التاريخ
الفصل 14: التاريخ
الجسد الذي يولد بلا مانا لا يألفها. إنها تمزّق أحشاءه وهي تحاول أن تنتزع نفسها منه. وتُستنزف الموارد الجسدية والذهنية إلى أقصى حد مِن من يُتمّ الطقس، حتى لو لم يمتصّ إلا قدرًا ضئيلًا من مانا مخلوق سحري. وكلما زاد مخزون المخلوق من المانا، ازدادت صعوبة تكيّف الجسد معها. وقد يستحيل الأمر في بعض الحالات، فيموت من يؤدي الطقس. غير أن من الجدير بالذكر أن هذا الطقس لا يمكن إجراؤه إلا مرة واحدة. قد يكون امتصاص مانا مخلوق سحري صغير أكثر أمانًا، لكن عليك أن تنمّي المانا التي امتصصتها وتطوّرها في داخلك. فكلما ارتفعت المخاطرة، عظم الجزاء.
أغلق الكتاب ووضعه على مكتبه. كم مضى على إقامته في هذا القصر؟ بضعة أسابيع؟ وحتى الآن، عثر على مؤامرة وإله في قبو منزله. أمضى أشهرًا من قبل دون أن يشغله شيء سوى دراسته وخططه في ضيعة مورو. ولسنواتٍ كانت الأمور خلالها لا تتقدم إلا بوصات، بينما كان يتخيل أنها تقطع أميالًا. لقد كان… متحمسًا، ومفتونًا. كان إحساسه بالواجب تجاه من هم دونه جزءًا مما يحفزه، لكنه لم يستطع إنكار أن فكرة مواجهة التحدي واختبار قدراته والتعلم أصبحت قوة دافعة أعظم مع كل لغز جديد يكشفه.
• مجهول، «نقل المانا الحية: تمكين دائم بالتضحية والتنمية»
كان أول ما تفحّصه تاريخ أحدث مدخل في الكتاب. فقد كُتب قبل أكثر من خمسين عامًا. وعلى ضوء ذلك، عاد إلى البداية وراح يتصفح صفحاته سريعًا. كانت في مونفالو عند تأسيسها خمس عائلات من النبلاء الصغار، لكن بدا أن عددها لم يعد يتجاوز ثلاثًا. أولها آل بايثار، الذين كانوا زعماءً على أراضي مونفالو، وانضموا طوعًا إلى الأسرة المؤسسة، آل هارتون، إبان إحدى مراحل توسعها؛ فسمح لهم بالحفاظ على ألقابهم وبملكية بعض الأراضي لقاء ذلك. لكن سلسلة من الحظ العاثر تسببت في فقدانهم ألقابهم، مع أن الأسرة ظلت قائمة في البلدة. ثم آل هارتري، وهم فرع صغير من آل هارتون نشأ بعد إضفاء الشرعية على أحد الأبناء غير الشرعيين. وأخيرًا آل برايور. وقد انتهى الأمر بأسرتهم إلى بيع استثماراتها في منجم الماناريت قبيل انهياره، ثم انتقل معظم أفرادها إلى العاصمة، ولم يُبقوا في مونفالو سوى قصر صغير.
راح سولومون يتفحّص الرموز المرسومة في الدائرة المحيطة بالإله المقيّد بالسلاسل، ورأسه لا يبعد عن مخالبه الهائلة سوى بضع بوصات. عثر على الرونات التالية في التسلسل، وسجّل مواقعها وترتيبها. وحين امتلأت الصفحة التي كان يدوّن عليها، رسم بالطبشور علامة صغيرة خارج الدائرة ليحدّد الموضع الذي بلغ إليه.
“كنت أتفقد ما ينجزه الجميع فحسب. إنهم يؤدون عملًا ممتازًا حتى الآن.”
عاد إلى المكتب حيث ترك كتاب الاتحاد التعليمي وكتاب إرشادات الطقس مفتوحين، إلى جانب صفحات عدة من ملاحظاته. كان يتتبّع الطقس سطرًا سطرًا، ويقارن الرونات المذكورة بتلك الواردة في الكتاب، ثم يستنبط أثرها المحتمل في الطقس. أراد أن يفهمه قبل أن يحاول أداءه. بدأ بالتأكد من أن الرموز تطابق ما ورد في إرشادات الطقس، ثم تحقّق من وظائفها.
الفصل 14: التاريخ الجسد الذي يولد بلا مانا لا يألفها. إنها تمزّق أحشاءه وهي تحاول أن تنتزع نفسها منه. وتُستنزف الموارد الجسدية والذهنية إلى أقصى حد مِن من يُتمّ الطقس، حتى لو لم يمتصّ إلا قدرًا ضئيلًا من مانا مخلوق سحري. وكلما زاد مخزون المخلوق من المانا، ازدادت صعوبة تكيّف الجسد معها. وقد يستحيل الأمر في بعض الحالات، فيموت من يؤدي الطقس. غير أن من الجدير بالذكر أن هذا الطقس لا يمكن إجراؤه إلا مرة واحدة. قد يكون امتصاص مانا مخلوق سحري صغير أكثر أمانًا، لكن عليك أن تنمّي المانا التي امتصصتها وتطوّرها في داخلك. فكلما ارتفعت المخاطرة، عظم الجزاء.
شرع يقارن هذه الورقة الجديدة بما لديه. وكما في سائر الأوراق، لاحظ عدة تغييرات لا تطابق ما جاء في إرشادات الطقس: رونة إضافية ترمز إلى الروح، وأخرى يُفترض أن معناها الفتح أو فكّ الإغلاق، ونسخة مكررة من رونة التبديل أو النقل. كثيرًا ما ظهرت هذه الرونات الزائدة بين الرموز الموزعة حول الدائرة، إلى جانب عدة رموز لم ترد في كتاب الاتحاد التعليمي، أو لم تكن رونات بشرية أصلًا.
أخرج ساعة جيبه من جيبه وتفقّد الوقت. كان قد خطط للذهاب إلى الكنيسة بعد ساعة. وكان أمامه متسع من الوقت لينظّف بقع الحبر عن يديه ويرتدي سترة نظيفة مع معطف الحداد. ستكون تلك أول صلاة يحضرها في مونفالو، وكان من المهم أن يترك انطباعًا حسنًا. وستكون فرصةً أيضًا ليتعرّف على الشخصيات المهمة في البلدة، عدا العمدة وأخيه.
قطّب حاجبيه وهو يراجع ما جمعه حتى الآن. كان قد بلغ نحو منتصف التعويذة، وعثر على عبارات رونية زائدة في ستة مواضع. وبناءً على ما عرفه عن عمّه، كان رجلًا دقيقًا شديد الحرص. لم يستطع أن يتخيل أنه وضع تلك العلامات إلا عن قصد. لكنه لم يكن واثقًا مما إذا كانت تنقيحات أدخلها على الطقس الأصلي، أم أنها تشير إلى أمر آخر.
• مجهول، «نقل المانا الحية: تمكين دائم بالتضحية والتنمية»
كان يأمل أن يعثر على الجواب في يوميات عمّه، لكنه لم يفلح بعد في فكّ شيفرتها على نحو يُعتدّ به. كان واثقًا من أن حرف ي جزء منها، وأن الحرف أ ليس كذلك. لكن ذلك لم يكن كافيًا لاختراق الشيفرة. كما تفحّص اليوميات بحثًا عن أي ذكر للرونات، غير أنه لم يجد شيئًا.
جمع عصاه، وقرّر أن يترك كل أبحاثه في الغرفة الخفية حيث ستكون آمنة، ثم بدأ يصعد الدرج. توقف عند أعلاه وأصغى للحظات قبل أن يفعّل آلية الفتح من جهته. فبعد ليلتين من الدراسة، صار قادرًا الآن على تمييز رونات الدم والفتح والصمت المحيطة بالعين المركزية. لم يكن لديه أدنى فكرة عن كيفية ترابطها، لكنه سرّ بقدرته على تمييزها من النظرة الأولى.
ضغط بإبهامه وسبابته على جسر أنفه. كان قد قرأ الطقس، وكذلك جميع التحذيرات المرفقة به. فكلما كبر مصدر المانا، اشتد أثرها في الجسد بعد امتصاصها، وطالت فترة التكيّف معها. لعل عمّه كان يحاول أن يجد سبيلًا لتقليل مدة التكيّف؟ كان بوسعه محو الكتابة الرونية الإضافية من دائرة الطقس، وعندها تؤدي الرونات المتبقية الطقس على النحو المقصود أصلًا؛ لكن إن ارتكب خطأً، فقد لا يتمكن من تداركه. ولحسن الحظ، لم تكن الدائرة هي ما يُبقي الإله أسيرًا، بل السلاسل. وهذا يعني أنه حتى لو ارتكب خطأً كارثيًا، فلن يتحرر الإله. سيكون الأمر كارثيًا بالفعل؛ فقد كان يشعر بما يكنّه الإله له من كراهية، وبخبثه المتأجج الذي يزداد كلما عاد إلى الحجرة الخفية.
سمع طرقًا على الباب، فعاد يتفقد ساعته. حان وقت الذهاب إلى الكنيسة. ارتدى معطف الحداد فوق إحدى ستراته الأرجوانية، التي كانت مزينة بلمسات فضية، ثم فتح الباب فوجد ميليسا تنتظره.
أخرج ساعة جيبه من جيبه وتفقّد الوقت. كان قد خطط للذهاب إلى الكنيسة بعد ساعة. وكان أمامه متسع من الوقت لينظّف بقع الحبر عن يديه ويرتدي سترة نظيفة مع معطف الحداد. ستكون تلك أول صلاة يحضرها في مونفالو، وكان من المهم أن يترك انطباعًا حسنًا. وستكون فرصةً أيضًا ليتعرّف على الشخصيات المهمة في البلدة، عدا العمدة وأخيه.
أقفل باب غرفته، وأمضى بعض الوقت في تنظيف نفسه وارتداء ملابسه، ثم تناول كتاب «سجل نبلاء مونفالو» وجلس يقرأه. كان جلَّ تركيزه منصبًا على الإله في قبو منزله، فلم يتمكن من تخصيص وقت كبير للكتاب. كان قد أعدّ رسالة أرفق بها الأدلة لإرسالها إلى الحامية في إيتلينغ، لكنه أراد الانتظار حتى صباح اليوم التالي، لتسلّمها ميليسا قبيل إرسال البريد. فقد جعله استباق العمدة لأي محاولة للإطاحة به حذرًا من ترك مثل هذه المعلومات متداولة مدة أطول مما يلزم.
جمع عصاه، وقرّر أن يترك كل أبحاثه في الغرفة الخفية حيث ستكون آمنة، ثم بدأ يصعد الدرج. توقف عند أعلاه وأصغى للحظات قبل أن يفعّل آلية الفتح من جهته. فبعد ليلتين من الدراسة، صار قادرًا الآن على تمييز رونات الدم والفتح والصمت المحيطة بالعين المركزية. لم يكن لديه أدنى فكرة عن كيفية ترابطها، لكنه سرّ بقدرته على تمييزها من النظرة الأولى.
عاد إلى المكتب حيث ترك كتاب الاتحاد التعليمي وكتاب إرشادات الطقس مفتوحين، إلى جانب صفحات عدة من ملاحظاته. كان يتتبّع الطقس سطرًا سطرًا، ويقارن الرونات المذكورة بتلك الواردة في الكتاب، ثم يستنبط أثرها المحتمل في الطقس. أراد أن يفهمه قبل أن يحاول أداءه. بدأ بالتأكد من أن الرموز تطابق ما ورد في إرشادات الطقس، ثم تحقّق من وظائفها.
“شكرًا لك”، قال لبدلة الدرع الفارغة وهو يصعد إلى المكتبة. كان بارناباس وبارت قد شرعا في إصلاح الأرفف، لكن عملهما حتى الآن انحصر في الغالب على تفكيك ما يستحيل إصلاحه منها. فكانت الجدران تبدو أكثر عريًا يومًا بعد يوم، لكن رفًا صغيرًا في إحدى الزوايا ضمّ أخيرًا بضعة كتب اختارتها ميليسا لها وللخدم الآخرين كي يقرؤوها.
جمع عصاه، وقرّر أن يترك كل أبحاثه في الغرفة الخفية حيث ستكون آمنة، ثم بدأ يصعد الدرج. توقف عند أعلاه وأصغى للحظات قبل أن يفعّل آلية الفتح من جهته. فبعد ليلتين من الدراسة، صار قادرًا الآن على تمييز رونات الدم والفتح والصمت المحيطة بالعين المركزية. لم يكن لديه أدنى فكرة عن كيفية ترابطها، لكنه سرّ بقدرته على تمييزها من النظرة الأولى.
راح يلوّح بعصاه وهو في طريق عودته إلى غرفته، فرأى بعض السيدات يخطن في غرفة الجلوس. وحين انعطف في الممر المؤدي إلى غرفته، وجد ميليسا تنتظره.
راود سولومون إغراء شديد بأن يرقّيها فورًا ورسميًا إلى منصب كبير خدمه الخاص، لكنهم لم يمكثوا في القصر أكثر من أسبوع، وكان يخشى أن تجد فتاة في مثل حداثة سنّها نفسها موضع استياء بقية الخدم إن تعجّل في الأمر. لطالما أدرك بوضوح مدى سهولة أن يتسبب أحد النبلاء في مشكلات بين الخدم، وهي صفة تمنى لو أن بقية أسرته وأبناء طبقته يتحلون بها.
انحنت له انحناءة خفيفة. “صباح الخير، سيدي. لم أتمكن من العثور عليك منذ الإفطار.”
“سأخبرهم بذلك.”
“كنت أتفقد ما ينجزه الجميع فحسب. إنهم يؤدون عملًا ممتازًا حتى الآن.”
كان يأمل أن يعثر على الجواب في يوميات عمّه، لكنه لم يفلح بعد في فكّ شيفرتها على نحو يُعتدّ به. كان واثقًا من أن حرف ي جزء منها، وأن الحرف أ ليس كذلك. لكن ذلك لم يكن كافيًا لاختراق الشيفرة. كما تفحّص اليوميات بحثًا عن أي ذكر للرونات، غير أنه لم يجد شيئًا.
“سأخبرهم بذلك.”
“حاضر، سيدي”، أجابت، ثم انحنت وغادرت الغرفة.
“وبينما تفعلين، أرجو أن تخبريهم أنهم مرحّب بهم لمرافقتي إلى الكنيسة إن رغبوا في ذلك. يمكنني أن أطلب من دنكن وريجيس أن يقلّانا جميعًا.”
“سأخبرهم بذلك.”
“حاضر، سيدي”، أجابت، ثم انحنت وغادرت الغرفة.
جمع عصاه، وقرّر أن يترك كل أبحاثه في الغرفة الخفية حيث ستكون آمنة، ثم بدأ يصعد الدرج. توقف عند أعلاه وأصغى للحظات قبل أن يفعّل آلية الفتح من جهته. فبعد ليلتين من الدراسة، صار قادرًا الآن على تمييز رونات الدم والفتح والصمت المحيطة بالعين المركزية. لم يكن لديه أدنى فكرة عن كيفية ترابطها، لكنه سرّ بقدرته على تمييزها من النظرة الأولى.
راود سولومون إغراء شديد بأن يرقّيها فورًا ورسميًا إلى منصب كبير خدمه الخاص، لكنهم لم يمكثوا في القصر أكثر من أسبوع، وكان يخشى أن تجد فتاة في مثل حداثة سنّها نفسها موضع استياء بقية الخدم إن تعجّل في الأمر. لطالما أدرك بوضوح مدى سهولة أن يتسبب أحد النبلاء في مشكلات بين الخدم، وهي صفة تمنى لو أن بقية أسرته وأبناء طبقته يتحلون بها.
كان يأمل أن يعثر على الجواب في يوميات عمّه، لكنه لم يفلح بعد في فكّ شيفرتها على نحو يُعتدّ به. كان واثقًا من أن حرف ي جزء منها، وأن الحرف أ ليس كذلك. لكن ذلك لم يكن كافيًا لاختراق الشيفرة. كما تفحّص اليوميات بحثًا عن أي ذكر للرونات، غير أنه لم يجد شيئًا.
أقفل باب غرفته، وأمضى بعض الوقت في تنظيف نفسه وارتداء ملابسه، ثم تناول كتاب «سجل نبلاء مونفالو» وجلس يقرأه. كان جلَّ تركيزه منصبًا على الإله في قبو منزله، فلم يتمكن من تخصيص وقت كبير للكتاب. كان قد أعدّ رسالة أرفق بها الأدلة لإرسالها إلى الحامية في إيتلينغ، لكنه أراد الانتظار حتى صباح اليوم التالي، لتسلّمها ميليسا قبيل إرسال البريد. فقد جعله استباق العمدة لأي محاولة للإطاحة به حذرًا من ترك مثل هذه المعلومات متداولة مدة أطول مما يلزم.
“وبينما تفعلين، أرجو أن تخبريهم أنهم مرحّب بهم لمرافقتي إلى الكنيسة إن رغبوا في ذلك. يمكنني أن أطلب من دنكن وريجيس أن يقلّانا جميعًا.”
كان أول ما تفحّصه تاريخ أحدث مدخل في الكتاب. فقد كُتب قبل أكثر من خمسين عامًا. وعلى ضوء ذلك، عاد إلى البداية وراح يتصفح صفحاته سريعًا. كانت في مونفالو عند تأسيسها خمس عائلات من النبلاء الصغار، لكن بدا أن عددها لم يعد يتجاوز ثلاثًا. أولها آل بايثار، الذين كانوا زعماءً على أراضي مونفالو، وانضموا طوعًا إلى الأسرة المؤسسة، آل هارتون، إبان إحدى مراحل توسعها؛ فسمح لهم بالحفاظ على ألقابهم وبملكية بعض الأراضي لقاء ذلك. لكن سلسلة من الحظ العاثر تسببت في فقدانهم ألقابهم، مع أن الأسرة ظلت قائمة في البلدة. ثم آل هارتري، وهم فرع صغير من آل هارتون نشأ بعد إضفاء الشرعية على أحد الأبناء غير الشرعيين. وأخيرًا آل برايور. وقد انتهى الأمر بأسرتهم إلى بيع استثماراتها في منجم الماناريت قبيل انهياره، ثم انتقل معظم أفرادها إلى العاصمة، ولم يُبقوا في مونفالو سوى قصر صغير.
عاد إلى المكتب حيث ترك كتاب الاتحاد التعليمي وكتاب إرشادات الطقس مفتوحين، إلى جانب صفحات عدة من ملاحظاته. كان يتتبّع الطقس سطرًا سطرًا، ويقارن الرونات المذكورة بتلك الواردة في الكتاب، ثم يستنبط أثرها المحتمل في الطقس. أراد أن يفهمه قبل أن يحاول أداءه. بدأ بالتأكد من أن الرموز تطابق ما ورد في إرشادات الطقس، ثم تحقّق من وظائفها.
كانت السيدة برايور هي المرأة التي ورثت أحد خدم عمّه، وهو الوحيد الذي لم يختفِ ببساطة عن وجه دراكثيس. كان يأمل أن يلتقي بهما في الكنيسة، إذ ذكر قائد الحرس ماركوس أن ذلك الخادم يرافق السيدة بانتظام إلى الكنيسة.
قطّب حاجبيه وهو يراجع ما جمعه حتى الآن. كان قد بلغ نحو منتصف التعويذة، وعثر على عبارات رونية زائدة في ستة مواضع. وبناءً على ما عرفه عن عمّه، كان رجلًا دقيقًا شديد الحرص. لم يستطع أن يتخيل أنه وضع تلك العلامات إلا عن قصد. لكنه لم يكن واثقًا مما إذا كانت تنقيحات أدخلها على الطقس الأصلي، أم أنها تشير إلى أمر آخر.
أغلق الكتاب ووضعه على مكتبه. كم مضى على إقامته في هذا القصر؟ بضعة أسابيع؟ وحتى الآن، عثر على مؤامرة وإله في قبو منزله. أمضى أشهرًا من قبل دون أن يشغله شيء سوى دراسته وخططه في ضيعة مورو. ولسنواتٍ كانت الأمور خلالها لا تتقدم إلا بوصات، بينما كان يتخيل أنها تقطع أميالًا. لقد كان… متحمسًا، ومفتونًا. كان إحساسه بالواجب تجاه من هم دونه جزءًا مما يحفزه، لكنه لم يستطع إنكار أن فكرة مواجهة التحدي واختبار قدراته والتعلم أصبحت قوة دافعة أعظم مع كل لغز جديد يكشفه.
كان أول ما تفحّصه تاريخ أحدث مدخل في الكتاب. فقد كُتب قبل أكثر من خمسين عامًا. وعلى ضوء ذلك، عاد إلى البداية وراح يتصفح صفحاته سريعًا. كانت في مونفالو عند تأسيسها خمس عائلات من النبلاء الصغار، لكن بدا أن عددها لم يعد يتجاوز ثلاثًا. أولها آل بايثار، الذين كانوا زعماءً على أراضي مونفالو، وانضموا طوعًا إلى الأسرة المؤسسة، آل هارتون، إبان إحدى مراحل توسعها؛ فسمح لهم بالحفاظ على ألقابهم وبملكية بعض الأراضي لقاء ذلك. لكن سلسلة من الحظ العاثر تسببت في فقدانهم ألقابهم، مع أن الأسرة ظلت قائمة في البلدة. ثم آل هارتري، وهم فرع صغير من آل هارتون نشأ بعد إضفاء الشرعية على أحد الأبناء غير الشرعيين. وأخيرًا آل برايور. وقد انتهى الأمر بأسرتهم إلى بيع استثماراتها في منجم الماناريت قبيل انهياره، ثم انتقل معظم أفرادها إلى العاصمة، ولم يُبقوا في مونفالو سوى قصر صغير.
سمع طرقًا على الباب، فعاد يتفقد ساعته. حان وقت الذهاب إلى الكنيسة. ارتدى معطف الحداد فوق إحدى ستراته الأرجوانية، التي كانت مزينة بلمسات فضية، ثم فتح الباب فوجد ميليسا تنتظره.
جمع عصاه، وقرّر أن يترك كل أبحاثه في الغرفة الخفية حيث ستكون آمنة، ثم بدأ يصعد الدرج. توقف عند أعلاه وأصغى للحظات قبل أن يفعّل آلية الفتح من جهته. فبعد ليلتين من الدراسة، صار قادرًا الآن على تمييز رونات الدم والفتح والصمت المحيطة بالعين المركزية. لم يكن لديه أدنى فكرة عن كيفية ترابطها، لكنه سرّ بقدرته على تمييزها من النظرة الأولى.
“حاضر، سيدي”، أجابت، ثم انحنت وغادرت الغرفة.
