الفصل 45: الإفطار
قول شيء وقصد شيء آخر موهبة قد يمتلكها أي شخص، لكنها ضرورة بين النبلاء.
الليدي أربيسا في رسائلها
ترك سولومون مذاق القهوة يستقر على لسانه للحظات، وهو يتأمل ما أخبرته به ميليسا للتو. كان اقتناء الأسلحة النارية خاضعًا لقيود مشددة في دراكثيس. فعادةً ما لم يكن يُسمح بها إلا لبعض الحراس في المدن الكبرى، وللحرس الشخصي للملك. أما البقية، فكانوا يُرسَلون إلى الجبهة أو تُباع لنقابة المستكشفين. بالتأكيد، تمكن بعض النبلاء من الحصول عليها بتصاريح خاصة أو بوسائل أخرى، لكن ذلك كان يقتصر عادةً على قطعة أو اثنتين، وهو أقل بكثير مما أشارت إليه ميليسا. صُنعت أجزاء كثيرة من الأسلحة في إتلنغ، لكن لم يكن مسموحًا بتجميعها هناك. لقد تساءل إن كان دنكان قد التبس عليه ما رآه، إلا أنه استبعد ذلك، بالنظر إلى سلوك الرجل وخبرته.
كان قد خلص بالفعل إلى أن جيمس على صلة بعناصر إجرامية، لكن بات واضحًا أنه ضالع في أعمال أشد خطورة مما توقع. فلم يسبق أن خزّن نبيل من إحدى العائلات المؤسسة أسلحة نارية. وكان على سولومون أن يتساءل عن سبب إقدامه على هذه المجازفة. أكان مثل عائلة دنتوس؟ أيخطط لانقلاب؟ استبعد ذلك. فهو لا يملك الاسم ولا الحق المناسبين، ولو كان يسعى إلى انتزاع الحكم بالقوة، لاحتاج أيضًا إلى مدافع وسحرة ونحو خمسين ألف رجل يخفيهم في مكان ما داخل القصر.
لا، كان ثمة جواب أوضح. فالفيكونت باير ابن ثالث يحتاج إلى المال لتحقيق غاياته. وربما لم يكن يكذب بشأن الاستثمارات التي وظّف فيها الدراكات التي تلقاها من أبيه. لعل استثماراته كانت في أعمال غير نزيهة، مثل تهريب الأسلحة وصالات القمار. ومن ناحية ما، جعله ذلك شبيهًا بسولومون؛ غير أنه لم يحالفه الحظ فيعثر على إله مقيّد في قبو منزله، ولا على مكتبة لا تنضب من المعارف.
أعاد سولومون انتباهه إلى ميليسا، ووضع كوبه على المنضدة الجانبية.
“لم يرَ شيئًا، ولم تسمعي شيئًا. لن نتحدث إلى أحد عن هذا. بعد الحفل، سنختلق عذرًا للعودة إلى مونفالو. أما الآن، فتصرّفي كأن كل شيء على ما يرام، واطلبي من دنكان أن يفعل الشيء نفسه.”
أومأت ميليسا. “حاضر، يا سيدي.”
رمقها بنظرة.
“حاضر، يا لورد سولومون.”
تحولت نظرته إلى نظرة زاجرة، فابتسمت. لاحظ أنها تميل إلى شيء من خفة الظل حين يكون الموقف معقدًا أو مثيرًا للتوتر.
“والآن، أرجو أن تسألي خدم المنزل متى ينتظرونني على مائدة الإفطار. أحتاج إلى حمام ساخن قبل أي شيء آخر.”
أومأت وغادرت الغرفة. ارتشف سولومون قليلًا من القهوة وأغمض عينيه مستمتعًا بمذاقها، بينما يرتب أفكاره. ثم وضعها برفق جانبًا وتوجه إلى الحمّام. فعلى خلاف ضيعته، كان في هذه الضيعة ماء جارٍ. أدار الصنبور وراقب حوض الاستحمام البرونزي وهو يمتلئ ببطء. وما إن اكتمل امتلاؤه حتى دخله، وعثر على صابون برائحة اللافندر، فراح يفرك به جسده وينظفه. كانت لا تزال عالقة به آثار العرق والأوساخ من الليلة السابقة، كما بقيت في أعماق أنفه رائحة خفيفة من ذلك الغاز الكريه.
حين انتهى، شعر بالانتعاش وصفاء الذهن. جفف نفسه ومشّط شعره، ثم عاد إلى غرفته ليرتدي ملابسه. نظر إلى الثياب التي أعدّتها ميليسا له وقطّب حاجبيه. كانت بدلة خضراء لعمّه، مع سترة أرجوانية من ستراته. كان قد استحسن البدلة الخضراء حين حُزمت، لكنه حين رآها في تلك اللحظة أدرك أنه لم يعد يميل إليها. فاختار بدلًا منها إحدى بدلِه الأرجوانية، ذات المشابك الفضية. وبعد أن ارتداها، ترك ميليسا ترافقه إلى مائدة الإفطار، حيث كان جيمس ينتظره بالفعل.
قال وهو يدهن قطعة خبز ساخنة بطبقة سميكة من الزبدة: “صباح الخير يا سولومون!”
أجابه مبتسمًا، كأنه لم يسمع تلك التورية بعينها عددًا يفوق ما يحتمله المرء في عمر واحد: “صباح النور.” جلس إلى جوار مضيفه، وترك خادمًا يسكب له كأسًا طويلًا من نوع ما من عصير الفاكهة. تذوقه، فوجده حلوًا وحامضًا على نحو مستساغ، ثم مد يده ليقطع لنفسه قطعة من الخبز.
سأله جيمس: “كيف نمت؟”
“نمت جيدًا في الواقع. أظن أن مغامرات الليلة الماضية أنهكتني كما ينبغي.”
أومأ جيمس. “حسنًا، لسوء الحظ، أظن أنك ستكون منهكًا بالقدر نفسه مع نهاية هذه الليلة.”
“هذا ثمن النبالة.”
أومأ جيمس وهو يقطع قطعة من لحم الخنزير.
“سمعت من بعض الأصدقاء أنك تتواصل مع عدد من المهتمين بقطع الأخشاب والتعدين هنا في إتلنغ؟”
أومأ سولومون. “أنت واسع الاطلاع. أجل، آمل أن أُعيد نشاط قطع الأخشاب والتعدين اللذين كانا قائمين في مونفالو. حتى الآن، يعمل كثير من أهلها في المصانع هنا أسبوعًا كاملًا في كل مرة، وينامون على أرضيات مزدحمة، ثم يعودون لقضاء الوقت مع عائلاتهم في عطلة نهاية الأسبوع. أريد أن تتاح لهم فرص أكثر في ديارهم.”
أومأ جيمس. “من المهم أن يعتني المرء بأهله… لم تتح لي قط فرصة وراثة الأرض والناس. حين يموت أبي، لا أتوقع أن أُمنح حتى أرضًا وأقنانًا في نطاقه. أستغرب أنك، مع كونك الابن الرابع، حصلت على هذا القدر.”
أخذ سولومون بضع شرائح من لحم الخنزير المقدد ووضعها في طبقه.
“وقد استغربت أنا أيضًا، لأكون صريحًا. كنت أتوقع، في أحسن الأحوال، أن يعرّفوني بنقابة ويمنحوني مخصصًا صغيرًا.”
سأله جيمس: “حظ آخر من ذلك الذي حالفك الليلة الماضية، أليس كذلك؟”
“أجل. أدركت أن على المرء، حين تسقط عليه ثروة غير متوقعة، أن يستثمرها إلى أقصى حد ممكن.”
أومأ جيمس. “لا يسع أبناء الزوجات المتأخرات مثلنا أن يفرّطوا فيها.”
“بالضبط.”
ارتشف الفيكونت باير من شرابه مرة أخرى وتنحنح. “دعوت اليوم إلى الحفل عددًا من التجار المهتمين بقطع الأخشاب والتعدين. ظننت أن لقاءهم قد يفيدك.”
كان سولومون قد لاحظ ذلك بالفعل حين أُتيح له الاطلاع مسبقًا على قائمة المدعوين. “شكرًا لك. هذا لطف كبير منك.” فسيجنّبه ذلك أيضًا القيام بعدة رحلات.
“لا عليك. فهم يتعاونون معي كثيرًا على أي حال.”
أومأ سولومون، متسائلًا إن كان في كلام الفيكونت معنى مبطّن، لكنه قرر التركيز على طعامه. وبقدر ما استطاع أن يقدّر، لم يكن جيمس يعلم أن سولومون يعرف أنشطته غير القانونية. وكان من الأفضل أن يتظاهر بجهله. فقد يتمكن لاحقًا من استغلال تلك المعرفة، لكن محاولة ذلك هنا، في منزل الرجل نفسه، ستكون بالغة الخطورة. ثم إن جيمس عامله بلطف حتى الآن، وشعر سولومون أن الرجل يبذل جهدًا ليحسن معاملته. وهو نفسه وجود غير قانوني، منذ أن أتم تعويذة نقل المانا؛ لذلك لم يكن بوسعه أن يحكم على الرجل لأنه يشق طريقه الخاص إلى النجاح.
حين أنهى جيمس طعامه، مسح وجهه بمنديل ونهض. “أعتذر، لكن يُرجح أن أبقى في المدينة حتى موعد العشاء. لدي عدد من الأمور الأخيرة التي ينبغي أن أتابعها قبل الحفل. آمل أن تسامحني على قلة لياقتي.”
خمّن سولومون أن لتلك الأمور الأخيرة صلة ببوليفار، الرجل الذي حرض على السطو على صالة القمار في الليلة السابقة.
“أتفهم ذلك. كنت آمل أن أتنزه قليلًا في المدينة على أي حال.”
“جيد. ينبغي أن أعود في وقت متأخر من بعد الظهر.”
“أراك حينها.”
غادر الفيكونت، وأكمل سولومون إفطاره على مهل. وبعد أن انتهى، خرج إلى الإسطبل، فوجد دنكان يطعم الخيول. وكانت ميليسا خلفه. تحسن الطقس كثيرًا، لذا اختار هو وميليسا قبعتين عريضتي الحواف تحجبان وجهيهما عن الشمس.
قال سولومون وهو يتجه نحو العربة، تاركًا ميليسا تفتح له بابها: “أود الذهاب إلى الشارع الرئيسي.”
أجاب دنكان: “أمرك يا سيدي.” فأنهى عمله مع الحصان سريعًا، ثم شرع في تجهيز العربة. وبعد أقل من عشر دقائق، انطلقوا في طريقهم.
كان الاستمتاع بشيء من ضوء الشمس أمرًا لطيفًا، لكن سولومون وجد أن روائح إتلنغ صارت أوضح بكثير في غياب المطر والغيوم الكثيفة، وكذلك الضباب الدخاني. لم يكن قد استطاع تمييز ذلك في عتمة اليوم السابق، أما الآن فكان يرى أن غشاءً رماديًا رقيقًا يكسو كل شيء في أرجاء المدينة، وتفوح منه رائحة القذارة والدخان.
بلغوا الشارع الرئيسي، فطرق سولومون الجدار الأمامي للعربة عندما لمح مكتبة كبيرة. نزل من العربة وتوجه إليها، وميليسا تسير إلى جانبه. كان الشارع يعجّ بالناس العاملين والمتسوقين، لقد استرعى انتباه كثيرين منهم وهو يمضي نحو المكتبة.
قضى بعض الوقت يبحث عن كتب تتناول الترجمة، وأخرى لها صلة بتمرد مستحضري الأرواح. كان يأمل أن يتمكن من تلبية الطلب الذي عثر عليه في اجتماع الأركانا الأخير. حالفه التوفيق فعثر على بضعة قواميس للإلفية، بل وعلى قاموس للأوركية أيضًا، لكنه لم يجد شيئًا أكثر غرابة من ذلك. وحين سأل بائع الكتب، أوضح له أن نقابة المستكشفين تملك مثل هذه الكتب، لكنها نادرًا ما تتشاركها مع من هم خارج النقابة.
“وإن أراد أحدهم محاولة إقناعهم، فأين يجدهم؟”
“حسنًا، ثمة قاعة نقابة صغيرة، أشبه بحانة في الحقيقة، عند أقصى هذا الشارع. سمعت أنهم… لا يمانعون التبرعات.”
ابتسم سولومون ودس دراكًا ذهبيًا باتجاه الرجل. “شكرًا لك.”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.