العشاء [1]
الفصل 327: العشاء [1]
“…أنا بخير.”
كان عليّ أن أرمش بضع مرّات لأستعيد وعيي تمامًا وأنا أنظر من حولي. وعندما رأيت الجميع يحدّقون نحوي، لوّحت بيدي.
“وأنا لا أرى شيئًا كذلك.”
“…أنا بخير.”
ظننت أنني سألاحظ شيئًا آخر، لكن بعد أقلّ من دقيقة على ذلك، دوّى صوت جرسٍ ناعم في القاعة.
لم أكن بخير.
ومع ذلك، بصفتي قائد الفرقة، كان عليّ أن أبدو كذلك.
“أنتم من سيُفوّت المتعة.”
“لقد رأيت رؤية غريبة فحسب. لست متأكدًا تمامًا إن كان ذلك بسبب الإرهاق، أم أنه جزء من السيناريو، لكنني أشارككم ما رأيته.”
لم يجرؤ أحدٌ منّا على لمس الطعام، حدّقنا فيه بوجلٍ عميق، والسكوت الذي خيّم على المائدة ازداد ثِقَلًا مع مرور كلّ ثانية. ظلّ الطبق أمامنا، بُخاره يتصاعد برفق، وسطحه اللامع يلتقط ضوء الثريّا الخافت بطريقة غير طبيعيّة.
لم يكن هناك داعٍ لأن أُخفي تلك الرؤية عنهم. صحيح، ربما كانت بسبب التعب، ولكن ماذا لو لم تكن كذلك…؟
ما إن أنهيت كلامي حتى خيّم الصمت على الجميع. ميا، وسارة، ونورا، وغيرهم، وجّهوا أنظارهم ببطء نحو الجدارية خلفنا. وفي النهاية، كانت نورا أوّل من كسر الصمت.
لم أستطع أن ألتزم الصمت تجاه أمرٍ بهذه الأهمية.
كأنّه قد نفد صبره أخيرًا.
“رؤية…؟ أيُّ نوعٍ من الرؤى كانت؟”
مالوا إلى الأمام، فبدأت أشرح لهم بالتفصيل ما رأيته. من تلك اللمحات الخفيفة التي شعرت بها من الجدارية خلفي، إلى الوجه الجافّ المتعفّن.
مالوا إلى الأمام، فبدأت أشرح لهم بالتفصيل ما رأيته. من تلك اللمحات الخفيفة التي شعرت بها من الجدارية خلفي، إلى الوجه الجافّ المتعفّن.
“أنتم من سيُفوّت المتعة.”
“…أظن أن الجثة كان لها شعرٌ أسود. شعرٌ أسود خفيفٌ ومتساقط. وكانت العينان خاويتين، وفي الأنف حلقةٌ معدنية. هذا ما استطعتُ ملاحظته في تلك اللحظة القصيرة.”
“…..”
ما إن أنهيت كلامي حتى خيّم الصمت على الجميع. ميا، وسارة، ونورا، وغيرهم، وجّهوا أنظارهم ببطء نحو الجدارية خلفنا. وفي النهاية، كانت نورا أوّل من كسر الصمت.
وحين رفع الغطاء المعدني، ظهر طبق لحم طازج، تفوح منه رائحة نفّاذة أقوى من ذي قبل. زمجر بطني من شدّة الرائحة، لكنّي دفعت كلّ فكرة عن الأكل جانبًا.
“لا أشعر بأيّ شيءٍ منها.”
“إنه لمن دواعي سروري أن أراكم جميعًا هنا في فندقنا. أنا أحد أعضاء الإدارة، وقد جئت لأحيّيكم شخصيًا وأعتذر عن الإزعاج الذي حصل اليوم.”
“…وأنا أيضًا. تبدو وكأنها دمية عرض.”
شعرت ببعض الارتياح حيال ذلك.
“وأنا لا أرى شيئًا كذلك.”
لم يتكلّم أحد.
بينما كان الآخرون يحدّقون في الجدارية، لم يبدُ عليهم أنهم لاحظوا أيّ شيءٍ غريب. كانوا يظنونها جداريةً عادية لا أكثر.
“….!؟”
شعرت ببعض الارتياح حيال ذلك.
ولحسن الحظ، بدا أنّ الآخرين يشاطرونني الشعور نفسه، بينما اقترب الخدم منّا ووضعوا طبقًا على مائدتنا.
’ربما كان الأمر يخصّني وحدي.’
بالطبع، لم أستطع استبعاد احتمال أنني مختلف. في الحقيقة، كنت أعلم جيّدًا أنني كذلك. لذا احتفظتُ بتلك الرؤية في قلبي، بينما واصلت تفحّص المكان من حولي.
بالطبع، لم أستطع استبعاد احتمال أنني مختلف. في الحقيقة، كنت أعلم جيّدًا أنني كذلك. لذا احتفظتُ بتلك الرؤية في قلبي، بينما واصلت تفحّص المكان من حولي.
كِدت أقفز من مكاني رعبًا، إذ ارتطمت يدٌ بالمائدة فجأة، وصوتُها الحادّ شقّ السكون كصاعقةٍ مفاجئة.
ظننت أنني سألاحظ شيئًا آخر، لكن بعد أقلّ من دقيقة على ذلك، دوّى صوت جرسٍ ناعم في القاعة.
عاد صوت الرجل العجوز لينساب بنعومة، وتلاشت البرودة والتوتّر من الغرفة تمامًا.
دونغ—
“…..”
على الفور، تحوّلت كلّ الأنظار نحو باب القاعة، الذي انفتح بعد لحظاتٍ قليلة، ودخل منه عددٌ من الأشخاص يرتدون الأبيض.
دونغ—
كان على وجوههم نفس الابتسامات التي يحملها الخدم، لكن بخلافهم، بدوا أكثر حيوية. كانت ملامحهم نقيّةً بطريقةٍ ما، ومع دخولهم انحنى الخدم قليلًا احترامًا لهم.
’فكّر، فكّر. لا بدّ أنّ هذا هو هدف السيناريو. إيجاد طريقةٍ لعدم أكل الطعام. إيجا—’
“أهلًا بكم، أهلًا بكم.”
شارك الآخرون الشعور نفسه، وانجذبت الأنظار كلّها نحو الطعام القادم. للحظة، راودتني رغبة في لمس الطعام وتذوّقه، لكنني سرعان ما أفقتُ من ذلك الشعور.
رفع رجلٌ مسنّ ذو لحيةٍ بيضاء طويلة يده، فأشار إلى الخدم ليتوقفوا عن الانحناء، ثم وجّه نظره نحو اتجاهنا.
انتشر عبيرٌ طيّب في القاعة بعد ذلك بوقتٍ قصير، حتى بدأتُ أبتلع ريقي.
“إنه لمن دواعي سروري أن أراكم جميعًا هنا في فندقنا. أنا أحد أعضاء الإدارة، وقد جئت لأحيّيكم شخصيًا وأعتذر عن الإزعاج الذي حصل اليوم.”
حوّل نظره إلى الطهاة، الذين انحنوا قليلًا. وبعد لحظاتٍ، فُتحت الأبواب على اتساعها، ودخل مزيدٌ من الخدم، يحمل كلٌّ منهم صينيةً مختلفةً من الأطعمة.
كانت كلماته رقيقة، وللحظةٍ وجيزةٍ ظننتُ أنه مجرد رجلٍ مسنٍّ عادي.
جلس الرجل العجوز بلا حراكٍ على رأس المائدة، عيناه مثبتتان علينا بشدّةٍ جعلت قلبي يرتجف. كان كأنّه ينتظر ليرى من سيبدأ بالأكل أولًا.
كلما نظرت إليه أكثر، ازداد يقيني بذلك. من ملامحه الهادئة، إلى قسماته ولُطف تصرّفاته… لم يكن يبدو لي إلا رجلًا عجوزًا بسيطًا.
“هذا هنا أحد أطباقنا المميّزة. فيليه نوار أو فان سومبر، مع لمسةٍ خاصّة من صلصة الفلفل، مزججة بقليل من النبيذ.”
“ولأوّل اعتذارٍ نقدّمه، أودّ أن نُقدّم لكم أفضل ما لدينا من طعام.”
رفع رجلٌ مسنّ ذو لحيةٍ بيضاء طويلة يده، فأشار إلى الخدم ليتوقفوا عن الانحناء، ثم وجّه نظره نحو اتجاهنا.
حوّل نظره إلى الطهاة، الذين انحنوا قليلًا. وبعد لحظاتٍ، فُتحت الأبواب على اتساعها، ودخل مزيدٌ من الخدم، يحمل كلٌّ منهم صينيةً مختلفةً من الأطعمة.
أمسك العجوز بالشوكة والسكّين وبدأ يأكل الطعام.
انتشر عبيرٌ طيّب في القاعة بعد ذلك بوقتٍ قصير، حتى بدأتُ أبتلع ريقي.
الفصل 327: العشاء [1]
“و-واو… رائحته مذهلة.”
لم يجرؤ أحدٌ منّا على لمس الطعام، حدّقنا فيه بوجلٍ عميق، والسكوت الذي خيّم على المائدة ازداد ثِقَلًا مع مرور كلّ ثانية. ظلّ الطبق أمامنا، بُخاره يتصاعد برفق، وسطحه اللامع يلتقط ضوء الثريّا الخافت بطريقة غير طبيعيّة.
شارك الآخرون الشعور نفسه، وانجذبت الأنظار كلّها نحو الطعام القادم. للحظة، راودتني رغبة في لمس الطعام وتذوّقه، لكنني سرعان ما أفقتُ من ذلك الشعور.
مالوا إلى الأمام، فبدأت أشرح لهم بالتفصيل ما رأيته. من تلك اللمحات الخفيفة التي شعرت بها من الجدارية خلفي، إلى الوجه الجافّ المتعفّن.
’لا، لا يمكن أن يكون هذا طعامًا صالحًا للأكل.’
“رؤية…؟ أيُّ نوعٍ من الرؤى كانت؟”
كانت هذه بوّابة.
كان عليّ أن أرمش بضع مرّات لأستعيد وعيي تمامًا وأنا أنظر من حولي. وعندما رأيت الجميع يحدّقون نحوي، لوّحت بيدي.
كنت أعلم أنّ الأمور لن تكون بهذه البساطة.
أردت أن ألتقط الشوكة، لكن جزءًا كبيرًا منّي كان يصرخ بأنّها فكرة حمقاء.
ولحسن الحظ، بدا أنّ الآخرين يشاطرونني الشعور نفسه، بينما اقترب الخدم منّا ووضعوا طبقًا على مائدتنا.
“….!؟”
وحين رفع الغطاء المعدني، ظهر طبق لحم طازج، تفوح منه رائحة نفّاذة أقوى من ذي قبل. زمجر بطني من شدّة الرائحة، لكنّي دفعت كلّ فكرة عن الأكل جانبًا.
لم يجرؤ أحدٌ منّا على لمس الطعام، حدّقنا فيه بوجلٍ عميق، والسكوت الذي خيّم على المائدة ازداد ثِقَلًا مع مرور كلّ ثانية. ظلّ الطبق أمامنا، بُخاره يتصاعد برفق، وسطحه اللامع يلتقط ضوء الثريّا الخافت بطريقة غير طبيعيّة.
“هذا هنا أحد أطباقنا المميّزة. فيليه نوار أو فان سومبر، مع لمسةٍ خاصّة من صلصة الفلفل، مزججة بقليل من النبيذ.”
“هذا هنا أحد أطباقنا المميّزة. فيليه نوار أو فان سومبر، مع لمسةٍ خاصّة من صلصة الفلفل، مزججة بقليل من النبيذ.”
جالسًا على رأس المائدة، انحنى الرجل العجوز إلى الأمام، وأطراف أصابعه تلامس حوافّ الطبق الفضيّ بينما يقدّم الطبق بصوتٍ ناعمٍ مريب الهدوء. وقف الرجال الآخرون بالملابس البيضاء خلفه، وابتساماتهم عريضة.
“ألن تأكلوا الطعام؟ من الأفضل أن تأكلوه وهو لا يزال دافئًا.”
“…آه، أرجو المعذرة. لا ينبغي لي أن أُطيل عليكم. فلنبدأ بتذوّق الأطباق.”
“…آه، أرجو المعذرة. لا ينبغي لي أن أُطيل عليكم. فلنبدأ بتذوّق الأطباق.”
أمسك العجوز بالشوكة والسكّين وبدأ يأكل الطعام.
كانت هذه بوّابة.
لكن—
“….!؟”
كان الوحيد الذي فعل ذلك.
“….!؟”
لم يجرؤ أحدٌ منّا على لمس الطعام، حدّقنا فيه بوجلٍ عميق، والسكوت الذي خيّم على المائدة ازداد ثِقَلًا مع مرور كلّ ثانية. ظلّ الطبق أمامنا، بُخاره يتصاعد برفق، وسطحه اللامع يلتقط ضوء الثريّا الخافت بطريقة غير طبيعيّة.
ومع ذلك، بصفتي قائد الفرقة، كان عليّ أن أبدو كذلك.
وكأنّه استشعر تردّدنا، بدأ الابتسام على وجه الرجل العجوز يتلاشى ببطءٍ يكاد لا يُلحظ.
لم يتكلّم أحد.
لم يتحرّك الرجال خلفه، لكنّ ابتساماتهم تجمّدت في مكانها.
شعرت ببعض الارتياح حيال ذلك.
“ألن تأكلوا الطعام؟ من الأفضل أن تأكلوه وهو لا يزال دافئًا.”
“ألن تأكلوا الطعام؟” سأل مجددًا، لكن هذه المرّة كان صوته أكثر برودة، برودةً جعلت عمودي الفقري يقشعرّ للحظة.
ارتفعت فجأةً موجة توتّر داخل القاعة، إذ التفتت رؤوس جميع الخدم نحونا. ظلت ابتساماتهم قائمة، لكن الدفء الذي كان فيها تلاشى.
دونغ—
لم يتكلّم أحد.
لم يجرؤ أحدٌ منّا على لمس الطعام، حدّقنا فيه بوجلٍ عميق، والسكوت الذي خيّم على المائدة ازداد ثِقَلًا مع مرور كلّ ثانية. ظلّ الطبق أمامنا، بُخاره يتصاعد برفق، وسطحه اللامع يلتقط ضوء الثريّا الخافت بطريقة غير طبيعيّة.
ولم يتحرّك أحد.
حوّل نظره إلى الطهاة، الذين انحنوا قليلًا. وبعد لحظاتٍ، فُتحت الأبواب على اتساعها، ودخل مزيدٌ من الخدم، يحمل كلٌّ منهم صينيةً مختلفةً من الأطعمة.
“…..”
بَانغ!
جلس الرجل العجوز بلا حراكٍ على رأس المائدة، عيناه مثبتتان علينا بشدّةٍ جعلت قلبي يرتجف. كان كأنّه ينتظر ليرى من سيبدأ بالأكل أولًا.
ولحسن الحظ، بدا أنّ الآخرين يشاطرونني الشعور نفسه، بينما اقترب الخدم منّا ووضعوا طبقًا على مائدتنا.
’ما الذي سنفعله؟’ تردّد الهمس بينما يرمقنا بنظراته الحادّة، وتبادلَت الفرق الأخرى الحديث فيما بينها، في حين كانت جوانا وبقيّة أعضاء فريقي ينظرون إليّ. لم أجب، وظللت أحدّق في الطبق أمامي.
كان الوحيد الذي فعل ذلك.
هل علينا أن نأكل الطعام…؟ خطرت الفكرة ببالي لحظةً عابرة، لكن سرعان ما بدت لي حماقة. سيكون من الغباء أن آكل طعامًا مصدره بوّابة. ومع ذلك، وأنا أحدّق في الرجل العجوز وأشعر بوقع نظرته القاسية، أحسست كأنّ قوّةً خفيّة تدفعني لألتقط الشوكة.
“أنتم من سيُفوّت المتعة.”
شعرت بأنّ أمرًا بالغ السوء سيحدث إن لم ألمس—
توقّف قلبي لحظة.
بَانغ!
“ألن تأكلوا الطعام؟” سأل مجددًا، لكن هذه المرّة كان صوته أكثر برودة، برودةً جعلت عمودي الفقري يقشعرّ للحظة.
“….!؟”
لم يجرؤ أحدٌ منّا على لمس الطعام، حدّقنا فيه بوجلٍ عميق، والسكوت الذي خيّم على المائدة ازداد ثِقَلًا مع مرور كلّ ثانية. ظلّ الطبق أمامنا، بُخاره يتصاعد برفق، وسطحه اللامع يلتقط ضوء الثريّا الخافت بطريقة غير طبيعيّة.
“….!!”
بَانغ!
كِدت أقفز من مكاني رعبًا، إذ ارتطمت يدٌ بالمائدة فجأة، وصوتُها الحادّ شقّ السكون كصاعقةٍ مفاجئة.
“لا أشعر بأيّ شيءٍ منها.”
أدرت رأسي ببطء، وكلّ عضلةٍ في جسدي مشدودة.
كان على وجوههم نفس الابتسامات التي يحملها الخدم، لكن بخلافهم، بدوا أكثر حيوية. كانت ملامحهم نقيّةً بطريقةٍ ما، ومع دخولهم انحنى الخدم قليلًا احترامًا لهم.
توقّف قلبي لحظة.
’ربما كان الأمر يخصّني وحدي.’
كان الرجل العجوز يحدّق بنا مباشرةً، يده لا تزال على الطاولة، وتغيّر تعبير وجهه. لم يعد ودودًا.
انتشر عبيرٌ طيّب في القاعة بعد ذلك بوقتٍ قصير، حتى بدأتُ أبتلع ريقي.
بل صار باردًا.
“…..”
كأنّه قد نفد صبره أخيرًا.
كان عليّ أن أرمش بضع مرّات لأستعيد وعيي تمامًا وأنا أنظر من حولي. وعندما رأيت الجميع يحدّقون نحوي، لوّحت بيدي.
“ألن تأكلوا الطعام؟” سأل مجددًا، لكن هذه المرّة كان صوته أكثر برودة، برودةً جعلت عمودي الفقري يقشعرّ للحظة.
بالطبع، لم أستطع استبعاد احتمال أنني مختلف. في الحقيقة، كنت أعلم جيّدًا أنني كذلك. لذا احتفظتُ بتلك الرؤية في قلبي، بينما واصلت تفحّص المكان من حولي.
أردت أن ألتقط الشوكة، لكن جزءًا كبيرًا منّي كان يصرخ بأنّها فكرة حمقاء.
لم يجرؤ أحدٌ منّا على لمس الطعام، حدّقنا فيه بوجلٍ عميق، والسكوت الذي خيّم على المائدة ازداد ثِقَلًا مع مرور كلّ ثانية. ظلّ الطبق أمامنا، بُخاره يتصاعد برفق، وسطحه اللامع يلتقط ضوء الثريّا الخافت بطريقة غير طبيعيّة.
’فكّر، فكّر. لا بدّ أنّ هذا هو هدف السيناريو. إيجاد طريقةٍ لعدم أكل الطعام. إيجا—’
وحين رفع الغطاء المعدني، ظهر طبق لحم طازج، تفوح منه رائحة نفّاذة أقوى من ذي قبل. زمجر بطني من شدّة الرائحة، لكنّي دفعت كلّ فكرة عن الأكل جانبًا.
“حسنًا إذًا.”
كان الرجل العجوز يحدّق بنا مباشرةً، يده لا تزال على الطاولة، وتغيّر تعبير وجهه. لم يعد ودودًا.
عاد صوت الرجل العجوز لينساب بنعومة، وتلاشت البرودة والتوتّر من الغرفة تمامًا.
“رؤية…؟ أيُّ نوعٍ من الرؤى كانت؟”
وبالابتسامة نفسها كما من قبل، أمسك بالسكّين والشوكة وبدأ يأكل مجددًا.
كانت كلماته رقيقة، وللحظةٍ وجيزةٍ ظننتُ أنه مجرد رجلٍ مسنٍّ عادي.
“أنتم من سيُفوّت المتعة.”
بل صار باردًا.
حوّل نظره إلى الطهاة، الذين انحنوا قليلًا. وبعد لحظاتٍ، فُتحت الأبواب على اتساعها، ودخل مزيدٌ من الخدم، يحمل كلٌّ منهم صينيةً مختلفةً من الأطعمة.
أردت أن ألتقط الشوكة، لكن جزءًا كبيرًا منّي كان يصرخ بأنّها فكرة حمقاء.
