فظّ
الفصل 28: فظّ
كان رجل عريض الجسد يقف في وسط الفسحة، وشعره الداكن يتدلى عن رأسه في خصلًا متسخة متكتلة. امتلأت عيناه الداكنتان بالجنون، ولم يبقَ من بدلته الزرقاء سوى بقايا تلتصق بجسده، وقد غطاه الوحل والتراب والأشواك. كان ذلك عمدة البلدة السابق، نيمان، قابضًا بيديه على معول صدئ.
“لا يمكنك الوثوق بالأشجار.”
أحكم سولومون قبضته على عصاه وتقدم خطوة.
— مثل دراكثي قديم من زمن غزو الإلف
أومأ سولومون، وراقب كولم وهو يبتعد عن الدرب الرئيسي ويختفي عن نظره للحظات. انتظر متفحصًا الغابة. لم يألف أصواتها: زقزقة الطيور، وحفيف ما يتحرك بين الشجيرات، وطنين أجنحة الحشرات. أثارت تلك الأصوات توتره، لكنه حافظ على هدوئه. راحت عيناه تمسحان الطرف البعيد من الدرب، فخُيّل إليه للحظة أنه رأى شيئًا يركض مسرعًا بمحاذاة الأرض.
دخلا الغابة عبر الدرب الرئيسي. كانت الأشجار قد قُلّمت وأُبعدت عن الدرب في وقت ما، لكنها عادت فامتدت فوقه، مشكّلةً مظلةً حجبت عنه الضوء وأغرقته في الظل. كان في الغابة ما يبعث على القلق. خُيّل إلى سولومون أن أشياء تراقبه من أطراف الدرب، من مواضع لا تقع عليها عيناه، وأن الأغصان المتشابكة ترسم في العتمة أشكالًا مهيبة.
أومأ سولومون. فمثل التعدين، كان انعدام الربح الكافي السبب الرئيسي وراء توقف قطع الأخشاب؛ لكن، بخلاف ما جرى في المنجم، لم يقع حادث مروّع ولم تنتشر شائعات عن لعنة تعجّل وقف العمل. وكان قطع الأخشاب في مونفالو قد فقد جدواه الاقتصادية لسببين. أولهما أن استغلال غابات الإلف الحية كان يدر أرباحًا أكبر بكثير، فتحوّل التركيز إليها. وثانيهما أن أشجار هذه الغابة كانت عالية الجودة أكثر مما ينبغي. فالأثرياء لم يريدوا سوى خشب الأشجار الحية، بينما اعتمد أفقر الناس غالبًا على الخشب الأرخص، فلم يبقَ إلا سوق أصغر بكثير للخشب العادي عالي الجودة. أما السوق المتبقية، فكانت مناطق أخرى أقدر من مونفالو على تلبيتها، لذا كانت هذه المنطقة أول ما استُبعد. والآن، بعدما أوشكت الغابات الحية على أن تُقطع بالكامل، وازداد عدد التجار وأصحاب الثروات من غير ذوي الألقاب، ظنّ سولومون أن قطع الأخشاب في مونفالو قد يستعيد ربحيته.
سارا قرابة نصف ساعة قبل أن يتوقف كولم.
أطلق سولومون زفرة. كان يتساءل عن مكان العمدة، لكنه افترض أن الرجل سيفر إلى إتلينغ. لم يكن الاختباء في الغابة منسجمًا مع الصورة التي رسمها سولومون له. فقد ظن أن لنيمان صلات بالعالم السفلي، بالنظر إلى ما ارتكبه من احتيال واسع النطاق، فضلًا عن الاتجار بنساء شابات من البلدة. كما بدا له رجلًا مولعًا بوسائل الراحة، لا من النوع الذي يختار خشونة العيش في الغابة.
“دعني أتفقد فخًا هناك.”
“توقف قطع الأخشاب هنا قبل توقف التعدين، أليس كذلك؟” سأل سولومون.
أومأ سولومون، وراقب كولم وهو يبتعد عن الدرب الرئيسي ويختفي عن نظره للحظات. انتظر متفحصًا الغابة. لم يألف أصواتها: زقزقة الطيور، وحفيف ما يتحرك بين الشجيرات، وطنين أجنحة الحشرات. أثارت تلك الأصوات توتره، لكنه حافظ على هدوئه. راحت عيناه تمسحان الطرف البعيد من الدرب، فخُيّل إليه للحظة أنه رأى شيئًا يركض مسرعًا بمحاذاة الأرض.
“دعني أتفقد فخًا هناك.”
خرج كولم من بين الأشجار وفي يده ثعلب. كان ميتًا، من دون إصابات ظاهرة. خمّن سولومون أن عنقه كُسر حفاظًا على فرائه. وما إن بلغ كولم الدرب حتى ربط الثعلب بهدوء بحلقة في حقيبته.
وفي نهاية المطاف، اتسع الدرب وتراجعت الأشجار، فكشفت عن المنجم. رأى سولومون صناديق قديمة بمفصلات صدئة، ومعاول ومجارف أُلقيت جانبًا وغطّتها الجذور، بل وما بدا أنه هيكل عظمي لحصان. وفي وسط الفسحة نتوء صخري كبير حُفر فيه نفق واسع.
“أحسنت،” قال سولومون.
أومأ سولومون، وراقب كولم وهو يبتعد عن الدرب الرئيسي ويختفي عن نظره للحظات. انتظر متفحصًا الغابة. لم يألف أصواتها: زقزقة الطيور، وحفيف ما يتحرك بين الشجيرات، وطنين أجنحة الحشرات. أثارت تلك الأصوات توتره، لكنه حافظ على هدوئه. راحت عيناه تمسحان الطرف البعيد من الدرب، فخُيّل إليه للحظة أنه رأى شيئًا يركض مسرعًا بمحاذاة الأرض.
أومأ كولم. “يوم موفّق حتى الآن.”
لوّح نيمان بالمعول الصدئ. “سأغرس هذا في جمجمتك وأجرّك إلى البلدة. ثم أعود إلى ضيعتك وأضاجع كل واحدة من خادماتك الجميلات اللواتي تحتفظ بهن لنفسك.”
استأنف كولم السير على الدرب، وبعد دقائق قليلة وصلا إلى تفرّع فيه.
“عمدة نيمان، تبدو في أحسن حال،” قال وهو يتفحص ما حوله. رأى كولم ممسكًا برأسه، وكأنه في ذهول، لكنه كان حيًا. وبدا أن الغابة من حولهما قد ازدادت عتمة، وأن الأشجار نفسها تكاد تميل نحوه. كانت المانا فيه تضطرب وتنبض، كما لو أنها تتفاعل مع التغيرات المحيطة به.
“معسكر قطع الأخشاب الأول هنا.”
بالنظر إلى ما أصابه من تشوش، لم يظن سولومون أن كولم سيتذكر ما فعله. ثم إن كولم كان في عهدته، وكانت سلامته مسؤوليته وواجبه، حتى لو عرّض ذلك أسراره للخطر.
أومأ سولومون وتبعه في درب جانبي، إلى أن انفتح على فسحة تتناثر فيها عدة مبانٍ. تفحّصها واحدًا واحدًا بعناية. كانت الأدوات قد أُزيلت، أما المباني فقد تردّت حالتها بعد أن تُركت مهجورة زمنًا طويلًا. وعلى مسافة قصيرة من الفسحة، حيث جرت أعمال القطع، بقيت جذوع أشجار عدة، وقد نمت حولها الآن أشجار فتية.
تسمّر في مكانه.
“توقف قطع الأخشاب هنا قبل توقف التعدين، أليس كذلك؟” سأل سولومون.
بالنظر إلى ما أصابه من تشوش، لم يظن سولومون أن كولم سيتذكر ما فعله. ثم إن كولم كان في عهدته، وكانت سلامته مسؤوليته وواجبه، حتى لو عرّض ذلك أسراره للخطر.
“بلى. انسحب الحطّابون. قالوا إن الأرباح لم تعد تكفي.”
“لنمضِ مباشرةً إلى المنجم. سأدفع لك أجرك كاملًا، كأنك اصطحبتني إلى بقية المواقع.”
أومأ سولومون. فمثل التعدين، كان انعدام الربح الكافي السبب الرئيسي وراء توقف قطع الأخشاب؛ لكن، بخلاف ما جرى في المنجم، لم يقع حادث مروّع ولم تنتشر شائعات عن لعنة تعجّل وقف العمل. وكان قطع الأخشاب في مونفالو قد فقد جدواه الاقتصادية لسببين. أولهما أن استغلال غابات الإلف الحية كان يدر أرباحًا أكبر بكثير، فتحوّل التركيز إليها. وثانيهما أن أشجار هذه الغابة كانت عالية الجودة أكثر مما ينبغي. فالأثرياء لم يريدوا سوى خشب الأشجار الحية، بينما اعتمد أفقر الناس غالبًا على الخشب الأرخص، فلم يبقَ إلا سوق أصغر بكثير للخشب العادي عالي الجودة. أما السوق المتبقية، فكانت مناطق أخرى أقدر من مونفالو على تلبيتها، لذا كانت هذه المنطقة أول ما استُبعد. والآن، بعدما أوشكت الغابات الحية على أن تُقطع بالكامل، وازداد عدد التجار وأصحاب الثروات من غير ذوي الألقاب، ظنّ سولومون أن قطع الأخشاب في مونفالو قد يستعيد ربحيته.
“بلى. انسحب الحطّابون. قالوا إن الأرباح لم تعد تكفي.”
وحين اطمأن إلى ما رآه، اقترب من كولم، بينما ظلّت عيناه تجولان في الغابة. كان شعوره بالقلق يزداد باطراد.
تسمّر في مكانه.
“لنمضِ مباشرةً إلى المنجم. سأدفع لك أجرك كاملًا، كأنك اصطحبتني إلى بقية المواقع.”
خرج كولم من بين الأشجار وفي يده ثعلب. كان ميتًا، من دون إصابات ظاهرة. خمّن سولومون أن عنقه كُسر حفاظًا على فرائه. وما إن بلغ كولم الدرب حتى ربط الثعلب بهدوء بحلقة في حقيبته.
“لا بأس عندي،” أجاب كولم، عادا إلى الدرب الرئيسي. ومن هناك، تابعا السير في خط مستقيم تقريبًا لنصف ساعة أخرى. لمح سولومون بضعة دروب متفرعة، فاضطرا إلى الالتفاف حول مواضع عدة سدّتها الأنقاض والنباتات المتضخمة، مستخدمين مسالك أصغر للمرور من حولها. بدأ التعب يدبّ في سولومون، لقد شعر بقميصه يلتصق بجسده من العرق، لكن كولم حافظ على الوتيرة الثابتة نفسها التي بدأ بها.
الفصل 28: فظّ
وفي نهاية المطاف، اتسع الدرب وتراجعت الأشجار، فكشفت عن المنجم. رأى سولومون صناديق قديمة بمفصلات صدئة، ومعاول ومجارف أُلقيت جانبًا وغطّتها الجذور، بل وما بدا أنه هيكل عظمي لحصان. وفي وسط الفسحة نتوء صخري كبير حُفر فيه نفق واسع.
اتجه كولم إلى صخرة صغيرة وجلس عليها يشرب الماء، بينما أخذ سولومون يتفقد المكان. أمضى وقتًا طويلًا يتأمل الأدوات المتناثرة، ثم اتجه نحو النفق. أشعل قداحته بحذر وتوغل بضع خطوات إلى الداخل. أبصر في العمق صخورًا كبيرة تسد الطريق. فمضى أبعد حتى بلغ الموضع الذي انهار فيه المنجم. بدا أن إزالة الصخور ممكنة، وكما توقّع، فقد أُنشئ المنجم في الأصل بأساليب بدائية، بإشعال النار على الصخور لتفتيتها. وباستخدام أدوات أحدث، لتمكنوا بالتأكيد من استخراج المزيد من الخامات. سيحتاج إلى تكليف أحدهم بإجراء مسح أكثر تفصيلًا، أو الاستعانة بإحدى الشركات لذلك، لكن افتراضاته الأولية بدت في محلها.
اتجه كولم إلى صخرة صغيرة وجلس عليها يشرب الماء، بينما أخذ سولومون يتفقد المكان. أمضى وقتًا طويلًا يتأمل الأدوات المتناثرة، ثم اتجه نحو النفق. أشعل قداحته بحذر وتوغل بضع خطوات إلى الداخل. أبصر في العمق صخورًا كبيرة تسد الطريق. فمضى أبعد حتى بلغ الموضع الذي انهار فيه المنجم. بدا أن إزالة الصخور ممكنة، وكما توقّع، فقد أُنشئ المنجم في الأصل بأساليب بدائية، بإشعال النار على الصخور لتفتيتها. وباستخدام أدوات أحدث، لتمكنوا بالتأكيد من استخراج المزيد من الخامات. سيحتاج إلى تكليف أحدهم بإجراء مسح أكثر تفصيلًا، أو الاستعانة بإحدى الشركات لذلك، لكن افتراضاته الأولية بدت في محلها.
دار النبيل الشاب حوله ليتفحص الجرح. ثم شرع في تركيز المانا، وحاول بثّها في دم الرجل. شعر بمقاومة فورية، فتبددت المانا. حاول ثانية، مركزًا جهده أكثر ودافعًا مزيدًا من المانا إلى دم كولم. أخذ ذهنه يتشوش، بينما استُنزفت المانا منه بسرعة؛ إذ كان معظمها يتلاشى في دم كولم فور دفعها إليه تقريبًا. ومع ذلك، تمكن بطريقة ما من بثّ ما يكفي من المانا، ثم حرّك يده المفتوحة في نصف دائرة، فتخثّر الدم وتوقف النزيف.
راح يتفحص الأرض قرب موضع الانهيار، فرأى حجرًا يلمع في الضوء المتسلل من المدخل. مدّ يده والتقطه ليتأمله عن قرب. تناثرت في الحجر نقاط عدة من معدن أزرق داكن. كان ماناريت. دسّه سولومون في جيبه ليفحصه بتفصيل أكبر لاحقًا، ثم عاد إلى خارج النفق وأطفأ القداحة عند بلوغه المخرج.
أومأ كولم. “يوم موفّق حتى الآن.”
تسمّر في مكانه.
تأكد سولومون من أن كولم قادر على الجلوس بمفرده، ثم التفت لينظر إلى الموضع الذي سقط فيه العمدة نيمان. وما رآه هناك جعل الدم يتجمد في عروقه.
كان رجل عريض الجسد يقف في وسط الفسحة، وشعره الداكن يتدلى عن رأسه في خصلًا متسخة متكتلة. امتلأت عيناه الداكنتان بالجنون، ولم يبقَ من بدلته الزرقاء سوى بقايا تلتصق بجسده، وقد غطاه الوحل والتراب والأشواك. كان ذلك عمدة البلدة السابق، نيمان، قابضًا بيديه على معول صدئ.
أومأ سولومون وتبعه في درب جانبي، إلى أن انفتح على فسحة تتناثر فيها عدة مبانٍ. تفحّصها واحدًا واحدًا بعناية. كانت الأدوات قد أُزيلت، أما المباني فقد تردّت حالتها بعد أن تُركت مهجورة زمنًا طويلًا. وعلى مسافة قصيرة من الفسحة، حيث جرت أعمال القطع، بقيت جذوع أشجار عدة، وقد نمت حولها الآن أشجار فتية.
أحكم سولومون قبضته على عصاه وتقدم خطوة.
“بلى. انسحب الحطّابون. قالوا إن الأرباح لم تعد تكفي.”
“عمدة نيمان، تبدو في أحسن حال،” قال وهو يتفحص ما حوله. رأى كولم ممسكًا برأسه، وكأنه في ذهول، لكنه كان حيًا. وبدا أن الغابة من حولهما قد ازدادت عتمة، وأن الأشجار نفسها تكاد تميل نحوه. كانت المانا فيه تضطرب وتنبض، كما لو أنها تتفاعل مع التغيرات المحيطة به.
أومأ سولومون، وراقب كولم وهو يبتعد عن الدرب الرئيسي ويختفي عن نظره للحظات. انتظر متفحصًا الغابة. لم يألف أصواتها: زقزقة الطيور، وحفيف ما يتحرك بين الشجيرات، وطنين أجنحة الحشرات. أثارت تلك الأصوات توتره، لكنه حافظ على هدوئه. راحت عيناه تمسحان الطرف البعيد من الدرب، فخُيّل إليه للحظة أنه رأى شيئًا يركض مسرعًا بمحاذاة الأرض.
“أيها الوغد،” قال نيمان وهو يخطو نحوه.
تسمّر في مكانه.
“لست وغدًا. إنما أنت وأخوك… فقد سمعت، على أي حال، بعض الشائعات عنكما في مونفالو منذ فرارك.” أراد سولومون أن يخلخل اتزان نيمان. كان يعلم أن الرجل أضخم منه وأقوى، لكنه كان واثقًا أيضًا من أن نيمان يجهل ما يستطيع سولومون فعله.
أومأ سولومون، وراقب كولم وهو يبتعد عن الدرب الرئيسي ويختفي عن نظره للحظات. انتظر متفحصًا الغابة. لم يألف أصواتها: زقزقة الطيور، وحفيف ما يتحرك بين الشجيرات، وطنين أجنحة الحشرات. أثارت تلك الأصوات توتره، لكنه حافظ على هدوئه. راحت عيناه تمسحان الطرف البعيد من الدرب، فخُيّل إليه للحظة أنه رأى شيئًا يركض مسرعًا بمحاذاة الأرض.
لوّح نيمان بالمعول الصدئ. “سأغرس هذا في جمجمتك وأجرّك إلى البلدة. ثم أعود إلى ضيعتك وأضاجع كل واحدة من خادماتك الجميلات اللواتي تحتفظ بهن لنفسك.”
أومأ كولم. “يوم موفّق حتى الآن.”
“فظّ،” قال سولومون، رافعًا يده وأصابعه متجهة إلى الأسفل، ثم قلبها إلى أعلى حتى صارت راحته في مواجهة نيمان.
راح يتفحص الأرض قرب موضع الانهيار، فرأى حجرًا يلمع في الضوء المتسلل من المدخل. مدّ يده والتقطه ليتأمله عن قرب. تناثرت في الحجر نقاط عدة من معدن أزرق داكن. كان ماناريت. دسّه سولومون في جيبه ليفحصه بتفصيل أكبر لاحقًا، ثم عاد إلى خارج النفق وأطفأ القداحة عند بلوغه المخرج.
اندفعت إلى الأمام هبّة ريح مسنودة بأقصى ما استطاع سولومون حشده من المانا، فقذفت نيمان المذهول عبر الفسحة حتى كاد يبلغ حافة الغابة. وهناك ظل ساكنًا.
اندفعت إلى الأمام هبّة ريح مسنودة بأقصى ما استطاع سولومون حشده من المانا، فقذفت نيمان المذهول عبر الفسحة حتى كاد يبلغ حافة الغابة. وهناك ظل ساكنًا.
أطلق سولومون زفرة. كان يتساءل عن مكان العمدة، لكنه افترض أن الرجل سيفر إلى إتلينغ. لم يكن الاختباء في الغابة منسجمًا مع الصورة التي رسمها سولومون له. فقد ظن أن لنيمان صلات بالعالم السفلي، بالنظر إلى ما ارتكبه من احتيال واسع النطاق، فضلًا عن الاتجار بنساء شابات من البلدة. كما بدا له رجلًا مولعًا بوسائل الراحة، لا من النوع الذي يختار خشونة العيش في الغابة.
خرج كولم من بين الأشجار وفي يده ثعلب. كان ميتًا، من دون إصابات ظاهرة. خمّن سولومون أن عنقه كُسر حفاظًا على فرائه. وما إن بلغ كولم الدرب حتى ربط الثعلب بهدوء بحلقة في حقيبته.
كانت لدى سولومون أسئلة يريد طرحها عليه، لكنه اتجه أولًا إلى كولم، قبل أن يتحقق مما إذا كان العمدة لا يزال حيًا. كان الرجل ممسكًا برأسه ويلهث، ويحاول النهوض. ساعده سولومون على الجلوس مجددًا على الصخرة التي استراح عليها قبل قليل. كان في مؤخرة رأسه جرح ينزف، وبدا أن عينيه زائغتان.
كان رجل عريض الجسد يقف في وسط الفسحة، وشعره الداكن يتدلى عن رأسه في خصلًا متسخة متكتلة. امتلأت عيناه الداكنتان بالجنون، ولم يبقَ من بدلته الزرقاء سوى بقايا تلتصق بجسده، وقد غطاه الوحل والتراب والأشواك. كان ذلك عمدة البلدة السابق، نيمان، قابضًا بيديه على معول صدئ.
دار النبيل الشاب حوله ليتفحص الجرح. ثم شرع في تركيز المانا، وحاول بثّها في دم الرجل. شعر بمقاومة فورية، فتبددت المانا. حاول ثانية، مركزًا جهده أكثر ودافعًا مزيدًا من المانا إلى دم كولم. أخذ ذهنه يتشوش، بينما استُنزفت المانا منه بسرعة؛ إذ كان معظمها يتلاشى في دم كولم فور دفعها إليه تقريبًا. ومع ذلك، تمكن بطريقة ما من بثّ ما يكفي من المانا، ثم حرّك يده المفتوحة في نصف دائرة، فتخثّر الدم وتوقف النزيف.
أومأ كولم. “يوم موفّق حتى الآن.”
بالنظر إلى ما أصابه من تشوش، لم يظن سولومون أن كولم سيتذكر ما فعله. ثم إن كولم كان في عهدته، وكانت سلامته مسؤوليته وواجبه، حتى لو عرّض ذلك أسراره للخطر.
أومأ سولومون، وراقب كولم وهو يبتعد عن الدرب الرئيسي ويختفي عن نظره للحظات. انتظر متفحصًا الغابة. لم يألف أصواتها: زقزقة الطيور، وحفيف ما يتحرك بين الشجيرات، وطنين أجنحة الحشرات. أثارت تلك الأصوات توتره، لكنه حافظ على هدوئه. راحت عيناه تمسحان الطرف البعيد من الدرب، فخُيّل إليه للحظة أنه رأى شيئًا يركض مسرعًا بمحاذاة الأرض.
تأكد سولومون من أن كولم قادر على الجلوس بمفرده، ثم التفت لينظر إلى الموضع الذي سقط فيه العمدة نيمان. وما رآه هناك جعل الدم يتجمد في عروقه.
“لنمضِ مباشرةً إلى المنجم. سأدفع لك أجرك كاملًا، كأنك اصطحبتني إلى بقية المواقع.”
استأنف كولم السير على الدرب، وبعد دقائق قليلة وصلا إلى تفرّع فيه.
