Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ملحمة سليل الخوف 20

مارغريت
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

مارغريت

 

 

 

وفي تلك اللحظة، دفع الحارس الباب الخشبي العريض، فتلامست الأجراس معلنةً دخوله بصوتٍ رنان، وانفتحت معها ضلفة الباب لتكشف لنومريس عن عالمٍ آخر في الداخل.

عادت أنفاس الكائنات الحية إلى صدورها كأنما رُدَّت إليها الحياة بعد موتٍ محقق؛ كانت الهالة التي طوقت المكان مرعبةً لدرجةٍ تتجاوز التصور البشري.

 

 

مدت المرأة يدها وأمسكت بالغمد، لكن قشعريرة باردة سرت في أطرافها فور ملامسته، وكأنها تمسك بقطعة ثلج صلبة لا تنتمي لدفء النزل.

تشتتت العتمة وانقشعت أوهام الخوف، مخلفةً خلفها رياحًا باردةً تطوف الميدان الخالي، بينما كان نومريس قد غادر منذ مدة، متوغلًا في أحشاء غابةٍ مظلمةٍ طوت أثره.

 

 

 

تلاشى من أذهان جميع الغزاة السبب الذي دفعهم لخوض هذه الحرب، والتي لم تلبث أن انقضت فور وصول تلك الهالة المطبقة؛ إذ سادهم شللٌ تام أفقدهم غاية الصراع.

 

 

 

حتى سكوادر والشيوخ الآخرين، لم يجرؤ أحدهم على التقدم نحو الضاحية الشمالية، كبلهم خوفٌ رصين من ماهية صاحب تلك السطوة المرعبة.

نهاية الفصل

 

 

كما آثر “سلافمور”—قائد الغزاة—التراجع فورًا، مدركًا عجز قواته عن إكمال المهمة؛ ففي حضور كيانٍ يمتلك مثل هذه الهالة الساحقة، ما الذي يعجزه عن إبادتهم جميعًا؟

رفع يده ليزيح خصلات شعره الثائرة عن عينيه، فقد كانت تعيق رؤيته بعد أن أهمل العناية بها لزمنٍ طويل. استل سيفه الأسود بهدوء، وبحركاتٍ متزنة بدأ يقص شعره الكثيف حتى استقر طوله عند حدود أذنيه وجبهته.

 

التفت نومريس نحو الحارس الذي تحدث، بملامح أنهكها التعب وعينين نائمتين يلمع في حدقتيهما بريقٌ أحمر زاهٍ، جعل قلب الحارس يتوقف لثانيةٍ واجفة قبل أن يستأنف نبضاته بارتباك.

لكن أحدًا لم يكن يعلم الحقيقة القاتلة سوى نومريس نفسه: تلك الهالة لم تكن سوى استجابة أولية لتفعيله قدرته للمرة الأولى.

 

 

قال نومريس بنبرةٍ خافتة يلفها الإعياء: «طعام… هل لديكم طعام؟»

ولو تسربت هذه الحقيقة إلى أي روحٍ في ذلك الميدان، لانقلبت الموازين في لحظة، ولصار الفتى يركض وحيدًا تطارده مئات السيوف المأجورة.

 

 

تأملته مارغريت بجمودٍ لثوانٍ، ثم عقبت بصوتٍ يملؤه الشك: «ومن يضمن لي أنك لن تفر بجلدك فور أن تملأ بطنك؟»

وفي أعلى قمةٍ مطلة على ديار قبيلة ماكنزي، كان “جوي” جالسًا، وتعتلي شفتيه ابتسامة خفيفة… ابتسامة هادئة ابتسامة جميلة تحمل في طياتها غرابةً واثقة.

وفي منتصف العاصفة التي تدور في عقله، قطع صمته صوت قرقرةٍ جائعة تصدر من أمعائه الخاوية.

 

 

همس وهو يحدق في المدى: «الأمر سيمسي أكثر إثارةً للاهتمام… عدوٌ آخر دخل الساحة، أليس كذلك يا شمس الخراب؟»

 

 

 

لم يكن يجلس بجانبه أحد؛ كان يخاطب سيفه المستقر في حجره، وكأنه يكلم خليل روحٍ يشاركه الأسرار.

 

 

كان النزل ينبض بحياةٍ صاخبة ودفءٍ غريب، تباين بحدة مع ظلمة الغابة والصمت القاتل الذي اختزنه نومريس في روحه طوال الأيام الماضية.

ثم واصل حديثه الخافت: «لقد نجح ذلك الغِرُّ في الفرار… لا أعلم كيف استطاع إخفاء تلك الهالة الغريبة، كما أنني لا أستطيع استغلال قدراتي الآن، فلم يعد يفصلني عن إكمال ذلك الأمر سوى القليل من الوقت… يبدو أن أوان العودة قد اقترب.»

كان يدرك أن تنازله المؤقت عن سلاحه أفضل بكثير من الموت جوعًا على قارعة الطريق.

 

 

أنهى كلماته، ثم استدار بجسده كاملًا نحو الغرب.

وقعت عينا مارغريت على السيف الداكن؛ اجتذب السلاح نظرات خاطفة من بضعة محاربين في الزوايا المجاورة، وتلألأ الجشع في عيونهم وهم يتأملون نصله الغريب.

 

 

بالعودة إلى نومريس، كان لا يزال يركض نحو الشمال، يلهث بصوتٍ مسموع، وقد استبد به الإنهاك حتى بلغ منه مبلغه.

 

 

سكنت مارغريت للحظة، مضيقةً عينيها وهي تتأمل ملامحه المجهدة والسيف الثقيل المعلق عند خصره. كان من الواضح أنه ليس مجرد عبد عادي؛ إذ تسكن عينيه قسوة هادئة وثبات لا يمتلكه الصبيان في عمره.

توقف فجأة، متكئًا بثقل جسده على جذع شجرةٍ عتيقة يصارع لالتقاط أنفاسه، قبل أن تخور قواه ويسقط على الأرض، مادًا قدميه المحمومتين نحو الأمام والأنفاس تتصاعد من صدره كالشرار، بينما كان العرق يتصبب منه بغزارة.

 

 

 

حدق في الأفق الداكن وهمس لنفسه: «أظنها مسافة كافية… لقد ابتعدت عن الميدان كثيرًا. لا أعلم كم مضى من الوقت وأنا أركض، لكنها لا تقل عن ساعة كاملة.»

 

 

 

رفع نومريس يده المجهدة، وظل يحدق في كفّه للحظات، قبل أن ترتسم على شفتيه الشاحبتين ابتسامة دافئة خالية من الخوف: «وأخيرًا… بعد عناء طويل، تحررت.»

 

 

 

لكن تلك الابتسامة الشاحبة سرعان ما تبددت عندما تذكر أمه.

 

 

بلغ الإنهاك من الصبي مبلغه، واعتصر الجوع أمعاءه اعتصارًا.

حتى لو تحرر هو، أمه لم تتحرر بعد، حتى إنه لا يعلم بالضبط أين هي أو هل ما تزال على قيد الحياة.

 

 

لم يكن يجلس بجانبه أحد؛ كان يخاطب سيفه المستقر في حجره، وكأنه يكلم خليل روحٍ يشاركه الأسرار.

لم يكن هذا التحرر سوى بدايةٍ لمسارٍ أشد قسوة، ونصفِ حريةٍ لا تكتمل إلا بفك أغلالها.

عادت أنفاس الكائنات الحية إلى صدورها كأنما رُدَّت إليها الحياة بعد موتٍ محقق؛ كانت الهالة التي طوقت المكان مرعبةً لدرجةٍ تتجاوز التصور البشري.

 

 

أغلق نومريس قبضته المجهدة بثبات، ضاغطًا على أصابعه حتى ابتلت بفرط العرق، متجاوزًا موجة الضعف التي كادت تلمّ بقلبه.

ثم واصل حديثه الخافت: «لقد نجح ذلك الغِرُّ في الفرار… لا أعلم كيف استطاع إخفاء تلك الهالة الغريبة، كما أنني لا أستطيع استغلال قدراتي الآن، فلم يعد يفصلني عن إكمال ذلك الأمر سوى القليل من الوقت… يبدو أن أوان العودة قد اقترب.»

 

تبادل الحارس الذي يحمل رمحًا طويلًا نظراتٍ مريبة مع زميله الجالس عند المدخل. سرت في ذهنيهما الفكرة ذاتها: إنه عبدٌ…*، غير أن أحدًا منهما لم يتفوه بها علنًا.

عقله الذي اعتاد المحاكمة الباردة للمواقف فرض عليه التماسك؛ فالدموع والنزق لن ينقذا أحدًا، والقوة المرعبة التي تحركت في داخله للتو ليست إلا أداةً يترتب عليه فهمها وإتقانها قبل أن تغدو عبئًا يقتله.

ومع بزوغ اليوم الثاني، اقتربت ظلال قبيلةٍ غريبة، وما إن وطئت قدماه عتباتها الخارجية حتى استوقفه صوتٌ حاد: «أنت هناك! من تكون… وإلى أين تتجه؟»

 

كسر الحارس الصمت أخيرًا، ونظرةٌ حائرة تتسلل إلى عينيه: «هل أنت جائعٌ حقًا أيها الفتى؟»

وفي منتصف العاصفة التي تدور في عقله، قطع صمته صوت قرقرةٍ جائعة تصدر من أمعائه الخاوية.

وفي تلك اللحظة، دفع الحارس الباب الخشبي العريض، فتلامست الأجراس معلنةً دخوله بصوتٍ رنان، وانفتحت معها ضلفة الباب لتكشف لنومريس عن عالمٍ آخر في الداخل.

 

تقدمت المضيفة مارغريت نحوه بابتسامةٍ هادئة؛ إذ لم يكن يعنيها أصله أو هيئته، فالمال وحده هو ما يتكلم في نزلها، لكنها تعلمت التوثق من الغرباء أمثاله قبل تقديم أي شيء.

استند بظهره إلى الشجرة وهمس بمرارة: «ماذا عساي أن أفعل الآن؟ لا مأوى، لا طعام، ولا أنيس…»

 

 

 

أدار ناظريه حائرًا بين ظلال الغابة الموحشة، قبل أن يستعين بجذع الشجرة لينهض ببطء. وقعت عيناه على السيف الطويل المستقر عند جانبه، وظل يشخص فيه للحظات ثقيلة قبل أن يعيد بصره نحو عمق الغابة الداكنة.

قاطعها نومريس بنبرة خافتة يغلب عليها الإعياء الشديد، ثم أردف بثبات: «لا أملك طاقة للتحرك في الوقت الحالي، لكن إن أكلتُ وسددتُ جوعي، فسأتمكن من إنجاز العمل.»

 

 

رفع يده ليزيح خصلات شعره الثائرة عن عينيه، فقد كانت تعيق رؤيته بعد أن أهمل العناية بها لزمنٍ طويل. استل سيفه الأسود بهدوء، وبحركاتٍ متزنة بدأ يقص شعره الكثيف حتى استقر طوله عند حدود أذنيه وجبهته.

 

 

أعاد النصل إلى غمده بصوت «طقٍّ» خفيف، ثم تنفس بعمق: «حسنًا… الآن يمكنني الانطلاق.»

 

 

 

مضى يومان من المسير الشاق دون توقف تحت الشمس السوداء، حتى في ظلمات الليل الدامية.

 

 

التفت نومريس نحو الحارس الذي تحدث، بملامح أنهكها التعب وعينين نائمتين يلمع في حدقتيهما بريقٌ أحمر زاهٍ، جعل قلب الحارس يتوقف لثانيةٍ واجفة قبل أن يستأنف نبضاته بارتباك.

بلغ الإنهاك من الصبي مبلغه، واعتصر الجوع أمعاءه اعتصارًا.

أغلق نومريس قبضته المجهدة بثبات، ضاغطًا على أصابعه حتى ابتلت بفرط العرق، متجاوزًا موجة الضعف التي كادت تلمّ بقلبه.

 

 

لم تكن المياه معضلةً بالغة، فقد أترع عطشه من الأنهار المتدفقة عبر الطريق، لكن الطعام كان حكايته المعقدة؛ إذ لا يمتلك أي خبرةٍ في الصيد أو مهارات البقاء في البرية، ولا عجب في ذلك لصبيٍ قضى جلّ عمره راعيًا للأغنام ومستغرقًا في الرسم… فكيف له أن يتدبر أمره وسط هذه الغابة؟

 

 

لم يكن هذا التحرر سوى بدايةٍ لمسارٍ أشد قسوة، ونصفِ حريةٍ لا تكتمل إلا بفك أغلالها.

ومع بزوغ اليوم الثاني، اقتربت ظلال قبيلةٍ غريبة، وما إن وطئت قدماه عتباتها الخارجية حتى استوقفه صوتٌ حاد: «أنت هناك! من تكون… وإلى أين تتجه؟»

كان النزل ينبض بحياةٍ صاخبة ودفءٍ غريب، تباين بحدة مع ظلمة الغابة والصمت القاتل الذي اختزنه نومريس في روحه طوال الأيام الماضية.

 

 

التفت نومريس نحو الحارس الذي تحدث، بملامح أنهكها التعب وعينين نائمتين يلمع في حدقتيهما بريقٌ أحمر زاهٍ، جعل قلب الحارس يتوقف لثانيةٍ واجفة قبل أن يستأنف نبضاته بارتباك.

 

 

 

قال نومريس بنبرةٍ خافتة يلفها الإعياء: «طعام… هل لديكم طعام؟»

تقدم الحارس يقطع السبل الداخلية لهذه القبيلة المتشعبة، يتبعه نومريس بخطىً متثاقلة.

 

 

تبادل الحارس الذي يحمل رمحًا طويلًا نظراتٍ مريبة مع زميله الجالس عند المدخل. سرت في ذهنيهما الفكرة ذاتها: إنه عبدٌ…*، غير أن أحدًا منهما لم يتفوه بها علنًا.

 

 

 

تحولت أنظارهما تلقائيًا نحو السيف الثقيل المعلق على خصره، وكان هو السبب الوحيد الذي زرع التردد في نفوسهما ومنعهما من التصرف بتهور.

أدار ناظريه حائرًا بين ظلال الغابة الموحشة، قبل أن يستعين بجذع الشجرة لينهض ببطء. وقعت عيناه على السيف الطويل المستقر عند جانبه، وظل يشخص فيه للحظات ثقيلة قبل أن يعيد بصره نحو عمق الغابة الداكنة.

 

لكن مارغريت رفعت يدها لتسكت المحارب، ثم التفتت إلى نومريس ونظرت إلى يديه الشاحبتين: «تقطيع الحطب؟ المكان خلف النزل مليء بالأخشاب الصلبة التي تحتاج إلى سواعد تتعب من أجلها… إن استطعت ملء المخزن الخلفي بحطب التدفئة قبل هبوط الليل، فسأعطيك وجبة دافئة ومكانًا لتنام فيه لهذه الليلة فقط.»

كسر الحارس الصمت أخيرًا، ونظرةٌ حائرة تتسلل إلى عينيه: «هل أنت جائعٌ حقًا أيها الفتى؟»

 

 

بلغ الإنهاك من الصبي مبلغه، واعتصر الجوع أمعاءه اعتصارًا.

هز نومريس رأسه بضعف، فلم تتبقَّ لديه طاقةٌ للتفوه بحرفٍ آخر.

سكنت مارغريت للحظة، مضيقةً عينيها وهي تتأمل ملامحه المجهدة والسيف الثقيل المعلق عند خصره. كان من الواضح أنه ليس مجرد عبد عادي؛ إذ تسكن عينيه قسوة هادئة وثبات لا يمتلكه الصبيان في عمره.

 

استند بظهره إلى الشجرة وهمس بمرارة: «ماذا عساي أن أفعل الآن؟ لا مأوى، لا طعام، ولا أنيس…»

تنهد الحارس وقال: «تعال معي.»

زفرت المرأة بتهكم، وتكلمت بحدة: «هل تمازحني أيها الشقي؟! أتظن هذا مطبخ أمك لتأكل فيه متى تشاء دون مقابل؟!»

 

تقدم الحارس يقطع السبل الداخلية لهذه القبيلة المتشعبة، يتبعه نومريس بخطىً متثاقلة.

ثم التفت نحو زميله يهمس باحتراس: «سأوصله إلى النزل وسط ديار القبيلة وأعود، أبقِ عينيك مفتوحتين.»

هز نومريس رأسه بضعف، فلم تتبقَّ لديه طاقةٌ للتفوه بحرفٍ آخر.

 

تبادل الحارس الذي يحمل رمحًا طويلًا نظراتٍ مريبة مع زميله الجالس عند المدخل. سرت في ذهنيهما الفكرة ذاتها: إنه عبدٌ…*، غير أن أحدًا منهما لم يتفوه بها علنًا.

تقدم الحارس يقطع السبل الداخلية لهذه القبيلة المتشعبة، يتبعه نومريس بخطىً متثاقلة.

زفرت المرأة بتهكم، وتكلمت بحدة: «هل تمازحني أيها الشقي؟! أتظن هذا مطبخ أمك لتأكل فيه متى تشاء دون مقابل؟!»

 

 

كانت القبيلة شاسعة النطاق، تفوق ديار ماكنزي بثلاثة أضعاف، تتراكم فيها البيوت الحجرية والخيام الجلدية العتيقة.

سحب نومريس جسده المنهك بصعوبة وجلس عند طاولةٍ خشبيةٍ منزوية. جذبت حركته بعض النظرات المستخفة من الحاضرين، غير أنها سرعان ما انقضت بعد أن رمقوه بازدراءٍ خاطف وأعادوا وجوههم إلى كؤوسهم.

 

 

وبعد مسيرٍ أضنى الفتى المجهد، توقفا أخيرًا أمام نزلٍ ضخمٍ شُيّد من جذوع الخشب الداكن، عُلقت فوق بوابته المرتفعة أجراسٌ نحاسية صغيرة تطن مع كل هبة رياح.

 

 

قال نومريس بنبرةٍ خافتة يلفها الإعياء: «طعام… هل لديكم طعام؟»

رفع نومريس عينيه المثقلتين بصعوبة يقرأ الشاخصة الخشبية المعلقة أعلاه: “نزل الخريف”.

وقعت عينا مارغريت على السيف الداكن؛ اجتذب السلاح نظرات خاطفة من بضعة محاربين في الزوايا المجاورة، وتلألأ الجشع في عيونهم وهم يتأملون نصله الغريب.

 

 

وفي تلك اللحظة، دفع الحارس الباب الخشبي العريض، فتلامست الأجراس معلنةً دخوله بصوتٍ رنان، وانفتحت معها ضلفة الباب لتكشف لنومريس عن عالمٍ آخر في الداخل.

 

 

تحولت أنظارهما تلقائيًا نحو السيف الثقيل المعلق على خصره، وكان هو السبب الوحيد الذي زرع التردد في نفوسهما ومنعهما من التصرف بتهور.

فاحت من جوف النزل حرارةٌ دافئة ممزوجة بعبق الشواء المتبل ورائحة الحطب المحترق.

التفت الحارس نحو المضيفة التي كانت تنقل كؤوس النبيذ بخفة إلى طاولةٍ يعلوها صخب خمسةٍ من المحاربين الأشداء: «سيدة مارغريت… هذا صبيٌ وطأت قدمه ديار القبيلة للتو.»

 

 

كان المكان واسع الأرجاء، تعلوه سقفيةٌ خشبية ذات عوارض متشابكة تدلت منها مصابيح زيتية تُنسج ضوءًا خافتًا يبعث على السكينة.

التفتت المرأة بذوقٍ متمرس، وألقت نظرةً خاطفة ثم قالت: «أوه، الحارس فيكي… شكرًا لجلبك الزبائن الجدد إلى هنا.»

 

أغلق نومريس قبضته المجهدة بثبات، ضاغطًا على أصابعه حتى ابتلت بفرط العرق، متجاوزًا موجة الضعف التي كادت تلمّ بقلبه.

انتشرت في الساحة الخشبية موائد مستديرة غصت بالمحاربين ورجال القبيلة الذين علت أصوات ضحكاتهم وصليل كؤوسهم الخشبية، بينما تشابكت ألسنة الدخان المتصاعدة من موقدٍ حجري ضخم يتربع في زاوية القاعة، تتقلب فوقه قطع اللحم المحمر.

قال نومريس بنبرةٍ خافتة يلفها الإعياء: «طعام… هل لديكم طعام؟»

 

أعاد النصل إلى غمده بصوت «طقٍّ» خفيف، ثم تنفس بعمق: «حسنًا… الآن يمكنني الانطلاق.»

كان النزل ينبض بحياةٍ صاخبة ودفءٍ غريب، تباين بحدة مع ظلمة الغابة والصمت القاتل الذي اختزنه نومريس في روحه طوال الأيام الماضية.

 

 

 

التفت الحارس نحو المضيفة التي كانت تنقل كؤوس النبيذ بخفة إلى طاولةٍ يعلوها صخب خمسةٍ من المحاربين الأشداء: «سيدة مارغريت… هذا صبيٌ وطأت قدمه ديار القبيلة للتو.»

مدت المرأة يدها وأمسكت بالغمد، لكن قشعريرة باردة سرت في أطرافها فور ملامسته، وكأنها تمسك بقطعة ثلج صلبة لا تنتمي لدفء النزل.

 

لم تكن المياه معضلةً بالغة، فقد أترع عطشه من الأنهار المتدفقة عبر الطريق، لكن الطعام كان حكايته المعقدة؛ إذ لا يمتلك أي خبرةٍ في الصيد أو مهارات البقاء في البرية، ولا عجب في ذلك لصبيٍ قضى جلّ عمره راعيًا للأغنام ومستغرقًا في الرسم… فكيف له أن يتدبر أمره وسط هذه الغابة؟

التفتت المرأة بذوقٍ متمرس، وألقت نظرةً خاطفة ثم قالت: «أوه، الحارس فيكي… شكرًا لجلبك الزبائن الجدد إلى هنا.»

 

 

 

سحبت قطعةً نحاسية من جربانها ورمتها نحوه في الهواء. التقطها فيكي بمهارة، وتلألأت عيناه بجشعٍ طفيف وهو يبتسم: «شكرًا لكِ، سيدة مارغريت!»

زفرت المرأة بتهكم، وتكلمت بحدة: «هل تمازحني أيها الشقي؟! أتظن هذا مطبخ أمك لتأكل فيه متى تشاء دون مقابل؟!»

 

رفعت السيف بثقل وقالت بصرامة: «حسنًا… سيبقى هذا مرهونًا لدي حتى تكمل عملك كاملًا وتوفي دينك. لن تعود لك ملكيته إلا بعد ذلك.»

استدار الحارس وخرج مسرعًا؛ فقد كان هذا دأبه كلما لمح وافدًا جديدًا عند الحدود، لا يعنيه إن كان عبدًا أو غريبًا ضائعًا، فالمهم لديه أن يظفر بقطعة النحاس تلك.

سحبت قطعةً نحاسية من جربانها ورمتها نحوه في الهواء. التقطها فيكي بمهارة، وتلألأت عيناه بجشعٍ طفيف وهو يبتسم: «شكرًا لكِ، سيدة مارغريت!»

 

“لا يصح أن أفتعل جلبة هنا، ولا أملك طاقة لفعلها في الأصل… لكن يجب أن أحصل على الطعام بأي طريقة.”

سحب نومريس جسده المنهك بصعوبة وجلس عند طاولةٍ خشبيةٍ منزوية. جذبت حركته بعض النظرات المستخفة من الحاضرين، غير أنها سرعان ما انقضت بعد أن رمقوه بازدراءٍ خاطف وأعادوا وجوههم إلى كؤوسهم.

 

 

 

تقدمت المضيفة مارغريت نحوه بابتسامةٍ هادئة؛ إذ لم يكن يعنيها أصله أو هيئته، فالمال وحده هو ما يتكلم في نزلها، لكنها تعلمت التوثق من الغرباء أمثاله قبل تقديم أي شيء.

 

 

 

وقفت بجانب طاولته وقالت بنبرةٍ متصنعة الود: «مرحبًا بك… هل يحمل الزبون العزيز ما يسدد به ثمن طعامه؟»

 

 

وفي أعلى قمةٍ مطلة على ديار قبيلة ماكنزي، كان “جوي” جالسًا، وتعتلي شفتيه ابتسامة خفيفة… ابتسامة هادئة ابتسامة جميلة تحمل في طياتها غرابةً واثقة.

ثبت نومريس عينيه المثقلتين في وجهها، وأدرك في تلك اللحظة حقيقة عجزه الكامل، فأجاب بصوتٍ خافت يلفه الإعياء: «لا.»

 

 

 

تلاشى اللطف عن وجه مارغريت في لحظة، وانقلبت رسمية ملامحها الأنيقة إلى تجهمٍ حاد، ثم قست نظراتها وهي تحتد عليه: «إن كنت لا تملك مالًا، فما الذي يجلسك هنا؟»

 

 

 

رمش نومريس بصعوبة، وسأل بجهلٍ وثقل: «أليس هذا مطعمًا؟»

نهاية الفصل

 

 

زفرت المرأة بتهكم، وتكلمت بحدة: «هل تمازحني أيها الشقي؟! أتظن هذا مطبخ أمك لتأكل فيه متى تشاء دون مقابل؟!»

 

 

 

عمّ الصمت الطاولة المنزوية لبرهة، وارتفعت بعض النظرات الساخرة من الموائد القريبة نحو الصبي المنهك والمضيفة المحتدة.

 

 

 

لم يتغير تعبير نومريس البارد؛ كان الإعياء شديدًا، لكن عقله كان هادئًا تحت الضغط، بدأ يزن خياراته بسرعة خاطفة.

همس وهو يحدق في المدى: «الأمر سيمسي أكثر إثارةً للاهتمام… عدوٌ آخر دخل الساحة، أليس كذلك يا شمس الخراب؟»

 

قاطعها نومريس بنبرة خافتة يغلب عليها الإعياء الشديد، ثم أردف بثبات: «لا أملك طاقة للتحرك في الوقت الحالي، لكن إن أكلتُ وسددتُ جوعي، فسأتمكن من إنجاز العمل.»

“لا يصح أن أفتعل جلبة هنا، ولا أملك طاقة لفعلها في الأصل… لكن يجب أن أحصل على الطعام بأي طريقة.”

رمش نومريس بصعوبة، وسأل بجهلٍ وثقل: «أليس هذا مطعمًا؟»

 

 

نظر نومريس نحو المرأة بحدقتيه اللتين تحملان بريقًا أحمر خافتًا، وجعل نبرته هادئة ومستقيمة دون ذل أو تراجع: «لا أملك مالًا الآن، لكنني أملك جهدًا. أستطيع القيام بأي عمل مقابل وجبة طعام واحدة… تقطيع الحطب، تنظيف المكان، أو أي مهمة شاقة تطلبينها.»

“لا يصح أن أفتعل جلبة هنا، ولا أملك طاقة لفعلها في الأصل… لكن يجب أن أحصل على الطعام بأي طريقة.”

 

أومأ نومريس برأسه دون تردد: «اتفقنا.»

سكنت مارغريت للحظة، مضيقةً عينيها وهي تتأمل ملامحه المجهدة والسيف الثقيل المعلق عند خصره. كان من الواضح أنه ليس مجرد عبد عادي؛ إذ تسكن عينيه قسوة هادئة وثبات لا يمتلكه الصبيان في عمره.

وفي منتصف العاصفة التي تدور في عقله، قطع صمته صوت قرقرةٍ جائعة تصدر من أمعائه الخاوية.

 

 

سخر أحد المحاربين الجالسين في المائدة المجاورة بقهقهة عالية: «دعك منه يا مارغريت! إن كان لا يملك ثمن طعام، فارميه للكلاب في الخارج!»

 

ثبت نومريس عينيه المثقلتين في وجهها، وأدرك في تلك اللحظة حقيقة عجزه الكامل، فأجاب بصوتٍ خافت يلفه الإعياء: «لا.»

لكن مارغريت رفعت يدها لتسكت المحارب، ثم التفتت إلى نومريس ونظرت إلى يديه الشاحبتين: «تقطيع الحطب؟ المكان خلف النزل مليء بالأخشاب الصلبة التي تحتاج إلى سواعد تتعب من أجلها… إن استطعت ملء المخزن الخلفي بحطب التدفئة قبل هبوط الليل، فسأعطيك وجبة دافئة ومكانًا لتنام فيه لهذه الليلة فقط.»

 

 

 

«لا أستطيع البدء الآن…»

حدق في الأفق الداكن وهمس لنفسه: «أظنها مسافة كافية… لقد ابتعدت عن الميدان كثيرًا. لا أعلم كم مضى من الوقت وأنا أركض، لكنها لا تقل عن ساعة كاملة.»

 

 

قاطعها نومريس بنبرة خافتة يغلب عليها الإعياء الشديد، ثم أردف بثبات: «لا أملك طاقة للتحرك في الوقت الحالي، لكن إن أكلتُ وسددتُ جوعي، فسأتمكن من إنجاز العمل.»

همس وهو يحدق في المدى: «الأمر سيمسي أكثر إثارةً للاهتمام… عدوٌ آخر دخل الساحة، أليس كذلك يا شمس الخراب؟»

 

 

تأملته مارغريت بجمودٍ لثوانٍ، ثم عقبت بصوتٍ يملؤه الشك: «ومن يضمن لي أنك لن تفر بجلدك فور أن تملأ بطنك؟»

قال نومريس بنبرةٍ خافتة يلفها الإعياء: «طعام… هل لديكم طعام؟»

 

استدار الحارس وخرج مسرعًا؛ فقد كان هذا دأبه كلما لمح وافدًا جديدًا عند الحدود، لا يعنيه إن كان عبدًا أو غريبًا ضائعًا، فالمهم لديه أن يظفر بقطعة النحاس تلك.

لم يجد نومريس ما يدافع به عن صدق قوله في تلك اللحظة. صمت لبرهة، يتأمل الخيارات الضيقة المتبقية أمامه، ثم مد يده بثقل إلى خصره. حلّ حزام السيف الأسود ببطء، ورفعه ثم وضعه على سطح الطاولة الخشبية بينهما وتحدث بنبرة خافتة: «يمكنكِ الاحتفاظ بهذا ريثما أنهي عملي وأسدد ثمن الطعام.»

سخر أحد المحاربين الجالسين في المائدة المجاورة بقهقهة عالية: «دعك منه يا مارغريت! إن كان لا يملك ثمن طعام، فارميه للكلاب في الخارج!»

 

فاحت من جوف النزل حرارةٌ دافئة ممزوجة بعبق الشواء المتبل ورائحة الحطب المحترق.

وقعت عينا مارغريت على السيف الداكن؛ اجتذب السلاح نظرات خاطفة من بضعة محاربين في الزوايا المجاورة، وتلألأ الجشع في عيونهم وهم يتأملون نصله الغريب.

انتشرت في الساحة الخشبية موائد مستديرة غصت بالمحاربين ورجال القبيلة الذين علت أصوات ضحكاتهم وصليل كؤوسهم الخشبية، بينما تشابكت ألسنة الدخان المتصاعدة من موقدٍ حجري ضخم يتربع في زاوية القاعة، تتقلب فوقه قطع اللحم المحمر.

 

 

مدت المرأة يدها وأمسكت بالغمد، لكن قشعريرة باردة سرت في أطرافها فور ملامسته، وكأنها تمسك بقطعة ثلج صلبة لا تنتمي لدفء النزل.

 

 

 

رفعت السيف بثقل وقالت بصرامة: «حسنًا… سيبقى هذا مرهونًا لدي حتى تكمل عملك كاملًا وتوفي دينك. لن تعود لك ملكيته إلا بعد ذلك.»

رفعت السيف بثقل وقالت بصرامة: «حسنًا… سيبقى هذا مرهونًا لدي حتى تكمل عملك كاملًا وتوفي دينك. لن تعود لك ملكيته إلا بعد ذلك.»

 

 

أومأ نومريس برأسه دون تردد: «اتفقنا.»

مضى يومان من المسير الشاق دون توقف تحت الشمس السوداء، حتى في ظلمات الليل الدامية.

 

 

كان يدرك أن تنازله المؤقت عن سلاحه أفضل بكثير من الموت جوعًا على قارعة الطريق.

 

 

رفع يده ليزيح خصلات شعره الثائرة عن عينيه، فقد كانت تعيق رؤيته بعد أن أهمل العناية بها لزمنٍ طويل. استل سيفه الأسود بهدوء، وبحركاتٍ متزنة بدأ يقص شعره الكثيف حتى استقر طوله عند حدود أذنيه وجبهته.

قوّمت مارغريت قامتها وهي توازن وزن السيف بين يديها، ثم سألته بفضولٍ لم تستطع كتمانه: «من أين حصلت على سيفٍ كهذا؟ وما اسمه؟»

 

 

عقله الذي اعتاد المحاكمة الباردة للمواقف فرض عليه التماسك؛ فالدموع والنزق لن ينقذا أحدًا، والقوة المرعبة التي تحركت في داخله للتو ليست إلا أداةً يترتب عليه فهمها وإتقانها قبل أن تغدو عبئًا يقتله.

أمال نومريس رأسه إلى الخلف مستندًا على الجدار، وظل يحدق في الفراغ؛ فهو يجهل أصل السلاح بالكامل، وبخصوص الاسم، أجاب بصوت متقطع: «لا أعلم… ولم أطلق عليه أي اسم بعد.»

 

 

 

تعجبت المرأة الأربعينية من إجابته المبهمة، لكنها هزت كتفيها بغير اهتمام، واستدارت مغادرة نحو المطبخ وهي تحمل السيف بين ذراعيها.

 

 

 

نهاية الفصل

 

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط