الاعتراف
فهو لم يخض قتالاً قط، ولم يحمل سيفاً في حياته؛ كل ما اعتادت عليه يداه كان عصا يهش بها على غنمه، وريشة يغمر طرفها في الحبر ليرسم بها خيالاته على الألواح.
خوف…
ترددت الكلمة مجدداً في دهاليز عقولهم، كزلزالٍ مكتوم يزلزل ثبات أرواحهم.
قبض نومريس على مقبض سيفه بأصابع مرتجفة؛ كانت ثيابه هي ذاتها التي دخل بها من العالم الحقيقي، لم تتغير…
في عمق صدر نومريس، حيث تتلاقى الروح بالجسد، انفتحت “عينٌ” لم تكن موجودة من قبل.
«ماذا حدث ليدك؟!» لاحظ نومريس أخيراً بذعر أليم أن يد صديقه نايلي مقطوعة، ووجهه مبلل بالدم.
فهو لم يخض قتالاً قط، ولم يحمل سيفاً في حياته؛ كل ما اعتادت عليه يداه كان عصا يهش بها على غنمه، وريشة يغمر طرفها في الحبر ليرسم بها خيالاته على الألواح.
لم تعد أذناه تسمعان صهيل المعركة، ولا دوي الانفجارات؛ هبط صمتٌ مطبق، وتجمّد المسخ في الهواء على بُعد شبر واحد من رقبته.
أما البقية، وبما فيهم نايلي، فقد تبدلت هيئاتهم؛ إذ دُرّعت أجسادهم بدروعٍ حديدية متينة، نُقش على صدورها رمز ورقة شجر.
«أسنقاتل حقاً؟!» صرخ فالكو بنبرة يكتنفها الذعر، ويده ترتعد فوق سيفه.
«ما الذي يحدث بحق الجحيم؟! لقد قتلنا جميع الصبية، فلماذا لم ينتهِ هذا الاختبار بعد؟!» جاء صوت الرجل الأربعيني يلهث بجوار برانس.
«اضبطوا أنفسكم! إن أردتم الخروج من هنا أحياء، فعليكم بالهدوء!» شخر رجلٌ في أربعينيات عمره كان يرافق برانس ويلتزم الصمت منذ فترة طويلة.
«اللعنة! لا أريد أي قدرة… أريد العودة إلى أمي فقط!» صرخ أصغر صبية القبيلة، ودموعه تسبق كلماته قبل أن تتخضب بالتراب.
“كيف لي أن أهدأ في جحيم كهذا؟!” همس صبيٌّ صغير في سريرته، والدماء تجف على شفتيه.
اختبأ الصبيان خلف صخرة ملساء جبارة، يتنفسان بصعوبة.
على الجانب الآخر، غشيت الدهشة وجوه عبيد “سومر”، رغم الرعب الذي يعصر قلوبهم؛ فقد كانوا يرقبون بني جنسهم أسفل السهل، يقتطعون أجساد تلك الكيانات ويكتسحون صفوفها وكأنها لا شيء.
حتى في الميدان السفلي، توقفت المعركة كلياً بلا استثناء، وجمدت الوحوش والبشر وهم يستمعون لرعبٍ مجهول يخترق وجودهم.
حتى القائد الذي يملأ الميدان بصرخاته وأوامره الصارمة كان ينتمي لعرقهم أيضاً، ولا يجرؤ أحدٌ على عصيان كلمته.
«إنه هناك! برانس، اقتله!» صاح جان وهو يندفع نحو نومريس الساقط على ركبتيه يمسك برأسه المجهد.
ولم تكن دهشة نومريس تقل عنهم، وهو يقلب بصره بذهول وسط هذا المحشر: “هل هؤلاء من قومنا حقاً؟ إنهم يشبهوننا تماماً…
تراءى الخوف أمام عينيه، وتمتم نومريس بصوت جاف: «أنا… أنا…»
ولكن لماذا هم من يقودون الجبهات هنا؟ ومن هذه الوحوش الكابوسية؟ من أين نبعت كل هذه الحشود؟”
وفي تلك اللحظة بالذات، انقضت نحوهم موجةٌ عارمة من المسوخ؛ كانت هيئاتها العامة تشبه أجساد البشر، لكنها تحمل ثلاثة رؤوس مشوهة؛ منها ما يشبه رؤوس الحيوانات، أو النباتات الطافرة، أو الأسماك الضارية.
على الجانب الآخر، كان نايلي قد أُنهك تماماً؛ يقاتل بيدٍ يائسة، لكنه يصر على ملاحقة نومريس الذي يفر مذعوراً في كل اتجاه.
كان هذا الكابوس هو ما يقاتله البشر في تلك الحرب الملحمية، بل إن بعض قادة تلك الكائنات كانت لهم وجوه بشرية لكن مشوهة.
«أسنقاتل حقاً؟!» صرخ فالكو بنبرة يكتنفها الذعر، ويده ترتعد فوق سيفه.
«إنهم قادمون! استعدوا!» صاح برانس وهو يتقدم بثبات نحو خط المواجهة، ثم التفت نحو العبيد بنبرة قاطعة: «أنتم أيضاً… إلى الأمام!»
اختبأ الصبيان خلف صخرة ملساء جبارة، يتنفسان بصعوبة.
تردد صبية العبيد وكبار السن منهم للحظات، لكن ما إن استُحضر في أذهانهم تهديدُ الرجل الضخم في العالم الخارجي، حتى خطوا خطواتٍ حذرة نحو الخطوط الأمامية.
أومأ برانس ببرود: «نعم سنتراجع… ولكن…»
كان نومريس ونايلي يتحركان جنباً إلى جنب.
وعندما انقشع الغبار قليلاً… وقف كائنٌ جبار أمام نومريس المحبط، يحدق فيه بنية قتل كابوسية تجمّد الدماء.
وعندما حاول نومريس التراجع خطوة إلى الخلف من هول المشهد، قبض نايلي على ذراعه وثبته بحزم: «ماذا تفعل؟! إن انشطرت عن المجموعة ستكون الصيد الأسهل لتلك المسوخ!»
خــــــــوف….
خوف…
«ما الذي يحدث بحق الجحيم؟! لقد قتلنا جميع الصبية، فلماذا لم ينتهِ هذا الاختبار بعد؟!» جاء صوت الرجل الأربعيني يلهث بجوار برانس.
ومع تلاحم الجبهتين وصدام الحديد بالحديد، ارتفع صوت صرير الريشة مجدداً داخل رأس نومريس.
تردد صبية العبيد وكبار السن منهم للحظات، لكن ما إن استُحضر في أذهانهم تهديدُ الرجل الضخم في العالم الخارجي، حتى خطوا خطواتٍ حذرة نحو الخطوط الأمامية.
وفجأة… سكن كل شيء.
وفجأة، دوت انفجاراتٌ مهولة في الساحة، وجاءهم المدد من فرسانٍ ينتمون لجلدته؛ لمح أحدهم نومريس ورمقه بنظرة خاطفة، قبل أن يلوح بسيفه في الهواء بحركة خاطفة وسريعة… وفي لمح البصر، تطايرت رؤوسُ مسخٍ ذي ثلاثة رؤوس لخنازير برية وسقطت جثته هامدة.
انسكب دمٌ أزرق داكن ليغمر التراب، بينما ارتسمت ابتسامة قاسية على وجه الفارس السومري، وهو يندفع قدماً ليحصد المزيد من أرواح المسوخ وسط الميدان.
ومع تلاحم الجبهتين وصدام الحديد بالحديد، ارتفع صوت صرير الريشة مجدداً داخل رأس نومريس.
لم يكن نومريس يفعل شيئاً سوى التملص والهروب عن ضربات هذه المسوخ؛ لم يتجرأ حتى على رفع سيفه في وجهها.
«نومريـــس!» صرخ نايلي بأعلى صوته.
«أيها العبد الجبان، قاتل!» صرخ صبيٌّ من أبناء القبيلة يلهث بجواره، وهو يرمق نومريس الذي يتراجع بذعر ليتفادى أجساد تلك الكائنات.
ولولا تلك المساعدة التي كانت في الخطوط الأمامية، لكان الموت قد حصد أرواحهم جميعاً؛ فقد خف الضغط عنهم بشكل ملحوظ.
«تباً لك!» حاول نايلي بكل جوارحه اللحاق بجان، لكن برانس اعترض طريقه بسيفه: «لا تفكر في ذلك!»
“ما هذا الصوت؟!”
“ما بال هذه الموجة من المسوخ لا تنتهي؟!” همس برانس في قرار نفسه وهو يمسح العرق الممتزج بالغبار.
ومع تلاحم الجبهتين وصدام الحديد بالحديد، ارتفع صوت صرير الريشة مجدداً داخل رأس نومريس.
مر الوقت ثقيلاً كأنه الدهر… مضت ساعةٌ كاملة والجميع يلهثون إعياءً، وسقطت ثلةٌ من العبيد صرعى على التراب، لكن زحف الكائنات الشيطانية لم يتوقف.
التفت برانس إلى الرجل الأربعيني بجانبه وهمس له بنبرة خافتة وخبيثة؛ كان وجه الآخر كالحاً ومشوهاً بالإرهاق.
قبض نومريس على مقبض سيفه بأصابع مرتجفة؛ كانت ثيابه هي ذاتها التي دخل بها من العالم الحقيقي، لم تتغير…
«اللعنة! لا أريد أي قدرة… أريد العودة إلى أمي فقط!» صرخ أصغر صبية القبيلة، ودموعه تسبق كلماته قبل أن تتخضب بالتراب.
تقدم جان بسرعة بينما يستل سيفه: «سأقتل العبد الآخر… تكفل أنت بهذا الصبي!»
ومع تلاحم الجبهتين وصدام الحديد بالحديد، ارتفع صوت صرير الريشة مجدداً داخل رأس نومريس.
“تباً… تباً! كيف لي أن أخرج من هذا الجحيم حياً؟! لا أريد الموت هنا!” هدر نومريس في داخله والذعر يعصر عروقه.
«أنت هنا أيضاً أيها الوغد؟!» زمجر برانس: «لم أكن أظن أن أحدكما سيجرنا إلى الجحيم، لكن بموتكما سنعود لديارنا ولن أطأ هذا العالم مجدداً!»
على الجانب الآخر، كان نايلي قد أُنهك تماماً؛ يقاتل بيدٍ يائسة، لكنه يصر على ملاحقة نومريس الذي يفر مذعوراً في كل اتجاه.
زاد صوت صرير الريشة في رأسه حتى صار حاداً كإبرة تخرق أغشية عقله.
ولم يلاحظ نومريس وسط هذه الفوضى أن يد صديقه نايلي قد بُترت بالكامل، والدماء تتفجر منها كالنوافير… ورغم ذلك ربط نايلي جرحه بقطعة قماش ليعصر النزيف، كان نايلي يواصل الركض خلف صديقه ليتأكد من سلامته.
«مت أيها الوغد!» لوّح جان بسيفه ليقطع عنق نومريس.
استدار برانس والرجل الأربعيني، وجالت أعينهما بنظرات غادرة ونهمة نحو صبية القبيلة والعبيد.
أما البقية، وبما فيهم نايلي، فقد تبدلت هيئاتهم؛ إذ دُرّعت أجسادهم بدروعٍ حديدية متينة، نُقش على صدورها رمز ورقة شجر.
تطلع فالكو إلى برانس بلهفة: «هل سنتراجع؟»
خوف…
لم يكن نومريس يفعل شيئاً سوى التملص والهروب عن ضربات هذه المسوخ؛ لم يتجرأ حتى على رفع سيفه في وجهها.
أومأ برانس ببرود: «نعم سنتراجع… ولكن…»
«ولكن ماذا؟!» تمتم فالكو.
خوف…
«ولكن ماذا؟!» تمتم فالكو.
خوف…
«يا ترى… ماذا سنقول لشيوخ القبيلة والزعيم حين نعود؟»
وقبل أن يكمل كلمته، تطاير رأسه في الهواء، وسقط جثة هامدة دون حراك.
«أنا… أنا…» تمتم نومريس بيأس وهو يبكي، يطالع هذا المسخ المرعب.
ليس هو!
«إنه هناك! برانس، اقتله!» صاح جان وهو يندفع نحو نومريس الساقط على ركبتيه يمسك برأسه المجهد.
«برانس! ما الذي تفعله أيها الحقير؟!» تردد صوت جان مذعوراً وهو يشاهد الخيانة.
في عمق صدر نومريس، حيث تتلاقى الروح بالجسد، انفتحت “عينٌ” لم تكن موجودة من قبل.
«برانس! إنهما هناك!» صرخ جان فجأة وهو يشير إلى ظهر نومريس ونايلي اللذين كانا يركضان بكل ما أوتيا من قوة نحو الصخور البعيدة.
صرخ برانس وهو يلوث سيفه بدماء الفتى: «ماذا أفعل؟! أريد الخروج من هذا الكابوس حياً! بموت صاحب هذا الاختبار سنعود فوراً إلى عالمنا! أتريد الموت في هذا السهل؟!»
زاد صوت صرير الريشة في رأسه حتى صار حاداً كإبرة تخرق أغشية عقله.
وبقوله ذلك، اجتاح صبياً آخر وسدد إليه ضربة قاتلة، وكانت هذه المرة من عبيد عرق سومر.
في هذه الأثناء، لمح نايلي ما حدث لفالكو؛ وبذكائه الفذ، أدرك الخطة الشيطانية فوراً: سيحاول هؤلاء الأوباش العودة لعالمهم عن طريق تصفية الجميع للوصول لصاحب الاختبار. فاندفع نايلي وجر نومريس بعيداً ليختبئا.
تراجع جان خطوة، فناداه برانس بنبرة محفزة محقونة بالشر: «يا جان! أتريد الموت هنا؟! نحن في طريق مسدود… أخبرني، كم مسخاً قتلت حتى الآن؟! أنا بنفسي لم أقتل سوى ثلاثة بعد جهد ومشقة… انظر هناك! ما لا يقل عن ألفي مسخٍ قادمة نحونا! أتريد قتالهم جميعاً؟!»
تردد جان لبرهة، يتنقل بصره بين جثث الصبية وزحف المسوخ.
وفجأة… سكن كل شيء.
«نومريـــس!» صرخ نايلي بأعلى صوته.
في هذه الأثناء، لمح نايلي ما حدث لفالكو؛ وبذكائه الفذ، أدرك الخطة الشيطانية فوراً: سيحاول هؤلاء الأوباش العودة لعالمهم عن طريق تصفية الجميع للوصول لصاحب الاختبار. فاندفع نايلي وجر نومريس بعيداً ليختبئا.
تراجع جان خطوة، فناداه برانس بنبرة محفزة محقونة بالشر: «يا جان! أتريد الموت هنا؟! نحن في طريق مسدود… أخبرني، كم مسخاً قتلت حتى الآن؟! أنا بنفسي لم أقتل سوى ثلاثة بعد جهد ومشقة… انظر هناك! ما لا يقل عن ألفي مسخٍ قادمة نحونا! أتريد قتالهم جميعاً؟!»
خــــــــوف……
اندلعت مذبحةٌ وسط الصفوف؛ أخذ الصبية يفرون وهم ينتحبون واحد تلو آخر وتفرقوا بين الشعاب.
تقدم جان بسرعة بينما يستل سيفه: «سأقتل العبد الآخر… تكفل أنت بهذا الصبي!»
خــــــــوف….
«ماذا حدث ليدك؟!» لاحظ نومريس أخيراً بذعر أليم أن يد صديقه نايلي مقطوعة، ووجهه مبلل بالدم.
ابتسم نايلي بوهن ورصانة، وقال بنبرة خافتة: «إنها مجرد يد… لا تقلق علي.»
«تباً لك!» حاول نايلي بكل جوارحه اللحاق بجان، لكن برانس اعترض طريقه بسيفه: «لا تفكر في ذلك!»
مجرد يد؟ هل أنت في وعيك؟
اختبأ الصبيان خلف صخرة ملساء جبارة، يتنفسان بصعوبة.
«إنهم قادمون! استعدوا!» صاح برانس وهو يتقدم بثبات نحو خط المواجهة، ثم التفت نحو العبيد بنبرة قاطعة: «أنتم أيضاً… إلى الأمام!»
«ما الذي يحدث بحق الجحيم؟! لقد قتلنا جميع الصبية، فلماذا لم ينتهِ هذا الاختبار بعد؟!» جاء صوت الرجل الأربعيني يلهث بجوار برانس.
«لقد رأيت عبدين يفران في ذلك الاتجاه… هما الوحيدان اللذان بقيا على قيد الحياة من بين الجميع!»
«لا تقل لي إن صاحب هذا الاختبار هو أحدهما؟!»
تمتم جان الذي انضم إليهما ملطخاً بالدماء: «لا أعلم… هذا الاختبار لعين غريب جداً! ألم تسمعوا خربشات بين الحين والآخر؟»
«نعم… وكذلك كلمة (خوف)… لم يسبق لي أن سمعت بعبدٍ أيقظ جنينه! هل ستكون هذه الأولى في التاريخ؟»
رد برانس وهو يمسح سيفه: «لا عجب أن يكون أحدهما هو صاحب الاختبار… انظر هناك، العبيد من عرق سومر يقاتلون كالمجانين؛ لقد كسروا خطوط تلك المجموعة ولم يفقدوا رجلاً واحداً، ولولا زحفهم لكنا قد هلكنا منذ زمن. هيا بنا! علينا البحث عنهما وقتلهما، وإلا سنبقى عالقين هنا للأبد!»
خــــــــوف….
«يا ترى… ماذا سنقول لشيوخ القبيلة والزعيم حين نعود؟»
“أنا… أنا خائف…”
أجاب برانس بقسوة: «نحن الثلاثة فقط من نجا… سنخبرهم أن مأساة وقعت وقُتل الجميع، ونحن الناجون الوحيدون. من سيشك بنا؟ في النهاية، نحن من تطوع لمساعدتهم.»
سمع القادة والأسياد الذين يقتتلون في أعالي السماء هذا الصوت الغريب، فتوقفت أيديهم عن الضرب، وسكنت أسلحتهم في الهواء.
«برانس! إنهما هناك!» صرخ جان فجأة وهو يشير إلى ظهر نومريس ونايلي اللذين كانا يركضان بكل ما أوتيا من قوة نحو الصخور البعيدة.
“ما بال هذه الموجة من المسوخ لا تنتهي؟!” همس برانس في قرار نفسه وهو يمسح العرق الممتزج بالغبار.
كان أفراد عرق سومر أصحاب أجساد ضخمة لا يقل طولهم عن مترين، أينما مروا تركوا خلفهم جبالاً من جثث المسوخ.
“ما بال هذه الموجة من المسوخ لا تنتهي؟!” همس برانس في قرار نفسه وهو يمسح العرق الممتزج بالغبار.
وفي غمار هذا الصخب الرهيب، انفصل نومريس عن نايلي؛ إذ سقط نومريس أرضاً وهو يضغط على رأسه بكلتا يديه… كان صوت صرير الخربشات داخل رأسه قد ارتفع إلى حدٍّ كاد يفلق جمجمته.
كان نومريس يتردد في نطق تلك الكلمة؛ فمنذ نعومة أظفاره كان يهرب منها، ويتجنب الاعتراف بها خجلاً من أن يسخر منه أهل القرية.
“ما هذا الصوت؟!”
سمع القادة والأسياد الذين يقتتلون في أعالي السماء هذا الصوت الغريب، فتوقفت أيديهم عن الضرب، وسكنت أسلحتهم في الهواء.
“ما الذي عليّ فعله؟! أنا… أنا…”
في هذه الأثناء، لمح نايلي ما حدث لفالكو؛ وبذكائه الفذ، أدرك الخطة الشيطانية فوراً: سيحاول هؤلاء الأوباش العودة لعالمهم عن طريق تصفية الجميع للوصول لصاحب الاختبار. فاندفع نايلي وجر نومريس بعيداً ليختبئا.
حتى في الميدان السفلي، توقفت المعركة كلياً بلا استثناء، وجمدت الوحوش والبشر وهم يستمعون لرعبٍ مجهول يخترق وجودهم.
تطلع فالكو إلى برانس بلهفة: «هل سنتراجع؟»
وفجأة… تردد صداها في كل شبر من السهل، مغرقاً الأرواح في ذعرٍ مكتوم:
«برانس! إنهما هناك!» صرخ جان فجأة وهو يشير إلى ظهر نومريس ونايلي اللذين كانا يركضان بكل ما أوتيا من قوة نحو الصخور البعيدة.
خوف…
خــــــــوف……
«برانس! إنهما هناك!» صرخ جان فجأة وهو يشير إلى ظهر نومريس ونايلي اللذين كانا يركضان بكل ما أوتيا من قوة نحو الصخور البعيدة.
«أمي…» همس نومريس بوهن وهو يبكي، وسقط على ركبتيه في الطين.
«اللعنة! لا أريد أي قدرة… أريد العودة إلى أمي فقط!» صرخ أصغر صبية القبيلة، ودموعه تسبق كلماته قبل أن تتخضب بالتراب.
«نومريـــس!» صرخ نايلي بأعلى صوته.
“ما الذي عليّ فعله؟! أنا… أنا…”
كان نومريس يتردد في نطق تلك الكلمة؛ فمنذ نعومة أظفاره كان يهرب منها، ويتجنب الاعتراف بها خجلاً من أن يسخر منه أهل القرية.
اقترب برانس كالسهم، لكن نايلي خرج فجأة من بين الصخور، واندفع ببدنه المنهك ليرتطم بجسد برانس بقوة.
«إنه هناك! برانس، اقتله!» صاح جان وهو يندفع نحو نومريس الساقط على ركبتيه يمسك برأسه المجهد.
اختبأ الصبيان خلف صخرة ملساء جبارة، يتنفسان بصعوبة.
حتى القائد الذي يملأ الميدان بصرخاته وأوامره الصارمة كان ينتمي لعرقهم أيضاً، ولا يجرؤ أحدٌ على عصيان كلمته.
اقترب برانس كالسهم، لكن نايلي خرج فجأة من بين الصخور، واندفع ببدنه المنهك ليرتطم بجسد برانس بقوة.
نبضة…
اختبأ الصبيان خلف صخرة ملساء جبارة، يتنفسان بصعوبة.
«أنت هنا أيضاً أيها الوغد؟!» زمجر برانس: «لم أكن أظن أن أحدكما سيجرنا إلى الجحيم، لكن بموتكما سنعود لديارنا ولن أطأ هذا العالم مجدداً!»
كان نومريس ونايلي يتحركان جنباً إلى جنب.
تقدم جان بسرعة بينما يستل سيفه: «سأقتل العبد الآخر… تكفل أنت بهذا الصبي!»
«تباً لك!» حاول نايلي بكل جوارحه اللحاق بجان، لكن برانس اعترض طريقه بسيفه: «لا تفكر في ذلك!»
رفع نومريس رأسه المبلل بالدموع، فرأى نايلي بيده المبتورة يقاوم في وضع ميؤوس منه، وجان يتقدم نحوه بابتسامة الموت.
تراجع جان خطوة، فناداه برانس بنبرة محفزة محقونة بالشر: «يا جان! أتريد الموت هنا؟! نحن في طريق مسدود… أخبرني، كم مسخاً قتلت حتى الآن؟! أنا بنفسي لم أقتل سوى ثلاثة بعد جهد ومشقة… انظر هناك! ما لا يقل عن ألفي مسخٍ قادمة نحونا! أتريد قتالهم جميعاً؟!»
تراءى الخوف أمام عينيه، وتمتم نومريس بصوت جاف: «أنا… أنا…»
ولم تكن دهشة نومريس تقل عنهم، وهو يقلب بصره بذهول وسط هذا المحشر: “هل هؤلاء من قومنا حقاً؟ إنهم يشبهوننا تماماً…
«مت أيها الوغد!» لوّح جان بسيفه ليقطع عنق نومريس.
«اللعنة! لا أريد أي قدرة… أريد العودة إلى أمي فقط!» صرخ أصغر صبية القبيلة، ودموعه تسبق كلماته قبل أن تتخضب بالتراب.
«نومريـــس!» صرخ نايلي بأعلى صوته.
قبض نومريس على مقبض سيفه بأصابع مرتجفة؛ كانت ثيابه هي ذاتها التي دخل بها من العالم الحقيقي، لم تتغير…
«إنهم قادمون! استعدوا!» صاح برانس وهو يتقدم بثبات نحو خط المواجهة، ثم التفت نحو العبيد بنبرة قاطعة: «أنتم أيضاً… إلى الأمام!»
دويٌّ زلزل الأركان في تلك اللحظة بالذات… وانفجر الغبار متصاعداً كالسحب الركامية!
لم تعد أذناه تسمعان صهيل المعركة، ولا دوي الانفجارات؛ هبط صمتٌ مطبق، وتجمّد المسخ في الهواء على بُعد شبر واحد من رقبته.
غطى برانس عينيه من شدة الضغط الهوائي، بينما قُذف نايلي بعيداً بفعل الصدمة ليغوص وسط الركام ومصيره مجهول.
حتى في الميدان السفلي، توقفت المعركة كلياً بلا استثناء، وجمدت الوحوش والبشر وهم يستمعون لرعبٍ مجهول يخترق وجودهم.
تطلع فالكو إلى برانس بلهفة: «هل سنتراجع؟»
وعندما انقشع الغبار قليلاً… وقف كائنٌ جبار أمام نومريس المحبط، يحدق فيه بنية قتل كابوسية تجمّد الدماء.
كان أحد القادة الذين يقاتلون في السماء؛ جسد بشري ضخم يعلوه ثلاثة رؤوس لِذئاب كاسرة. وتحت قدمه الثقيلة، تحول جسد جان إلى هريسة من اللحم والعظام.
رد برانس وهو يمسح سيفه: «لا عجب أن يكون أحدهما هو صاحب الاختبار… انظر هناك، العبيد من عرق سومر يقاتلون كالمجانين؛ لقد كسروا خطوط تلك المجموعة ولم يفقدوا رجلاً واحداً، ولولا زحفهم لكنا قد هلكنا منذ زمن. هيا بنا! علينا البحث عنهما وقتلهما، وإلا سنبقى عالقين هنا للأبد!»
«أنا… أنا…» تمتم نومريس بيأس وهو يبكي، يطالع هذا المسخ المرعب.
«يا ترى… ماذا سنقول لشيوخ القبيلة والزعيم حين نعود؟»
زمجر المسخ في وجه نومريس وهو يحمل سيفاً ذا ثلاثة نصال متقطعة: «مرحباً بك في جحيم سيرويس، أيها السومري القذر!» ثم هوى بسيفه ليحصد رأسه.
«أنا… أنا…» تمتم نومريس بيأس وهو يبكي، يطالع هذا المسخ المرعب.
خوف…
«لقد رأيت عبدين يفران في ذلك الاتجاه… هما الوحيدان اللذان بقيا على قيد الحياة من بين الجميع!»
ترددت الكلمة في جمجمته، لا كهمسٍ هذه المرة، بل كصرخة تتشظى لها عظام القفص الصدري.
وفجأة… سكن كل شيء.
زاد صوت صرير الريشة في رأسه حتى صار حاداً كإبرة تخرق أغشية عقله.
طغى منظر المسخ وهو يرفع حديدته ليقطع رأسه، وتوقفت نفخات الحياة في رئتيه.
زمجر المسخ في وجه نومريس وهو يحمل سيفاً ذا ثلاثة نصال متقطعة: «مرحباً بك في جحيم سيرويس، أيها السومري القذر!» ثم هوى بسيفه ليحصد رأسه.
وصل الخوف إلى حدّه الأقصى… إلى نقطة العدم.
خــــــــوف….
ترددت الكلمة مجدداً في دهاليز عقولهم، كزلزالٍ مكتوم يزلزل ثبات أرواحهم.
وفجأة… سكن كل شيء.
لم تعد أذناه تسمعان صهيل المعركة، ولا دوي الانفجارات؛ هبط صمتٌ مطبق، وتجمّد المسخ في الهواء على بُعد شبر واحد من رقبته.
خرجت الكلمة أخيراً… الكلمة التي ظلت تطوق نومريس وتكبله منذ صغره، وكان يأبى خروجها خجلاً أو كبراً؛ فنطق بها من أعماق قلبه، وتقبّلها تماماً كما تقبّل الخوف القابع في داخله.
“أنا… أنا خائف…”
نبضة…
في عمق صدر نومريس، حيث تتلاقى الروح بالجسد، انفتحت “عينٌ” لم تكن موجودة من قبل.
«برانس! ما الذي تفعله أيها الحقير؟!» تردد صوت جان مذعوراً وهو يشاهد الخيانة.
نبضة…
ولكن لماذا هم من يقودون الجبهات هنا؟ ومن هذه الوحوش الكابوسية؟ من أين نبعت كل هذه الحشود؟”
ومع تلاحم الجبهتين وصدام الحديد بالحديد، ارتفع صوت صرير الريشة مجدداً داخل رأس نومريس.
خــــــــوف….
خرجت الكلمة أخيراً… الكلمة التي ظلت تطوق نومريس وتكبله منذ صغره، وكان يأبى خروجها خجلاً أو كبراً؛ فنطق بها من أعماق قلبه، وتقبّلها تماماً كما تقبّل الخوف القابع في داخله.
وصل الخوف إلى حدّه الأقصى… إلى نقطة العدم.
نهاية الفصل
