لم يحدث شيء في اللحظة الأولى بعد أن رفع الرجل المصباح.
لم يشتعل ضوء أقوى. لم يصدر صوت. بقي البخار الرمادي يتصاعد ببطء من فوهته الصغيرة، ووجه أورِن على بعد أقل من ذراع منه، وقلبه يدق بعنف كافٍ ليشعر به في أذنيه.
ثم تحرك الظل تحت الرجل.
لم يكن ظلاً عاديًا. لم يبقَ ممتدًا على الأرض بالطريقة التي يفترض أن يمتد بها ظل تحت مصباح، بل بدأ ينساب، بين فواصل الحجارة، كأنه سائل يجد طريقه عبر شقوق لا يراها العين المجردة. اهتز، ثم انكمش، ثم بدأ جسد الرجل نفسه يميل نحوه، ببطء لا يشبه السقوط، بل شيئًا أقرب إلى الانسحاب.
لم يصرخ الرجل. لم يقاوم. لم يمدّ يده ليتشبث بشيء.
اختفى، هو والمصباح معًا، في الظل الذي ابتلعهما دون أن يترك أثرًا على الحجر، وكأن الزقاق نفسه أعاد ترتيب نفسه إلى ما كان عليه قبل ثوانٍ.
بقي أورِن جامدًا، يحدّق في المكان الفارغ. شيء في تلك الحركة، في الطريقة التي انسحب بها الجسد نحو الأرض، أعاد إليه صورة لم يستطع تحديد مصدرها فورًا. لمحة. إحساس جسدي أكثر منه ذكرى واضحة، كأن جسده تذكّر شيئًا قبل أن يتذكره عقله.
لم يستطع الإمساك بها. اختفت قبل أن يكملها.
سمع صوت عجلات.
توقفت العربة عند مدخل الزقاق، وانفتح بابها من تلقاء نفسه تقريبًا، والسائق ينظر إليهما من فوق مقعده، وجهه لا يحمل أي تعبير.
“اركبوا.”.
دفع أورِن مارِن نحو الباب، وصعد خلفها، وأغلق الباب بيده وهو لا يزال يلهث. انطلقت العربة فورًا، بسرعة أكبر من أي عربة أخرى ركبها في العاصمة، والشوارع تمر من خلف النافذة كخطوط ضبابية.
نظر إلى يده. أمسك بأصابعه، تحسس الخاتم على إصبعه، تأكد أنه لا يزال هناك، باردًا كالعادة، لا يحمل أي أثر واضح لما حدث قبل لحظات.
حاول أن يتنفس بانتظام، فلم يستطع. صدره لا يزال يضيق، وحلقه جاف، وأفكاره تتزاحم بلا ترتيب: الرجل، المصباح، البخار، الظل، ذلك الانسحاب البطيء نحو الأرض.
نظر إلى مارِن.
كانت تجلس بهدوء، حزمة قماشها الخضراء بين يديها، تنظر من النافذة بفضول عادي، كمن يراقب مدينة تمر أمامه في يوم عادي تمامًا.
استدارت نحوه بعد لحظة، ولاحظت شيئًا في وجهه.
“أورِن؟” قالت. “لماذا تتنفس هكذا؟”
لم يستطع أن يجيب فورًا.
“هل ركضنا؟” أضافت، بنبرة لا تحمل قلقًا حقيقيًا، مجرد استغراب بسيط. “لا أتذكر أننا ركضنا.”
نظر إليها طويلاً، محاولاً أن يجد في عينيها أي أثر لما رآه هو، أي ذكرى للرجل، للمصباح، للزقاق، فلم يجد شيئًا سوى الفضول العادي الذي ينظر به المرء إلى أخيه حين يبدو مضطربًا بلا سبب واضح.
“لا شيء.” قال أخيرًا، بصوت لم يقنعه هو نفسه. “كنت متعبًا فقط.”
قبلت الإجابة دون مزيد من الأسئلة، وعادت إلى النظر من النافذة، تعلّق على واجهة متجر مرّا بها، وكأن اللحظة الماضية لم تترك أثرًا واحدًا في ذاكرتها.
شعر أورِن بشيء أثقل من الخوف نفسه يستقر في صدره. ليس فقط أنه نجا من شيء لم يفهمه؛ أنه كان الوحيد الذي رآه أصلاً.
نظر إلى يد السائق أمامه، إلى حركته الهادئة وهو يوجّه الأحصنة عبر منعطف حاد دون أن يبطئ، ولاحظ، للحظة، ظلاً يتحرك تحت العربة بسرعة لا تتناسب مع حركة العجلات، ينساب معها لا خلفها.
عادت إليه الصورة مرة أخرى. الظل. النّبيل. شيء في الطريقة التي يتحرك بها كلاهما، لا يستطيع وضع إصبعه عليه، لكنه يشعر به، كذكرى جسدية أكثر منها فكرة واضحة.
لم يقل شيئًا. أغمض عينيه، وحاول أن يهدئ أنفاسه، بينما العربة تواصل اندفاعها عبر شوارع تغيّر لونها من الذهبي إلى الرمادي مع اقتراب الغروب.
كانت الشمس قد غابت تمامًا حين وصلت العربة إلى المقر.
كان من المفترض أن يعودا قبل العصر بساعات طويلة.
فتح الباب، ونزل، وساعد مارِن على النزول خلفه، ووجد إليان واقفًا عند المدخل، ينتظر، بلا أي علامة على العجلة أو القلق الظاهر، لكن عينيه تنتقلان بينهما بسرعة أكبر من المعتاد.
نظر إلى مارِن أولاً. ثم إلى أورِن.
“توقفا.” قال، بصوت هادئ لا يرتفع.
اقترب من مارِن، ووضع يده على جبينها، وأغمض عينيه للحظة، بينما ضوء خافت، بالكاد مرئي، بدأ يلمع حول أصابعه.
بقيت مارِن ساكنة، غير مبالية تقريبًا، كمن اعتاد على فحوصات كهذه من قبل.
فتح إليان عينيه بعد وقت قصير، وتغيّر شيء في تعبيره، طفيف لكنه واضح.
“شيء لمس ذاكرتها.” قال، أكثر لنفسه منه لأورِن. “ليس بعمق كامل، لكنه لمسها.”
انتقل إلى أورِن بعد ذلك، وكرر الحركة نفسها، يده على جبينه، والضوء الخافت يلمع من جديد.
استغرق الأمر وقتًا أطول هذه المرة.
فتح إليان عينيه أخيرًا، ونظر إلى أورِن نظرة لم يستطع أورِن قراءتها بالكامل، ثم إلى الخاتم على إصبعه، ثم إلى أورِن مرة أخرى.
“ماذا حدث في الزقاق؟” سأل، دون مقدمات.
حاول أورِن أن يرتب الكلمات. “رجل. كان يحمل شارة زرقاء. ومصباحًا.”
“الشعلة.” قالها إليان، بنبرة لا تحمل مفاجأة، بل تأكيدًا هادئًا لشيء توقعه.
“ثم اختفى.” أضاف أورِن. “ظل تحته تحرك، وسحبه إلى الأرض. لم أفهم ما حدث.”
توقف إليان لحظة، ونظر إلى الخاتم مرة أخرى، وكأنه يزن شيئًا في ذهنه لا يريد قوله بصوت عالٍ.
“كنت محظوظًا.” قال أخيرًا، بلا تفصيل إضافي.
“من أنقذنا؟”
“لا أعرف.” رد إليان، بصدق لم يخفِ حدوده.
لم يضف شيئًا آخر عن الشعلة الزرقاء، ولا عن سبب استهدافهم تحديدًا. بدا وكأنه يعرف أكثر مما يقول، لكن أيضًا أقل مما يحتاجه أورِن ليفهم كل شيء.
جلست مارِن على كرسي قريب، وبدأ إليان بعملية أطول، يداه فوق رأسها، والضوء الخافت ينبض بإيقاع بطيء متكرر.
بعد دقائق، بدأت مارِن تتحدث، بصوت مرتبك في البداية.
“كنا في المطعم.” قالت، ببطء، كمن يستعيد صورة من ضباب. “كان هناك… نادل. ونحن تحدثنا عن الأكاديمية.”
توقفت، وأضافت بعد لحظة: “ثم مشينا بسرعة. لماذا مشينا بسرعة؟”
لم يجب أورِن. تركها تستعيد ما تستطيع.
عادت إليها أجزاء أخرى، متقطعة، غير مرتبة زمنيًا: ذكرى الزقاق، دون تفاصيل الرجل. ذكرى صوت خطوات. ذكرى يد أورِن تسحبها. لكن لم يعد إليها وجه الرجل، ولا المصباح، ولا لحظة اختفائه.
توقف إليان أخيرًا، وأنزل يديه. “هذا كل ما أستطيع إعادته الآن. الباقي قد يعود من تلقاء نفسه، أو لا يعود.”
نظر بعدها إلى أورِن.
“ماذا تتذكر أنت؟” سأل.
جلس أورِن، محاولاً أن يرتب كل شيء في رأسه: المصباح، البخار، الشارة الزرقاء، ثم ذلك الانسحاب البطيء نحو الأرض،
ثم عادت إليه الصورة مرة أخيرة، أوضح قليلاً هذه المرة، دون أن تكتمل تمامًا. طريقة الحركة. زاوية الانسحاب. شيء يشبه ما رآه ليلة بعيدة، في قاعة مضاءة بشموع كثيرة، حين سقط رجل أمامه ولم ينهض.
“ماذا؟” سأل إليان، حين لاحظ صمته يطول أكثر من اللازم.
نظر أورِن إلى يده، إلى الخاتم البارد على إصبعه، ثم رفع عينيه.
“الرجل الذي قتلته..”
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.