بشائر الحرب
هناك حرب عظيمة تلوح في الأفق، وكل من يراقب المشهد الجيوسياسي الحالي بتمعن يدرك أن هذا هو المصير المحتوم. وقريبًا، سيبدأ الرايخ الألماني في الاستعداد لهذه الاحتمالية. المشكلة أنني أخشى أن تؤدي الخطط الحالية التي وضعها بعد العجائز الدين تجاوزهم التاريخ إلى كارثة محققة.
باختصار، كل ما يتطلبه الأمر هو شرارة واحدة لتفجير هذا الوضع المتوتر. وعندها، سينجر العالم بأسره إلى حرب شاملة. يبدو أن هذا المصير لا مفر منه، خاصة مع تركيز الإمبراطورية النمساوية المجرية على منطقة البلقان.
دخل برونو إلى غرفة مزينة بخريطة كبيرة للعالم، تُعرض على طاولة ضخمة، حيث وُضعت قطع تمثل القوات الروسية واليابانية. كما توقع برونو، كان الجيش الروسي قد تراجع إلى موكدين، ويقوم حاليًا ببناء تحصينات في المنطقة. في هذه الأثناء، كانت قوات الجيش الثالث الياباني ووحداته المساندة تتحرك لمحاصرة الموقع الروسي، وفقًا للاستراتيجية التي اقترحها برونو.
بهذا المعدل، يمكنني القول بكل ثقة أن الحرب ستنتهي بحلول موسم الخريف . هجوم أخير في موكدين، وسيتم القضاء على الجيش الروسي في الشرق، مما سيترك للقيصر الروسي خيارًا واحدًا وهو الاستسلام.
رأى برونو في ذلك فرصة للحديث، ونظر إلى الخريطة، وإلى خطوط المعركة الحالية. سارع بالتعليق على الوضع العام للحرب، ومكانة اليابان في العالم.
عندما لاحظ الجنرالات اليابانيون دخول برونو، تحول انتباههم إليه سريعًا، كما فعل الإمبراطور ميجي الذي كان يقف عند الخريطة ويحرك قطعًا تمثل قواته. استقبل الإمبراطور برونو بملامح جدية، ورحب به في غرفة حربه الخاصة.
لكن لا يمكن السماح بحدوث ذلك. الماركسية ليست مجرد فكرة، بل أيديولوجية مدمرة وخطيرة، تستغل سذاجة الحمقى وحماس المثاليين الذين يجهلون الطبيعة الحقيقية للبشر. هذا الجهل العميق بالطبيعة البشرية سيقودهم حتمًا إلى ارتكاب فظائع لا مثيل لها في التاريخ، هذا إن تمكنوا من الوصول إلى السلطة يومًا ما.
“جنرال ماجور، يسعدني أنك أخذت استراحة من الاحتفالات لتنضم إلينا في أمور أكثر أهمية. الضباط التابعون لك قاموا بعمل ممتاز في توجيه جنرالاتي حول كيفية التقدم في موكدين. المعركة ستبدأ كما هو مخطط خلال أسبوعين على الأكثر، وهذا قبل وصولك لرؤية نهاية هذه الحرب مرة واحدة وإلى الأبد. لكن هذا ليس السبب الذي دعوتك لأجله، أيها الجنرالات والأدميرالات، أنتم معذورون.”
تقدم برونو نحو الخريطة وأشار إلى بعض القطع التي تمثل جيوش القوى العظمى الأوروبية، بما في ذلك الرايخ الألماني والإمبراطورية الروسية، وسأل بسرعة عن الإذن لتحريكها.
أومأ الجنرالات والأدميرالات اليابانيون برؤوسهم احترامًا، وألقوا التحية للإمبراطور قبل أن يغادروا الغرفة، مع إلقاء نظرات على برونو، على الأرجح كانوا يغارون من المكانة التي اكتسبها الأجنبي لدى الإمبراطور ا.
إذا خرجت الأمور عن السيطرة وفشل القيصر في احتواء هذه الثورة، فسأقوم بما يلزم للقضاء على البلاشفة*2، حتى لو تطلب ذلك مني التخلي مؤقتًا عن منصبي والعمل كجنرال تحت راية القيصر. لا يمكن السماح لهذا الفكر المسموم بأن يجد طريقه إلى قلوب وعقول الشعب، حتى وإن استدعى ذلك اتخاذ إجراءات صارمة ضد مؤيديه .
إذا خرجت الأمور عن السيطرة وفشل القيصر في احتواء هذه الثورة، فسأقوم بما يلزم للقضاء على البلاشفة*2، حتى لو تطلب ذلك مني التخلي مؤقتًا عن منصبي والعمل كجنرال تحت راية القيصر. لا يمكن السماح لهذا الفكر المسموم بأن يجد طريقه إلى قلوب وعقول الشعب، حتى وإن استدعى ذلك اتخاذ إجراءات صارمة ضد مؤيديه .
بمجرد مغادرتهم، تنهد الإمبراطور ميجي وهز رأسه، ثم تحدث إلى برونو بنبرة مليئة بالإخلاص.
قال برونو:
قال الإمبراطور بنبرة تجمع بين الاعتذار والتصميم:
“أعتذر نيابة عن هؤلاء الرجال. فهم لم يعتادوا بعد على التعامل مع الأجانب، خصوصًا من القوى الأوروبية. لا ألومك إذا كان شعبك يرى إمبراطوريتنا كقوة من الدرجة الثالثة. لكن هذا بالضبط ما أطمح إلى تغييره من خلال هذه الحرب…”
“جنرال ماجور، يسعدني أنك أخذت استراحة من الاحتفالات لتنضم إلينا في أمور أكثر أهمية. الضباط التابعون لك قاموا بعمل ممتاز في توجيه جنرالاتي حول كيفية التقدم في موكدين. المعركة ستبدأ كما هو مخطط خلال أسبوعين على الأكثر، وهذا قبل وصولك لرؤية نهاية هذه الحرب مرة واحدة وإلى الأبد. لكن هذا ليس السبب الذي دعوتك لأجله، أيها الجنرالات والأدميرالات، أنتم معذورون.”
ثم حرك برونو قطع الجيش الياباني في موضعها للسيطرة على منشوريا وكوريا. وبعد ذلك طرح سؤالًا مثيرًا على الإمبراطور العجوز.
رأى برونو في ذلك فرصة للحديث، ونظر إلى الخريطة، وإلى خطوط المعركة الحالية. سارع بالتعليق على الوضع العام للحرب، ومكانة اليابان في العالم.
رأى برونو في ذلك فرصة للحديث، ونظر إلى الخريطة، وإلى خطوط المعركة الحالية. سارع بالتعليق على الوضع العام للحرب، ومكانة اليابان في العالم.
قال الإمبراطور بنبرة مباشرة وصريحة:
قال برونو:
“سواء تدخلت شخصيًا في تلة 203 مترًا أم لا، كانت المعركة ستحسم بحلول يناير 1905 على أقصى تقدير. رأيت فرصة لتسريع النصر الذي كان محتمًا. رغم أن الروس لا يبدون ذلك، إلا أنهم ينفدون من الإمدادات، ولا شك أن ذلك نتيجة للعداوة بين القيصر والرايخ الذي كانوا يعتمدون عليه في وارداتهم.
ومع ذلك، فإن سحق الماركسية ليس سوى تحدٍ واحد ضمن سلسلة من التحديات التي سنواجهها في هذا القرن الجديد. هناك تهديد أكثر إلحاحًا، وأكثر خبثًا، يتمثل في التحالفات التي بدأت القوى العظمى بتشكيلها في الخفاء.
لو لم تتدهور العلاقات بين الرايخ الألماني والإمبراطورية الروسية، لكانوا قد تمكنوا من القتال بشكل أفضل. لكن لحسن حظك، القيصر قد اختلف مع ابن عمه، واختار دعمكم في هذه الحرب.
بهذا المعدل، يمكنني القول بكل ثقة أن الحرب ستنتهي بحلول موسم الخريف . هجوم أخير في موكدين، وسيتم القضاء على الجيش الروسي في الشرق، مما سيترك للقيصر الروسي خيارًا واحدًا وهو الاستسلام.
لقد قلت هذا من قبل، الأمور ليست مستقرة كما تبدو داخل حدود الإمبراطورية الروسية. الثورة على الأفق. الهزيمة البسيطة هنا في مانشوريا قد تشعل نزاعًا صغيرًا في الداخل. لكن مقتل أكثر من 300,000 جندي روسي في هذه الحرب؟ الثورة ستكون على نطاق أوسع بكثير. وهذا هو الهدف النهائي هنا، القضاء على ما تبقى من القوات الروسية في موكدين وتسريع إشعال الاضطرابات في الداخل الروسي.
آمل بحلول وقت اندلاع الحرب أن أكون في رتبة ومكانة تتيح لي التأثير لتجنب هذه الاستراتيجية غير المدروسة، وأن أضع الرايخ الألماني في موقع يمكنه من تحقيق النصر عندما تشتعل شرارة الحرب.
انتصاركم في هذه الحرب سيجعل من اليابان قوة عظمى تنافس القوى العظمى الأخرى في العالم. قد تكون اليابان الأمة غير الأوروبية الوحيدة التي تصل إلى هذا المستوى، بينما سقطت جميع الدول الأخرى التي حاولت في نيران الحرب. إنه شرف عظيم بلا شك…”
شعر الإمبراطور ميجي بمشاعر مختلطة بعد سماع كلمات برونو. فهل يعد هذا نصرًا حقيقيًا لليابان إذا تحقق بدعم من مستشارين عسكريين أجانب؟ هل ستراه القوى العظمى الأخرى في العالم على هذا النحو؟
قال برونو:
لكن كان لديه مخاوف أهم في ذهنه، وسرعان ما سأل برونو عن آرائه حول تلك الأمور. كان من الواضح للإمبراطور الياباني أن هذا الجنرال الشاب يمتلك فهماً أعمق بكثير من مجرد قائد عسكري . بدا أنه يمتلك بصيرة حادة في السياسة العالمية، وبطبيعة الحال، أراد الإمبراطور سماع آرائه حول الموضوع.
“روسيا، كما ذكرت من قبل، ستواجه اضطرابات داخلية حتمية. شعبية القيصر ليست بالقوة التي يتمتع بها ملوك أوروبا الآخرين، وهناك تيارات معارضة خطيرة تتغلغل داخل حدود الإمبراطورية، أبرزها الماركسيون*1. هزيمة أمام إمبراطورية اليابان ستكون ضربة مؤلمة لهيبة القيصر، لكن إذا حدثت إبادة كاملة للجيش الروسي الشرقي في موكدين؟ فستكون كارثة تهدد عرش القيصر، وربما تؤدي إلى نهاية سلالته بأكملها.
باختصار، كل ما يتطلبه الأمر هو شرارة واحدة لتفجير هذا الوضع المتوتر. وعندها، سينجر العالم بأسره إلى حرب شاملة. يبدو أن هذا المصير لا مفر منه، خاصة مع تركيز الإمبراطورية النمساوية المجرية على منطقة البلقان.
قال الإمبراطور بنبرة مباشرة وصريحة:
هناك حرب عظيمة تلوح في الأفق، وكل من يراقب المشهد الجيوسياسي الحالي بتمعن يدرك أن هذا هو المصير المحتوم. وقريبًا، سيبدأ الرايخ الألماني في الاستعداد لهذه الاحتمالية. المشكلة أنني أخشى أن تؤدي الخطط الحالية التي وضعها بعد العجائز الدين تجاوزهم التاريخ إلى كارثة محققة.
“كن صريحًا معي، أيها الجنرال. يبدو أنك تملك فهمًا عميقًا لما هو أبعد من مجرد شؤون الحرب، وهذا بلا شك أحد الأسباب التي أوصلتك إلى منصبك الرفيع رغم صغر سنك. لذا، أخبرني بصدق، كيف ترى العالم؟ وما الذي تعتقد أنه سيحدث بعد أن ينتهي هذا النزاع بانتصارنا المنتظر؟”
الإمبراطور ميجي لم يرَ سببًا لمنع عرض برونو، وسرعان ما منحه الإذن قائلاً:
أومأ الجنرالات والأدميرالات اليابانيون برؤوسهم احترامًا، وألقوا التحية للإمبراطور قبل أن يغادروا الغرفة، مع إلقاء نظرات على برونو، على الأرجح كانوا يغارون من المكانة التي اكتسبها الأجنبي لدى الإمبراطور ا.
لا شك أن انتباه القوى الأوروبية سينصب بالكامل على الحرب في قارتهم، مما يفتح أمامكم فرصة للاستيلاء بسهولة على ممتلكات الرايخ الألماني في المحيط الهادئ، حتى وإن كانت محدودة.
تقدم برونو نحو الخريطة وأشار إلى بعض القطع التي تمثل جيوش القوى العظمى الأوروبية، بما في ذلك الرايخ الألماني والإمبراطورية الروسية، وسأل بسرعة عن الإذن لتحريكها.
آمل بحلول وقت اندلاع الحرب أن أكون في رتبة ومكانة تتيح لي التأثير لتجنب هذه الاستراتيجية غير المدروسة، وأن أضع الرايخ الألماني في موقع يمكنه من تحقيق النصر عندما تشتعل شرارة الحرب.
“هل تسمح لي؟”
الإمبراطور ميجي لم يرَ سببًا لمنع عرض برونو، وسرعان ما منحه الإذن قائلاً:
لو لم تتدهور العلاقات بين الرايخ الألماني والإمبراطورية الروسية، لكانوا قد تمكنوا من القتال بشكل أفضل. لكن لحسن حظك، القيصر قد اختلف مع ابن عمه، واختار دعمكم في هذه الحرب.
“بالطبع، تفضل.”
ثم حرك برونو قطع الجيش الياباني في موضعها للسيطرة على منشوريا وكوريا. وبعد ذلك طرح سؤالًا مثيرًا على الإمبراطور العجوز.
أخذ برونو قطعًا خشبية من خارج الخريطة ودفعها نحو روسيا، ممثلًا فصيلًا جديدًا.
هناك حرب عظيمة تلوح في الأفق، وكل من يراقب المشهد الجيوسياسي الحالي بتمعن يدرك أن هذا هو المصير المحتوم. وقريبًا، سيبدأ الرايخ الألماني في الاستعداد لهذه الاحتمالية. المشكلة أنني أخشى أن تؤدي الخطط الحالية التي وضعها بعد العجائز الدين تجاوزهم التاريخ إلى كارثة محققة.
لكن، مع أن المخاطر ستكون أكبر والخسائر أكثر فداحة، ألن يكون من الأفضل النظر إلى هدف أكثر طموحًا؟ مثل السيطرة على الأراضي الاستعمارية البريطانية، الفرنسية، أو الروسية في آسيا، نظرًا إلى اتساعها وأهميتها الاستراتيجية؟”
قال برونو بنبرة هادئة لكن حازمة:
الإمبراطور ميجي لم يرَ سببًا لمنع عرض برونو، وسرعان ما منحه الإذن قائلاً:
“جنرال ماجور، يسعدني أنك أخذت استراحة من الاحتفالات لتنضم إلينا في أمور أكثر أهمية. الضباط التابعون لك قاموا بعمل ممتاز في توجيه جنرالاتي حول كيفية التقدم في موكدين. المعركة ستبدأ كما هو مخطط خلال أسبوعين على الأكثر، وهذا قبل وصولك لرؤية نهاية هذه الحرب مرة واحدة وإلى الأبد. لكن هذا ليس السبب الذي دعوتك لأجله، أيها الجنرالات والأدميرالات، أنتم معذورون.”
“روسيا، كما ذكرت من قبل، ستواجه اضطرابات داخلية حتمية. شعبية القيصر ليست بالقوة التي يتمتع بها ملوك أوروبا الآخرين، وهناك تيارات معارضة خطيرة تتغلغل داخل حدود الإمبراطورية، أبرزها الماركسيون*1. هزيمة أمام إمبراطورية اليابان ستكون ضربة مؤلمة لهيبة القيصر، لكن إذا حدثت إبادة كاملة للجيش الروسي الشرقي في موكدين؟ فستكون كارثة تهدد عرش القيصر، وربما تؤدي إلى نهاية سلالته بأكملها.
الإمبراطور ميجي لم يرَ سببًا لمنع عرض برونو، وسرعان ما منحه الإذن قائلاً:
لكن لا يمكن السماح بحدوث ذلك. الماركسية ليست مجرد فكرة، بل أيديولوجية مدمرة وخطيرة، تستغل سذاجة الحمقى وحماس المثاليين الذين يجهلون الطبيعة الحقيقية للبشر. هذا الجهل العميق بالطبيعة البشرية سيقودهم حتمًا إلى ارتكاب فظائع لا مثيل لها في التاريخ، هذا إن تمكنوا من الوصول إلى السلطة يومًا ما.
قال برونو:
إذا خرجت الأمور عن السيطرة وفشل القيصر في احتواء هذه الثورة، فسأقوم بما يلزم للقضاء على البلاشفة*2، حتى لو تطلب ذلك مني التخلي مؤقتًا عن منصبي والعمل كجنرال تحت راية القيصر. لا يمكن السماح لهذا الفكر المسموم بأن يجد طريقه إلى قلوب وعقول الشعب، حتى وإن استدعى ذلك اتخاذ إجراءات صارمة ضد مؤيديه .
كان طرح برونو مفاجئًا للإمبراطور ميجي، الذي لم يكن قد نظر إلى الأمر من هذا المنظور. جلس صامتًا لوهلة، يفكر بعمق في الخيارات المتاحة، مدركًا أن هذا السؤال قد يحدد مستقبل الإمبراطورية اليابانية بالكامل.
ومع ذلك، فإن سحق الماركسية ليس سوى تحدٍ واحد ضمن سلسلة من التحديات التي سنواجهها في هذا القرن الجديد. هناك تهديد أكثر إلحاحًا، وأكثر خبثًا، يتمثل في التحالفات التي بدأت القوى العظمى بتشكيلها في الخفاء.
ثم حرك برونو قطع الجيش الياباني في موضعها للسيطرة على منشوريا وكوريا. وبعد ذلك طرح سؤالًا مثيرًا على الإمبراطور العجوز.
صربيا تتحالف مع روسيا، وروسيا بدورها تتقارب مع فرنسا. وفي المقابل، تخطى الرايخ الألماني والإمبراطورية النمساوية المجرية خلافاتهما وشكّلا تحالفًا متينًا. أما إيطاليا، وكما هو متوقع، تبقى على الحياد، مما يجعلها غير موثوقة لأي من الجانبين رغم إعلانات ولائها. في الوقت ذاته، تسعى بريطانيا للحفاظ على هيمنتها البحرية، لكن هذه الهيمنة أصبحت محل شك من القيصر مع مرور الأيام. ولا شك أن هذا السباق البحري المحموم بين التاج البريطاني والرايخ الألماني سيؤدي إلى توترات لا يمكن تسويتها.
باختصار، كل ما يتطلبه الأمر هو شرارة واحدة لتفجير هذا الوضع المتوتر. وعندها، سينجر العالم بأسره إلى حرب شاملة. يبدو أن هذا المصير لا مفر منه، خاصة مع تركيز الإمبراطورية النمساوية المجرية على منطقة البلقان.
هناك حرب عظيمة تلوح في الأفق، وكل من يراقب المشهد الجيوسياسي الحالي بتمعن يدرك أن هذا هو المصير المحتوم. وقريبًا، سيبدأ الرايخ الألماني في الاستعداد لهذه الاحتمالية. المشكلة أنني أخشى أن تؤدي الخطط الحالية التي وضعها بعد العجائز الدين تجاوزهم التاريخ إلى كارثة محققة.
دخل برونو إلى غرفة مزينة بخريطة كبيرة للعالم، تُعرض على طاولة ضخمة، حيث وُضعت قطع تمثل القوات الروسية واليابانية. كما توقع برونو، كان الجيش الروسي قد تراجع إلى موكدين، ويقوم حاليًا ببناء تحصينات في المنطقة. في هذه الأثناء، كانت قوات الجيش الثالث الياباني ووحداته المساندة تتحرك لمحاصرة الموقع الروسي، وفقًا للاستراتيجية التي اقترحها برونو.
آمل بحلول وقت اندلاع الحرب أن أكون في رتبة ومكانة تتيح لي التأثير لتجنب هذه الاستراتيجية غير المدروسة، وأن أضع الرايخ الألماني في موقع يمكنه من تحقيق النصر عندما تشتعل شرارة الحرب.
صربيا تتحالف مع روسيا، وروسيا بدورها تتقارب مع فرنسا. وفي المقابل، تخطى الرايخ الألماني والإمبراطورية النمساوية المجرية خلافاتهما وشكّلا تحالفًا متينًا. أما إيطاليا، وكما هو متوقع، تبقى على الحياد، مما يجعلها غير موثوقة لأي من الجانبين رغم إعلانات ولائها. في الوقت ذاته، تسعى بريطانيا للحفاظ على هيمنتها البحرية، لكن هذه الهيمنة أصبحت محل شك من القيصر مع مرور الأيام. ولا شك أن هذا السباق البحري المحموم بين التاج البريطاني والرايخ الألماني سيؤدي إلى توترات لا يمكن تسويتها.
لكن ما يشغل تفكيري ليس مستقبل الإمبراطوريات العظمى في أوروبا فحسب، بل الأهم هو: ما الذي يحمله المستقبل لليابان؟”
أخذ برونو قطعًا خشبية من خارج الخريطة ودفعها نحو روسيا، ممثلًا فصيلًا جديدًا.
شعر الإمبراطور ميجي بمشاعر مختلطة بعد سماع كلمات برونو. فهل يعد هذا نصرًا حقيقيًا لليابان إذا تحقق بدعم من مستشارين عسكريين أجانب؟ هل ستراه القوى العظمى الأخرى في العالم على هذا النحو؟
لو لم تتدهور العلاقات بين الرايخ الألماني والإمبراطورية الروسية، لكانوا قد تمكنوا من القتال بشكل أفضل. لكن لحسن حظك، القيصر قد اختلف مع ابن عمه، واختار دعمكم في هذه الحرب.
ثم حرك برونو قطع الجيش الياباني في موضعها للسيطرة على منشوريا وكوريا. وبعد ذلك طرح سؤالًا مثيرًا على الإمبراطور العجوز.
قال برونو:
“كن صريحًا معي، أيها الجنرال. يبدو أنك تملك فهمًا عميقًا لما هو أبعد من مجرد شؤون الحرب، وهذا بلا شك أحد الأسباب التي أوصلتك إلى منصبك الرفيع رغم صغر سنك. لذا، أخبرني بصدق، كيف ترى العالم؟ وما الذي تعتقد أنه سيحدث بعد أن ينتهي هذا النزاع بانتصارنا المنتظر؟”
“إذن، يا جلالة الإمبراطور، دعني أسألك بكل صراحة… عندما تندلع الحرب العظمى أخيرًا، مع من ستتحالف؟ هل سيكون ولاؤك للرايخ الألماني أم للإمبراطورية البريطانية؟ هذا القرار لن يحدد فقط وضعك الدبلوماسي، بل أيضًا المكاسب الإقليمية التي ستجنيها من الحرب القادمة.
لا شك أن انتباه القوى الأوروبية سينصب بالكامل على الحرب في قارتهم، مما يفتح أمامكم فرصة للاستيلاء بسهولة على ممتلكات الرايخ الألماني في المحيط الهادئ، حتى وإن كانت محدودة.
لكن، مع أن المخاطر ستكون أكبر والخسائر أكثر فداحة، ألن يكون من الأفضل النظر إلى هدف أكثر طموحًا؟ مثل السيطرة على الأراضي الاستعمارية البريطانية، الفرنسية، أو الروسية في آسيا، نظرًا إلى اتساعها وأهميتها الاستراتيجية؟”
كان طرح برونو مفاجئًا للإمبراطور ميجي، الذي لم يكن قد نظر إلى الأمر من هذا المنظور. جلس صامتًا لوهلة، يفكر بعمق في الخيارات المتاحة، مدركًا أن هذا السؤال قد يحدد مستقبل الإمبراطورية اليابانية بالكامل.
قال برونو:
بهذا المعدل، يمكنني القول بكل ثقة أن الحرب ستنتهي بحلول موسم الخريف . هجوم أخير في موكدين، وسيتم القضاء على الجيش الروسي في الشرق، مما سيترك للقيصر الروسي خيارًا واحدًا وهو الاستسلام.
*1:الماركسية هي نظرية اجتماعية وضعها كارل ماركس وفريدريك إنجلز، تقوم على تحليل صراع الطبقات بين البرجوازية (أصحاب رأس المال) والبروليتاريا (العمال). تدعو إلى استبدال الرأسمالية بالاشتراكية، حيث تسيطر الطبقة العاملة على وسائل الإنتاج، وصولًا إلى الشيوعية التي تحقق المساواة التامة ومجتمع بلا طبقات أو دولة.
عندما لاحظ الجنرالات اليابانيون دخول برونو، تحول انتباههم إليه سريعًا، كما فعل الإمبراطور ميجي الذي كان يقف عند الخريطة ويحرك قطعًا تمثل قواته. استقبل الإمبراطور برونو بملامح جدية، ورحب به في غرفة حربه الخاصة.
*2:البلاشفة هم فصيل سياسي روسي بقيادة فلاديمير لينين، انبثق عن حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي في أوائل القرن العشرين. قادوا ثورة أكتوبر 1917 التي أطاحت بالحكم القيصري وأسسوا الاتحاد السوفييتي. تبنوا الفكر الماركسي اللينيني وسعوا لإقامة حكم البروليتاريا عبر الثورة المسلحة. لعبوا دورًا رئيسيًا في نشر الأيديولوجية الشيوعية عالميًا.
إذا خرجت الأمور عن السيطرة وفشل القيصر في احتواء هذه الثورة، فسأقوم بما يلزم للقضاء على البلاشفة*2، حتى لو تطلب ذلك مني التخلي مؤقتًا عن منصبي والعمل كجنرال تحت راية القيصر. لا يمكن السماح لهذا الفكر المسموم بأن يجد طريقه إلى قلوب وعقول الشعب، حتى وإن استدعى ذلك اتخاذ إجراءات صارمة ضد مؤيديه .
شعر الإمبراطور ميجي بمشاعر مختلطة بعد سماع كلمات برونو. فهل يعد هذا نصرًا حقيقيًا لليابان إذا تحقق بدعم من مستشارين عسكريين أجانب؟ هل ستراه القوى العظمى الأخرى في العالم على هذا النحو؟
“بالطبع، تفضل.”
