الاعتراف
خوف…
اختبأ الصبيان خلف صخرة ملساء جبارة، يتنفسان بصعوبة.
«برانس! إنهما هناك!» صرخ جان فجأة وهو يشير إلى ظهر نومريس ونايلي اللذين كانا يركضان بكل ما أوتيا من قوة نحو الصخور البعيدة.
ترددت الكلمة مجدداً في دهاليز عقولهم، كزلزالٍ مكتوم يزلزل ثبات أرواحهم.
قبض نومريس على مقبض سيفه بأصابع مرتجفة؛ كانت ثيابه هي ذاتها التي دخل بها من العالم الحقيقي، لم تتغير…
فهو لم يخض قتالاً قط، ولم يحمل سيفاً في حياته؛ كل ما اعتادت عليه يداه كان عصا يهش بها على غنمه، وريشة يغمر طرفها في الحبر ليرسم بها خيالاته على الألواح.
كان نومريس يتردد في نطق تلك الكلمة؛ فمنذ نعومة أظفاره كان يهرب منها، ويتجنب الاعتراف بها خجلاً من أن يسخر منه أهل القرية.
أما البقية، وبما فيهم نايلي، فقد تبدلت هيئاتهم؛ إذ دُرّعت أجسادهم بدروعٍ حديدية متينة، نُقش على صدورها رمز ورقة شجر.
«نومريـــس!» صرخ نايلي بأعلى صوته.
«أسنقاتل حقاً؟!» صرخ فالكو بنبرة يكتنفها الذعر، ويده ترتعد فوق سيفه.
سمع القادة والأسياد الذين يقتتلون في أعالي السماء هذا الصوت الغريب، فتوقفت أيديهم عن الضرب، وسكنت أسلحتهم في الهواء.
«اضبطوا أنفسكم! إن أردتم الخروج من هنا أحياء، فعليكم بالهدوء!» شخر رجلٌ في أربعينيات عمره كان يرافق برانس ويلتزم الصمت منذ فترة طويلة.
«يا ترى… ماذا سنقول لشيوخ القبيلة والزعيم حين نعود؟»
«اضبطوا أنفسكم! إن أردتم الخروج من هنا أحياء، فعليكم بالهدوء!» شخر رجلٌ في أربعينيات عمره كان يرافق برانس ويلتزم الصمت منذ فترة طويلة.
“كيف لي أن أهدأ في جحيم كهذا؟!” همس صبيٌّ صغير في سريرته، والدماء تجف على شفتيه.
كان نومريس ونايلي يتحركان جنباً إلى جنب.
«نومريـــس!» صرخ نايلي بأعلى صوته.
على الجانب الآخر، غشيت الدهشة وجوه عبيد “سومر”، رغم الرعب الذي يعصر قلوبهم؛ فقد كانوا يرقبون بني جنسهم أسفل السهل، يقتطعون أجساد تلك الكيانات ويكتسحون صفوفها وكأنها لا شيء.
في هذه الأثناء، لمح نايلي ما حدث لفالكو؛ وبذكائه الفذ، أدرك الخطة الشيطانية فوراً: سيحاول هؤلاء الأوباش العودة لعالمهم عن طريق تصفية الجميع للوصول لصاحب الاختبار. فاندفع نايلي وجر نومريس بعيداً ليختبئا.
حتى القائد الذي يملأ الميدان بصرخاته وأوامره الصارمة كان ينتمي لعرقهم أيضاً، ولا يجرؤ أحدٌ على عصيان كلمته.
ولم تكن دهشة نومريس تقل عنهم، وهو يقلب بصره بذهول وسط هذا المحشر: “هل هؤلاء من قومنا حقاً؟ إنهم يشبهوننا تماماً…
ولكن لماذا هم من يقودون الجبهات هنا؟ ومن هذه الوحوش الكابوسية؟ من أين نبعت كل هذه الحشود؟”
وفي تلك اللحظة بالذات، انقضت نحوهم موجةٌ عارمة من المسوخ؛ كانت هيئاتها العامة تشبه أجساد البشر، لكنها تحمل ثلاثة رؤوس مشوهة؛ منها ما يشبه رؤوس الحيوانات، أو النباتات الطافرة، أو الأسماك الضارية.
«برانس! ما الذي تفعله أيها الحقير؟!» تردد صوت جان مذعوراً وهو يشاهد الخيانة.
كان هذا الكابوس هو ما يقاتله البشر في تلك الحرب الملحمية، بل إن بعض قادة تلك الكائنات كانت لهم وجوه بشرية لكن مشوهة.
استدار برانس والرجل الأربعيني، وجالت أعينهما بنظرات غادرة ونهمة نحو صبية القبيلة والعبيد.
وفجأة… سكن كل شيء.
«إنهم قادمون! استعدوا!» صاح برانس وهو يتقدم بثبات نحو خط المواجهة، ثم التفت نحو العبيد بنبرة قاطعة: «أنتم أيضاً… إلى الأمام!»
تطلع فالكو إلى برانس بلهفة: «هل سنتراجع؟»
تردد صبية العبيد وكبار السن منهم للحظات، لكن ما إن استُحضر في أذهانهم تهديدُ الرجل الضخم في العالم الخارجي، حتى خطوا خطواتٍ حذرة نحو الخطوط الأمامية.
ولكن لماذا هم من يقودون الجبهات هنا؟ ومن هذه الوحوش الكابوسية؟ من أين نبعت كل هذه الحشود؟”
كان نومريس ونايلي يتحركان جنباً إلى جنب.
«ولكن ماذا؟!» تمتم فالكو.
لم تعد أذناه تسمعان صهيل المعركة، ولا دوي الانفجارات؛ هبط صمتٌ مطبق، وتجمّد المسخ في الهواء على بُعد شبر واحد من رقبته.
وعندما حاول نومريس التراجع خطوة إلى الخلف من هول المشهد، قبض نايلي على ذراعه وثبته بحزم: «ماذا تفعل؟! إن انشطرت عن المجموعة ستكون الصيد الأسهل لتلك المسوخ!»
خوف…
«لقد رأيت عبدين يفران في ذلك الاتجاه… هما الوحيدان اللذان بقيا على قيد الحياة من بين الجميع!»
ومع تلاحم الجبهتين وصدام الحديد بالحديد، ارتفع صوت صرير الريشة مجدداً داخل رأس نومريس.
على الجانب الآخر، غشيت الدهشة وجوه عبيد “سومر”، رغم الرعب الذي يعصر قلوبهم؛ فقد كانوا يرقبون بني جنسهم أسفل السهل، يقتطعون أجساد تلك الكيانات ويكتسحون صفوفها وكأنها لا شيء.
خوف…
وفجأة، دوت انفجاراتٌ مهولة في الساحة، وجاءهم المدد من فرسانٍ ينتمون لجلدته؛ لمح أحدهم نومريس ورمقه بنظرة خاطفة، قبل أن يلوح بسيفه في الهواء بحركة خاطفة وسريعة… وفي لمح البصر، تطايرت رؤوسُ مسخٍ ذي ثلاثة رؤوس لخنازير برية وسقطت جثته هامدة.
انسكب دمٌ أزرق داكن ليغمر التراب، بينما ارتسمت ابتسامة قاسية على وجه الفارس السومري، وهو يندفع قدماً ليحصد المزيد من أرواح المسوخ وسط الميدان.
ولم تكن دهشة نومريس تقل عنهم، وهو يقلب بصره بذهول وسط هذا المحشر: “هل هؤلاء من قومنا حقاً؟ إنهم يشبهوننا تماماً…
ومع تلاحم الجبهتين وصدام الحديد بالحديد، ارتفع صوت صرير الريشة مجدداً داخل رأس نومريس.
تردد جان لبرهة، يتنقل بصره بين جثث الصبية وزحف المسوخ.
لم يكن نومريس يفعل شيئاً سوى التملص والهروب عن ضربات هذه المسوخ؛ لم يتجرأ حتى على رفع سيفه في وجهها.
وعندما انقشع الغبار قليلاً… وقف كائنٌ جبار أمام نومريس المحبط، يحدق فيه بنية قتل كابوسية تجمّد الدماء.
«أيها العبد الجبان، قاتل!» صرخ صبيٌّ من أبناء القبيلة يلهث بجواره، وهو يرمق نومريس الذي يتراجع بذعر ليتفادى أجساد تلك الكائنات.
دويٌّ زلزل الأركان في تلك اللحظة بالذات… وانفجر الغبار متصاعداً كالسحب الركامية!
زاد صوت صرير الريشة في رأسه حتى صار حاداً كإبرة تخرق أغشية عقله.
ولولا تلك المساعدة التي كانت في الخطوط الأمامية، لكان الموت قد حصد أرواحهم جميعاً؛ فقد خف الضغط عنهم بشكل ملحوظ.
«لقد رأيت عبدين يفران في ذلك الاتجاه… هما الوحيدان اللذان بقيا على قيد الحياة من بين الجميع!»
“ما بال هذه الموجة من المسوخ لا تنتهي؟!” همس برانس في قرار نفسه وهو يمسح العرق الممتزج بالغبار.
على الجانب الآخر، كان نايلي قد أُنهك تماماً؛ يقاتل بيدٍ يائسة، لكنه يصر على ملاحقة نومريس الذي يفر مذعوراً في كل اتجاه.
كان أفراد عرق سومر أصحاب أجساد ضخمة لا يقل طولهم عن مترين، أينما مروا تركوا خلفهم جبالاً من جثث المسوخ.
مر الوقت ثقيلاً كأنه الدهر… مضت ساعةٌ كاملة والجميع يلهثون إعياءً، وسقطت ثلةٌ من العبيد صرعى على التراب، لكن زحف الكائنات الشيطانية لم يتوقف.
زاد صوت صرير الريشة في رأسه حتى صار حاداً كإبرة تخرق أغشية عقله.
لم يكن نومريس يفعل شيئاً سوى التملص والهروب عن ضربات هذه المسوخ؛ لم يتجرأ حتى على رفع سيفه في وجهها.
التفت برانس إلى الرجل الأربعيني بجانبه وهمس له بنبرة خافتة وخبيثة؛ كان وجه الآخر كالحاً ومشوهاً بالإرهاق.
تمتم جان الذي انضم إليهما ملطخاً بالدماء: «لا أعلم… هذا الاختبار لعين غريب جداً! ألم تسمعوا خربشات بين الحين والآخر؟»
«اللعنة! لا أريد أي قدرة… أريد العودة إلى أمي فقط!» صرخ أصغر صبية القبيلة، ودموعه تسبق كلماته قبل أن تتخضب بالتراب.
كان نومريس يتردد في نطق تلك الكلمة؛ فمنذ نعومة أظفاره كان يهرب منها، ويتجنب الاعتراف بها خجلاً من أن يسخر منه أهل القرية.
كان أفراد عرق سومر أصحاب أجساد ضخمة لا يقل طولهم عن مترين، أينما مروا تركوا خلفهم جبالاً من جثث المسوخ.
“تباً… تباً! كيف لي أن أخرج من هذا الجحيم حياً؟! لا أريد الموت هنا!” هدر نومريس في داخله والذعر يعصر عروقه.
على الجانب الآخر، كان نايلي قد أُنهك تماماً؛ يقاتل بيدٍ يائسة، لكنه يصر على ملاحقة نومريس الذي يفر مذعوراً في كل اتجاه.
ولم يلاحظ نومريس وسط هذه الفوضى أن يد صديقه نايلي قد بُترت بالكامل، والدماء تتفجر منها كالنوافير… ورغم ذلك ربط نايلي جرحه بقطعة قماش ليعصر النزيف، كان نايلي يواصل الركض خلف صديقه ليتأكد من سلامته.
«أمي…» همس نومريس بوهن وهو يبكي، وسقط على ركبتيه في الطين.
صرخ برانس وهو يلوث سيفه بدماء الفتى: «ماذا أفعل؟! أريد الخروج من هذا الكابوس حياً! بموت صاحب هذا الاختبار سنعود فوراً إلى عالمنا! أتريد الموت في هذا السهل؟!»
استدار برانس والرجل الأربعيني، وجالت أعينهما بنظرات غادرة ونهمة نحو صبية القبيلة والعبيد.
تطلع فالكو إلى برانس بلهفة: «هل سنتراجع؟»
“تباً… تباً! كيف لي أن أخرج من هذا الجحيم حياً؟! لا أريد الموت هنا!” هدر نومريس في داخله والذعر يعصر عروقه.
أومأ برانس ببرود: «نعم سنتراجع… ولكن…»
«ولكن ماذا؟!» تمتم فالكو.
وفجأة، دوت انفجاراتٌ مهولة في الساحة، وجاءهم المدد من فرسانٍ ينتمون لجلدته؛ لمح أحدهم نومريس ورمقه بنظرة خاطفة، قبل أن يلوح بسيفه في الهواء بحركة خاطفة وسريعة… وفي لمح البصر، تطايرت رؤوسُ مسخٍ ذي ثلاثة رؤوس لخنازير برية وسقطت جثته هامدة.
نهاية الفصل
وقبل أن يكمل كلمته، تطاير رأسه في الهواء، وسقط جثة هامدة دون حراك.
أجاب برانس بقسوة: «نحن الثلاثة فقط من نجا… سنخبرهم أن مأساة وقعت وقُتل الجميع، ونحن الناجون الوحيدون. من سيشك بنا؟ في النهاية، نحن من تطوع لمساعدتهم.»
ليس هو!
«برانس! ما الذي تفعله أيها الحقير؟!» تردد صوت جان مذعوراً وهو يشاهد الخيانة.
خــــــــوف….
صرخ برانس وهو يلوث سيفه بدماء الفتى: «ماذا أفعل؟! أريد الخروج من هذا الكابوس حياً! بموت صاحب هذا الاختبار سنعود فوراً إلى عالمنا! أتريد الموت في هذا السهل؟!»
في هذه الأثناء، لمح نايلي ما حدث لفالكو؛ وبذكائه الفذ، أدرك الخطة الشيطانية فوراً: سيحاول هؤلاء الأوباش العودة لعالمهم عن طريق تصفية الجميع للوصول لصاحب الاختبار. فاندفع نايلي وجر نومريس بعيداً ليختبئا.
وبقوله ذلك، اجتاح صبياً آخر وسدد إليه ضربة قاتلة، وكانت هذه المرة من عبيد عرق سومر.
تراجع جان خطوة، فناداه برانس بنبرة محفزة محقونة بالشر: «يا جان! أتريد الموت هنا؟! نحن في طريق مسدود… أخبرني، كم مسخاً قتلت حتى الآن؟! أنا بنفسي لم أقتل سوى ثلاثة بعد جهد ومشقة… انظر هناك! ما لا يقل عن ألفي مسخٍ قادمة نحونا! أتريد قتالهم جميعاً؟!»
وصل الخوف إلى حدّه الأقصى… إلى نقطة العدم.
تردد جان لبرهة، يتنقل بصره بين جثث الصبية وزحف المسوخ.
ترددت الكلمة في جمجمته، لا كهمسٍ هذه المرة، بل كصرخة تتشظى لها عظام القفص الصدري.
أجاب برانس بقسوة: «نحن الثلاثة فقط من نجا… سنخبرهم أن مأساة وقعت وقُتل الجميع، ونحن الناجون الوحيدون. من سيشك بنا؟ في النهاية، نحن من تطوع لمساعدتهم.»
في هذه الأثناء، لمح نايلي ما حدث لفالكو؛ وبذكائه الفذ، أدرك الخطة الشيطانية فوراً: سيحاول هؤلاء الأوباش العودة لعالمهم عن طريق تصفية الجميع للوصول لصاحب الاختبار. فاندفع نايلي وجر نومريس بعيداً ليختبئا.
وقبل أن يكمل كلمته، تطاير رأسه في الهواء، وسقط جثة هامدة دون حراك.
اندلعت مذبحةٌ وسط الصفوف؛ أخذ الصبية يفرون وهم ينتحبون واحد تلو آخر وتفرقوا بين الشعاب.
«إنهم قادمون! استعدوا!» صاح برانس وهو يتقدم بثبات نحو خط المواجهة، ثم التفت نحو العبيد بنبرة قاطعة: «أنتم أيضاً… إلى الأمام!»
«ماذا حدث ليدك؟!» لاحظ نومريس أخيراً بذعر أليم أن يد صديقه نايلي مقطوعة، ووجهه مبلل بالدم.
خوف…
ابتسم نايلي بوهن ورصانة، وقال بنبرة خافتة: «إنها مجرد يد… لا تقلق علي.»
«إنهم قادمون! استعدوا!» صاح برانس وهو يتقدم بثبات نحو خط المواجهة، ثم التفت نحو العبيد بنبرة قاطعة: «أنتم أيضاً… إلى الأمام!»
“أنا… أنا خائف…”
مجرد يد؟ هل أنت في وعيك؟
على الجانب الآخر، كان نايلي قد أُنهك تماماً؛ يقاتل بيدٍ يائسة، لكنه يصر على ملاحقة نومريس الذي يفر مذعوراً في كل اتجاه.
اختبأ الصبيان خلف صخرة ملساء جبارة، يتنفسان بصعوبة.
«ما الذي يحدث بحق الجحيم؟! لقد قتلنا جميع الصبية، فلماذا لم ينتهِ هذا الاختبار بعد؟!» جاء صوت الرجل الأربعيني يلهث بجوار برانس.
«لقد رأيت عبدين يفران في ذلك الاتجاه… هما الوحيدان اللذان بقيا على قيد الحياة من بين الجميع!»
لم تعد أذناه تسمعان صهيل المعركة، ولا دوي الانفجارات؛ هبط صمتٌ مطبق، وتجمّد المسخ في الهواء على بُعد شبر واحد من رقبته.
ولم يلاحظ نومريس وسط هذه الفوضى أن يد صديقه نايلي قد بُترت بالكامل، والدماء تتفجر منها كالنوافير… ورغم ذلك ربط نايلي جرحه بقطعة قماش ليعصر النزيف، كان نايلي يواصل الركض خلف صديقه ليتأكد من سلامته.
«لا تقل لي إن صاحب هذا الاختبار هو أحدهما؟!»
“أنا… أنا خائف…”
تمتم جان الذي انضم إليهما ملطخاً بالدماء: «لا أعلم… هذا الاختبار لعين غريب جداً! ألم تسمعوا خربشات بين الحين والآخر؟»
تردد صبية العبيد وكبار السن منهم للحظات، لكن ما إن استُحضر في أذهانهم تهديدُ الرجل الضخم في العالم الخارجي، حتى خطوا خطواتٍ حذرة نحو الخطوط الأمامية.
«نعم… وكذلك كلمة (خوف)… لم يسبق لي أن سمعت بعبدٍ أيقظ جنينه! هل ستكون هذه الأولى في التاريخ؟»
وقبل أن يكمل كلمته، تطاير رأسه في الهواء، وسقط جثة هامدة دون حراك.
رفع نومريس رأسه المبلل بالدموع، فرأى نايلي بيده المبتورة يقاوم في وضع ميؤوس منه، وجان يتقدم نحوه بابتسامة الموت.
رد برانس وهو يمسح سيفه: «لا عجب أن يكون أحدهما هو صاحب الاختبار… انظر هناك، العبيد من عرق سومر يقاتلون كالمجانين؛ لقد كسروا خطوط تلك المجموعة ولم يفقدوا رجلاً واحداً، ولولا زحفهم لكنا قد هلكنا منذ زمن. هيا بنا! علينا البحث عنهما وقتلهما، وإلا سنبقى عالقين هنا للأبد!»
تردد جان لبرهة، يتنقل بصره بين جثث الصبية وزحف المسوخ.
تمتم جان الذي انضم إليهما ملطخاً بالدماء: «لا أعلم… هذا الاختبار لعين غريب جداً! ألم تسمعوا خربشات بين الحين والآخر؟»
«يا ترى… ماذا سنقول لشيوخ القبيلة والزعيم حين نعود؟»
على الجانب الآخر، غشيت الدهشة وجوه عبيد “سومر”، رغم الرعب الذي يعصر قلوبهم؛ فقد كانوا يرقبون بني جنسهم أسفل السهل، يقتطعون أجساد تلك الكيانات ويكتسحون صفوفها وكأنها لا شيء.
أجاب برانس بقسوة: «نحن الثلاثة فقط من نجا… سنخبرهم أن مأساة وقعت وقُتل الجميع، ونحن الناجون الوحيدون. من سيشك بنا؟ في النهاية، نحن من تطوع لمساعدتهم.»
«برانس! إنهما هناك!» صرخ جان فجأة وهو يشير إلى ظهر نومريس ونايلي اللذين كانا يركضان بكل ما أوتيا من قوة نحو الصخور البعيدة.
حتى القائد الذي يملأ الميدان بصرخاته وأوامره الصارمة كان ينتمي لعرقهم أيضاً، ولا يجرؤ أحدٌ على عصيان كلمته.
كان أفراد عرق سومر أصحاب أجساد ضخمة لا يقل طولهم عن مترين، أينما مروا تركوا خلفهم جبالاً من جثث المسوخ.
نبضة…
“ما هذا الصوت؟!”
وفي غمار هذا الصخب الرهيب، انفصل نومريس عن نايلي؛ إذ سقط نومريس أرضاً وهو يضغط على رأسه بكلتا يديه… كان صوت صرير الخربشات داخل رأسه قد ارتفع إلى حدٍّ كاد يفلق جمجمته.
«إنهم قادمون! استعدوا!» صاح برانس وهو يتقدم بثبات نحو خط المواجهة، ثم التفت نحو العبيد بنبرة قاطعة: «أنتم أيضاً… إلى الأمام!»
“ما هذا الصوت؟!”
ولم تكن دهشة نومريس تقل عنهم، وهو يقلب بصره بذهول وسط هذا المحشر: “هل هؤلاء من قومنا حقاً؟ إنهم يشبهوننا تماماً…
سمع القادة والأسياد الذين يقتتلون في أعالي السماء هذا الصوت الغريب، فتوقفت أيديهم عن الضرب، وسكنت أسلحتهم في الهواء.
«برانس! ما الذي تفعله أيها الحقير؟!» تردد صوت جان مذعوراً وهو يشاهد الخيانة.
حتى في الميدان السفلي، توقفت المعركة كلياً بلا استثناء، وجمدت الوحوش والبشر وهم يستمعون لرعبٍ مجهول يخترق وجودهم.
ولكن لماذا هم من يقودون الجبهات هنا؟ ومن هذه الوحوش الكابوسية؟ من أين نبعت كل هذه الحشود؟”
«ماذا حدث ليدك؟!» لاحظ نومريس أخيراً بذعر أليم أن يد صديقه نايلي مقطوعة، ووجهه مبلل بالدم.
وفجأة… تردد صداها في كل شبر من السهل، مغرقاً الأرواح في ذعرٍ مكتوم:
خــــــــوف……
خــــــــوف……
كان هذا الكابوس هو ما يقاتله البشر في تلك الحرب الملحمية، بل إن بعض قادة تلك الكائنات كانت لهم وجوه بشرية لكن مشوهة.
«أمي…» همس نومريس بوهن وهو يبكي، وسقط على ركبتيه في الطين.
تطلع فالكو إلى برانس بلهفة: «هل سنتراجع؟»
“ما الذي عليّ فعله؟! أنا… أنا…”
كان نومريس يتردد في نطق تلك الكلمة؛ فمنذ نعومة أظفاره كان يهرب منها، ويتجنب الاعتراف بها خجلاً من أن يسخر منه أهل القرية.
ومع تلاحم الجبهتين وصدام الحديد بالحديد، ارتفع صوت صرير الريشة مجدداً داخل رأس نومريس.
«إنه هناك! برانس، اقتله!» صاح جان وهو يندفع نحو نومريس الساقط على ركبتيه يمسك برأسه المجهد.
مر الوقت ثقيلاً كأنه الدهر… مضت ساعةٌ كاملة والجميع يلهثون إعياءً، وسقطت ثلةٌ من العبيد صرعى على التراب، لكن زحف الكائنات الشيطانية لم يتوقف.
خــــــــوف……
اقترب برانس كالسهم، لكن نايلي خرج فجأة من بين الصخور، واندفع ببدنه المنهك ليرتطم بجسد برانس بقوة.
وفجأة… سكن كل شيء.
التفت برانس إلى الرجل الأربعيني بجانبه وهمس له بنبرة خافتة وخبيثة؛ كان وجه الآخر كالحاً ومشوهاً بالإرهاق.
«أنت هنا أيضاً أيها الوغد؟!» زمجر برانس: «لم أكن أظن أن أحدكما سيجرنا إلى الجحيم، لكن بموتكما سنعود لديارنا ولن أطأ هذا العالم مجدداً!»
تقدم جان بسرعة بينما يستل سيفه: «سأقتل العبد الآخر… تكفل أنت بهذا الصبي!»
دويٌّ زلزل الأركان في تلك اللحظة بالذات… وانفجر الغبار متصاعداً كالسحب الركامية!
خوف…
«تباً لك!» حاول نايلي بكل جوارحه اللحاق بجان، لكن برانس اعترض طريقه بسيفه: «لا تفكر في ذلك!»
وفي تلك اللحظة بالذات، انقضت نحوهم موجةٌ عارمة من المسوخ؛ كانت هيئاتها العامة تشبه أجساد البشر، لكنها تحمل ثلاثة رؤوس مشوهة؛ منها ما يشبه رؤوس الحيوانات، أو النباتات الطافرة، أو الأسماك الضارية.
رفع نومريس رأسه المبلل بالدموع، فرأى نايلي بيده المبتورة يقاوم في وضع ميؤوس منه، وجان يتقدم نحوه بابتسامة الموت.
خــــــــوف……
تراءى الخوف أمام عينيه، وتمتم نومريس بصوت جاف: «أنا… أنا…»
كان أفراد عرق سومر أصحاب أجساد ضخمة لا يقل طولهم عن مترين، أينما مروا تركوا خلفهم جبالاً من جثث المسوخ.
خــــــــوف….
«مت أيها الوغد!» لوّح جان بسيفه ليقطع عنق نومريس.
ترددت الكلمة في جمجمته، لا كهمسٍ هذه المرة، بل كصرخة تتشظى لها عظام القفص الصدري.
وعندما حاول نومريس التراجع خطوة إلى الخلف من هول المشهد، قبض نايلي على ذراعه وثبته بحزم: «ماذا تفعل؟! إن انشطرت عن المجموعة ستكون الصيد الأسهل لتلك المسوخ!»
«نومريـــس!» صرخ نايلي بأعلى صوته.
خــــــــوف……
دويٌّ زلزل الأركان في تلك اللحظة بالذات… وانفجر الغبار متصاعداً كالسحب الركامية!
غطى برانس عينيه من شدة الضغط الهوائي، بينما قُذف نايلي بعيداً بفعل الصدمة ليغوص وسط الركام ومصيره مجهول.
نبضة…
وعندما انقشع الغبار قليلاً… وقف كائنٌ جبار أمام نومريس المحبط، يحدق فيه بنية قتل كابوسية تجمّد الدماء.
«نعم… وكذلك كلمة (خوف)… لم يسبق لي أن سمعت بعبدٍ أيقظ جنينه! هل ستكون هذه الأولى في التاريخ؟»
كان أحد القادة الذين يقاتلون في السماء؛ جسد بشري ضخم يعلوه ثلاثة رؤوس لِذئاب كاسرة. وتحت قدمه الثقيلة، تحول جسد جان إلى هريسة من اللحم والعظام.
رفع نومريس رأسه المبلل بالدموع، فرأى نايلي بيده المبتورة يقاوم في وضع ميؤوس منه، وجان يتقدم نحوه بابتسامة الموت.
وفجأة، دوت انفجاراتٌ مهولة في الساحة، وجاءهم المدد من فرسانٍ ينتمون لجلدته؛ لمح أحدهم نومريس ورمقه بنظرة خاطفة، قبل أن يلوح بسيفه في الهواء بحركة خاطفة وسريعة… وفي لمح البصر، تطايرت رؤوسُ مسخٍ ذي ثلاثة رؤوس لخنازير برية وسقطت جثته هامدة.
«أنا… أنا…» تمتم نومريس بيأس وهو يبكي، يطالع هذا المسخ المرعب.
تردد صبية العبيد وكبار السن منهم للحظات، لكن ما إن استُحضر في أذهانهم تهديدُ الرجل الضخم في العالم الخارجي، حتى خطوا خطواتٍ حذرة نحو الخطوط الأمامية.
زمجر المسخ في وجه نومريس وهو يحمل سيفاً ذا ثلاثة نصال متقطعة: «مرحباً بك في جحيم سيرويس، أيها السومري القذر!» ثم هوى بسيفه ليحصد رأسه.
رفع نومريس رأسه المبلل بالدموع، فرأى نايلي بيده المبتورة يقاوم في وضع ميؤوس منه، وجان يتقدم نحوه بابتسامة الموت.
خوف…
في عمق صدر نومريس، حيث تتلاقى الروح بالجسد، انفتحت “عينٌ” لم تكن موجودة من قبل.
ترددت الكلمة في جمجمته، لا كهمسٍ هذه المرة، بل كصرخة تتشظى لها عظام القفص الصدري.
أومأ برانس ببرود: «نعم سنتراجع… ولكن…»
رد برانس وهو يمسح سيفه: «لا عجب أن يكون أحدهما هو صاحب الاختبار… انظر هناك، العبيد من عرق سومر يقاتلون كالمجانين؛ لقد كسروا خطوط تلك المجموعة ولم يفقدوا رجلاً واحداً، ولولا زحفهم لكنا قد هلكنا منذ زمن. هيا بنا! علينا البحث عنهما وقتلهما، وإلا سنبقى عالقين هنا للأبد!»
زاد صوت صرير الريشة في رأسه حتى صار حاداً كإبرة تخرق أغشية عقله.
لم يكن نومريس يفعل شيئاً سوى التملص والهروب عن ضربات هذه المسوخ؛ لم يتجرأ حتى على رفع سيفه في وجهها.
طغى منظر المسخ وهو يرفع حديدته ليقطع رأسه، وتوقفت نفخات الحياة في رئتيه.
«مت أيها الوغد!» لوّح جان بسيفه ليقطع عنق نومريس.
وصل الخوف إلى حدّه الأقصى… إلى نقطة العدم.
صرخ برانس وهو يلوث سيفه بدماء الفتى: «ماذا أفعل؟! أريد الخروج من هذا الكابوس حياً! بموت صاحب هذا الاختبار سنعود فوراً إلى عالمنا! أتريد الموت في هذا السهل؟!»
اندلعت مذبحةٌ وسط الصفوف؛ أخذ الصبية يفرون وهم ينتحبون واحد تلو آخر وتفرقوا بين الشعاب.
وفجأة… سكن كل شيء.
لم تعد أذناه تسمعان صهيل المعركة، ولا دوي الانفجارات؛ هبط صمتٌ مطبق، وتجمّد المسخ في الهواء على بُعد شبر واحد من رقبته.
لم تعد أذناه تسمعان صهيل المعركة، ولا دوي الانفجارات؛ هبط صمتٌ مطبق، وتجمّد المسخ في الهواء على بُعد شبر واحد من رقبته.
خــــــــوف……
“أنا… أنا خائف…”
«يا ترى… ماذا سنقول لشيوخ القبيلة والزعيم حين نعود؟»
نبضة…
تقدم جان بسرعة بينما يستل سيفه: «سأقتل العبد الآخر… تكفل أنت بهذا الصبي!»
في عمق صدر نومريس، حيث تتلاقى الروح بالجسد، انفتحت “عينٌ” لم تكن موجودة من قبل.
كان هذا الكابوس هو ما يقاتله البشر في تلك الحرب الملحمية، بل إن بعض قادة تلك الكائنات كانت لهم وجوه بشرية لكن مشوهة.
نبضة…
خــــــــوف….
حتى القائد الذي يملأ الميدان بصرخاته وأوامره الصارمة كان ينتمي لعرقهم أيضاً، ولا يجرؤ أحدٌ على عصيان كلمته.
خرجت الكلمة أخيراً… الكلمة التي ظلت تطوق نومريس وتكبله منذ صغره، وكان يأبى خروجها خجلاً أو كبراً؛ فنطق بها من أعماق قلبه، وتقبّلها تماماً كما تقبّل الخوف القابع في داخله.
ومع تلاحم الجبهتين وصدام الحديد بالحديد، ارتفع صوت صرير الريشة مجدداً داخل رأس نومريس.
نهاية الفصل
تمتم جان الذي انضم إليهما ملطخاً بالدماء: «لا أعلم… هذا الاختبار لعين غريب جداً! ألم تسمعوا خربشات بين الحين والآخر؟»
اختبأ الصبيان خلف صخرة ملساء جبارة، يتنفسان بصعوبة.
