الإله المحلي
الفصل 30: الإله المحلي
يُقال إن روح السقف كانت سلفًا لشخصٍ ما من أهل مونفالو، مات إثر سقوطه عن السطح. ويدّعي كثيرون الانتساب إليه، لكن لم يثبت نسب أيٍّ منهم إليه إثباتًا قاطعًا، كما لم يُتحقَّق من صحة الادعاء الأصلي. أما الأمر الذي ثبت، فهو أن استخدام القرميد الأخضر في مونفالو يجلب بركته؛ إذ تصمد أسطحهم حتى خمسين عامًا من دون أن تعطب. والمفارقة أن هذا يعني أن حرفيي البلدة نادرًا ما يجدون عملًا يصلحون فيه الأسطح المتسرّبة.
في تلك الليلة، وقف أمام تمثال الناسك يراقب توهج التمثال وهو يزداد سطوعًا مع ارتفاع البدر. وحين بلغ القمر كبد السماء، بدأ يشعر بجذب عصاه. فرفعها وأعادها إلى يد التمثال، وأرسل ذهنه للقاء الأركانا.
• معبودات مونفالو المحلية
سيد الغابة السوداء
ترك سولومون لدى الطبيب آيزكس قطعة ذهبية لقاء علاجه وعلاج كولم، كما دفع للصياد أجره، وزاده بضع قطع فضية، وأرفق بها رسالة حثّه فيها على تجنّب الغابة مؤقتًا، نظرًا لما حدث، وعرض عليه عملًا في الضيعة إن احتاج إليه في تلك الأثناء. ثم عاد إلى العربة، حيث كان دنكان ينتظره مستندًا إلى عصاه، متكئًا عليها أكثر من المعتاد. كانت غرز الخياطة تلسعه مع كل نفس وحركة. عرض الطبيب عليه دواءً لتسكين الألم، فوافق على تناول ربع الجرعة لا غير. فقد أراد أن يبقي ذهنه يقظًا.
وجد في الكتاب أن جوار مونفالو يضم عددًا من أرواح الأنهار والبحيرات، فضلًا عن روحٍ للأسطح المتينة، يكرّمها الناس باستخدام نوع مخصوص من القرميد الأخضر. ولم يعثر على ما قد يفيده إلا حين بلغ نحو منتصف الكتاب، حيث وجد مدخلًا موجزًا ربما انطبق على حالته.
طلب من دنكان أن يتجه إلى الضيعة، على أن يتوقفا سريعًا عند حامية الحرس ليطلب زيادة عدد الحراس عند مدخل الغابة. ما إن وصل إلى الضيعة حتى قصد غرفته، مكتفيًا بإيماءات مقتضبة لخدمه، وطلب إبريق ماء وشيئًا يأكله. رمقه عدد منهم بنظرات متفحصة على معطفه الممزق والملطخ بالدماء، وإلى كونه عاري الصدر، لا يستر جسده تحته سوى الضمادات، لكن أحدًا لم يسأله شيئًا.
• معبودات مونفالو المحلية
كان سولومون قد أتمّ أزرار قميص نظيف حين سمع طرقًا على الباب.
يهيم في الغابة برفقة عرائسه. لا يُستحسن التوجّه إليه بالعبادة مباشرة. وتكفي قرابين الخبز والحليب، التي يقدمها الساكنون عند أطراف الغابة، كي لا يؤذيهم.
“ادخل”، قال.
طلب من دنكان أن يتجه إلى الضيعة، على أن يتوقفا سريعًا عند حامية الحرس ليطلب زيادة عدد الحراس عند مدخل الغابة. ما إن وصل إلى الضيعة حتى قصد غرفته، مكتفيًا بإيماءات مقتضبة لخدمه، وطلب إبريق ماء وشيئًا يأكله. رمقه عدد منهم بنظرات متفحصة على معطفه الممزق والملطخ بالدماء، وإلى كونه عاري الصدر، لا يستر جسده تحته سوى الضمادات، لكن أحدًا لم يسأله شيئًا.
دخلت ميليسا تحمل إبريق ماء وكوبًا. تقدمت إلى مكتبه وصبّت له الماء، ثم وقفت جانبًا.
دخلت ميليسا تحمل إبريق ماء وكوبًا. تقدمت إلى مكتبه وصبّت له الماء، ثم وقفت جانبًا.
شرب من الكوب ببطء، محاولًا ضبط وتيرته، مع أنه كان يود لو خطف الإبريق وجرع الماء كله دفعة واحدة.
“أصرّت كلير على الكبد. تقول إنه مفيد لمن فقدوا دمًا.”
“سولومون”، قالت ميليسا، مستخدمة اسمه الأول للمرة الأولى. كان في نبرتها شيء من التوبيخ.
“شكرًا لك”، أجابها، وناولها المعطف.
“هاجمني شيء في الغابة. وأُصيب كولم أيضًا. لعلّه مجرد حيوان مذعور. لقد عاينني الطبيب بالفعل، وسأتعافى من دون مشكلة.”
أعادت كلمة عرائس إلى ذهنه ما ذكرته السيدة بريور عن آل بايثارز، وأنهم ربما فقدوا ألقابهم بسبب قتل زوجاتهم. أكان ثمة اتفاق ما بين عائلتهم وسيد الغابة السوداء؟ يزوّدونه بالزوجات كي يحتفظوا بنفوذهم على مونفالو؟ لم تتوصل حامية إتلينغ قط إلى معرفة كيف عرف ماركوس تحديدًا أن سولومون يتحرك ضده وضد أخيه. ولو كان الجواب ذا طبيعة سحرية، لأمكنه أن يفسر ذلك اللغز.
أومأت برأسها. “سأطلب أن يحضروا لك الطعام، وسأصلح المعطف وأغسله. أرجو أن تستريح.”
كانت… هادئة. لم تكن ساكنة تمامًا، بل أشبه ببحيرة تتلاطم أمواجها برفق. وجّه يده نحو الكتاب القريب، وأصابعه ومعصمه إلى أسفل. ضخّ قليلًا من المانا في التعويذة برفق، ثم رفع أصابعه ومعصمه بحركة خاطفة. فهبّت نسمة لطيفة حرّكت صفحات الكتاب، وكادت تقلب إحداها.
“شكرًا لك”، أجابها، وناولها المعطف.
أيمكن أن يكون الأمر متعلقًا بالإجهاد؟ لقد ألقى عددًا كبيرًا من التعويذات، وأرهق جسده أثناء فراره من الغابة. لعلّ المانا تحتاج إلى أن تُستنزف بين حين وآخر كي تستقر، أو لعل جسده يحتاج إلى ذلك حتى يتكيف معها على نحو أفضل. دوّن نظرياته ذهنيًا واحدة تلو الأخرى. فما زال يجهل أشياء كثيرة جدًا.
أخذته، ثم أعادت ملء كوبه بالماء وغادرت. وما إن خرجت حتى تناول كتاب معبودات مونفالو المحلية من زاوية مكتبه وفتحه. كان قد أوقف أبحاثه العامة عن البلدة منذ بعض الوقت، لكن ما اختبره للتو أقنعه بأنه بحاجة إلى تعميق فهمه لمونفالو. كان قد نسب في البداية أمر العمدة ومخالفاته إلى شؤون دنيوية عادية، لكن بعد ما رآه للتو، فقد بات عليه أن يراجع تلك التوقعات.
بعثت تلك الفكرة شيئًا من الدفء في نفسه، فنهض وخرج من غرفة الدراسة السرية عائدًا إلى غرفته. كانت غرز الخياطة تلسعه، وجسده يؤلمه من الجهد الذي بذله في وقت سابق من النهار.
فتح الكتاب وأخذ يتصفحه سريعًا. قد تتخذ الآلهة أشكالًا شتى؛ فقد تكون أرواحًا جبارة، أو كيانات من عوالم أخرى، أو أسلافًا حماة، بل وحتى شياطين. كان لمعظم القرى إله صغير أو اثنان، ولهما مزار متواضع، في حين أقيمت للآلهة الكبرى كاتدرائيات في المدن العظيمة. اعتمد بعضها على المانا، بينما استمد بعضها الآخر قوته من طاقات تتجاوز فهم البشر. فلم يكن ما يجعل كيانًا ما إلهًا سوى حاجته إلى عبادة البشر أو قرابينهم. كان من الممكن تمامًا ألا يكون المخلوق الذي رآه في الغابة إلهًا، لكنه لم يكن يملك إلا موارد محدودة، فرأى أن يبدأ بالبحث في أمر الآلهة.
في تلك الليلة، وقف أمام تمثال الناسك يراقب توهج التمثال وهو يزداد سطوعًا مع ارتفاع البدر. وحين بلغ القمر كبد السماء، بدأ يشعر بجذب عصاه. فرفعها وأعادها إلى يد التمثال، وأرسل ذهنه للقاء الأركانا.
وجد في الكتاب أن جوار مونفالو يضم عددًا من أرواح الأنهار والبحيرات، فضلًا عن روحٍ للأسطح المتينة، يكرّمها الناس باستخدام نوع مخصوص من القرميد الأخضر. ولم يعثر على ما قد يفيده إلا حين بلغ نحو منتصف الكتاب، حيث وجد مدخلًا موجزًا ربما انطبق على حالته.
أيمكن أن يكون الأمر متعلقًا بالإجهاد؟ لقد ألقى عددًا كبيرًا من التعويذات، وأرهق جسده أثناء فراره من الغابة. لعلّ المانا تحتاج إلى أن تُستنزف بين حين وآخر كي تستقر، أو لعل جسده يحتاج إلى ذلك حتى يتكيف معها على نحو أفضل. دوّن نظرياته ذهنيًا واحدة تلو الأخرى. فما زال يجهل أشياء كثيرة جدًا.
سيد الغابة السوداء
“ادخل”، قال.
يهيم في الغابة برفقة عرائسه. لا يُستحسن التوجّه إليه بالعبادة مباشرة. وتكفي قرابين الخبز والحليب، التي يقدمها الساكنون عند أطراف الغابة، كي لا يؤذيهم.
في تلك الليلة، وقف أمام تمثال الناسك يراقب توهج التمثال وهو يزداد سطوعًا مع ارتفاع البدر. وحين بلغ القمر كبد السماء، بدأ يشعر بجذب عصاه. فرفعها وأعادها إلى يد التمثال، وأرسل ذهنه للقاء الأركانا.
لم يرد أي تفصيل آخر، لكن حدسه أخبره أن المدخل يتحدث عن الكائن الذي صادفه. فأعادت إليه الإشارة إلى العرائس صور الأشكال البيضاء المتمايلة التي لمحها بين الأشجار. قلب الكتاب بين يديه، متأملًا قِدمه. لعلّه كُتب حين كانت مونفالو لا تزال بلدة مزدهرة بالتعدين وقطع الأخشاب؛ وإلا لما تناول الكتاب آلهتها المحلية أصلًا. فكان محظوظًا بوجود هذا المدخل المقتضب، على الأقل، ليستند إليه.
الفصل 30: الإله المحلي يُقال إن روح السقف كانت سلفًا لشخصٍ ما من أهل مونفالو، مات إثر سقوطه عن السطح. ويدّعي كثيرون الانتساب إليه، لكن لم يثبت نسب أيٍّ منهم إليه إثباتًا قاطعًا، كما لم يُتحقَّق من صحة الادعاء الأصلي. أما الأمر الذي ثبت، فهو أن استخدام القرميد الأخضر في مونفالو يجلب بركته؛ إذ تصمد أسطحهم حتى خمسين عامًا من دون أن تعطب. والمفارقة أن هذا يعني أن حرفيي البلدة نادرًا ما يجدون عملًا يصلحون فيه الأسطح المتسرّبة.
أعادت كلمة عرائس إلى ذهنه ما ذكرته السيدة بريور عن آل بايثارز، وأنهم ربما فقدوا ألقابهم بسبب قتل زوجاتهم. أكان ثمة اتفاق ما بين عائلتهم وسيد الغابة السوداء؟ يزوّدونه بالزوجات كي يحتفظوا بنفوذهم على مونفالو؟ لم تتوصل حامية إتلينغ قط إلى معرفة كيف عرف ماركوس تحديدًا أن سولومون يتحرك ضده وضد أخيه. ولو كان الجواب ذا طبيعة سحرية، لأمكنه أن يفسر ذلك اللغز.
“ادخل”، قال.
طُرق الباب مرة أخرى، فدخلت ميليسا تحمل صينية تفوح منها رائحة اللحم بقوة.
طلب من دنكان أن يتجه إلى الضيعة، على أن يتوقفا سريعًا عند حامية الحرس ليطلب زيادة عدد الحراس عند مدخل الغابة. ما إن وصل إلى الضيعة حتى قصد غرفته، مكتفيًا بإيماءات مقتضبة لخدمه، وطلب إبريق ماء وشيئًا يأكله. رمقه عدد منهم بنظرات متفحصة على معطفه الممزق والملطخ بالدماء، وإلى كونه عاري الصدر، لا يستر جسده تحته سوى الضمادات، لكن أحدًا لم يسأله شيئًا.
“أصرّت كلير على الكبد. تقول إنه مفيد لمن فقدوا دمًا.”
“ادخل”، قال.
أومأ سولومون، وتركها تضع الطعام أمامه. لم يكن يستسيغ الكبد؛ فقوامه لا يريحه أبدًا، لكنه لم ينوِ أن يرفض لفتة كلير الكريمة. أكل ببطء، مستغلًا الوقت للتركيز على المانا التي تسري فيه.
طُرق الباب مرة أخرى، فدخلت ميليسا تحمل صينية تفوح منها رائحة اللحم بقوة.
كانت… هادئة. لم تكن ساكنة تمامًا، بل أشبه ببحيرة تتلاطم أمواجها برفق. وجّه يده نحو الكتاب القريب، وأصابعه ومعصمه إلى أسفل. ضخّ قليلًا من المانا في التعويذة برفق، ثم رفع أصابعه ومعصمه بحركة خاطفة. فهبّت نسمة لطيفة حرّكت صفحات الكتاب، وكادت تقلب إحداها.
بعثت تلك الفكرة شيئًا من الدفء في نفسه، فنهض وخرج من غرفة الدراسة السرية عائدًا إلى غرفته. كانت غرز الخياطة تلسعه، وجسده يؤلمه من الجهد الذي بذله في وقت سابق من النهار.
رفع حاجبًا وهو يلتقط بالشوكة قطعة أخرى من الكبد ويضعها في فمه. ثم استند إلى الوراء وأخذ يمضغها. كانت المانا لديه في اضطراب شديد منذ اكتسبها أول مرة. وحتى صباح ذلك اليوم، لم يكن قادرًا على الإحساس بها حقًا، ولا معرفة موضعها أو مسار تدفقها. أما الآن، فقد استقرت بما يكفي ليشعر بها. لم يظن أن ذلك عائد إلى تعويذة التحكم بالدم. صحيح أنه ألقاها بإحكام ومن دون صعوبة، لكنها بدت أقرب إلى استثناء؛ إذ ظلت المانا هائجة في داخله قبل إلقاء تلك التعويذة وبعدها.
أعادت كلمة عرائس إلى ذهنه ما ذكرته السيدة بريور عن آل بايثارز، وأنهم ربما فقدوا ألقابهم بسبب قتل زوجاتهم. أكان ثمة اتفاق ما بين عائلتهم وسيد الغابة السوداء؟ يزوّدونه بالزوجات كي يحتفظوا بنفوذهم على مونفالو؟ لم تتوصل حامية إتلينغ قط إلى معرفة كيف عرف ماركوس تحديدًا أن سولومون يتحرك ضده وضد أخيه. ولو كان الجواب ذا طبيعة سحرية، لأمكنه أن يفسر ذلك اللغز.
أيمكن أن يكون الأمر متعلقًا بالإجهاد؟ لقد ألقى عددًا كبيرًا من التعويذات، وأرهق جسده أثناء فراره من الغابة. لعلّ المانا تحتاج إلى أن تُستنزف بين حين وآخر كي تستقر، أو لعل جسده يحتاج إلى ذلك حتى يتكيف معها على نحو أفضل. دوّن نظرياته ذهنيًا واحدة تلو الأخرى. فما زال يجهل أشياء كثيرة جدًا.
الفصل 30: الإله المحلي يُقال إن روح السقف كانت سلفًا لشخصٍ ما من أهل مونفالو، مات إثر سقوطه عن السطح. ويدّعي كثيرون الانتساب إليه، لكن لم يثبت نسب أيٍّ منهم إليه إثباتًا قاطعًا، كما لم يُتحقَّق من صحة الادعاء الأصلي. أما الأمر الذي ثبت، فهو أن استخدام القرميد الأخضر في مونفالو يجلب بركته؛ إذ تصمد أسطحهم حتى خمسين عامًا من دون أن تعطب. والمفارقة أن هذا يعني أن حرفيي البلدة نادرًا ما يجدون عملًا يصلحون فيه الأسطح المتسرّبة.
بعد أن فرغ من الطعام، نزل إلى المكتبة ودخل غرفة الدراسة المخفية. ففكّ رموز الاسمين: «بايثارز» و«سيد الغابة السوداء»، ثم فتش اليوميات بحثًا عن أي ذكر محتمل لهما. لكنه لم يعثر على أيٍّ منهما. لم يفاجأ بذلك كثيرًا؛ فاستنادًا إلى ما فكّ من اليوميات حتى الآن، لم يكن عمّه الأكبر يبدي اهتمامًا يُذكر بأي شيء خارج دراساته. بل تذكّر عبارة بعينها، أو ما يشبهها:
أعادت كلمة عرائس إلى ذهنه ما ذكرته السيدة بريور عن آل بايثارز، وأنهم ربما فقدوا ألقابهم بسبب قتل زوجاتهم. أكان ثمة اتفاق ما بين عائلتهم وسيد الغابة السوداء؟ يزوّدونه بالزوجات كي يحتفظوا بنفوذهم على مونفالو؟ لم تتوصل حامية إتلينغ قط إلى معرفة كيف عرف ماركوس تحديدًا أن سولومون يتحرك ضده وضد أخيه. ولو كان الجواب ذا طبيعة سحرية، لأمكنه أن يفسر ذلك اللغز.
“التعاويذ والمخطوطات السحرية هي الرفقة الوحيدة التي أحتاج إليها، والمسؤولية الوحيدة التي أكترث لها.”
“ادخل”، قال.
أغلق آخر اليوميات ووضعها جانبًا. كانت الغرفة باردة، وقد ظلت باردة طوال الفترة الأخيرة. لقد تساءل إن لم يكن عمّه محقًا، إلى حدّ ما. فلو لم ينبش في ما كان يجري بشأن أموال مونفالو، لكان قد تجنب الهجوم على ضيعته، وكذلك الدخول في صراع مع إله. لكن عمّه مات وحيدًا، ولم يندبه أحد، وعجز عن إنقاذ نفسه رغم ما امتلكه من معرفة وقوة. لعلّه لم يكن يفهم الأمور كما توهّم.
وجد في الكتاب أن جوار مونفالو يضم عددًا من أرواح الأنهار والبحيرات، فضلًا عن روحٍ للأسطح المتينة، يكرّمها الناس باستخدام نوع مخصوص من القرميد الأخضر. ولم يعثر على ما قد يفيده إلا حين بلغ نحو منتصف الكتاب، حيث وجد مدخلًا موجزًا ربما انطبق على حالته.
بعثت تلك الفكرة شيئًا من الدفء في نفسه، فنهض وخرج من غرفة الدراسة السرية عائدًا إلى غرفته. كانت غرز الخياطة تلسعه، وجسده يؤلمه من الجهد الذي بذله في وقت سابق من النهار.
طلب من دنكان أن يتجه إلى الضيعة، على أن يتوقفا سريعًا عند حامية الحرس ليطلب زيادة عدد الحراس عند مدخل الغابة. ما إن وصل إلى الضيعة حتى قصد غرفته، مكتفيًا بإيماءات مقتضبة لخدمه، وطلب إبريق ماء وشيئًا يأكله. رمقه عدد منهم بنظرات متفحصة على معطفه الممزق والملطخ بالدماء، وإلى كونه عاري الصدر، لا يستر جسده تحته سوى الضمادات، لكن أحدًا لم يسأله شيئًا.
خلع ملابسه واستلقى في سريره ليستريح. كان عليه أن يكون في كامل يقظته لاجتماعه مع الأركانا في مساء اليوم التالي. بعد أن نام حتى أواخر الصباح، أمضى بقية اليوم في الدراسة والتأكد من استعداده لاستعراض تعويذة التحكم بالدم أمام الأركانا. تلقى رسالة من آيزكس تفيد بأن كولم يتعافى جيدًا، وأخرى من فانتوس، الحارس الأول، تخبره بأنه لم يُرصد أي نشاط عند أطراف الغابة.
“سولومون”، قالت ميليسا، مستخدمة اسمه الأول للمرة الأولى. كان في نبرتها شيء من التوبيخ.
في تلك الليلة، وقف أمام تمثال الناسك يراقب توهج التمثال وهو يزداد سطوعًا مع ارتفاع البدر. وحين بلغ القمر كبد السماء، بدأ يشعر بجذب عصاه. فرفعها وأعادها إلى يد التمثال، وأرسل ذهنه للقاء الأركانا.
شرب من الكوب ببطء، محاولًا ضبط وتيرته، مع أنه كان يود لو خطف الإبريق وجرع الماء كله دفعة واحدة.
• معبودات مونفالو المحلية
