التخلّص من الجرذ [5]
الفصل 359: التخلّص من الجرذ [5]
“إذًا…؟ ما جوابك؟”
ومع ذلك—
دخل الجرذ بجرأة، وجلس كما لو أنّ المكان ملكٌ له.
“أنت محق. لم أفكر في الأمر أصلًا. كنت فقط أريد مجاراة اللعبة لوقت أطول قليلًا.”
وبينما كنت أُمسك بابتسامتي، وجدت نفسي عاجزًا عن الرد. بدا أنّ الجرذ أخطأ في تفسير صمتي على أنّه ضعف، فانعطفت زوايا شفتيه إلى الأعلى، وتعَمّقت الغُمازتان في وجهه، وتألّقت عيناه الصغيرتان بلمعانٍ يحمل شيئًا من الرضا.
بالطبع، لم أكن لأن أدع سيد النقابة يكتشف ذلك. فلو علم، لزاد الأمر تعقيدًا بالنسبة لي.
“…أرى أنك ما زلت متردّدًا في الاستقالة. ولكن ما السيّئ في تركك للنقابة؟ ستحصل على وظيفة ممتازة وراتب جيّد. يمكنك القول إنني كنت لطيفًا جدًا معك. ليس قرارًا صعبًا حقًا.”
رفع رأسه ونظر إليّ.
لكنّه كان كذلك…
كان صوته هادئًا، لكني استطعت أن أستشعر الغضب الكامن فيه، وهو يحاول جاهدًا تهدئة نفسه، واضعًا الأوراق على الطاولة.
كلماته حملت شيئًا من الحقيقة، لكنها عن عمدٍ أغفلت تفاصيل أساسية عدّة.
“أرأيت؟ لم يكن الوصول إلى لبّ الموضوع صعبًا، أليس كذلك؟ لطالما علمت أنك شخصٌ عاقل ومتفـ—”
كنت موضع تقديرٍ في النقابة.
“تلك هي الفوارق بيننا. لديّ من النفوذ ما يكفي لأجعل الأمور تسير وفق مشيئتي، بينما أنت لا تملك ذلك.”
كان واضحًا من طريقة تعامل رئيس القسم معي أنه كان يراني موهبةً مميّزة، شخصًا يتجاوز بكثير مستوى المجنّدين العاديين في نظره.
تأكّد حدسي حين لاحظتُ الغُمازتين على وجه الجرذ تختفيان بينما ثبّت نظره عليّ.
ولا يمكن قول الشيء نفسه عن النقابة الجديدة. لم أكن سوى غريبٍ من جزيرةٍ بعيدة، وموهبةٍ مجهولة… اسمٌ لا يحمل أيّ وزنٍ يُذكر. سيستغرق الأمر وقتًا وجهدًا قبل أن أُثبت قيمتي لديهم.
لكن بخلاف ذلك، والأهمّ من كلّ ذلك…
ولم يكن ذلك كلّ شيء.
“إذًا…؟ ما جوابك؟”
لقد منحتني النقابة ميزانية ممتازة وغرفة لتطوير ألعابي.
“أنا متأكد أنك لا تريد أن يتسرّب ’سِرُّك‘. إن أمكن، أودّ سماع قرارك. هل ستبقى في النقابة، أم أنك…” توقف، واتسعت عيناه الضيّقتان قليلًا بينما ركّز كامل انتباهه عليّ. فتح فمه، ثم أغلقه بعد لحظة قصيرة.
وصنع الألعاب كان أمرًا جوهريًا بالنسبة لي. لم تكن فقط مصدر دخلي الأساسي، بل كانت أيضًا وسيلتي الرئيسية لاكتساب الـSP.
توقّف كلام الجرذ فجأة عندما أخرجتُ غرضًا صغيرًا أسود ووضعته على الطاولة. وما إن وقعت عيناه عليه، تغيّرت ملامحه، ووجّه نظره نحوي.
صحيح أنّني لم أعد مُلزَمًا بصنع الألعاب، لكن النظام كان مصممًا بدقّةٍ متناهية لدرجة أنّ تجاهله كان يبدو إهدارًا فادحًا.
وبينما بلغت التوتّرات ذروتها، انحنيت إلى الجانب وسحبت رزمة أوراقٍ من حقيبتي، ثم تركتها تسقط على الطاولة بصوت مكتومٍ خافت.
وفوق ذلك، كنت أعلم تمامًا أنّ صناعة الألعاب لم تكن مجرّد وسيلة لكسب النقاط.
قاطعني الجرذ، وعيناه تزدادان برودة. ومن نظرته أدركتُ أنه لن يبوح لي بأيّ شيء. وهذا جعل فضولي يزداد أكثر. فقط ما الذي يحاول تحقيقه بطردي؟
كان هناك بالتأكيد ما هو أعمق من ذلك، ولهذا السبب لم أستطع التوقّف عن صنعها.
“إذًا…؟ ما جوابك؟”
كنت أعلم…
“لستُ أحاول إضاعة الوقت. إنما أسألك بدافع الفضول. أريد أن أفهم لماذا أنت—”
أعلم تمام العلم أنّ النظام كان يُهيّئني لشيءٍ ما من خلال تلك الألعاب.
كان صوته هادئًا، لكني استطعت أن أستشعر الغضب الكامن فيه، وهو يحاول جاهدًا تهدئة نفسه، واضعًا الأوراق على الطاولة.
’إنّ الأمر متعلّق فقط بإيجاد السبب الذي يجعلني أصنع الألعاب.‘
بَانغ!
لكن بخلاف ذلك، والأهمّ من كلّ ذلك…
“أوه.”
كنتُ أكره التحدّث مع الغرباء ولقاء أشخاصٍ جدد. الانضمام إلى نقابةٍ جديدة سيجعلني أكره الذهاب إليها كلّ يوم. كنت أعلم أنني سأتعذّب، غارقًا في التفكير الزائد حول كيف أبدأ حديثًا وكيف أحافظ عليه دون أن يتحوّل إلى صمتٍ مُحرِج.
رؤية تعابيره تلك جعلتني أفتح فمي وأنا أفكر في أعذارٍ جديدة، لكن…
’يا إلهي، لا.‘
وصنع الألعاب كان أمرًا جوهريًا بالنسبة لي. لم تكن فقط مصدر دخلي الأساسي، بل كانت أيضًا وسيلتي الرئيسية لاكتساب الـSP.
شعرتُ بقشعريرةٍ لمجرّد التفكير بالأمر.
وصنع الألعاب كان أمرًا جوهريًا بالنسبة لي. لم تكن فقط مصدر دخلي الأساسي، بل كانت أيضًا وسيلتي الرئيسية لاكتساب الـSP.
على خلاف النقابة الجديدة، كنت أعرف الكثير من الأشخاص هنا. لم يكن الحديث معهم مُربِكًا، ورغم أنّني ما زلت أُفضّل إبقاء مسافةٍ بينهم وبيني لأنّ المحادثات تُرهقني، إلّا أنني على الأقلّ كنت أتحمّلها.
لقد بدأتُ مؤخرًا فقط بالانفتاح قليلًا على مَن حولي.
لم أرِد أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه عندما بدأتُ أول مرة.
لم أفعل سوى أن ابتسمتُ بخفة.
لقد بدأتُ مؤخرًا فقط بالانفتاح قليلًا على مَن حولي.
لماذا يا تُرى…؟
’نعم، لا يُمكنني ببساطة مغادرة النقابة.‘
تأكّد حدسي حين لاحظتُ الغُمازتين على وجه الجرذ تختفيان بينما ثبّت نظره عليّ.
بالطبع، لم أكن لأن أدع سيد النقابة يكتشف ذلك. فلو علم، لزاد الأمر تعقيدًا بالنسبة لي.
رسالته كانت واضحة.
“هل لا تزال تملك العقد معك؟ كان يجدر بك أن توقّعه الآن. أنا لا أملك صبرًا طويلًا. فقط أعطني إيّاه وسننتهي من هذا كلّه.”
نظرت إلى الأوراق، مشوَّش الفكر.
مال الجرذ إلى الأمام، وعيناه تضيقان حتى أصبحتا شقّين حادّين يخترقانني بنظراتهما. لم أردّ مباشرة، بل قرّرت أن أقلب الطاولة وأسأله بدوري بعض الأسئلة.
“بإمكانك أن تهدّدني قدر ما تشاء، لكن في النهاية، لن يخرج من ذلك شيء. لستُ المهرّج، أو أيا يكن هذا الهراء الذي تتفوّه به، وحتى إن صارت الأمور مزعجةً لي قليلًا، فسأُبرّأ في النهاية من كلّ الشبهات. فأنا لست المهرّج.”
كان هناك ما يثير فضولي.
“لماذا ترغب بالتخلّص مني بهذا الإصرار؟”
كان يبدو مهووسًا جدًا بمحاولته إبعادي.
هل هو فقط بسبب انعدام أمانه الداخلي؟ رغم أنّني كنت على دراية بمدى غيرته وانعدام ثقته بنفسه، لم أعتقد أن هذا سيكون السبب الرئيسي وراء محاولته طردي من النقابة بهذه الطريقة اليائسة.
“أرأيت؟ لم يكن الوصول إلى لبّ الموضوع صعبًا، أليس كذلك؟ لطالما علمت أنك شخصٌ عاقل ومتفـ—”
فبوسعه ببساطة أن يستفيد من ‘المعلومات’ لنفسه بدلًا من إقصائي.
أعلم تمام العلم أنّ النظام كان يُهيّئني لشيءٍ ما من خلال تلك الألعاب.
ومع ذلك—
’نعم، لا يُمكنني ببساطة مغادرة النقابة.‘
كان يبدو مهووسًا جدًا بمحاولته إبعادي.
فبوسعه ببساطة أن يستفيد من ‘المعلومات’ لنفسه بدلًا من إقصائي.
لماذا يا تُرى…؟
لم أفعل سوى أن ابتسمتُ بخفة.
لابدّ أن هناك سببًا أعمق من مجرد الغيرة.
“هوو.”
تأكّد حدسي حين لاحظتُ الغُمازتين على وجه الجرذ تختفيان بينما ثبّت نظره عليّ.
“إذن؟ ما الـ—”
“لماذا تُطيل الحديث؟ هل تحاول تضييع الوقت؟”
لقد بدأتُ مؤخرًا فقط بالانفتاح قليلًا على مَن حولي.
ألقى نظرةً متفحّصة حول المكان، وعيناه تمسحان الغرفة بدقّة.
تلفّتُّ حولي، ثم مددت يدي نحو الدرج وسحبت قلمًا. قرّبت رأس القلم إلى الورقة وهممت بالتوقيع، لكن—
ظللت جالسًا في مكاني، وعينيّ مثبتتين عليه.
أعلم تمام العلم أنّ النظام كان يُهيّئني لشيءٍ ما من خلال تلك الألعاب.
وفي النهاية، فتحتُ فمي لأتكلّم.
صحيح أنّني لم أعد مُلزَمًا بصنع الألعاب، لكن النظام كان مصممًا بدقّةٍ متناهية لدرجة أنّ تجاهله كان يبدو إهدارًا فادحًا.
“لستُ أحاول إضاعة الوقت. إنما أسألك بدافع الفضول. أريد أن أفهم لماذا أنت—”
“يا لي من أحمق! نسيت تمامًا أن أوقّعها!”
“لا تجهد نفسك بالسؤال.”
على خلاف النقابة الجديدة، كنت أعرف الكثير من الأشخاص هنا. لم يكن الحديث معهم مُربِكًا، ورغم أنّني ما زلت أُفضّل إبقاء مسافةٍ بينهم وبيني لأنّ المحادثات تُرهقني، إلّا أنني على الأقلّ كنت أتحمّلها.
قاطعني الجرذ، وعيناه تزدادان برودة. ومن نظرته أدركتُ أنه لن يبوح لي بأيّ شيء. وهذا جعل فضولي يزداد أكثر. فقط ما الذي يحاول تحقيقه بطردي؟
دخل الجرذ بجرأة، وجلس كما لو أنّ المكان ملكٌ له.
ولماذا يبدو بهذا القدر من اليأس أيضًا…؟
لم أرِد أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه عندما بدأتُ أول مرة.
“هوو.”
كنت موضع تقديرٍ في النقابة.
أخذت نفسًا عميقًا، فاسترخى وجه الجرذ بعد لحظة قصيرة. عاد الابتسام إلى محيّاه بعد قليل وهو يميل إلى الخلف على كرسيه.
“أنا فقط متعجّل قليلًا، إن كنتَ تفهم ما أعنيه.”
“آسف على ذلك.” اعتذر، وعادت الغمازات إلى وجنتيه مع سكينته.
توقّف كلام الجرذ فجأة وهو يحدّق في الأوراق. عاد الصمت الذي خيّم على الغرفة من قبل، وارتجفت عيناه لحظةً وهو يرفع نظره نحوي.
“أنا فقط متعجّل قليلًا، إن كنتَ تفهم ما أعنيه.”
صحيح أنّني لم أعد مُلزَمًا بصنع الألعاب، لكن النظام كان مصممًا بدقّةٍ متناهية لدرجة أنّ تجاهله كان يبدو إهدارًا فادحًا.
نظر إلى الطاولة مجددًا، وازداد ابتسامه لطفًا.
كان واضحًا من طريقة تعامل رئيس القسم معي أنه كان يراني موهبةً مميّزة، شخصًا يتجاوز بكثير مستوى المجنّدين العاديين في نظره.
“أنا متأكد أنك لا تريد أن يتسرّب ’سِرُّك‘. إن أمكن، أودّ سماع قرارك. هل ستبقى في النقابة، أم أنك…” توقف، واتسعت عيناه الضيّقتان قليلًا بينما ركّز كامل انتباهه عليّ. فتح فمه، ثم أغلقه بعد لحظة قصيرة.
قرّب يده أكثر، والتوت ملامحه.
لم يكن بحاجةٍ إلى قول المزيد.
ومع ذلك—
رسالته كانت واضحة.
“بإمكانك أن تهدّدني قدر ما تشاء، لكن في النهاية، لن يخرج من ذلك شيء. لستُ المهرّج، أو أيا يكن هذا الهراء الذي تتفوّه به، وحتى إن صارت الأمور مزعجةً لي قليلًا، فسأُبرّأ في النهاية من كلّ الشبهات. فأنا لست المهرّج.”
“…..”
“…..”
خيّم صمت ثقيل علينا بينما ركّزت نظري كله على الجرذ.
“أنا متأكد أنك لا تريد أن يتسرّب ’سِرُّك‘. إن أمكن، أودّ سماع قرارك. هل ستبقى في النقابة، أم أنك…” توقف، واتسعت عيناه الضيّقتان قليلًا بينما ركّز كامل انتباهه عليّ. فتح فمه، ثم أغلقه بعد لحظة قصيرة.
وبينما بلغت التوتّرات ذروتها، انحنيت إلى الجانب وسحبت رزمة أوراقٍ من حقيبتي، ثم تركتها تسقط على الطاولة بصوت مكتومٍ خافت.
ظللت جالسًا في مكاني، وعينيّ مثبتتين عليه.
“ها هي.”
صحيح أنّني لم أعد مُلزَمًا بصنع الألعاب، لكن النظام كان مصممًا بدقّةٍ متناهية لدرجة أنّ تجاهله كان يبدو إهدارًا فادحًا.
“هاه.”
“أوه.”
اتّسعت ابتسامة الجرذ، وغارت الغمازات في وجنتيه حتى كادت تثير الغثيان، وهو يزيح شعره المقصوص كوعاءٍ عن جبينه ويمدّ يده نحو الأوراق.
قرّب يده أكثر، والتوت ملامحه.
“أرأيت؟ لم يكن الوصول إلى لبّ الموضوع صعبًا، أليس كذلك؟ لطالما علمت أنك شخصٌ عاقل ومتفـ—”
أو كان من المفترض أن تكون كذلك…
توقّف كلام الجرذ فجأة وهو يحدّق في الأوراق. عاد الصمت الذي خيّم على الغرفة من قبل، وارتجفت عيناه لحظةً وهو يرفع نظره نحوي.
“…ما هذا؟”
“ما هذا…؟”
“ما هذا…؟”
كان صوته هادئًا، لكني استطعت أن أستشعر الغضب الكامن فيه، وهو يحاول جاهدًا تهدئة نفسه، واضعًا الأوراق على الطاولة.
لابدّ أن هناك سببًا أعمق من مجرد الغيرة.
رفع رأسه ونظر إليّ.
“لماذا تُطيل الحديث؟ هل تحاول تضييع الوقت؟”
“…ما هذا؟”
كان صوته هادئًا، لكني استطعت أن أستشعر الغضب الكامن فيه، وهو يحاول جاهدًا تهدئة نفسه، واضعًا الأوراق على الطاولة.
كرّرها بنبرةٍ أكثر برودة من ذي قبل. زالت الغمازات عن وجهه، وبدأت التشققات تظهر على ملامحه.
“أنا فقط متعجّل قليلًا، إن كنتَ تفهم ما أعنيه.”
“أوه.”
كلماته حملت شيئًا من الحقيقة، لكنها عن عمدٍ أغفلت تفاصيل أساسية عدّة.
نظرت إلى الأوراق، مشوَّش الفكر.
فبوسعه ببساطة أن يستفيد من ‘المعلومات’ لنفسه بدلًا من إقصائي.
مددت يدي لأتفحّصها حتى انقدحت الفكرة في ذهني فجأة.
“….!؟”
“آه!”
نظر إلى الطاولة مجددًا، وازداد ابتسامه لطفًا.
صفعت جبهتي.
ألقى نظرةً متفحّصة حول المكان، وعيناه تمسحان الغرفة بدقّة.
“يا لي من أحمق! نسيت تمامًا أن أوقّعها!”
“آسف على ذلك.” اعتذر، وعادت الغمازات إلى وجنتيه مع سكينته.
تلفّتُّ حولي، ثم مددت يدي نحو الدرج وسحبت قلمًا. قرّبت رأس القلم إلى الورقة وهممت بالتوقيع، لكن—
أخذت نفسًا عميقًا، فاسترخى وجه الجرذ بعد لحظة قصيرة. عاد الابتسام إلى محيّاه بعد قليل وهو يميل إلى الخلف على كرسيه.
“اللعنة! الحبر نفد!”
رؤية تعابيره تلك جعلتني أفتح فمي وأنا أفكر في أعذارٍ جديدة، لكن…
وضعت رأس القلم قرب فمي وبدأت أنفخ عليه. كانت تلك طريقة ممتازة لجعل الحبر يعود للعمل.
لم أفعل سوى أن ابتسمتُ بخفة.
أو كان من المفترض أن تكون كذلك…
ففي اللحظة التي فتحت فيها فمي، ارتطمت قبضةٌ ضخمة بجانب وجهي، وطرحتني أرضًا.
“تبًّا… لا يعمل إطلاقًا.”
لقد منحتني النقابة ميزانية ممتازة وغرفة لتطوير ألعابي.
نظرت إلى الجرذ، وكانت عيناه من البرودة بحيث كادتا تجعلاني أرتجف. تجاهلت نظرته ومددت يدي مجددًا إلى الدرج أحاول إيجاد قلمٍ آخر، لكن…
“بدلًا من إضاعة وقتك بارتداء النظارات الشمسية وصنع ألعابك الصغيرة، كان عليك أن—”
“لا يوجد قلم آخر. يبدو أن عليّ أن أذهب لأطلُب—”
دخل الجرذ بجرأة، وجلس كما لو أنّ المكان ملكٌ له.
“حسنًا.”
لم أفعل سوى أن ابتسمتُ بخفة.
وضع الجرذ كفّيه كلتيهما على الطاولة، ونهض من مقعده.
نظرت إلى الجرذ، وكانت عيناه من البرودة بحيث كادتا تجعلاني أرتجف. تجاهلت نظرته ومددت يدي مجددًا إلى الدرج أحاول إيجاد قلمٍ آخر، لكن…
“يبدو لي أنك أوضحت موقفك جيدًا.”
قرّب يده أكثر، والتوت ملامحه.
تردّدت، وأعدت نظري إلى الجرذ. زالت التشققات التي شوّهت وجهه المتقن، لتحلّ محلّها ملامح باردة متجرّدة أرسلت فيّ قشعريرة للحظة.
كان هناك ما يثير فضولي.
رؤية تعابيره تلك جعلتني أفتح فمي وأنا أفكر في أعذارٍ جديدة، لكن…
فبوسعه ببساطة أن يستفيد من ‘المعلومات’ لنفسه بدلًا من إقصائي.
“هاه.”
في النهاية، لم أتمكّن من كبح ابتسامتي الساخرة.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة، وومضت عيناه، وظهرت الغمازات مجددًا.
“أنت محق. لم أفكر في الأمر أصلًا. كنت فقط أريد مجاراة اللعبة لوقت أطول قليلًا.”
لقد منحتني النقابة ميزانية ممتازة وغرفة لتطوير ألعابي.
“…..”
“حسنًا.”
“ماذا؟ أكنتَ تظن حقًا أنني سأجلس هنا وأنتظر هراءك؟”
تحطّم قناع الجرذ تمامًا، وانقلبت شفتاه إلى ابتسامة مقزّزة وهو يضع يديه على الطاولة وينحني نحوي.
ضحكت، وأنا أحدّق في ملامحه المتجمّدة.
ولماذا يبدو بهذا القدر من اليأس أيضًا…؟
“اسمع أيها الجرذ الحقير.”
ومع ذلك—
لم أعد أقيّد نفسي وأنا أحدّق في الجرذ.
بَانغ!
“بإمكانك أن تهدّدني قدر ما تشاء، لكن في النهاية، لن يخرج من ذلك شيء. لستُ المهرّج، أو أيا يكن هذا الهراء الذي تتفوّه به، وحتى إن صارت الأمور مزعجةً لي قليلًا، فسأُبرّأ في النهاية من كلّ الشبهات. فأنا لست المهرّج.”
“لست…؟”
“لست…؟”
وبينما كنت أُمسك بابتسامتي، وجدت نفسي عاجزًا عن الرد. بدا أنّ الجرذ أخطأ في تفسير صمتي على أنّه ضعف، فانعطفت زوايا شفتيه إلى الأعلى، وتعَمّقت الغُمازتان في وجهه، وتألّقت عيناه الصغيرتان بلمعانٍ يحمل شيئًا من الرضا.
تحطّم قناع الجرذ تمامًا، وانقلبت شفتاه إلى ابتسامة مقزّزة وهو يضع يديه على الطاولة وينحني نحوي.
“أوه.”
“أظن أنك تستخفّ بي قليلًا. أو بالأحرى… لقد استهنتَ بنفوذي داخل النقابة. بينما كنتَ تتسكع وتخترع ألعابك الصغيرة، أنا صنعتُ كل أنواع العلاقات. سواء أكان الخبر قابلًا للتصديق أم لا، أستطيع أن أجعل الجميع يصدقونني.”
رسالته كانت واضحة.
قرّب يده أكثر، والتوت ملامحه.
“بإمكانك أن تهدّدني قدر ما تشاء، لكن في النهاية، لن يخرج من ذلك شيء. لستُ المهرّج، أو أيا يكن هذا الهراء الذي تتفوّه به، وحتى إن صارت الأمور مزعجةً لي قليلًا، فسأُبرّأ في النهاية من كلّ الشبهات. فأنا لست المهرّج.”
“تلك هي الفوارق بيننا. لديّ من النفوذ ما يكفي لأجعل الأمور تسير وفق مشيئتي، بينما أنت لا تملك ذلك.”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة، وومضت عيناه، وظهرت الغمازات مجددًا.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة، وومضت عيناه، وظهرت الغمازات مجددًا.
الفصل 359: التخلّص من الجرذ [5]
“بدلًا من إضاعة وقتك بارتداء النظارات الشمسية وصنع ألعابك الصغيرة، كان عليك أن—”
“تبًّا… لا يعمل إطلاقًا.”
توقّف كلام الجرذ فجأة عندما أخرجتُ غرضًا صغيرًا أسود ووضعته على الطاولة. وما إن وقعت عيناه عليه، تغيّرت ملامحه، ووجّه نظره نحوي.
“هل لا تزال تملك العقد معك؟ كان يجدر بك أن توقّعه الآن. أنا لا أملك صبرًا طويلًا. فقط أعطني إيّاه وسننتهي من هذا كلّه.”
لم أفعل سوى أن ابتسمتُ بخفة.
نظر إلى الطاولة مجددًا، وازداد ابتسامه لطفًا.
“إذن؟ ما الـ—”
ولا يمكن قول الشيء نفسه عن النقابة الجديدة. لم أكن سوى غريبٍ من جزيرةٍ بعيدة، وموهبةٍ مجهولة… اسمٌ لا يحمل أيّ وزنٍ يُذكر. سيستغرق الأمر وقتًا وجهدًا قبل أن أُثبت قيمتي لديهم.
بَانغ!
لابدّ أن هناك سببًا أعمق من مجرد الغيرة.
لم أتمكن من إنهاء جملتي.
“….!؟”
ففي اللحظة التي فتحت فيها فمي، ارتطمت قبضةٌ ضخمة بجانب وجهي، وطرحتني أرضًا.
كان واضحًا من طريقة تعامل رئيس القسم معي أنه كان يراني موهبةً مميّزة، شخصًا يتجاوز بكثير مستوى المجنّدين العاديين في نظره.
“….!؟”
“لست…؟”
توقّف كلام الجرذ فجأة وهو يحدّق في الأوراق. عاد الصمت الذي خيّم على الغرفة من قبل، وارتجفت عيناه لحظةً وهو يرفع نظره نحوي.
صحيح أنّني لم أعد مُلزَمًا بصنع الألعاب، لكن النظام كان مصممًا بدقّةٍ متناهية لدرجة أنّ تجاهله كان يبدو إهدارًا فادحًا.
