في يومٍ عاصف
في يوم عاصف، مرة وراء أخرى، لوح الملك بسيفه تحت المطر الغزير، ابتلّ جسده بالماء بشدّة، فاختلط عرقه بماء المطر.. ومن بعيد وقف أخوه يفكر في صمت مطلاّ عليه من شرفة غرفته.
ضحك ضحكة قصيرة جافة، ثم أضاف:
كان الهواء يعبث بشعره البرتقالي الطويل وهو يمسح بيديه الهزيلتين على لحيته بينما عيناه الخضراوتان اكتفت بنظرات ازدراء وحسرة تظهر حقدا دفينا كتمه في قلبه لسنين.
قال الملك باستغراب:” وما المشكلة؟ إن لم يجدوا الخبز فليأكلوا المرطّبات هههه”
وبعد ساعة من الاستمتاع بالماء الساخن في حوضه الماسي وسط الحمام الفسيح المتلبّد بالبخار، والأكثر من هذا أنامل الخادمة الضريفة، جلس على السرير ذي البطانية الحمراء محدثا صريرا وطفق يجفف شعره البرتقالي الطويل للغاية والأقرب للون الأحمر بمنشفة قطنية ناصعة البياض، أما الخادمة فكانت تنفخ الهواء من التعب جامعة يديها فوق بعضهما البعض.
ظل يتأمل ويفكّر قائلا في نفسه:” أخي بوسيديوس، يا للعار بل قمّة العار! لطالما كنت أقول لنفسي أني الأولى بمنصب الملك وها أنت ذا كالطفل تلهو ملوّحا بسيفك بالهواء، لا أنكر أنك كنت عظيما السنين الثلاثة عشرة الماضية ولا أنكر أنها فترة شديدة الازدهار لمملكتنا باتيريا، لكن انظر للأوضاع حاليا، لقد انقلبت رأسا على عقب وكل انجازاتك لم يعد لها اثر، بتنا في مجاعة وفقر، انظر لنفسك صرت مجنونا تماما وطاغية مستبدّا، لم تعد تأبه لأي شيء غير المتعة، ولا نستطيع الثورة ضدك لأن الجيش تحت طوع أمرك، فقط لو تموت.. لو تموت فقط…”
“أمرك يا مولاي، ففي كتابي..”
ههه! يا للعدالة! مئات يستخدمونه هنا! لماذا نحن؟!”
أنهى الأمير جوداس مراقبته، ثم أغلق النافذة التي تسلّل منها المطر والعاصفة، وقد بدأت الريح تنثر القطرات على أرض الغرفة الباردة.
“أدري ولكن!”
أمّا عن الملك فظلّ في الحديقة الملكية يمارس هوايته المفضلة التي تتمثّل في ضربه للمطر بسيفه الخشبي قطرة تلو الأخرى وهو يضحك بجنون حتى خارت قواه، فسقط منهمكا على العشب الأخضر المبتل وبدأ يمسح بيده على جبينه وهو يلهث.
:” لا تلومي نفسك فهو المخطئ بإيذائك، هل نسيت؟”
وبعد عشرين دقيقة حمله الخدم لغرفته وأعدّوا له حمّاما ساخنا، كانوا خمسة أشخاص: فتاتان جميلتان في ريعان الشباب من جنس الهيشيز بشعر فضي وبشرة سمراء وثلاثة رجال من قارة اوفريكس من جنس الأوبرمز أصحاب رؤوس أشبه بالذئاب وأجسام كالدببة وأرجل كالديكة.
دخلت بتردد ممسكة بوشاحها بينما غطى شعرها الأبيض الحريري كالثلج بعضا من وجهها الشاحب والخجول، ثم جلست بهدوء على الأريكة قرب جوداس تحت النافذة.
أمر بوسيديوس الخدم بالخروج باستثناء فتاة من بين الفتاتين، وبعد خروج الأربعة أشار الملك للفتاة برأسه قائلا:” هممم.. انت من الهيشيز أليس كذلك؟ أخبريني عن اسمك.”
“نعم، مولاي؟”
بدا على وجه الفتاة القلق والذعر من أن يتعكّر مزاج الملك فجأة، لكنها لم تستطع إخفاء تعابير وجهها الضريفة أمامه.
أجابت بصوت ضئيل وخجول :”آآه نعم جلالتك، إنك على حق كعادتك اهه واسمي هو غراسيا انكانتو”
:” اوههه! جيد جدا! سمعت انكم ذوات أنامل لا وجود لها في كلّ العالم، لذلك ستحكّين ظهري اهههه! ألست محظوظة يا فتاة؟”
تمنّت الفتاة لو ابتلعها حوت من بحر السماء أو حتى نزول السماوات كلها على رأسها فور سماع أذنيها الزهريتين لهذا الأمر، لكن إما طاعة وإما موت.
ثم واصل سيره متوجها نحو القصر.
وضع الملك الملعقة جانبًا، وقال دون أن ينظر إليها:
وبعد ساعة من الاستمتاع بالماء الساخن في حوضه الماسي وسط الحمام الفسيح المتلبّد بالبخار، والأكثر من هذا أنامل الخادمة الضريفة، جلس على السرير ذي البطانية الحمراء محدثا صريرا وطفق يجفف شعره البرتقالي الطويل للغاية والأقرب للون الأحمر بمنشفة قطنية ناصعة البياض، أما الخادمة فكانت تنفخ الهواء من التعب جامعة يديها فوق بعضهما البعض.
أشار بيده:
دخلت ألبيسيا بهدوء، تغمرها رائحة العطر والندم. وقفت لحظة، ثم تقدّمت نحوه شارعة في لعب الدور. عانقته من الخلف، وهمست في أذنه:
“خادمة!”
قفزت من مكانها وهي تكاد تُسقط الإبريق، ثم استدارت بسرعة.
دخل مانسيبو الذي كان عجوزا طاعنا في السن يرتدي لباس السحرة المتمثّل في قبعة حادة زرقاء وعباءة من نفس اللون لكن مع لحية خضراء تصل لأخمص قدميه، وبيديه كتاب عنوانه منقوش بخط ذهبي مزخرف “حكايات السماء والأرض”.
“نعم، مولاي؟”
ولوّح بيده للحرس، كأنما يطرد الذباب، ثم استدار بخطى بطيئة تاركًا خلفه أنين الجياع.
“ألستِ ترينني؟ أنا جائع… أحضري الطعام… في أقل من خمس دقائق! وإلّا أكلتك أنت!”
سار الملك حتى بلغ سور القصر، لقد شهد حشدا من الفقراء متجمعين يصرخون محتجين.
ضحك ضحكة قصيرة جافة، ثم أضاف:
“هيا! انطلقي، بسرعة! لا صبر لي على بطء العبيد.”
هرعت الفتاة، وقلبها يسبق خطواتها. جمعت ما لذّ وطاب من أطباق الفطور واللحوم والفواكه، حتى كادت صينية كاملة أن تسقط منها حين اصطدمت بأحد الحراس. لكنها وصلت، تلهث، وقد التصق العرق بخديها.
ضوء أزرق خافت انساب من تحت باب الغرفة.
وضع الملك الملعقة جانبًا، وقال دون أن ينظر إليها:
“كفى تملقًا… ارحلي الآن! تصلحين فقط للتدليك.”
توقف لحظة، ثم أشار بإصبعه الطويل نحو الباب:
توقف لحظة، ثم أشار بإصبعه الطويل نحو الباب:
“نادِ مانسيبو… أخبريه أن الملك يشعر بالملل. وهذا خطر، كما تعلمين، ههه”
كانت ليلة المأدبة ماطرة والرياح تدوّي خارجا، حيث كانت الطبقة الكادحة من الفقراء تعاني من البرد والجوع بسبب الإهمال، حمل طفل صغير ذو شعر طويل أسود مجعد بسبب الأوساخ كسرة خبز يابسة بفرح شديد لأخته الجالسة مع كائني ميلوديا على الطريق الموحل والمليء بالقذارة، مرّ بجانبهما رجل فارع الطول، بشعرٍ أخضر قصير، وبشرةٍ ذهبية تلمع تحت المطر، يرتدي لباسًا بنّيًا أنيقًا. بدا عليه الاشمئزاز من الفقر المتفشي حوله..
دخل مانسيبو الذي كان عجوزا طاعنا في السن يرتدي لباس السحرة المتمثّل في قبعة حادة زرقاء وعباءة من نفس اللون لكن مع لحية خضراء تصل لأخمص قدميه، وبيديه كتاب عنوانه منقوش بخط ذهبي مزخرف “حكايات السماء والأرض”.
أجابت بانكسار وحزن:” بت لا أطيق رؤيته بعد اليوم… لا اعلم لماذا… لكن فقط .. أشعر أن قلبي من اتى بي إلى هنا”
“انظر! أود حكاية ممتعة لا وجود لمثلها أبدا، هل فهمت؟”
“أمرك يا مولاي، ففي كتابي..”
“ألستِ ترينني؟ أنا جائع… أحضري الطعام… في أقل من خمس دقائق! وإلّا أكلتك أنت!”
أجاب بصوت بطيئ ودافئ لكن الملك قاطعه
قال الملك باستغراب:” وما المشكلة؟ إن لم يجدوا الخبز فليأكلوا المرطّبات هههه”
:” ما هذا؟ اختصر في الكلام.”
نظر نظرة انزعاج وغضب وبدأ يسرد حكايته
:” كان يامكان في قدي-”
:” توقف لا داعي لهذا الهراء! نفس الأسلوب، لا شيء جديد”
حوّلت نظرها من الأرض نحو عيني الأمير، ثم قالت بتردّد” ولكن ماذا بشأن الحرس؟”
سار الملك حتى بلغ سور القصر، لقد شهد حشدا من الفقراء متجمعين يصرخون محتجين.
أمر بوسيديوس مانسيبو بالخروج وتركه وشأنه، فلبّ طلبه بكلّ هدوء ورصانة، ولكن قبل خروجه نظر إلى الملك وقال:”لست متنبأ لكن حتى الأعمى صار يرى تلك الهاوية في نهاية الطريق، أو ربما صار لك جناحان فجأة؟ من يدري..” نظر الحاكم بدون مبالاة ورمى بالكلام عرض الحائط، لكنّ العجوز خرج دون أن ينبس لسانه الأزرق بكلمة أخرى مغلقا الباب الضخم للغرفة.
تنهد الرجل وهو مضطجع على سريره يعانق مخدته، بعدها قام بسبب الضجيج الذي يسمعه قادما من الخارج، لبس لباسه الملكي وخرج من الغرفة.
مدّ يده:
سار الملك حتى بلغ سور القصر، لقد شهد حشدا من الفقراء متجمعين يصرخون محتجين.
بدت وكأنها ربحت المعركة. ابتسمت هي الأخرى، وقبلته على خده.
:” همم.. هؤلاء الشعب إذن، الذين لا يعرفون سوى الطلب، من انا لهم؟ أمستعبدهم أم خادمهم ام قائدهم؟ وما بالهم يقفزون كالقردة؟” سأل أحد الحراس عن الأمر فأجابه موشوشا له بأذنه:” إنهم من الطبقة الكادحة الجائعة يا مولاي، لم يعد لديهم ما يأكلون حتى الخبز”
مدّ الرجل يده نحو الأرض لكنه تراجع قائلا” نسيت نفسي… علي التغلّب على العواطف وأن اغض بصري على المساكين حاليا”
قال الملك باستغراب:” وما المشكلة؟ إن لم يجدوا الخبز فليأكلوا المرطّبات هههه”
“أمرك يا مولاي، ففي كتابي..”
ولوّح بيده للحرس، كأنما يطرد الذباب، ثم استدار بخطى بطيئة تاركًا خلفه أنين الجياع.
ظهر السيف. لم يكن سيفًا عادياً. إنه ميتيسو، السيف الذي لم يُصنع بعد.
كان جوداس لا يزال عند الشرفة حين رأى ما جرى؛ فغلى دمه، وتفجّرت كراهيته القديمة لأخيه، حتى بدا له أن بوسيديوس لم يعد سوى وحشٍ بجلد بشر، استدار وجلس على كرسيّه، نسيم يأتي بعد كل ليلة عاصفة فيهبّ على وجهه وشمس الغروب ترسل أشعتها على الجبين، أغمض عينيه وبات يسمع ألحان وأنغام كائنات الميلوديا التي كانت تحوم في السماء كالحلم، بأجنحة كالذهب المنصهر، وأجساد صغيرة بلون الثلج. تُغني أنغامًا وألحانا ساحرة ، ومن الشرفة يدخل كائن منها للغرفة، تهبط على حجر الأمير، إنها كالأصبع او أصغر حجما، يتأمل فيها، في جمالها الساحر وصوتها العذب، تخيّل نفسه المنقذ والنبيل الوحيد في هذا العالم، أما أخوه، فتخيّله من الفوشو، تلك الكائنات التي يُضرب بها المثل في الدناءة والقبح، هكذا فكّر جوداس وحزم أمره بقتل أخيه، لكن سرعان ما تلاشى عالم الأحلام والجمال بطرقة خفيفة على الباب.
أشار بيده:
حملت وشاحها الحريري على كتفها ولبست حذائها الأسود بسرعة، ثم خرجت بخجل من الغرفة.
يقوم ويرسل الكائن الصغير خارج النافذة، ثم يفتح الباب
“ههه! كلّنا شياطين ببعض الأفعال الملائكية، وكلّنا ملائكة ببعض الأفعال الشيطانية… أنا أعيش لكي لا أعيش، أما أنتم… فلا تعيشون لكي تعيشون!”
:”أوه… ألبيسيا؟ من كان ليظن أن الحُسن ذاته سيطرق بابي هذا الصباح؟
:” كان يامكان في قدي-”
تفضلي… لقد كنت أفكر بك.”
نادى الصغيرين بصوت بارد وخشن
دخلت بتردد ممسكة بوشاحها بينما غطى شعرها الأبيض الحريري كالثلج بعضا من وجهها الشاحب والخجول، ثم جلست بهدوء على الأريكة قرب جوداس تحت النافذة.
“عجيب! ظننتك كنت اليوم في جناح الملك.”
أجابت بانكسار وحزن:” بت لا أطيق رؤيته بعد اليوم… لا اعلم لماذا… لكن فقط .. أشعر أن قلبي من اتى بي إلى هنا”
بدأ يتمتم رافعا حاجبه:” اذن، الا ترين أننا متشابهان؟ كلانا يشعر بالندم والكره الشديد لبوسيديوس، ولكن لا داعي للندم بل علينا بالفعل، ان نفعل شيئا”
اقترب جوداس أكثر، وقال بنعومة وهدوء أعمق:” آه.. في صغري ظننته المخلّص الفاضل، لكن فقط اذا صار العرش والكلمة بيد رجل واحد تنقلب الأحلام كوابيسا”
“لستُ المعني بذلك… أما منصبك، فسيتولّاه شخص من اختيارهم.”
” لقد تغيّر تماما… لم يعد لي.. إنه وحش..وحش كبير.”
كانت ألبيسيا فولبيني في غاية الجمال تلك الليلة، فلم يستطع جوداس تمالك نفسه والسيطرة على غريزته.
بدأ يتمتم رافعا حاجبه:” اذن، الا ترين أننا متشابهان؟ كلانا يشعر بالندم والكره الشديد لبوسيديوس، ولكن لا داعي للندم بل علينا بالفعل، ان نفعل شيئا”
“لا تقل أنك تفكر في…”
نهض جوداس وقال :” البيسيا، منذ دهر وانا احسد اخي على منصبه، وبصفة أكثر حسدته عليك، اردتك ان تكوني لي، انا فقط، أنت من كنت أحبها طوال حياتي، أنت الأجمل على الإطلاق، ولذلك ألا تمانعين لو…”
ضحك من قلبه، بضحكة هستيرية ملأت الأفق:
تميّز أخ الملك بخبثه وشخصيته المتلاعبة، وجهه البارد وحبّه الشديد للنساء، أما زوجته فعرفت بالطيبة والطهارة والكلام الرقيق، ولكن حتى الملاك الصغير ان حمل جسده الشهوات، فسيصير شيطانا في بعض الأحيان.
“أدري ولكن!”
وانتهت الليلة بأصوات المطر التي تغطي صوت الفاحشة والأنفاس المتقطّعة.
بدا على وجه الفتاة القلق والذعر من أن يتعكّر مزاج الملك فجأة، لكنها لم تستطع إخفاء تعابير وجهها الضريفة أمامه.
أشرقت شمس الصباح، كان جوداس جالسا على أريكته وكأن شيئا لم يكن، أما ألبيسيا فظلت تتأمل في الأرض دون أن تنبس بأي كلمة.
كسر جوداس الصمت قائلا :” اذا فأمامنا ثلاث ليال، عندما يغطّ في النوم بعد وليمة القصر.”
كانت ألبيسيا فولبيني في غاية الجمال تلك الليلة، فلم يستطع جوداس تمالك نفسه والسيطرة على غريزته.
حوّلت نظرها من الأرض نحو عيني الأمير، ثم قالت بتردّد” ولكن ماذا بشأن الحرس؟”
تفضلي… لقد كنت أفكر بك.”
“لا تهتمي بهم، سأتفق مع النصف والآخرون يستحيل أن يلاحظوا”
وانتهت الليلة بأصوات المطر التي تغطي صوت الفاحشة والأنفاس المتقطّعة.
صمتت لبرهة من الزمن ثم قالت:” لا أصدق أني خنته معك وأيضا سأكون جزء من عملية قتله.”
حملت وشاحها الحريري على كتفها ولبست حذائها الأسود بسرعة، ثم خرجت بخجل من الغرفة.
:” لا تلومي نفسك فهو المخطئ بإيذائك، هل نسيت؟”
“أدري ولكن!”
“أيها الشيطان!!”
:” لا ترهقي نفسك بالتفكير، فقتله يعني خلاصنا جميعا، هل فهمت؟”
:” حسنا اذا، شكرا لك! شكرا لك حقاّ! امم..”
حملت وشاحها الحريري على كتفها ولبست حذائها الأسود بسرعة، ثم خرجت بخجل من الغرفة.
ثم سنتين من السقوط، من الجنون… من الدم وقد عوقب عليها بالموت.
ضحك من قلبه، بضحكة هستيرية ملأت الأفق:
:” حسنا إذا، بت وحدي ولا يوجد أحد”
نهض جوداس من السرير بملابس نومه الزرقاء الحريرية وقام بغلق الغرفة على نفسه من كل الجهات بإحكام شديد حتى لا يكشفه أحد، بعدها استنشقا نفسا طويلا، غير ملابسه ثم عاود الجلوس، فتح درج مكتبه فأخذ كتابا كان عليه الغبار.
“آه بوسيديوس… كم كنت حمقاء حين ابتعدت عنك. أنت فارسي الوحيد، كيف تخليت عنك؟ يا الهي! لا أصدق نفسي، لكت ستسامح زوجتك أليس كذلك؟”
نفخ عليه بهدوء وفتحه بحذر شديد.
“أزومير…!”
“شهر كامل منذ أن اقتنيت هذا الكتاب من رحلتي إلى الأرض الثالثة، “فن الكيتادو” قال لي البائع بأنه محظور في الأرضين الأولى والسابعة، ولكن من يهتم، هذا سبيلي الوحيد للقوة فالأسد يجعل من الصخر لحما، إذن لنراجع ما سبق،
يتعلّق هذا الفنّ بالماديات فقط، ذو ثلاث مستويات: اوفيسيار لتخيل الأشياء او استدعائها أيا كانت ومتى صُنعت، ازومير لتسخيرها وغولبيندو لمحوها من الوجود وكذلك ذكريات الكائنات المتعلّقة بها، وإلى حد الآن اتقنت اثنين لأن الثالث لا يعمل اصلا حسب قانون عالم الأرض الأولى، لا بأس هيهي فمن غيري يستخدمه على أي حال”
مدّ يده:
كان الفنّ سهلا على عكس ما ظنه والكتاب ذو مائة صفحة أو أقل، لقد احترف التسخير غير أن تخيلها كان يأتي له بأشياء على العكس تماما وضعيفا أما الاستدعاء فاستحال عليه تماما، فكر ببرود :” هل هو لا يتناسب مع أرضي أم يتطلب أن أتدرب عليه؟”
نفخ زفيرا عاليا وبدأ يتعلّم المستوى الثاني..
وبعد عشرين دقيقة حمله الخدم لغرفته وأعدّوا له حمّاما ساخنا، كانوا خمسة أشخاص: فتاتان جميلتان في ريعان الشباب من جنس الهيشيز بشعر فضي وبشرة سمراء وثلاثة رجال من قارة اوفريكس من جنس الأوبرمز أصحاب رؤوس أشبه بالذئاب وأجسام كالدببة وأرجل كالديكة.
“أزومير…” تمتم وهو ينظر إلى أخيه من بعيد.
كانت ليلة المأدبة ماطرة والرياح تدوّي خارجا، حيث كانت الطبقة الكادحة من الفقراء تعاني من البرد والجوع بسبب الإهمال، حمل طفل صغير ذو شعر طويل أسود مجعد بسبب الأوساخ كسرة خبز يابسة بفرح شديد لأخته الجالسة مع كائني ميلوديا على الطريق الموحل والمليء بالقذارة، مرّ بجانبهما رجل فارع الطول، بشعرٍ أخضر قصير، وبشرةٍ ذهبية تلمع تحت المطر، يرتدي لباسًا بنّيًا أنيقًا. بدا عليه الاشمئزاز من الفقر المتفشي حوله..
:”أوه… ألبيسيا؟ من كان ليظن أن الحُسن ذاته سيطرق بابي هذا الصباح؟
نادى الصغيرين بصوت بارد وخشن
ضحك من قلبه، بضحكة هستيرية ملأت الأفق:
:” يا طفلان، هل تشعران بالجوع؟ هل تريدان بيتا؟”
“ادخلي.”
لوحا له ببراءة، لم يتعلما التحدث بعد.
كانت ألبيسيا فولبيني في غاية الجمال تلك الليلة، فلم يستطع جوداس تمالك نفسه والسيطرة على غريزته.
مدّ الرجل يده نحو الأرض لكنه تراجع قائلا” نسيت نفسي… علي التغلّب على العواطف وأن اغض بصري على المساكين حاليا”
ظهر السيف. لم يكن سيفًا عادياً. إنه ميتيسو، السيف الذي لم يُصنع بعد.
ثم واصل سيره متوجها نحو القصر.
لكن قبل أن يُكمل هجومه، اخترق رمح حاد ظهره فجأة!
كان الملك جالسا على المأدبة ذات الست أمتار مع النبلاء لا يأكل شيئا بل بدا جديا على غير عادته، واضعا خده الأيمن على قبضته اليمنى.
أصبحا في الرواق المرصوف بالرخام والمزين بلوحات من عصر باتيريا الذهبي والذي يبعد عشرة أمتار عن غرفة الملك، وضع يده على كتفها ثم أخبرها بالدخول هي أولا كي تتظاهر بأنها قد عادت تحبّه ريثما يظل هو خلف الباب ليختار الفرصة المناسبة للهجوم، كان يدرك أن أخاه سيكون بمفرده عاري اليدين في غرفته لكنه ظل حذرا رغم تواجد حتى الحرس برفقته.
ثم قام فجأة وذهب دون توديع، توجه مباشرة لغرفته.
اقترب جوداس أكثر، وقال بنعومة وهدوء أعمق:” آه.. في صغري ظننته المخلّص الفاضل، لكن فقط اذا صار العرش والكلمة بيد رجل واحد تنقلب الأحلام كوابيسا”
أشار جوداس لألبيسيا بعينيه معلنا بدء الخطة، فقاما الاثنان من على المنضدة بسرعة مع توديع لائق.
لكن… لحظة.
أصبحا في الرواق المرصوف بالرخام والمزين بلوحات من عصر باتيريا الذهبي والذي يبعد عشرة أمتار عن غرفة الملك، وضع يده على كتفها ثم أخبرها بالدخول هي أولا كي تتظاهر بأنها قد عادت تحبّه ريثما يظل هو خلف الباب ليختار الفرصة المناسبة للهجوم، كان يدرك أن أخاه سيكون بمفرده عاري اليدين في غرفته لكنه ظل حذرا رغم تواجد حتى الحرس برفقته.
“بوسيديوس أليمونتو… وجوداس أليمونتو… لقد صدر الحكم من ملوك القمر بقتلكما، لاستخدامكما فنّ الكيتادو المحظور في هذه الأرض.”
كان بوسيديوس يطلّ من شرفته على البحر الهائج، وقطرات المطر تضرب بقوة زجاج النوافذ، بينما يداه خلف ظهره، وثيابه الملكية ترفرف في صمت يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
كان الفنّ سهلا على عكس ما ظنه والكتاب ذو مائة صفحة أو أقل، لقد احترف التسخير غير أن تخيلها كان يأتي له بأشياء على العكس تماما وضعيفا أما الاستدعاء فاستحال عليه تماما، فكر ببرود :” هل هو لا يتناسب مع أرضي أم يتطلب أن أتدرب عليه؟”
طرق خفيف على الباب.
“نادِ مانسيبو… أخبريه أن الملك يشعر بالملل. وهذا خطر، كما تعلمين، ههه”
بدت وكأنها ربحت المعركة. ابتسمت هي الأخرى، وقبلته على خده.
“ادخلي.”
دخل مانسيبو الذي كان عجوزا طاعنا في السن يرتدي لباس السحرة المتمثّل في قبعة حادة زرقاء وعباءة من نفس اللون لكن مع لحية خضراء تصل لأخمص قدميه، وبيديه كتاب عنوانه منقوش بخط ذهبي مزخرف “حكايات السماء والأرض”.
دخلت ألبيسيا بهدوء، تغمرها رائحة العطر والندم. وقفت لحظة، ثم تقدّمت نحوه شارعة في لعب الدور. عانقته من الخلف، وهمست في أذنه:
هرعت الفتاة، وقلبها يسبق خطواتها. جمعت ما لذّ وطاب من أطباق الفطور واللحوم والفواكه، حتى كادت صينية كاملة أن تسقط منها حين اصطدمت بأحد الحراس. لكنها وصلت، تلهث، وقد التصق العرق بخديها.
“آه بوسيديوس… كم كنت حمقاء حين ابتعدت عنك. أنت فارسي الوحيد، كيف تخليت عنك؟ يا الهي! لا أصدق نفسي، لكت ستسامح زوجتك أليس كذلك؟”
:” اوههه! جيد جدا! سمعت انكم ذوات أنامل لا وجود لها في كلّ العالم، لذلك ستحكّين ظهري اهههه! ألست محظوظة يا فتاة؟”
“إذًا… هكذا هم الملوك… يا له من عالم ساحر!”
ظل صامتًا لحظة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة:
ولوّح بيده للحرس، كأنما يطرد الذباب، ثم استدار بخطى بطيئة تاركًا خلفه أنين الجياع.
“أزومير…” تمتم وهو ينظر إلى أخيه من بعيد.
“أغفر لك… ههه.. طبعا لم لا؟”
مدّ الرجل يده نحو الأرض لكنه تراجع قائلا” نسيت نفسي… علي التغلّب على العواطف وأن اغض بصري على المساكين حاليا”
بدت وكأنها ربحت المعركة. ابتسمت هي الأخرى، وقبلته على خده.
هرعت الفتاة، وقلبها يسبق خطواتها. جمعت ما لذّ وطاب من أطباق الفطور واللحوم والفواكه، حتى كادت صينية كاملة أن تسقط منها حين اصطدمت بأحد الحراس. لكنها وصلت، تلهث، وقد التصق العرق بخديها.
“لقد انقاد… الوحش خُدع.”
وراء الباب، كان جوداس يحبس أنفاسه. تمتم لحارسه:
ضحك ضحكة قصيرة جافة، ثم أضاف:
قفزت من مكانها وهي تكاد تُسقط الإبريق، ثم استدارت بسرعة.
“لقد انقاد… الوحش خُدع.”
“هيا! انطلقي، بسرعة! لا صبر لي على بطء العبيد.”
أشار بيده:
“استعدوا.”
لكن… لحظة.
ضوء أزرق خافت انساب من تحت باب الغرفة.
“مهلاً… هذا الضوء…”
انفجر البلاط تحت أقدام الحرس! الأرض نفسها لفظتهم كقذائف نحو السقف، محطمين كل شيء في طريقهم. جوداس قفز جانبًا، يتصبب عرقًا.
“لستُ المعني بذلك… أما منصبك، فسيتولّاه شخص من اختيارهم.”
“كفى تملقًا… ارحلي الآن! تصلحين فقط للتدليك.”
في الداخل، كان بوسيديوس يهمس:
تمنّت الفتاة لو ابتلعها حوت من بحر السماء أو حتى نزول السماوات كلها على رأسها فور سماع أذنيها الزهريتين لهذا الأمر، لكن إما طاعة وإما موت.
دخلت ألبيسيا بهدوء، تغمرها رائحة العطر والندم. وقفت لحظة، ثم تقدّمت نحوه شارعة في لعب الدور. عانقته من الخلف، وهمست في أذنه:
“اوفيسيار…”
“إذًا… هكذا هم الملوك… يا له من عالم ساحر!”
تنهد الرجل وهو مضطجع على سريره يعانق مخدته، بعدها قام بسبب الضجيج الذي يسمعه قادما من الخارج، لبس لباسه الملكي وخرج من الغرفة.
أمر بوسيديوس مانسيبو بالخروج وتركه وشأنه، فلبّ طلبه بكلّ هدوء ورصانة، ولكن قبل خروجه نظر إلى الملك وقال:”لست متنبأ لكن حتى الأعمى صار يرى تلك الهاوية في نهاية الطريق، أو ربما صار لك جناحان فجأة؟ من يدري..” نظر الحاكم بدون مبالاة ورمى بالكلام عرض الحائط، لكنّ العجوز خرج دون أن ينبس لسانه الأزرق بكلمة أخرى مغلقا الباب الضخم للغرفة.
ظهر السيف. لم يكن سيفًا عادياً. إنه ميتيسو، السيف الذي لم يُصنع بعد.
غُرس في جسد ألبيسيا المذهولة، وسط صرخة اختنقت بالدم.
نادى الصغيرين بصوت بارد وخشن
ركل جوداس الباب. دخل على جثة زوجة أخيه، والملك واقف وسط الدماء. شهق، ثم صرخ:
رفع بوسيديوس يده محاولًا استدعاء قوّته… لا شيء.
“أيها الشيطان!!”
مدّ يده:
“أزومير…!”
لوحا له ببراءة، لم يتعلما التحدث بعد.
تمنّت الفتاة لو ابتلعها حوت من بحر السماء أو حتى نزول السماوات كلها على رأسها فور سماع أذنيها الزهريتين لهذا الأمر، لكن إما طاعة وإما موت.
فاندفعت الأرض، وقذفت بالملك خارج الشرفة.
“هيا! انطلقي، بسرعة! لا صبر لي على بطء العبيد.”
“انظر! أود حكاية ممتعة لا وجود لمثلها أبدا، هل فهمت؟”
تدحرج تاج بوسيديوس في الهواء، سقط، بينما ظل هو معلقًا في السماء، ممسكًا بسيفه، والمطر يغسل وجهه المختلط بدم زوجته.
مدّ الرجل يده نحو الأرض لكنه تراجع قائلا” نسيت نفسي… علي التغلّب على العواطف وأن اغض بصري على المساكين حاليا”
“أزومير…” تمتم وهو ينظر إلى أخيه من بعيد.
الهواء حمله، البحر رفعه، بينما جوداس قفز في إثره، مسخّرًا الطين والماء، وفي يده فأس أمبليوس المستدعى من الأرض الخامسة.
كان الهواء يعبث بشعره البرتقالي الطويل وهو يمسح بيديه الهزيلتين على لحيته بينما عيناه الخضراوتان اكتفت بنظرات ازدراء وحسرة تظهر حقدا دفينا كتمه في قلبه لسنين.
نفخ عليه بهدوء وفتحه بحذر شديد.
صرخ غاضبًا وهو يهوي بفأسه:
اقترب جوداس أكثر، وقال بنعومة وهدوء أعمق:” آه.. في صغري ظننته المخلّص الفاضل، لكن فقط اذا صار العرش والكلمة بيد رجل واحد تنقلب الأحلام كوابيسا”
“أيها النذل! كيف لا تزال تتجرّأ على أفعالك؟!
“أيها الشيطان!!”
:” توقف لا داعي لهذا الهراء! نفس الأسلوب، لا شيء جديد”
وبعد ساعة من الاستمتاع بالماء الساخن في حوضه الماسي وسط الحمام الفسيح المتلبّد بالبخار، والأكثر من هذا أنامل الخادمة الضريفة، جلس على السرير ذي البطانية الحمراء محدثا صريرا وطفق يجفف شعره البرتقالي الطويل للغاية والأقرب للون الأحمر بمنشفة قطنية ناصعة البياض، أما الخادمة فكانت تنفخ الهواء من التعب جامعة يديها فوق بعضهما البعض.
انحنى بوسيديوس بخفة، فتفادى الضربة، ثم صدّ الفأس بسيف ميتيسو، وانفجر ضاحكًا:
:” يا طفلان، هل تشعران بالجوع؟ هل تريدان بيتا؟”
أنصت جوداس للحظة، وتجمّد. لقد أدرك ان أخاه جن تماما وبات يهذي..
“ههه! كلّنا شياطين ببعض الأفعال الملائكية، وكلّنا ملائكة ببعض الأفعال الشيطانية… أنا أعيش لكي لا أعيش، أما أنتم… فلا تعيشون لكي تعيشون!”
تفضلي… لقد كنت أفكر بك.”
بدأ يتمتم رافعا حاجبه:” اذن، الا ترين أننا متشابهان؟ كلانا يشعر بالندم والكره الشديد لبوسيديوس، ولكن لا داعي للندم بل علينا بالفعل، ان نفعل شيئا”
أنصت جوداس للحظة، وتجمّد. لقد أدرك ان أخاه جن تماما وبات يهذي..
لكن قبل أن يُكمل هجومه، اخترق رمح حاد ظهره فجأة!
نظر نظرة انزعاج وغضب وبدأ يسرد حكايته
رمحٌ طويل، غرس نفسه في عموده الفقري، وخرج من صدره، ثم تدفّق الدم من فمه كالشلال.
أصبحا في الرواق المرصوف بالرخام والمزين بلوحات من عصر باتيريا الذهبي والذي يبعد عشرة أمتار عن غرفة الملك، وضع يده على كتفها ثم أخبرها بالدخول هي أولا كي تتظاهر بأنها قد عادت تحبّه ريثما يظل هو خلف الباب ليختار الفرصة المناسبة للهجوم، كان يدرك أن أخاه سيكون بمفرده عاري اليدين في غرفته لكنه ظل حذرا رغم تواجد حتى الحرس برفقته.
نفخ عليه بهدوء وفتحه بحذر شديد.
سقط جوداس في البحر، وابتلعته الأمواج، بينما الريح تعوي فوق الجدران المنهارة.
“شهر كامل منذ أن اقتنيت هذا الكتاب من رحلتي إلى الأرض الثالثة، “فن الكيتادو” قال لي البائع بأنه محظور في الأرضين الأولى والسابعة، ولكن من يهتم، هذا سبيلي الوحيد للقوة فالأسد يجعل من الصخر لحما، إذن لنراجع ما سبق،
ظهر الرجل الطويل، ذو الشعر الأخضر والبشرة الذهبية، يمتطي وحشًا أسودًا من فصيلة الآفس، وقال
“بوسيديوس أليمونتو… وجوداس أليمونتو… لقد صدر الحكم من ملوك القمر بقتلكما، لاستخدامكما فنّ الكيتادو المحظور في هذه الأرض.”
رفع بوسيديوس يده محاولًا استدعاء قوّته… لا شيء.
صرخ الملك مذهولًا:
كانت ألبيسيا فولبيني في غاية الجمال تلك الليلة، فلم يستطع جوداس تمالك نفسه والسيطرة على غريزته.
كان جوداس لا يزال عند الشرفة حين رأى ما جرى؛ فغلى دمه، وتفجّرت كراهيته القديمة لأخيه، حتى بدا له أن بوسيديوس لم يعد سوى وحشٍ بجلد بشر، استدار وجلس على كرسيّه، نسيم يأتي بعد كل ليلة عاصفة فيهبّ على وجهه وشمس الغروب ترسل أشعتها على الجبين، أغمض عينيه وبات يسمع ألحان وأنغام كائنات الميلوديا التي كانت تحوم في السماء كالحلم، بأجنحة كالذهب المنصهر، وأجساد صغيرة بلون الثلج. تُغني أنغامًا وألحانا ساحرة ، ومن الشرفة يدخل كائن منها للغرفة، تهبط على حجر الأمير، إنها كالأصبع او أصغر حجما، يتأمل فيها، في جمالها الساحر وصوتها العذب، تخيّل نفسه المنقذ والنبيل الوحيد في هذا العالم، أما أخوه، فتخيّله من الفوشو، تلك الكائنات التي يُضرب بها المثل في الدناءة والقبح، هكذا فكّر جوداس وحزم أمره بقتل أخيه، لكن سرعان ما تلاشى عالم الأحلام والجمال بطرقة خفيفة على الباب.
ههه! يا للعدالة! مئات يستخدمونه هنا! لماذا نحن؟!”
ظل يتأمل ويفكّر قائلا في نفسه:” أخي بوسيديوس، يا للعار بل قمّة العار! لطالما كنت أقول لنفسي أني الأولى بمنصب الملك وها أنت ذا كالطفل تلهو ملوّحا بسيفك بالهواء، لا أنكر أنك كنت عظيما السنين الثلاثة عشرة الماضية ولا أنكر أنها فترة شديدة الازدهار لمملكتنا باتيريا، لكن انظر للأوضاع حاليا، لقد انقلبت رأسا على عقب وكل انجازاتك لم يعد لها اثر، بتنا في مجاعة وفقر، انظر لنفسك صرت مجنونا تماما وطاغية مستبدّا، لم تعد تأبه لأي شيء غير المتعة، ولا نستطيع الثورة ضدك لأن الجيش تحت طوع أمرك، فقط لو تموت.. لو تموت فقط…”
:” حسنا إذا، بت وحدي ولا يوجد أحد”
بدت وكأنها ربحت المعركة. ابتسمت هي الأخرى، وقبلته على خده.
ضحك.
“لستُ المعني بذلك… أما منصبك، فسيتولّاه شخص من اختيارهم.”
:” كان يامكان في قدي-”
صمتت لبرهة من الزمن ثم قالت:” لا أصدق أني خنته معك وأيضا سأكون جزء من عملية قتله.”
رفع بوسيديوس يده محاولًا استدعاء قوّته… لا شيء.
غُرس في جسد ألبيسيا المذهولة، وسط صرخة اختنقت بالدم.
“بوسيديوس أليمونتو… وجوداس أليمونتو… لقد صدر الحكم من ملوك القمر بقتلكما، لاستخدامكما فنّ الكيتادو المحظور في هذه الأرض.”
صمت.
حملت وشاحها الحريري على كتفها ولبست حذائها الأسود بسرعة، ثم خرجت بخجل من الغرفة.
ثم قام فجأة وذهب دون توديع، توجه مباشرة لغرفته.
الهواء لا يجيب، والبحر لا يتحرّك، والمطر بات يتساقط كدموع باردة على جبهته المتجعدة.
أجاب بصوت بطيئ ودافئ لكن الملك قاطعه
“أمرك يا مولاي، ففي كتابي..”
عرف حينها أن وقته انتهى.
دخلت ألبيسيا بهدوء، تغمرها رائحة العطر والندم. وقفت لحظة، ثم تقدّمت نحوه شارعة في لعب الدور. عانقته من الخلف، وهمست في أذنه:
نظر إلى السماء، يتأمّلها كأنما لأول مرة.
سقط جوداس في البحر، وابتلعته الأمواج، بينما الريح تعوي فوق الجدران المنهارة.
تذكّر ثلاث عشرة سنة من العظمة، من الازدهار، من الحكم، لم يكافئه عليها أحد.
:” لا ترهقي نفسك بالتفكير، فقتله يعني خلاصنا جميعا، هل فهمت؟”
الهواء حمله، البحر رفعه، بينما جوداس قفز في إثره، مسخّرًا الطين والماء، وفي يده فأس أمبليوس المستدعى من الأرض الخامسة.
ثم سنتين من السقوط، من الجنون… من الدم وقد عوقب عليها بالموت.
صمت.
ضحك.
كان جوداس لا يزال عند الشرفة حين رأى ما جرى؛ فغلى دمه، وتفجّرت كراهيته القديمة لأخيه، حتى بدا له أن بوسيديوس لم يعد سوى وحشٍ بجلد بشر، استدار وجلس على كرسيّه، نسيم يأتي بعد كل ليلة عاصفة فيهبّ على وجهه وشمس الغروب ترسل أشعتها على الجبين، أغمض عينيه وبات يسمع ألحان وأنغام كائنات الميلوديا التي كانت تحوم في السماء كالحلم، بأجنحة كالذهب المنصهر، وأجساد صغيرة بلون الثلج. تُغني أنغامًا وألحانا ساحرة ، ومن الشرفة يدخل كائن منها للغرفة، تهبط على حجر الأمير، إنها كالأصبع او أصغر حجما، يتأمل فيها، في جمالها الساحر وصوتها العذب، تخيّل نفسه المنقذ والنبيل الوحيد في هذا العالم، أما أخوه، فتخيّله من الفوشو، تلك الكائنات التي يُضرب بها المثل في الدناءة والقبح، هكذا فكّر جوداس وحزم أمره بقتل أخيه، لكن سرعان ما تلاشى عالم الأحلام والجمال بطرقة خفيفة على الباب.
ضحك من قلبه، بضحكة هستيرية ملأت الأفق:
تميّز أخ الملك بخبثه وشخصيته المتلاعبة، وجهه البارد وحبّه الشديد للنساء، أما زوجته فعرفت بالطيبة والطهارة والكلام الرقيق، ولكن حتى الملاك الصغير ان حمل جسده الشهوات، فسيصير شيطانا في بعض الأحيان.
:” لا تلومي نفسك فهو المخطئ بإيذائك، هل نسيت؟”
“إذًا… هكذا هم الملوك… يا له من عالم ساحر!”
————
أجاب بصوت بطيئ ودافئ لكن الملك قاطعه
كتابة: الكعبي
بدت وكأنها ربحت المعركة. ابتسمت هي الأخرى، وقبلته على خده.
“نعم، مولاي؟”
وضع الملك الملعقة جانبًا، وقال دون أن ينظر إليها:
