الفصل السادس والثلاثون: البحث
“لا تنفع التعويذة إلا بقدر ما يملك الساحر من إبداع.”
— الساحر الأكبر لوثر
تناول سولومون مشرطًا صغيرًا من الطاولة، وتأكد من خلوّه من الغبار أو الأوساخ، ثم شقّ ساعده. أشبع الدم بماناه، وأدّى الإشارة الخاصة بتعويذة التحكم بالدم. ثم جعل الدم ينساب من ذراعه إلى إحدى القوارير. وما إن امتلأت، حتى جعل الدم في ذراعه يتخثر، ثم سدّ القارورة بفلينتها. أمسكها بين يديه بضع لحظات، يراقب الدم يتحرك في داخلها. أخذت المانا التي بثّها فيه تتلاشى، لكنها لم تختفِ تمامًا؛ إذ ظل قادرًا على الإحساس بها إن ركّز انتباهه.
انتقل إلى الجانب الآخر من المكتب ووضع القارورة، ثم ابتعد عنها وأدّى إشارة التحكم بالدم. فتحطمت القارورة، واندفع الدم نحو الجدار البعيد على هيئة مجموعة من الأشواك الحادة. لم يقطع صلته به ويتركه ملطخًا الجدار؛ بل سحبه عنه، وصبّه في قارورة جديدة ثم سدّها. لم تكن كرة نارية، لكن لو جمع كمية كافية من الدم، لأضاف ذلك بالتأكيد خيارات أخرى إلى ترسانته.
فتح القشرة التي كوّنها على الجرح من جديد، وملأ ثلاث قوارير أخرى بدم مشبع بالمانا، ثم أعاد إغلاق الجرح. لم يشعر بدوار شديد بعد سحب الدم، لكنه لم يرد أن يجهد نفسه أكثر فيعرّضها لآثار سلبية. جمع القوارير، وقرر أن يترك اثنتين هناك ويحمل الأخريين في جيب معطفه. لم يكن يعرف كم ستظل فعّالة، ولا إن كان قربها منه ومن ماناه سيُحدث فرقًا. تناول إحدى القوارير واقترب من السلسلة، ثم فتحها وسكب قطرة واحدة من الدم المشبع بالمانا على المعدن. راقب المانا وهي تتلاشى منه، ولاحظ أنها لم تختفِ دفعة واحدة. ثم سدّ القارورة وأعادها إلى جيب سترته.
ألقى نظرة على الوقت، فأدرك أن أمامه فسحة قبل موعد العشاء. مرّ بجوار جثة الإله الميت ودخل الحجرة الأصغر والأشد خفاءً، حيث دائرة الطقس والكرة التي كانت السحب تتمدد داخلها وتنكمش. اقترب منها ووضع يدًا على كل جانب، ثم دفع المانا إلى داخلها.
أحسّ بإحساس السقوط، ورأى انفجارًا من الأضواء والظلام يحيط به، قبل أن يجد نفسه واقفًا من جديد في المستودع. أمهل نفسه لحظة ليستعيد اتجاهه، ونظر إلى أصابعه الخشبية، ثم خطا بضع خطوات. اتجه نحو الكتب المصفوفة على الجدار. كانت اللفافة التي علّمته التحكم بالدم قد عادت إلى الرف الذي وجدها عليه أول مرة، وكذلك الكتاب الذي ابتلعه حين جاء إلى هنا أول مرة.
بدأ يمشي بمحاذاة الرفوف، متأملًا الكتب واللفائف التي بدت ممتدة إلى ما لا نهاية. لمح بعض الكتب المصنوعة من لحم البشر، وألواحًا من الذهب الخالص، وكتابًا أخذ يشيخ ويتحول إلى غبار أمام عينيه، ثم عاد فتشكّل من جديد. لكن معظم ما رآه كان لفائف عادية وكتب تعاويذ مجلدة. ولم يرَ على أيٍّ منها عنوانًا أو ملصقًا. بدا الأمر كما لو أن كل غرض صُنع لاستعمال شخص بعينه، لا ليتداوله الآخرون، لكنه انتهى به المطاف في المكتبة على أي حال.
مشى سولومون نحو خمس عشرة دقيقة قبل أن يقرر التوقف. فلم يبدُ أنه اقترب من نهاية هذا الرف قيد أنملة عما كان عليه حين بدأ. وخلال سيره كان يبحث عن أي شيء مألوف أو قابل للتعرّف، ما قد يساعده على معرفة إن كان الكتاب يشكل خطرًا عليه. لكنه لم يرَ شيئًا حتى الآن. نظر إلى الرف في الجهة الأخرى وبدأ يعود أدراجه، وعيناه تجولان ببطء صعودًا وهبوطًا بحثًا عن أي شيء قد يفيده.
وأخيرًا لمح كتابًا من الجلد الأسمر الفاتح على الرف السفلي، قريبًا من الأرض. اقترب منه، وأمعن النظر فيه مع الحفاظ على مسافة آمنة. كان الجلد مغطى بنتوءات صغيرة كثيرة، لقد بدا رديء الصنع. ذكّره على الفور بكتاب التعاويذ الذي اشتراه من أربعة العصي. مدّ يده بحذر، وأنزله إلى الأرض، ثم فتح غلافه برفق بيد واحدة، مستعدًا لأن يقفز إلى الوراء. انفتح الكتاب، ولم يحدث شيء. لو كان يستطيع إخراج نفس، لأطلقه ارتياحًا.
رفع الكتاب وبدأ يتصفحه، يقلب صفحاته بين الرسوم التوضيحية والتعليمات. بدا أن خط اليد هو نفسه الذي رآه في كتاب النظريات الذي كان يطالعه. لكن هذا الكتاب، على خلاف ذاك، كان حافلًا بتعاويذ وطقوس وصيغ لصنع الهومونكولوسات. وبين صفحاته وجد إشارات إلى كل شيء، من عيون صغيرة يمكن تشكيلها واستخدامها لمراقبة منطقة ما، وصولًا إلى كائنات بشرية الهيئة مستقلة تمامًا، قد تتمكن من انتحال هيئة البشر؛ وكانت المتطلبات تزداد تعقيدًا كلما تقدمت عملية صنعها.
تفحّص سولومون محتوياته ليرى إن كان بينها ما يشعر بأنه قادر فعلًا على تجربته، إلى أن عثر في النهاية على تعويذة بدت في حدود مستواه.
_عون المتدرّب
المكوّنات:
– نصف رطل من الطين
– دراخمة واحدة من الدم أو المني
– بيضة طازجة واحدة
– كوب من الحليب الطازج
– قرعة أو شمامة مفرّغة
أولًا: اخلط الطين بالدم أو المني، وأشبع المزيج بالمانا أثناء عجنه.
ثانيًا: اخلط الحليب الطازج والبيضة، وأبقِهما منفصلين عن الطين.
ثالثًا: شكّل الطين على هيئة رجل، وضعه بحذر داخل القرعة أو الشمامة المفرّغة، ثم اسكب مزيج البيضة والحليب.
رابعًا: ادفنها في تربة سليمة، وأضف إليها يوميًا قطرتين أخريين من الدم أو المني.
بعد أسبوع، اكسر القرعة.
ينبغي أن ينتج عن ذلك هومونكولوس بسيط. لا يمكن تحريكه إلا إذا بثّ صانعه فيه مزيدًا من المانا، واستخداماته محدودة. يُوصى باستخدامه للمساعدة في المهام الكيميائية التي تتطلب التحريك المستمر أو ما شابه.
كانت تعويذة مثيرة للاهتمام، أراد أن يجربها، لكنها، للأسف، لن تفيده في مأزقه الراهن. واصل تقليب بقية الكتاب، فعثر على تصاميم محتملة أكثر تعقيدًا بكثير، لكن معظمها كان يتطلب شهورًا من العمل ومعرفة لا يملكها بعد. فبوجه عام، لم تكن الهومونكولوسات المذكورة فيه مخصصة للقتال بقدر ما صُنعت لمساندة الساحر في أعماله.
أغلق سولومون الكتاب وأعاده بعناية إلى مكانه، حافظًا موضعه على الرف في ذاكرته كي يعثر عليه لاحقًا. وحين بلغ منتصف الطريق عائدًا إلى نقطة انطلاقه، قرر تغيير أسلوبه. توقف عن المشي واكتفى بتأمل الرف. لمح كتابًا ذا غلاف أصفر فالتقطه، وفتحه، فلم يجد فيه إلا نصًا باللغة الإلفية القديمة. أعاده بحذر، ثم تناول لفافة. كسر ختمها وبسطها، فرأى مئات الحروف المتلوية بلغة لم يعرفها. فأعاد لفّها بسرعة، لكن الحروف ظلت تتلوى أمام عينيه رغم أنه لم تكن له عينان.
وبعد وقوفه بلا حراك لبضع دقائق، تلاشت الحروف أخيرًا، ولحسن الحظ. ألقى نظرة أخرى على الرف، فرأى لفافة من ورق أسود فتناولها. لم يبدُ عليها أي كتابة، لكن حين رفعها نحو الضوء ظهرت عليها كلمات بلغة الأورك. تعرّف على كلمتي «ظلام» و«يُغلّف» وإلى بعض الإشارات اليدوية، إلا أن إلمامه باللغة لم يكن كافيًا لفكّها. خمّن أنها طريقة لاستدعاء سحابة من الظلام. شعر بأنها قد تكون مفيدة، لكنه لم يستطع قراءتها، فأعادها إلى مكانها. وسجّل في ذهنه أن يبحث عن كتب في لغة الأورك واللغة الإلفية وأي لغة أخرى قد يعثر عليها.
استأنف سيره، فالتقطت عيناه بضع كلمات بالدراكثية مكتوبة بالأحمر الداكن عند طرف لفافة. مدّ يده وتناولها، ثم فتحها بحذر.
_ الحماية الأبوية
قرأها بعناية؛ فقد شرحت رسم دائرة إلى جانب عدد من الرونات، اندهش من قدرته على التعرّف إلى كثير منها. كانت التعويذة في جوهرها اتفاقًا بين شخصين تجمعهما رابطة الدم: والد وطفل. يتعهد أحدهما بأن يتحمل عن الآخر كل الألم والمعاناة حتى يحين أجله.
هزّ رأسه، شاكرًا أن أباه لم يكن على علم بهذه التعويذة. فكان واثقًا إلى حد بعيد أنه لو علم بها، لكان هو من يموت بالمرض. لا، لم يكن ذلك منصفًا تمامًا. لربما عثر أبوه على ابن غير شرعي بدلًا منه.
كانت تعويذة أخرى مثيرة للاهتمام، لكنها لن تساعده كثيرًا في الخروج من مأزقه الراهن. ومع ذلك، سرّه أنه لم يُلتهم مرة أخرى، ولم يُحرق، رغم تجواله العشوائي. خطا بضع خطوات أخرى، ثم توقف وأدار رأسه الخشبي نحو اللفافة.
مدّ يده ليتناولها، ثم أسرع عائدًا ليأخذ كتاب التعاويذ الخاص بالهومونكولوس.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.