الفصل 53: الطُعم
“لا توجد تعويذة ذات استخدام واحد فقط.”
— الساحر العظيم لوثر
حين عادا إلى القصر، انسحب سولومون إلى مكتبه ليتابع من حيث انتهى. أعدّ قوارير دم جديدة، وغمرها بالمانا، وأعاد شحن المانا في الهومونكولوس أيضاً، ثم عاد إلى الدائرة التي استخدمها سابقاً لإلقاء تعويذة الحماية الأبوية. تحقّق من أن كل شيء لا يزال في حالة جيدة، فأصلح بعض المواضع التي بَهِتت فيها النقوش، واستعاد أحد الهومونكولوس، واضعاً إياه في المنتصف. أدى الطقس بثقة أكبر ثم أعاد الهومونكولوس إلى مكانه على المكتب.
بعدها، التقط مشرطاً وحاول أن يخدش نفسه. وكما حدث في السابق، لم تكن هناك أي جروح. نظر إلى الهومونكولوس الأول ليجد علامة جديدة على ذراعه، بينما خلت ذراع الثاني منها. كان ذلك جيداً. أمل أن يعني ذلك أن الناسخ الأول سيتعين تدميره بالكامل قبل أن تبدأ الأضرار في التأثير على الذي يليه. ومع امتلاكه لخمسة منها، سيمضي وقت طويل حقاً قبل أن يتعرض هو نفسه للأذى. ما إن انتهى سولومون من الطقس الأخير، حتى شعر بتحصين نفسه بصورة أفضل بكثير من ذي قبل. فبعد كل شيء، كان يملك خمس أرواح إضافية لتجنيبه الأذى.
وما إن فرغ من ذلك، حتى قرر تجربة تعويذة الطُعم التي اكتشفها في اليوم السابق. رفع مرآة يدوية صغيرة وجدها في المستودع. كان إطارها من الفضة، ومشكلا على هيئة حورية بحر. منحها نظرة فحص أخيرة متأكداً من خلوها من أي مانا عالقة وأنها ليست جسماً مسحوراً من أي نوع، لكنه لم يجد شيئاً. وضعها بعناية على المكتب وأمسك بالمطرقة التي كان يستعملها لتشكيل السلسلة إلى قطع أصغر. وجّه إليها نقرة خفيفة واحدة في المنتصف، فتحطّمت فوراً داخل الإطار. ومن هناك، سكب شظايا المرآة من الإطار إلى وعاء ليجنبها الضياع.
التقط شظية بحرص رافعاً إياها ليفحص انعكاسه لفترة وجيزة بينما كان يقيس مستوى المانا لديه. لقد أصبحت أكثر استقراراً بكثير الآن بعد أن عاد إلى مونفالو وعالج الأمور التي كانت بانتظاره. الآن بعد أن عرف ما ينبغي له الحذر بشأنه، صار بإمكانه حتى أن يشعر بها وهي تستقر بقدر بسيط كلما اطمأن على خدمه.
ممسكاً بشظية المرآة في يد واحدة، بدأ بتحريك المانا نحو أطراف أصابعه، قبل أن يضع يده الفارغة على صدره ثم يمدها إلى الخارج، مستحضراً في عقله صورة لنفسه وهو يفعل ذلك. شعُور راوده كأنه يقذف بها من داخل كيانه. أطلق تنهيدة وما إن أكمل التعويذة، وحافظ على تدفق منتظم للمانا، وإن ظل متقلباً بين حين وآخر. نظر إلى المساحة التي مدّ فيها مانا الخاصه وكاد أن يوقف تعويذته.
لقد نجح في استدعاء هيكل ما، لكنه لم يكن الطُعم البسيط الذي توقعه. فامامه مباشرة، وقف كيان يبلغ طوله ضعف طوله تقريباً، بقرني أيل وجسد رجل. كان لا يزال يحمل شبهًا واضحاً به، لكن مع عدة تغيرات بارزة؛ فقد كانت أسنانه أكثر حِدة وتبرز من فمه، وتنتهي يداه بمخالب مخيفة. وعلى نقيض مظهره المتوحش الحاد، كان يرتدي بدلة أرجوانية اللون.
أنهى التعويذة، شاعرًا بشظية المرآة التي في يده تتحول إلى غبار مع نبض المانا عبرها. واختفى الكيان الماثل أمامه عن الأنظار. عبس وجهه وعاد أدراجه إلى الوعاء ليأخذ شظية مرآة أخرى. ثم كرر التعويذة، محاولاً هذه المرة التركيز بدرجة أكبر على كتلة المانا التي يصنعها، جاهدًا لخلق نسخة مطابقة تماماً لنفسه. ظهر الشكل المروّع مجدداً، لكنه بدا مهندماً قليلاً، وبدت بدلته أقل سوءاً من حيث المقاس.
أنهى التعويذة وراقَب الشكل وهو يبهت ويختفي. لا بد أن الأمر مرتبط بطبيعة المانا الخاصة به. تماماً مثلما تفاعلت مع حمايته ورعايته لأهل ضيعته، بدا أن لها تأثيرات أخرى. تذكر قرني الأيل على قناعه حين حضر اجتماعات الأركانا. لم يختارهما بنفسه، بل كانا هناك بكل بساطة. ومن المنطقي أن تكون هناك تكلفة ما لاستخدام مانا لم تكن تخصه حقاً في الأصل.
لم تكن الخسارة كاملة على أي حال. في الواقع، استطاع التفكير في عديد من المواقف التي قد يكون فيها استدعاء شكل مرعب كهذا مفيداً؛ كإخافة عدو، أو خداعه باعتقاد أنه تقمّص نوعاً من الهيئات المرعبة التي لم تكن في الحسبان. كان يعتقد أن التعويذة الأصلية ستوفر استخدامات أكثر، لكن كان عليه التعامل مع ما يملكه. وربما بمرور الوقت، ستتكيف المانا أكثر مع جسده ويكتسب سيطرة أكبر على التعويذة.
حين تذكر أفكاره حول القناع الذي يرتديه للقاء الأركانا، استذكر أن الاجتماع القادم سيُعقد في تلك الليلة بالذات. كان بحاجة لمعرفة ما إن كان بإمكانه الحصول على أي شيء مفيد. وربما اضطر لتقديم بعض الطلبات العامة في قاعة الاحتفالات هذه المرة. فكلما طال انتظاره لمواجهة الإله في الغابة، زاد احتمال أن يكون هو المبادِر بالهجوم أولاً.
قرر التدرب على التعويذة بضع مرات إضافية. اختبر ما إذا كان بإمكان الشكل الذي يصنعه اتخاذ وضعيات مختلفة؛ فنجح في جعله منحنياً بأسنان مكشوفة، ويؤدي حركة دائرية راقصة، ووقفة على اليدين دون أي مشكلة. ثم اختبر ما إذا كان لحجم شظية المرآة المستخدمة تأثير على التعويذة. واكتشف أن الشظايا الأصغر تتطلب مانا أكبر، بينما تتطلب الكبيرة مانا أقل. لم يشكل ذلك مشكلة بالنسبة له نظراً لاحتياطي المانا الهائل الذي يملكه، لكن الأمر بدا مثيراً للاهتمام. بعدها، استدعاه وحاول التحرك في أرجاء الغرفة بينما كان يحافظ على الإسقاط؛ لقد كان الحفاظ على تدفق المانا أكثر صعوبة بعض الشيء، لكنه لم يكن مستحيلاً. ثم مرر يده عبره، فلم يجد أي مقاومة كما توقع، لكنه شعر بوخز خفيف في ذراعه وهي تخترقه. كما لاحظ أنه يستطيع رؤية وميض المانا يعبر عبر الإسقاط، مما يعني أن أي شخص أو شيء قادر على استشعار المانا بالطريقة ذاتها التي يفعلها سيكون بمقدوره كشف الوهم بسهولة بالغة. ورغم ذلك، إن استدعاه مباشرة أمامهم كعنصر مفاجأة، فلا يزال بإمكانه إفزاعهم، لا سيما إن كانوا قليلي الخبرة مثله.
ما إن فرغ من تجاربه حتى وجه اهتمامه نحو القدور التي استخدمها لصنع الهومونكولوس. كان ما زال لديه ما يكفي من المواد لصنع خمسة أو ستة إضافية. وبالنظر إلى كونها شكل دفاعه الوحيد، شعَر بأن ذلك يجب أن يكون أوليته القصوى.
قضى الساعتين التاليتين في خلط الدم والطين بحرص، ودفن المخلوقات الصغيرة داخل الشمام قبل تغذيتها بقطرات الدم المطلوبة. شعَر بنوع من الرضا لعمله بيديه في صنعها. وتخيل أن هذا هو سبب استمتاع بوث بمثل هذا النوع من العمل إلى هذا الحد. كما وجد أن المانا الخاصة به عند صنعها كانت مستقرة للغاية، تماماً كما تكون كلما أجرى سحر الدم. لغز آخر يضاف إلى ألغاز المانا الخاصة به. وحين انتهى، بذل قصارى جهده لتنظيف يديه في دلو الماء الذي أحضره خصيصاً لهذا الغرض. فقد حان موعد عشائه.
بعد تناول العشاء، فكر في العودة إلى دراسته لإلقاء نظرة أخرى داخل المستودع، لكنه قاوم تلك الرغبة. لم يكن متأكداً تماماً مماهية ذلك الشيء الذي دمر جسده الدمية، لكنه لم يُرِد المجازفة بمواجهته قريباً جداً. فقد شعر باحتمال قوي بأنه ما زال يطوف في المنطقة التي تواجد فيها، ولم يرغب في المخاطرة بفقدان جسد آخر. وتأمل مجدداً في ماهية تلك المساحة بالفعل. فمن المحتمل أن دفاتر يوميات عمه تضمنت بعض الإجابات عن ذلك السؤال، لكنه كان غارقاً للغاية في مسؤوليات ومخاطر أخرى منعته من إيلائها الاهتمام اللائق. ولو أنه يستطيع فقط تسوية التهديدات الملحة، لتمكن من تبني نظرة أكثر شمولية للأمور. ولما احتاج للتركيز حصرياً على العواقب الآتية، وبإمكانه بدلاً من ذلك بناء أساس متين للمضي قدماً.
ومحاولةً منه للتركيز على شيء لا علاقة له بالسحر، شغل سولومون نفسه بمراجعة ميزانيته، وتحديث حالات المشاريع المختلفة حول القصر في السجل الذي يحتفظ به. فقد احتاج إلى القدرة على تبرير المخصصات المالية التي جرى تخصيصها لصيانة القصر.
وفي وقت متأخر من الليل عندما كان القمر ساطعاً وبدراً في السماء، بدأ تمثال الناسك الواقع عند طرف غرفته يتوهج. تحرك سولومون نحوه بعزم قبل أن يتمكن من جذبه عبر الغرفة، وثبّت عصا مشيه في مكانها المخصص.
انفجرت المانا داخل التمثال نحو الخارج، مصيبةً إياه بالعمى المؤقت قبل أن يفتح عينيه ويجد نفسه واقفاً داخل قاعة الاحتفالات التابعة للأركانا.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.