Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الخيار الأخير

PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

خرج من فتحة القناة زاحفًا على يديه وركبتيه، والطين يلتصق بثيابه حتى الصدر، وتنفس الهواء الطلق بلهفة من ظل محبوسًا طويلاً تحت الأرض. لم يقف فورًا؛ بقي على ركبتيه لحظة، يستمع.

“لا أعرف إن كانوا سيسمحون بذلك.” نظر إليها، محاولًا ألا يعدها بشيء لا يملك يقينًا فيه. “لا أعرف حتى إلى أين سيأخذونني، ولا كيف تسير هذه الأمور هناك.”

 

توقف السؤال في رأسه عند هذا الحد، ولم يحتج إلى أكثر منه.

لا شيء. فقط حفيف نبات الحقل تحركه ريح خفيفة، وصوت طائر بعيد ينادي رفيقه قبل أن يهبط الظلام كاملاً.

رفع يديه ببطء، لا استسلامًا كاملًا بقدر ما هو إشارة تكفي لتمنع أي حركة مفاجئة قد تُفسّر بشكل خاطئ، ووقف مكانه، بينما اقترب منه الجنود الثلاثة من جهات مختلفة، وأحدهم يمسك بذراعه أخيرًا بقبضة ثابتة لا مجال للتفاوض فيها.

 

 

نهض أخيرًا، وحاول أن يمسح بعض الطين عن يديه بلا جدوى كبيرة، ونظر خلفه نحو اتجاه الطاحونة التي لم يعد يراها من هنا، مخفية خلف تلة صغيرة وأشجار متناثرة. لم يكن يعرف كم من الوقت مرّ منذ أن سمع خطوات المشرف تنزل إلى القبو، ولا إن كان قد تبعه حتى فتحة الممر، ولا حتى إن كان قد فهم شيئًا مما رآه هناك.

 

 

على الطاولة، بجانب الكيس القماشي، كانت هناك ورقة قديمة كانت مارِن قد وضعتها هناك سابقًا من بين أغراضه، إيصال ضرائب قديم من عمله في الأرشيف، نسي أنه أحضره يومًا إلى البيت. لمحه أورِن وهو يمد يده ليأخذ الكيس، ورأى اسمه مكتوبًا عليه بحرف إضافي في نهايته، مختلفًا قليلًا عن الطريقة التي اعتاد أن يكتب بها اسمه بنفسه. لم يتوقف عنده طويلاً؛ رأى هذا النوع من الاختلافات مرات كثيرة في السجلات القديمة، ولم يكن هذا الوقت المناسب ليفكر في تفصيل كهذا. طوى الورقة ووضعها جانبًا، وحمل الكيس.

بدأ يمشي، منحنيًا قليلاً، محاذيًا حافة الحقل حيث يخفيه ارتفاع النبات عن أي عين قد تراقب من بعيد. فكّر في الاتجاه الذي يجب أن يسلكه، وتذكّر، وهو يمشي، كوخًا صغيرًا لأحد رعاة الغنم يقع على مسافة نصف ساعة تقريبًا نحو الشمال، متروكًا منذ أن كبر الراعي وترك القرية إلى ابنه الذي يفضل النوم في بيته كل ليلة بدل النوم عند القطيع. لم يكن يعرف إن كان الكوخ لا يزال قائمًا، لكنه بدا خيارًا معقولاً أكثر من الوقوف هنا في العراء يفكر.

لم يسمع ردها، إن كانت قد ردت أصلاً، لأن الجنود بدأوا يسيرون به بعيدًا، نحو الساحة حيث تنتظر عربة أخرى، والقلادة الصغيرة تحت قميصه لا تزال معه، بينما كانت مارِن واقفة عند طرف الزقاق تراقبه حتى ابتعد.

 

نهض أخيرًا، وحاول أن يمسح بعض الطين عن يديه بلا جدوى كبيرة، ونظر خلفه نحو اتجاه الطاحونة التي لم يعد يراها من هنا، مخفية خلف تلة صغيرة وأشجار متناثرة. لم يكن يعرف كم من الوقت مرّ منذ أن سمع خطوات المشرف تنزل إلى القبو، ولا إن كان قد تبعه حتى فتحة الممر، ولا حتى إن كان قد فهم شيئًا مما رآه هناك.

مشى في ذلك الاتجاه لبعض الوقت، والظلام يتكاثف حوله تدريجيًا، وكل صوت غير مألوف يجعله يتجمد في مكانه لثوانٍ قبل أن يتأكد أنه مجرد جرذ حقل أو غصن يتحرك مع الريح. وفي مكان ما بين خطوة وأخرى، بدأ سؤال يتشكل في رأسه، لم يكن قد سمح له بالظهور بوضوح من قبل، مشغولاً بتفاصيل الهروب نفسه أكثر من التفكير فيما بعده.

 

 

 

لو وصل إلى الكوخ، ووجده فارغًا كما يظن، وقضى فيه الليلة، فماذا بعد؟

“لن يكفيك طويلاً،” قالت، أكثر لنفسها منه.

 

لو وصل إلى الكوخ، ووجده فارغًا كما يظن، وقضى فيه الليلة، فماذا بعد؟

سيحتاج طعامًا في اليوم التالي. سيحتاج مكانًا آخر بعد يومين أو ثلاثة، حين يبدأ أحد يلاحظ دخانًا لا ينبغي أن يكون هناك، أو بابًا تحرك، أو أثر أقدام في تراب لم يُطأ منذ سنوات. وحين ينفد الكوخ، سيحتاج مكانًا ثالثًا، ثم رابعًا، وكل مكان جديد يعني مخاطرة جديدة، شخصًا قد يراه بالصدفة، حارسًا يعبر بلا سبب واضح، جارًا فضوليًا يسأل نفسه لماذا يوجد ضوء في بيت مهجور.

 

 

 

توقف عند حافة الحقل، حيث يبدأ خط أشجار متناثرة يفصله عن الطريق الترابي المؤدي شمالًا، وللمرة الأولى منذ أن خرج من القناة، سمح لنفسه بالتفكير في السؤال كاملاً، لا في أجزائه المتفرقة.

خرج من الباب الأمامي بسرعة، وانعطف نحو الزقاق الجانبي المؤدي بعيدًا عن اتجاه الأصوات، محاولًا أن يتحرك بهدوء أكثر مما يسمح به قلبه المتسارع. وصل إلى نهاية الزقاق، حيث يفترض أن يتفرع إلى طريق أوسع يمكنه من خلاله الابتعاد نحو أطراف القرية، لكنه توقف حين رأى ظلًا يتحرك عند الطرف الآخر، رجلًا بزي رمادي يقف هناك بلا حركة، كأنه ينتظر بالضبط شخصًا يفكر في هذا الطريق تحديدًا.

 

مشى في ذلك الاتجاه لبعض الوقت، والظلام يتكاثف حوله تدريجيًا، وكل صوت غير مألوف يجعله يتجمد في مكانه لثوانٍ قبل أن يتأكد أنه مجرد جرذ حقل أو غصن يتحرك مع الريح. وفي مكان ما بين خطوة وأخرى، بدأ سؤال يتشكل في رأسه، لم يكن قد سمح له بالظهور بوضوح من قبل، مشغولاً بتفاصيل الهروب نفسه أكثر من التفكير فيما بعده.

كم يعرف الجنود عنه؟ يعرفون اسمه، وسنه، وقريته، وعمله. يعرفون، على الأرجح، شكل وجهه من وصف بسيط طلبه أحدهم من موظف في الأرشيف أو من جار عابر. وبعد الليلة، سيعرفون أيضًا أنه استخدم الطاحونة، وربما يعرفون بحلول الصباح أن هناك قناة تصريف قديمة يمكن أن يكون قد سلكها. كل يوم يمر يعني أن الصورة التي يحملونها عنه تصبح أدق، وأن الأماكن التي يمكنه الاختباء فيها تصبح أقل.

كانت القرية، بحجمها الصغير وشوارعها المحدودة، قد بدأت تضيق حوله بسرعة أكبر مما توقع.

 

أخذها، وقلّبها بين أصابعه. “ما هذا؟”

وأهل القرية أنفسهم، مهما كانوا طيبين معه، لن يستطيع كل واحد منهم أن يصمد أمام سؤال مباشر من جندي يقف عند بابه. المشرف نفسه، الرجل الذي عمل بجانبه سنوات، كان قد اقتاد الجنود، بطريقة أو بأخرى، إلى الطاحونة الليلة. لم يكن يعرف بعد كيف حدث ذلك بالضبط، لكنه فهم، بيقين هادئ لا يحمل غضبًا كبيرًا، أن الخوف يجعل الناس يفعلون أشياء لم يكونوا ليفعلوها في يوم عادي.

كم يعرف الجنود عنه؟ يعرفون اسمه، وسنه، وقريته، وعمله. يعرفون، على الأرجح، شكل وجهه من وصف بسيط طلبه أحدهم من موظف في الأرشيف أو من جار عابر. وبعد الليلة، سيعرفون أيضًا أنه استخدم الطاحونة، وربما يعرفون بحلول الصباح أن هناك قناة تصريف قديمة يمكن أن يكون قد سلكها. كل يوم يمر يعني أن الصورة التي يحملونها عنه تصبح أدق، وأن الأماكن التي يمكنه الاختباء فيها تصبح أقل.

 

 

وماذا عن مارِن؟

خرج من فتحة القناة زاحفًا على يديه وركبتيه، والطين يلتصق بثيابه حتى الصدر، وتنفس الهواء الطلق بلهفة من ظل محبوسًا طويلاً تحت الأرض. لم يقف فورًا؛ بقي على ركبتيه لحظة، يستمع.

 

أخذها، وقلّبها بين أصابعه. “ما هذا؟”

الفكرة وقفت في رأسه أطول من غيرها. لو استمر في الاختباء أسبوعًا، أسبوعين، شهرًا، فسيظل الجنود يعودون إلى البيت، يسألونها، يراقبونها، ربما يتبعونها ظنًا أنها ستقوده إليه يومًا ما. وهي لن تكذب بمهارة كافية إلى الأبد، ولن يمر وقت طويل قبل أن يبدأ أحد يشك أنها تعرف أكثر مما تقول. لم يكن يريد لها ذلك، لم يكن قد أراده منذ البداية، لكنه أدرك الآن، بوضوح لم يمتلكه قبل هذه الليلة، أن استمراره في الهرب لن يحميها، بل سيبقيها بالضبط في المكان الذي حاول تجنيبه إياها.

 

 

لو جرى الآن، فلن يعرف أحد إن كانت ستدفع ثمن ما حدث في البيت قبل قليل أم لا.

لم يكن يملك مالاً يذكر يكفيه لرحلة طويلة إلى مكان بعيد بما يكفي ليكون آمنًا، ولا يعرف أحدًا خارج القرية يمكن أن يثق به بما يكفي ليطلب منه المأوى. لم يكن قد فكر يومًا في السفر إلى ما وراء حدود المقاطعة، ولا كان يعرف حتى أين تقع تلك الحدود بالضبط، ولا كيف يمكن لشخص بلا أوراق ولا مال أن يعبرها دون أن يُلقى القبض عليه في أول نقطة تفتيش.

 

 

“سأحاول أن أبتعد عن البيت أولاً. لو أمسكوا بي في الشارع، فأنتِ لم تفعلي شيئًا.” لم يكن يعرف تمامًا إن كانت هذه أفضل خطة، لكنه لم يملك وقتًا كافيًا ليفكر في أخرى.

كان لديه اسمه فقط، وهذا الاسم كان موجودًا الآن في كل سجل يهم، مطبوعًا بخط واضح، مرفقًا برقم لن يتغير مهما تغيرت الصياغة.

 

 

 

وقف بين الأشجار وقتًا طويلاً، ينظر إلى الطريق الترابي أمامه دون أن يخطو نحوه فعليًا. لم يكن قرارًا يشبه ما يحدث في القصص التي سمعها صغيرًا، لا لحظة إشراق مفاجئة ولا صوت داخلي يخبره بالحقيقة كاملة. كان أقرب إلى تراكم بطيء وثقيل، كل سؤال يجيب عن نفسه بإجابة واحدة تقريبًا: لا يستطيع الاستمرار في هذا إلى الأبد، وكل يوم إضافي يقضيه هاربًا لن يقربه من حل، بل سيقربه فقط من أن يُقبض عليه في مكان أسوأ، وحيدًا، دون أن يكون قد ودّع أحدًا.

 

 

“متى تظن أنهم سيصلون؟” سألت أخيرًا.

لم يكن هذا استسلامًا بالمعنى الذي فكر فيه أول مرة حين تخيل نفسه يُساق إلى العربة أمام أعين القرية كلها. كان أقرب إلى اختيار، محدود ومؤلم، لكنه اختيار مع ذلك: بين أن يُقبض عليه وحيدًا في حقل بارد بعد أيام من الجري بلا هدف، أو أن يعود، ولو لساعة واحدة، إلى المكان الذي لا يزال يشعر فيه بأنه نفسه.

لم يكن يملك مالاً يذكر يكفيه لرحلة طويلة إلى مكان بعيد بما يكفي ليكون آمنًا، ولا يعرف أحدًا خارج القرية يمكن أن يثق به بما يكفي ليطلب منه المأوى. لم يكن قد فكر يومًا في السفر إلى ما وراء حدود المقاطعة، ولا كان يعرف حتى أين تقع تلك الحدود بالضبط، ولا كيف يمكن لشخص بلا أوراق ولا مال أن يعبرها دون أن يُلقى القبض عليه في أول نقطة تفتيش.

 

 

بدأ يمشي، لكن ليس نحو الشمال هذه المرة.

حاول أن يتحرك نحو فجوة بين بيتين، أملًا في الوصول إلى الحقل الخلفي، لكن صوتًا نادى باسمه من مسافة قريبة، واضحًا وحادًا، لا يحمل غضبًا، فقط تأكيدًا بأنه رُئي.

 

 

اقترب من البيت من الجهة الخلفية، حيث يقل احتمال أن يراه أحد من الشارع الرئيسي، وتسلل عبر الحديقة الصغيرة المهملة إلى باب المطبخ. كان الضوء مضاءً في الداخل، خيطًا رفيعًا يتسرب من تحت الباب، وسمع، قبل أن يطرق، صوت خطوات متوترة تتحرك ذهابًا وإيابًا في الغرفة.

“إذن حاول كل يوم.” قالتها بحزم لا يقبل نقاشًا أكبر، وكأن الجملة نفسها كافية لتصبح اتفاقًا بينهما، بغض النظر عن قدرته الفعلية على الوفاء به.

 

توقفت عن الحركة تمامًا. “تذهب إلى أين؟”

طرق بأصابعه بخفة، ثلاث نقرات متباعدة، الإشارة القديمة التي اعتادا استخدامها منذ الطفولة حين يريدان أن يعرف أحدهما الآخر أنه هو دون أن يرفعا صوتيهما.

توقف عند حافة الحقل، حيث يبدأ خط أشجار متناثرة يفصله عن الطريق الترابي المؤدي شمالًا، وللمرة الأولى منذ أن خرج من القناة، سمح لنفسه بالتفكير في السؤال كاملاً، لا في أجزائه المتفرقة.

 

 

توقفت الخطوات فورًا. سمع تحرك المزلاج بسرعة، وانفتح الباب، ووقفت مارِن أمامه، عيناها متسعتان للحظة قبل أن تنظرا إليه من الرأس إلى القدمين، الطين الجاف على ملابسه، الخدوش على يديه، شعره المبلل بالعرق رغم برودة الليل.

“كل يوم، أورِن.”

 

وأهل القرية أنفسهم، مهما كانوا طيبين معه، لن يستطيع كل واحد منهم أن يصمد أمام سؤال مباشر من جندي يقف عند بابه. المشرف نفسه، الرجل الذي عمل بجانبه سنوات، كان قد اقتاد الجنود، بطريقة أو بأخرى، إلى الطاحونة الليلة. لم يكن يعرف بعد كيف حدث ذلك بالضبط، لكنه فهم، بيقين هادئ لا يحمل غضبًا كبيرًا، أن الخوف يجعل الناس يفعلون أشياء لم يكونوا ليفعلوها في يوم عادي.

” “أين كنت؟” قالت، بصوت خافت لكنه حاد، أشبه بمن يحاول أن يخفي صرخة داخل همسة. “سمعت الجيران يتحدثون قبل قليل عن توجه الجنود نحو الطاحونة… لقد فتشوا البيت هنا من قبلك، وأخذوا الدفتر”

اقترب من البيت من الجهة الخلفية، حيث يقل احتمال أن يراه أحد من الشارع الرئيسي، وتسلل عبر الحديقة الصغيرة المهملة إلى باب المطبخ. كان الضوء مضاءً في الداخل، خيطًا رفيعًا يتسرب من تحت الباب، وسمع، قبل أن يطرق، صوت خطوات متوترة تتحرك ذهابًا وإيابًا في الغرفة.

 

“وأعيش كيف؟” قاطعها، ليس بحدة، بل بتعب واضح. “بلا مال يكفي، بلا أوراق، بلا أحد أعرفه هناك؟ سيسألونني اسمي في أول قرية أصلها، وسيكتشفون أنه غير مسجل هناك، وسينتهي الأمر بي في مكان أسوأ من هنا، ووحيدًا هذه المرة.” توقف، ونظر إليها. “وأنتِ ستبقين هنا، يسألونك عني كل أسبوع، حتى يومًا ما يصدق أحدهم أنكِ تعرفين مكاني.”

“أعرف.” دخل، وأغلق الباب خلفه بحذر. “رأيتهم يذهبون إلى هناك. خرجت من الجهة الأخرى قبل أن يصلوا.”

أخذها، وقلّبها بين أصابعه. “ما هذا؟”

 

كان لديه اسمه فقط، وهذا الاسم كان موجودًا الآن في كل سجل يهم، مطبوعًا بخط واضح، مرفقًا برقم لن يتغير مهما تغيرت الصياغة.

نظرت إليه طويلاً، والغضب في عينيها لا يزال حاضرًا لكنه بدأ يتراجع أمام شيء آخر، شيء أقرب إلى الارتياح المرهق. “أورِن… ماذا فعلت؟”

 

 

توقف السؤال في رأسه عند هذا الحد، ولم يحتج إلى أكثر منه.

“لا شيء بعد.” جلس على الكرسي القريب من الباب، شاعرًا فجأة بثقل الساعات الماضية في ساقيه. “لكنني أعتقد أنني سأذهب.”

 

 

“سأحاول.”

توقفت عن الحركة تمامًا. “تذهب إلى أين؟”

 

 

 

“معهم.” قالها ببساطة، دون دراما، وكأنه يخبرها بقرار متعلق بعمل الأرشيف لا بمصيره. “لا يوجد مكان أستطيع الاختباء فيه إلى الأبد، مارِن. الليلة نجوت لأنني عرفت القناة قبل أن يعرفوها هم. غدًا لن أعرف شيئًا أكثر مما يعرفونه، وهم كثيرون، ولديهم وقت أكثر مما لديّ.”

نظرت إليه طويلاً، والغضب في عينيها لا يزال حاضرًا لكنه بدأ يتراجع أمام شيء آخر، شيء أقرب إلى الارتياح المرهق. “أورِن… ماذا فعلت؟”

 

 

جلست أمامه على الكرسي الآخر، ببطء، وكأن الجملة أخذت منها بعض القوة التي كانت تحملها منذ أن سمعت اسمه في الساحة قبل أيام. “يمكننا أن نجد طريقة أخرى. يمكنك أن تبتعد عن القرية تمامًا، إلى مكان لا يعرفك فيه أحد”

 

 

 

“وأعيش كيف؟” قاطعها، ليس بحدة، بل بتعب واضح. “بلا مال يكفي، بلا أوراق، بلا أحد أعرفه هناك؟ سيسألونني اسمي في أول قرية أصلها، وسيكتشفون أنه غير مسجل هناك، وسينتهي الأمر بي في مكان أسوأ من هنا، ووحيدًا هذه المرة.” توقف، ونظر إليها. “وأنتِ ستبقين هنا، يسألونك عني كل أسبوع، حتى يومًا ما يصدق أحدهم أنكِ تعرفين مكاني.”

 

 

 

لم تجب فورًا. نظرت إلى يديها في حجرها، ثم رفعت عينيها إليه من جديد، وقد هدأ فيهما الغضب تمامًا الآن، تاركًا مكانه لشيء أثقل وأصمت.

 

 

لم يكن قرارًا مدروسًا بقدر ما كان جسده نفسه يتوقف قبل أن يقرر عقله أي شيء وحين استدار، رأى ثلاثة جنود يقتربون من اتجاهات مختلفة، أحدهم يحمل مصباحًا صغيرًا يرفعه نحو وجهه مباشرة.

“متى تظن أنهم سيصلون؟” سألت أخيرًا.

“لا شيء بعد.” جلس على الكرسي القريب من الباب، شاعرًا فجأة بثقل الساعات الماضية في ساقيه. “لكنني أعتقد أنني سأذهب.”

 

 

“لا أعرف. ربما ساعة. ربما أقل.”

 

 

 

هزّت رأسها ببطء، وكأنها تستوعب الوقت المتبقي، ثم نهضت فجأة، بحركة سريعة أشبه بمن يحتاج أن يفعل شيئًا بيديه قبل أن يفكر أكثر مما يحتمل. “اجلس. سأجهز لك بعض الأشياء.”

 

 

 

تحركت في المطبخ بسرعة، تفتح الخزانة الصغيرة وتخرج منها رغيفًا لا يزال طازجًا من الصباح، وقطعة جبن ملفوفة بقماش، وشريحة من اللحم المجفف الذي تحتفظ به العائلة عادة لأيام السفر أو المرض. وضعت كل ذلك في كيس قماشي صغير، ويداها ترتجفان قليلاً وهي تربط عقدته، دون أن تنظر إليه مباشرة.

كم يعرف الجنود عنه؟ يعرفون اسمه، وسنه، وقريته، وعمله. يعرفون، على الأرجح، شكل وجهه من وصف بسيط طلبه أحدهم من موظف في الأرشيف أو من جار عابر. وبعد الليلة، سيعرفون أيضًا أنه استخدم الطاحونة، وربما يعرفون بحلول الصباح أن هناك قناة تصريف قديمة يمكن أن يكون قد سلكها. كل يوم يمر يعني أن الصورة التي يحملونها عنه تصبح أدق، وأن الأماكن التي يمكنه الاختباء فيها تصبح أقل.

 

 

“لن يكفيك طويلاً،” قالت، أكثر لنفسها منه.

 

 

 

“سيكفي حتى أعرف أين سيأخذوني.”

“أعرف.” دخل، وأغلق الباب خلفه بحذر. “رأيتهم يذهبون إلى هناك. خرجت من الجهة الأخرى قبل أن يصلوا.”

 

 

وضعت الكيس على الطاولة أمامه، ثم وقفت للحظة، وكأنها تتردد في شيء، قبل أن تختفي نحو غرفتها. عاد صوت خطواتها بعد دقيقة، وحين دخلت، كانت تحمل شيئًا صغيرًا بين أصابعها، خيطًا مجدولًا بعناية، معلقًا عليه قطعة قماش صغيرة مطوية بإحكام على شكل يشبه مربعًا صغيرًا مضغوطًا، من قماش أزرق داكن عرفه فورًا؛ بقايا القطعة نفسها التي أحضرَها لها من الحائكة قبل أسابيع، ذلك القماش الذي نسيَ جلبَهُ أكثر من مرة.

“سأحاول أن أبتعد عن البيت أولاً. لو أمسكوا بي في الشارع، فأنتِ لم تفعلي شيئًا.” لم يكن يعرف تمامًا إن كانت هذه أفضل خطة، لكنه لم يملك وقتًا كافيًا ليفكر في أخرى.

 

فكر، للحظة قصيرة جدًا، أن هناك فجوة صغيرة بينهم، مساحة قد يستطيع من خلالها الجري نحو الحقل قبل أن يتمكنوا من اللحاق به. لكنه سمع، من خلف الجندي الأقرب، صوت باب يُفتح، وخطوة أخرى، ورأى مارِن تقف عند مدخل الزقاق الذي جاء منه، وجهها شاحبًا في ضوء المصباح البعيد.

“خذها،” قالت، ومدت يدها نحوه.

“لن أطيل،” قال، بصوت لم يكن متأكدًا أنه وصلها من هذه المسافة.

 

 

أخذها، وقلّبها بين أصابعه. “ما هذا؟”

 

 

لا شيء. فقط حفيف نبات الحقل تحركه ريح خفيفة، وصوت طائر بعيد ينادي رفيقه قبل أن يهبط الظلام كاملاً.

“صنعته منذ أسبوعين تقريبًا، من بقايا القماش الذي أزعجتك بشأنه.” ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة. “كنت سأعطيك إياها في وقت آخر، مناسبة أخف من هذه. لكن لا أظن أن لدينا وقتًا لانتظار مناسبة أفضل.”

” “أين كنت؟” قالت، بصوت خافت لكنه حاد، أشبه بمن يحاول أن يخفي صرخة داخل همسة. “سمعت الجيران يتحدثون قبل قليل عن توجه الجنود نحو الطاحونة… لقد فتشوا البيت هنا من قبلك، وأخذوا الدفتر”

 

“وأعيش كيف؟” قاطعها، ليس بحدة، بل بتعب واضح. “بلا مال يكفي، بلا أوراق، بلا أحد أعرفه هناك؟ سيسألونني اسمي في أول قرية أصلها، وسيكتشفون أنه غير مسجل هناك، وسينتهي الأمر بي في مكان أسوأ من هنا، ووحيدًا هذه المرة.” توقف، ونظر إليها. “وأنتِ ستبقين هنا، يسألونك عني كل أسبوع، حتى يومًا ما يصدق أحدهم أنكِ تعرفين مكاني.”

نظر إليها، ثم إلى القطعة في يده، بسيطة جدًا، لا شيء فيها يوحي بأكثر من كونها ما هي عليه بالضبط، عملًا صغيرًا صنعته أخته بيديها. علّقها حول رقبته تحت قميصه، والقماش لا يزال يحمل رائحة خفيفة من صندوق الخياطة الذي تحفظ فيه أدواتها.

لم يسمع ردها، إن كانت قد ردت أصلاً، لأن الجنود بدأوا يسيرون به بعيدًا، نحو الساحة حيث تنتظر عربة أخرى، والقلادة الصغيرة تحت قميصه لا تزال معه، بينما كانت مارِن واقفة عند طرف الزقاق تراقبه حتى ابتعد.

 

 

“شكرًا،” قال، بصوت أهدأ مما اعتاد استخدامه.

 

 

نهض أخيرًا، وحاول أن يمسح بعض الطين عن يديه بلا جدوى كبيرة، ونظر خلفه نحو اتجاه الطاحونة التي لم يعد يراها من هنا، مخفية خلف تلة صغيرة وأشجار متناثرة. لم يكن يعرف كم من الوقت مرّ منذ أن سمع خطوات المشرف تنزل إلى القبو، ولا إن كان قد تبعه حتى فتحة الممر، ولا حتى إن كان قد فهم شيئًا مما رآه هناك.

جلست أمامه من جديد، وبدت للحظة وكأنها تريد أن تقول شيئًا كثيرًا، لكنها اختارت أبسطه. “اكتب لي.”

 

 

استدار بسرعة، يفكر في طريق آخر، لكنه سمع، من الاتجاه الذي جاء منه، صوت خطوات أخرى تقترب، أكثر من واحد هذه المرة.

“سأحاول.”

 

 

وماذا عن مارِن؟

“كل يوم، أورِن.”

خرج من الباب الأمامي بسرعة، وانعطف نحو الزقاق الجانبي المؤدي بعيدًا عن اتجاه الأصوات، محاولًا أن يتحرك بهدوء أكثر مما يسمح به قلبه المتسارع. وصل إلى نهاية الزقاق، حيث يفترض أن يتفرع إلى طريق أوسع يمكنه من خلاله الابتعاد نحو أطراف القرية، لكنه توقف حين رأى ظلًا يتحرك عند الطرف الآخر، رجلًا بزي رمادي يقف هناك بلا حركة، كأنه ينتظر بالضبط شخصًا يفكر في هذا الطريق تحديدًا.

 

 

“لا أعرف إن كانوا سيسمحون بذلك.” نظر إليها، محاولًا ألا يعدها بشيء لا يملك يقينًا فيه. “لا أعرف حتى إلى أين سيأخذونني، ولا كيف تسير هذه الأمور هناك.”

 

 

 

“إذن حاول كل يوم.” قالتها بحزم لا يقبل نقاشًا أكبر، وكأن الجملة نفسها كافية لتصبح اتفاقًا بينهما، بغض النظر عن قدرته الفعلية على الوفاء به.

لا شيء. فقط حفيف نبات الحقل تحركه ريح خفيفة، وصوت طائر بعيد ينادي رفيقه قبل أن يهبط الظلام كاملاً.

 

نظرت إليه طويلاً، والغضب في عينيها لا يزال حاضرًا لكنه بدأ يتراجع أمام شيء آخر، شيء أقرب إلى الارتياح المرهق. “أورِن… ماذا فعلت؟”

أومأ. “سأحاول.”

“لا أعرف. ربما ساعة. ربما أقل.”

 

لم يقاوم أكثر من ذلك.

“وإذا سمحوا لك بزيارة، ولو لمرة، تعال. لا يهم متى.”

لو جرى الآن، فلن يعرف أحد إن كانت ستدفع ثمن ما حدث في البيت قبل قليل أم لا.

 

 

“إذا سمحوا لي أيضا.”

 

 

لم يكن يملك مالاً يذكر يكفيه لرحلة طويلة إلى مكان بعيد بما يكفي ليكون آمنًا، ولا يعرف أحدًا خارج القرية يمكن أن يثق به بما يكفي ليطلب منه المأوى. لم يكن قد فكر يومًا في السفر إلى ما وراء حدود المقاطعة، ولا كان يعرف حتى أين تقع تلك الحدود بالضبط، ولا كيف يمكن لشخص بلا أوراق ولا مال أن يعبرها دون أن يُلقى القبض عليه في أول نقطة تفتيش.

عرفت أن هذا ليس وعدًا، لكنها أرادت أن تسمعه يقولها مع ذلك، وبقيت صامتة بعد ذلك، تنظر إليه بطريقة حاولت أن تحفظ بها ملامحه كما هي الآن، قبل أن يصبح شيئًا آخر يرتديه زي رمادي لا تعرفه.

 

 

توقف عند حافة الحقل، حيث يبدأ خط أشجار متناثرة يفصله عن الطريق الترابي المؤدي شمالًا، وللمرة الأولى منذ أن خرج من القناة، سمح لنفسه بالتفكير في السؤال كاملاً، لا في أجزائه المتفرقة.

على الطاولة، بجانب الكيس القماشي، كانت هناك ورقة قديمة كانت مارِن قد وضعتها هناك سابقًا من بين أغراضه، إيصال ضرائب قديم من عمله في الأرشيف، نسي أنه أحضره يومًا إلى البيت. لمحه أورِن وهو يمد يده ليأخذ الكيس، ورأى اسمه مكتوبًا عليه بحرف إضافي في نهايته، مختلفًا قليلًا عن الطريقة التي اعتاد أن يكتب بها اسمه بنفسه. لم يتوقف عنده طويلاً؛ رأى هذا النوع من الاختلافات مرات كثيرة في السجلات القديمة، ولم يكن هذا الوقت المناسب ليفكر في تفصيل كهذا. طوى الورقة ووضعها جانبًا، وحمل الكيس.

كان لديه اسمه فقط، وهذا الاسم كان موجودًا الآن في كل سجل يهم، مطبوعًا بخط واضح، مرفقًا برقم لن يتغير مهما تغيرت الصياغة.

 

 

سمعا الصوت في اللحظة نفسها تقريبًا، خطوات متعددة، منظمة، تقترب من الشارع الأمامي، وأصوات رجال تتحدث بنبرة إدارية منخفضة، تسأل جارًا عن الاتجاه، ثم تصمت.

لو وصل إلى الكوخ، ووجده فارغًا كما يظن، وقضى فيه الليلة، فماذا بعد؟

 

 

تجمد الاثنان.

 

 

“سيكفي حتى أعرف أين سيأخذوني.”

“من الخلف،” همست مارِن، وتحركت نحو باب المطبخ، لكنه أمسك بذراعها.

تحركت في المطبخ بسرعة، تفتح الخزانة الصغيرة وتخرج منها رغيفًا لا يزال طازجًا من الصباح، وقطعة جبن ملفوفة بقماش، وشريحة من اللحم المجفف الذي تحتفظ به العائلة عادة لأيام السفر أو المرض. وضعت كل ذلك في كيس قماشي صغير، ويداها ترتجفان قليلاً وهي تربط عقدته، دون أن تنظر إليه مباشرة.

 

“سأحاول أن أبتعد عن البيت أولاً. لو أمسكوا بي في الشارع، فأنتِ لم تفعلي شيئًا.” لم يكن يعرف تمامًا إن كانت هذه أفضل خطة، لكنه لم يملك وقتًا كافيًا ليفكر في أخرى.

“لا. إن رأوني أجري، سيظنون أنكِ ساعدتِني على الهرب الآن، لا فقط أنكِ كذبتِ عليهم من قبل.” نظر إليها، والصوت يقترب أكثر. “سأخرج من الباب الأمامي.”

“من الخلف،” همست مارِن، وتحركت نحو باب المطبخ، لكنه أمسك بذراعها.

 

كانت القرية، بحجمها الصغير وشوارعها المحدودة، قد بدأت تضيق حوله بسرعة أكبر مما توقع.

“سأحاول أن أبتعد عن البيت أولاً. لو أمسكوا بي في الشارع، فأنتِ لم تفعلي شيئًا.” لم يكن يعرف تمامًا إن كانت هذه أفضل خطة، لكنه لم يملك وقتًا كافيًا ليفكر في أخرى.

وماذا عن مارِن؟

 

لم يسمع ردها، إن كانت قد ردت أصلاً، لأن الجنود بدأوا يسيرون به بعيدًا، نحو الساحة حيث تنتظر عربة أخرى، والقلادة الصغيرة تحت قميصه لا تزال معه، بينما كانت مارِن واقفة عند طرف الزقاق تراقبه حتى ابتعد.

خرج من الباب الأمامي بسرعة، وانعطف نحو الزقاق الجانبي المؤدي بعيدًا عن اتجاه الأصوات، محاولًا أن يتحرك بهدوء أكثر مما يسمح به قلبه المتسارع. وصل إلى نهاية الزقاق، حيث يفترض أن يتفرع إلى طريق أوسع يمكنه من خلاله الابتعاد نحو أطراف القرية، لكنه توقف حين رأى ظلًا يتحرك عند الطرف الآخر، رجلًا بزي رمادي يقف هناك بلا حركة، كأنه ينتظر بالضبط شخصًا يفكر في هذا الطريق تحديدًا.

 

كان لديه اسمه فقط، وهذا الاسم كان موجودًا الآن في كل سجل يهم، مطبوعًا بخط واضح، مرفقًا برقم لن يتغير مهما تغيرت الصياغة.

استدار بسرعة، يفكر في طريق آخر، لكنه سمع، من الاتجاه الذي جاء منه، صوت خطوات أخرى تقترب، أكثر من واحد هذه المرة.

 

 

 

كانت القرية، بحجمها الصغير وشوارعها المحدودة، قد بدأت تضيق حوله بسرعة أكبر مما توقع.

 

 

وماذا عن مارِن؟

حاول أن يتحرك نحو فجوة بين بيتين، أملًا في الوصول إلى الحقل الخلفي، لكن صوتًا نادى باسمه من مسافة قريبة، واضحًا وحادًا، لا يحمل غضبًا، فقط تأكيدًا بأنه رُئي.

 

 

“كل يوم، أورِن.”

توقف.

 

 

 

لم يكن قرارًا مدروسًا بقدر ما كان جسده نفسه يتوقف قبل أن يقرر عقله أي شيء وحين استدار، رأى ثلاثة جنود يقتربون من اتجاهات مختلفة، أحدهم يحمل مصباحًا صغيرًا يرفعه نحو وجهه مباشرة.

 

 

 

فكر، للحظة قصيرة جدًا، أن هناك فجوة صغيرة بينهم، مساحة قد يستطيع من خلالها الجري نحو الحقل قبل أن يتمكنوا من اللحاق به. لكنه سمع، من خلف الجندي الأقرب، صوت باب يُفتح، وخطوة أخرى، ورأى مارِن تقف عند مدخل الزقاق الذي جاء منه، وجهها شاحبًا في ضوء المصباح البعيد.

 

 

 

لو جرى الآن، فلن يعرف أحد إن كانت ستدفع ثمن ما حدث في البيت قبل قليل أم لا.

 

 

 

توقف السؤال في رأسه عند هذا الحد، ولم يحتج إلى أكثر منه.

 

 

 

رفع يديه ببطء، لا استسلامًا كاملًا بقدر ما هو إشارة تكفي لتمنع أي حركة مفاجئة قد تُفسّر بشكل خاطئ، ووقف مكانه، بينما اقترب منه الجنود الثلاثة من جهات مختلفة، وأحدهم يمسك بذراعه أخيرًا بقبضة ثابتة لا مجال للتفاوض فيها.

“صنعته منذ أسبوعين تقريبًا، من بقايا القماش الذي أزعجتك بشأنه.” ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة. “كنت سأعطيك إياها في وقت آخر، مناسبة أخف من هذه. لكن لا أظن أن لدينا وقتًا لانتظار مناسبة أفضل.”

 

“لا شيء بعد.” جلس على الكرسي القريب من الباب، شاعرًا فجأة بثقل الساعات الماضية في ساقيه. “لكنني أعتقد أنني سأذهب.”

لم يقاوم أكثر من ذلك.

 

 

عرفت أن هذا ليس وعدًا، لكنها أرادت أن تسمعه يقولها مع ذلك، وبقيت صامتة بعد ذلك، تنظر إليه بطريقة حاولت أن تحفظ بها ملامحه كما هي الآن، قبل أن يصبح شيئًا آخر يرتديه زي رمادي لا تعرفه.

نظر، وهم يقودونه نحو الشارع الرئيسي، إلى مارِن، التي بدأت تتحرك نحوه قبل أن يمنعها جندي آخر بيده الممدودة، ليست بعنف، لكن بحزم كافٍ ليبقيها في مكانها. لم تصرخ، ولم تبكِ بصوت عالٍ، وقفت فقط، عيناها عليه، ويداها مشدودتان أمام صدرها.

نظر، وهم يقودونه نحو الشارع الرئيسي، إلى مارِن، التي بدأت تتحرك نحوه قبل أن يمنعها جندي آخر بيده الممدودة، ليست بعنف، لكن بحزم كافٍ ليبقيها في مكانها. لم تصرخ، ولم تبكِ بصوت عالٍ، وقفت فقط، عيناها عليه، ويداها مشدودتان أمام صدرها.

 

 

“لن أطيل،” قال، بصوت لم يكن متأكدًا أنه وصلها من هذه المسافة.

 

 

لم يكن قرارًا مدروسًا بقدر ما كان جسده نفسه يتوقف قبل أن يقرر عقله أي شيء وحين استدار، رأى ثلاثة جنود يقتربون من اتجاهات مختلفة، أحدهم يحمل مصباحًا صغيرًا يرفعه نحو وجهه مباشرة.

لم يسمع ردها، إن كانت قد ردت أصلاً، لأن الجنود بدأوا يسيرون به بعيدًا، نحو الساحة حيث تنتظر عربة أخرى، والقلادة الصغيرة تحت قميصه لا تزال معه، بينما كانت مارِن واقفة عند طرف الزقاق تراقبه حتى ابتعد.

بدأ يمشي، منحنيًا قليلاً، محاذيًا حافة الحقل حيث يخفيه ارتفاع النبات عن أي عين قد تراقب من بعيد. فكّر في الاتجاه الذي يجب أن يسلكه، وتذكّر، وهو يمشي، كوخًا صغيرًا لأحد رعاة الغنم يقع على مسافة نصف ساعة تقريبًا نحو الشمال، متروكًا منذ أن كبر الراعي وترك القرية إلى ابنه الذي يفضل النوم في بيته كل ليلة بدل النوم عند القطيع. لم يكن يعرف إن كان الكوخ لا يزال قائمًا، لكنه بدا خيارًا معقولاً أكثر من الوقوف هنا في العراء يفكر.

“معهم.” قالها ببساطة، دون دراما، وكأنه يخبرها بقرار متعلق بعمل الأرشيف لا بمصيره. “لا يوجد مكان أستطيع الاختباء فيه إلى الأبد، مارِن. الليلة نجوت لأنني عرفت القناة قبل أن يعرفوها هم. غدًا لن أعرف شيئًا أكثر مما يعرفونه، وهم كثيرون، ولديهم وقت أكثر مما لديّ.”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط