غضب المحاضر بسلوكه غير المحترم، إلا أنه كان هناك شيء ما فيه يفرض الانتباه. والسبب الآخر لترددهم هو أنه كان… جذابًا لدرجة لا تُصدق.
لم يكن الشاب طويل القامة، لكن بنيته الرشيقة ولباسه الأنيق أضفيا عليه سحرًا بالغًا. وببشرته الخزفية وشعره الأسود الحالك، بدا وكأنه دمية رائعة الجمال. أما عيناه الداكنتان المميّزتان، فكانتا تبدوان وكأنهما تلمعان بمسحة من المرح الودود..
وفي الوقت ذاته، كان هناك شيء بارد فيهما جعل كل من أطال النظر إلى الشاب يقشعر.
وكأن الظلال ازدادت عمقًا قليلًا من حوله.
وبعد لحظات قليلة، تنحنحت إحدى الشابات في الصف الأول وقالت بنبرة ودودة:
“مهلًا! من الأفضل أن تتحرك قبل وصول السيد بلا شمس. هناك مقعد شاغر هنا… إم… بجانبي مباشرة…”
نظر الشاب إليها وابتسم بلطف.
وفي الوقت ذاته، همست الفتاة المجاورة لها بغيظ:
“ماذا تفعلين؟! هذا هو السيد بلا شمس، أيتها الغبية!”
اتسعت عينا الفتاة الأولى ببطء، ثم احمر وجهها خجلًا ورفعت إحدى يديها لتغطي فمها في ذعر.
سرت موجة من الهمسات عبر المدرج.
“ماذا؟ هذا هو السيد بلا شمس؟”
“لكنه في مثل عمرنا!”
“بالطبع هو في مثل عمرنا! لم يستغرق الأمر منه سوى أقل من عامين حتى يرتقي! لماذا تظنون أنه مشهور أساسًا؟!”
“…إنه لا يشبه أبدًا الممثل الذي لعب دوره في أغنية الضوء والظلام! لا بد أن مخرج اختيار الممثلين مجنون!”
تنحنح ساني، الذي استمع إلى كل ذلك بالابتسامة اللطيفة ذاتها. وعلى الفور، ساد الهدوء بين الطلاب.
“صباح الخير، أيها المستيقظون. أنا الصاعد بلا شمس. يمكنكم مناداتي بالسيد بلا شمس، أو ببساطة سيد. مرحبًا بكم في المحاضرة الأولى من مساق إدارة الموارد أثناء الحملات الاستكشافية الطويلة والتنقل بين القلاع. وكما قد يعلم بعضكم، لدي قدر ضئيل من الخبرة في ذلك…”
دوت ضحكات مهذبة قليلة من الحضور، مما جعله يجفل داخليًا.
‘تبًا. جمهور صعب المراس!’
وبما أن هذا كان يومه الأول كمعلم في الأكاديمية، فمن غير المستغرب أن ساني كان متوترًا. فقد فضل بكثير قتال غرفة مليئة بمخلوقات الكابوس على التحدث أمام غرفة مليئة بالناس.
كان بإمكانه قتل مخلوقات الكابوس، على الأقل!
صمت ساني للحظة، ثم قال:
“سوف نستكشف مواضيع مختلفة على مدار هذه المحاضرات. ولكن أولًا، دعوني أطرح عليكم سؤالًا…”
نظر إلى طلابه وابتسم.
“ما هو التهديد الأكبر لحياتكم في عالم الأحلام؟”
وإجمالًا، سارت المحاضرة بشكل أفضل مما توقع ساني. ولولا حقيقة أن العديد من الطالبات حدقن فيه بحدة مبالغ فيها لسبب ما، لكان مرتاحًا تمامًا في تدريس هؤلاء المستيقظين الشبان.
ففي النهاية، كان يبني الدروس على تجربته الخاصة، والطلاب، وإن لم يكونوا متمرسين في المعارك مثله، لم يكونوا هواة بأنفسهم. فكل واحد منهم نجا من الكابوس الأول ومن رحلة إلى عالم الأحلام. لذا، كانت المحاضرة أقرب إلى تبادل للمعارف بين محترفين منها إلى درس تقليدي.
حتى أنها كانت تجربة منعشة، مقارنة بجلسات التدريس الخصوصي مع رَين. ومع أن أخته كانت موهوبة ومجتهدة للغاية، ناهيك عن أن التواجد معها كان لطيفًا، إلا أن هناك أمورًا كثيرة لم يستطع ببساطة شرحها لها بالكلمات.
ومع تنهيدة، أطفأ ساني جهاز العرض ونظر إلى المدرج الفارغ.
هل أصبحت هذه حياته الآن؟
مرت ستة أشهر منذ عودة الفوج من الكابوس الثاني. وخلال هذا الوقت، حدثت أمور كثيرة. احتفل بعيد ميلاده العشرين قبل بضعة أسابيع فقط… كانت بعض التغييرات جيدة، وبعضها سيئًا.
في الجانب الإيجابي، تمكن من قضاء الكثير من الوقت مع رَين، يعلمها كيف تحمي نفسها ويتقرب منها ببطء. غير أن ساني كان حريصًا على ألا يبدو ودودًا أكثر من اللازم، إذ كان لا يزال لا يريد لأحد، بما في ذلك الفتاة نفسها، أن يعرف أنهما شقيقان.
كما قضى الكثير من الوقت يتحدث إلى أيكو محاولًا تحويل المتجر المذهل إلى عمل تجاري صغير ولكنه مزدهر.
ومع ذلك، كانت هناك مشكلة كبيرة تخيم على كل ما يفعله.
فمنذ عودته من الكابوس، لم يتمكن ساني من دخول عالم الأحلام مرة أخرى. لقد أمضى الأشهر الستة كاملة في أمان عالم اليقظة. وكان السبب وراء ذلك هو الموقف الغريب الذي وجد نفسه فيه مع عشيرة فالور.
ورغم أن القديسة تايريس بذلت كل ما في وسعها لحماية ساني وكاسي من غضب القبيلة العظيمة، إلا أن نفوذها لم يكن بلا حدود. فقد وقعت عشيرة الريشة البيضاء نفسها في ورطة حقيقية مع أسيادها. وحسب ما علمه ساني، فقد عُزلوا من حكم الجزيرة المقيدة وكُلفوا بواجب آخر.
وما كان ذلك الواجب، لم يكن يعلم.
لكان كل من كاسي وهو في وضع سيئ لو بقيا مستيقظين. غير أن الارتقاء غيّر الأمور جوهريًا ومنحهما مساحة أكبر للمساومة. فإذا كانت العشائر العظيمة من قبل تميل إلى إخفائهما، فقد أصبحت الآن أكثر حذرًا في أسلوب تعاملها.
وهو ما لم يعنِ أن كل شيء على ما يرام.
فالقضية كانت بالغة الدقة والحساسية لدرجة تصعب معها تسويتها بسرعة. لذا، استغرقت الاستعدادات للمفاوضات وقتًا طويلًا. وفي الوقت الراهن، كان عليهما كلاهما حماية أنفسهما.
كانت الأمور أسوأ بكثير بالنسبة لكاسي، التي بدت أكثر تورطًا في هروب موردريت. فبعد كل شيء، كانت قد طلبت التمركز في معبد الليل، لتغادر بعد فترة ثم تعود مسببة الكارثة.
وبما أن لا أحد باستثناء القديسة تايريس كان يعلم بشأن صدام ساني مع وحش المرآة، كان من السهل الاعتقاد بأن كاسي تواصلت مع الأمير السجين أثناء إقامتها في القلعة، ثم دبرت هروبه… أو أن هذا الهدف كان في ذهنها منذ البداية.
ونتيجة لذلك، أصبحت الأمور سيئة بعض الشيء بالنسبة لحراس النار. فبعد اختفاء اثنين منهم، احتمى الباقون في البرجين الأبنوسي والعاجي، حيث وفر لهم محيط اللهب الإلهي والسحق الحماية من أي تهديد. ونادرًا ما عادوا إلى عالم اليقظة لتفادي المشاكل.
كان ساني على الجانب المقابل تمامًا. فبفضل السيدة جيت، حظي ببعض الحماية من الحكومة. وبما أن العشائر العظيمة تمتلك نفوذًا هائلًا في عالم الأحلام لكنها لم تكن بالقوة ذاتها في عالم اليقظة، فقد نُصح بالبقاء هناك لبعض الوقت.
وهو ما عنى أنه قادر على التمتع ببعض الهدوء والسكينة لبرهة من الوقت.
…لكنه عنى أيضًا أنه لم يكن قادرًا على صيد مخلوقات الكابوس وتشبيع الأنوية لديه، ما لم تُفتح بوابة فجأة في مكان قريب.
كانت هذه… مشكلة.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.