الكا؟ ما هذا؟
لم يكن الاسم غريبًا على نومريس، لكنه لم يستطع تذكّر أين سمعه من قبل.
حدّق رورمين فيه باستغراب، ثم سأله:
أنت ممسوس ولا تعرف ما تعنيه الكا؟ هل تتحدث بجدية؟
ظل تعبير نومريس هادئًا، وكأن السؤال لم يثر فيه أي انزعاج.
هل من الخطأ ألّا أعرفها؟
همم…
صمت رورمين قليلًا، ثم رفع إصبعه نحو السماء وبدأ يشرح:
حسنًا، الكا هي الطاقة التي تنبعث من أعماق الروح. إنها ما يربط الروح بقدرتها المفهومية، ويمكنك اعتبارها جسرًا يصل بينهما.
توقف لحظة، ثم أضاف:
من دونها، لن يكون الاتصال بين الروح والقدرة المفهومية ممكنًا.
أنصت نومريس إلى حديثه باهتمام، محاولًا استيعاب ما يقوله. وفي الأسفل، كان فورتكس يستند إلى جذع شجرة، وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة، بينما أخذ يهز رأسه.
تذكّر نومريس الكيان الأسود الذي اختفى عندما شعر بالتعب، وسرعان ما ربط بين تلك الحادثة وما أخبره به رورمين للتو.
إذًا، هكذا يعمل الأمر…
إذا استُنزفت الكا، فلن يعود بإمكانه استخدام قدرته المفهومية حتى يستعيد طاقته.
رفع نومريس نظره نحو رورمين وسأله:
“وإذا اختفت الكا بالكامل، فكيف يمكن استعادتها؟”
ابتسم رورمين قبل أن يجيبه:
“الكا لا تختفي، بل تُستنزف فحسب، حتى تصبح غير قادر على استخدامها. أما استعادتها، فلا تحتاج إلى شيء معقد. كل ما عليك فعله هو تناول الطعام، وشرب الماء، ثم الحصول على قسط من الراحة. هذا كل ما في الأمر.”
استوعب نومريس إجابته، ثم حوّل نظره نحو الأسفل.
كان هناك صبي يجلس وحيدًا بالقرب من ضفة النهر. بدا في الخامسة عشرة من عمره، بشعر طويل أشعث وعيون قرمزية تحدق مباشرة في نومريس.
تبادلت نظراتهما للحظات، وشعر نومريس بشيء غريب يصعب عليه تفسيره. كان في نظرات الصبي ما أعاده إلى ماضٍ لم يمض عليه سوى عامين، حين كان هو نفسه في مثل عمره، يواجه عالمًا لم يترك له الكثير من الخيارات.
ظل ينظر إلى الصبي دون أن يتحرك، بينما بقيت يداه ساكنتين إلى جانبيه. لم يعرف ما الذي ينبغي له فعله، ولا ما الذي يمكن أن يقوله له. فقد كان يعرف ذلك الشعور جيدًا، لكنه لم يعرف يومًا كيف يواسي شخصًا يعيشه.
أشاح بنظره أخيرًا، وأداره نحو اليمين.
كانت امرأة تجلس على الأرض، تمسح الأوساخ عن ثياب ابنتها الصغيرة. بدت ملابس الطفلة ممزقة ومتسخة، فيما كانت الأم تحاول تنظيفها بيديها المتعبتين.
أدار نومريس رأسه نحو اليسار.
كان الناجون يجلسون في مجموعات متفرقة على ضفة النهر. بعضهم يحدق في الفراغ بعيون خالية من التعبير، وبعضهم يلتفت حوله وكأنه يبحث عن شيء فقده. لم يعرفوا إلى أين يذهبون، ولا ما الذي ينتظرهم بعد ذلك.
لقد فُرّقوا عن عائلاتهم وأحبائهم، وانتُزعت منهم أبسط حقوقهم. بل إن بعضهم لم يعرف من الحياة سوى العبودية؛ فمنذ اللحظة التي وعى فيها وجوده، وجد نفسه في خدمة الآخرين، وسلسلة تطوق عنقه وتذكره كل يوم بأنه لا يملك حتى حرية الرحيل.
تأمل نومريس تلك الوجوه الصامتة، ثم خفض عينيه قليلًا.
تبًا للحياة، وتبًا لكل من يحمل السلسلة.
لو كان لأحد هؤلاء أن يعبّر عما يعتمل في صدره، فربما لم يجد كلمات أخرى يقولها.
“أمي، أنا جائعة…”
تعلقت طفلة لم تتجاوز الخامسة بثياب أمها الممزقة، وراحت دموعها تنهمر على خديها. شدّت بأصابعها الصغيرة طرف الثوب، ثم رفعت وجهها نحو أمها تنتظر إجابة.
لكن المرأة لم تقل شيئًا. اكتفت بضم ابنتها إليها، بينما راحت يدها تمرر على شعرها في محاولة لتهدئتها.
نهض نومريس فجأة.
استدار نحو فورتكس، فوجده ينظر إليه وقد شبك ذراعيه أمام صدره، وكأنه كان ينتظر منه أن يتخذ قرارًا.
التقط نومريس اللوحتين اللتين وضعهما بجانبه، ثم ضم سيفه إلى صدره ونزل عن الصخرة. سار نحو فورتكس، وتوقف أمامه قبل أن يسأله:
“ماذا سنفعل الآن؟”
فك فورتكس ذراعيه واستقام في وقفته، ثم أجاب:
“سنذهب إلى إقليم كوردو. يمكنك التحدث إلى مارغريت عندما نصل. لا بد أن لديها حلًا لمشكلتك ومشكلات هؤلاء الناس.”
هز نومريس رأسه ببطء، لكنه لم يبدُ مقتنعًا تمامًا.
“الجميع جائعون. كيف سنطعم كل هؤلاء؟”
رفع فورتكس عينيه نحو الحشد الممتد على ضفة النهر. كان كثيرون منهم يراقبان الرجلين، وقد لفت تحرك نومريس انتباههم، فبدأت الأنظار تتجه نحوهما واحدة تلو الأخرى.
تنهد فورتكس، ثم قال:
“حسنًا، لننطلق الآن. سنحاول اصطياد بعض الحيوانات في طريقنا. أعلم أن الأمر لن يكون سهلًا، خصوصًا مع ندرة الموارد في هذه المنطقة، لكن ليس لدينا خيار آخر.”
قطب نومريس حاجبيه قليلًا.
المسافة إلى إقليم كوردو طويلة، والإرهاق لم يفارق أجساد الناجين بعد. وحتى لو تمكنا من العثور على ما يكفيهم من الطعام، فإن مواصلة السير بهذه الأعداد لن تكون مهمة سهلة.
“وهل ترى أن أمامنا خيارًا آخر؟”
صمت نومريس قليلًا، وأخذ يفكر في الأمر. حاول البحث عن حل قد يخفف معاناة هؤلاء الناس، لكنه لم يجد شيئًا يمكنه الاعتماد عليه. لم يكن يعرف إلى أين يمكنه أخذهم، ولا كيف سيؤمّن احتياجاتهم طوال الرحلة.
في النهاية، أومأ برأسه.
“حسنًا، سنعمل بخطتك. علينا فقط أن نأمل أن يتمكنوا من الصمود حتى نصل.”
لم يطل بقاؤهم على ضفة النهر. سرعان ما بدأ الناجون بالاستعداد للمغادرة، ثم تحرك الحشد من جديد، متجهًا جنوبًا نحو إقليم كوردو، بعيدًا عن عاصمة نيڤيريا.
مرّ الوقت سريعًا، ورغم محاولات نومريس ورورمين المتكررة لصيد ما يكفي من الطعام. لم يوفّقا في اصطياد الكثير، لكن نومريس تمكن بمساعدة كيانه الأسود من الإمساك بحصان بري أشهب، بينما اصطاد رورمين غزالتين.
لم تكن هذه الغنائم تكفي لملء حتى نصف معدة ثلاثمئة شخص، لكنها كانت أفضل من لا شيء.
في اليوم التالي، وبعد أن شهد نومريس معاناة عدد من الناجين في هذه الهضاب الوعرة، تسلل بعيدًا عن المجموعة دون أن يلفت الأنظار. وبعد مدة، عاد برفقة كيانه الأسود، الذي كان يجر خلفه خمسة خراف سمينة.
ما إن رأى رورمين الخراف حتى ارتسمت ابتسامة على وجهه.
“هل سرقتها؟”
تنحنح نومريس، ثم أشار بيده نحو الجانب الآخر من الهضبة.
“توجد قرية هناك. سأدفع لهم ثمن هذه الخراف في المستقبل.”
لم يعلّق رورمين، واكتفى بالنظر إليه بابتسامة تحمل شيئًا من التسلية.
أما بقية الناجين، فقد اعتادوا وجود الكيان الأسود إلى جانب نومريس، فلم يعودوا يخافون منه كما فعلوا في البداية. وربما كان تشابه ملامح نومريس مع ملامح معظمهم سببًا آخر جعلهم يشعرون بشيء من الارتياح بقربه، رغم غرابة الكيان الذي يرافقه.
بعد أن ابتعدوا عن المنطقة قليلًا، أشعلوا النار وبدأوا في شواء الخراف، إلى جانب غزال كان رورمين قد اصطاده.
جلس نومريس بجوار رورمين، بينما اتخذ فورتكس وييمير مكانًا بالقرب منهما. كان الليل قد حلّ، وعلى الرغم من تحسن الطقس خلال اليومين الماضيين، فإن الغيوم الداكنة القادمة من الشرق ظلت تنذر بأن هذا الصفاء لن يدوم طويلًا.
توهجت النار بينهم، وأمسك كل واحد منهم بقطعة صغيرة من اللحم. لم يُسمع في المكان سوى طقطقة الحطب وصوت المضغ، فيما انشغل الجميع بتناول الطعام بعد أيام من الجوع والإرهاق.
مرّت ليلة، ثم أعقبتها أخرى، ومع اشتداد البرد، لم تعد النار قادرة على حماية الجميع من قسوة الطقس.
مات عشرة أشخاص بسبب البرد القارس والجوع. لم تستغرق عملية دفنهم وقتًا طويلًا؛ فقد حفر الناجون قبورهم على عجل، ثم استأنفوا رحلتهم، مضطرين إلى مواصلة السير رغم الإنهاك الذي أثقل أجسادهم.
لكن المحنة لم تنتهِ عند ذلك الحد.
مع تناقص الطعام، فارق الحياة عدد آخر من الناجين، من بينهم ثلاثة بشر عاديين وعدة أفراد من عرق سومر.
وهكذا، تقلص عدد المجموعة من ثلاثمئة شخص إلى مئتين وسبعين.
كان العدد لا يزال كبيرًا، وكانت مسؤولية توفير الطعام وحماية الناجين تزداد صعوبة مع كل يوم يمر.
وفي اليوم الخامس، توقفت المجموعة فوق جرف مرتفع يطل على جبل ضخم. عند سفح الجبل، امتدت قبيلة كبيرة بمنازلها المتلاصقة، حتى بدت كأنها مستوطنة واحدة مترامية الأطراف.
حدّق نومريس في المشهد أمامه، ثم تمتم:
“وصلنا أخيراً.”
كانت تلك القبيلة هي نفسها التي التقى فيها نومريس بمارغريت وفورتكس من قبل. وقد عُدّت واحدة من القبائل العظيمة في إقليم كوردو، إذ امتدت مساكنها على طول كيلومتر كامل، متراصة بعضها إلى جانب بعض.
ومع ذلك، لم يكن الوصول إليها بالسهولة التي بدا عليها من بعيد. فعلى الرغم من وضوح منازلها أمامهم، ظلت تفصلهم عنها مسافة لا بأس بها، وكان عليهم اجتياز منحدر أمامهم قبل بلوغ أسفل الجبل. وإلى جانب القبيلة، امتد نهر طويل بمحاذاة مساكنها.
تأمل نومريس المشهد للحظات، ثم قال:
“لا ينبغي لنا الاقتراب من القبيلة بهذا العدد. سيظنون أننا جئنا لإعلان الحرب عليهم.”
حوّل نظره نحو فورتكس، الذي ألقى نظرة على الحشد خلفهما قبل أن يجيبه:
“سنتركهم هنا ريثما نجد حلًا لمشكلتهم.”
“هذا ما ينبغي لنا فعله.”
وافقه فورتكس فورًا.
بعد أن تحدث نومريس مع الناجين وأوضح لهم ما سيفعلونه، بدأ الأربعة يستعدون للنزول عن الجرف. لكن قبل أن يخطو بعيدًا، شعر نومريس بشيء يشد طرف ثوبه.
التفت، فرأى الطفلة ذات الأعوام الخمسة التي رآها تبكي من الجوع قبل أيام. كانت تمسك بثيابه بأصابعها الصغيرة، وترفع وجهها نحوه.
“هل ستعود إلينا؟”
كان سؤالًا بسيطًا، بريئًا إلى حد يصعب معه تجاهله.
تأمل نومريس عينيها الواسعتين، ولاحظ أن خديها كانا متورمين بشدة من أثر البرد. ثم رفع نظره نحو بقية الناجين، فوجدهم يراقبونه بصمت، منتظرين إجابته، وكأن السؤال لم يصدر عن الطفلة وحدها، بل عنهم جميعًا.
ولم يكن ذلك مستغربًا.
خلال الأيام الماضية، كلما ابتعد نومريس عن المجموعة، عاد بشيء يسد جوعهم أو يخفف من معاناتهم. وكان يساعد كل من يحتاج إلى المساعدة، حتى أصبح بالنسبة إليهم أشبه بقائد، رغم صغر سنه.
كان رورمين وفورتكس موجودين أيضًا، لكن انتماء نومريس إلى العرق نفسه الذي ينتمي إليه معظم الناجين منحهم شعورًا مختلفًا بالطمأنينة. ففي وجوده، لم يكونوا مضطرين إلى شرح معاناتهم أو الخوف من أن يُنظر إليهم باعتبارهم غرباء لا يستحقون العون.
انحنى نومريس قليلًا، حتى أصبحت عيناه في مستوى عيني الطفلة، ثم رسم ابتسامة هادئة على وجهه.
مدّ يده إلى إحدى اللوحتين اللتين كان يحملهما، ثم ناولها إياها.
“سأعطيك هذه. لقد رسمتها بيدي عندما كنت صغيرًا. سأعود، وهذه اللوحة ستكون وعدي لك.”
أمسكت الطفلة باللوحة بصعوبة بكلتا يديها، وحدقت فيها للحظات قبل أن ترفع وجهها إليه مجددًا. ظهرت ابتسامة صغيرة على شفتيها، وكأن كلماته أزاحت عن قلبها عبئًا لم تكن تعرف كيف تعبّر عنه.
“حسنًا، لقد وعدتني.”
أومأ نومريس مبتسمًا.
“لقد وعدتك.”
تركها بعد ذلك، واستدار نحو رورمين وفورتكس وييمير. ثم انطلق الأربعة معًا في اتجاه القبيلة، تاركين خلفهم مئتين وسبعين ناجيًا ينتظرون عودته.
كانت الشمس السوداء معلقة فوق رؤوسهم، لكن الغيوم الداكنة الكثيفة حجبتها عن الأنظار. ومنذ أيام، لم تنقشع تلك الغيوم عن السماء، وكأنها تتهيأ لشيء قد حان أوانه.
“””
قبل خمسة أيام، في الضاحية الشرقية، شارع رقم 8، منزل عائلة نيفيس.
استقبلت سيليستيا نيفيس خبر تدمير السجن بذهول واضح.
هل أنت متأكد؟
أجابها العجوز الواقف أمامها:
نعم، سيدتي الصغيرة. حتى إن روبرت، مدير السجن، اختفى تمامًا، ولم يُعثر له على أي أثر. هناك من يقول إنه ربما تبخر بفعل شدة الانفجار.
كانت ريماس ممددة على السرير، تراقب وجه العجوز وهو ينقل الخبر إلى سيليستيا. وما إن انتهى من حديثه حتى سألته:
من فعل ذلك؟
التفت العجوز نحو ريماس وهز رأسه.
لا أحد يعرف حتى الآن. إنهم ينتظرون في الوقت الحالي أن يستعيد نائبه وعيه، لعلّه يتمكن من إخبارهم بما حدث.
وماذا عن السجناء الذين كانوا في الداخل؟
سألت سيليسيتا.
آه، لقد فرّوا جميعًا قبل وقوع الانفجار، وبعض الحراس يتعقبونهم بعد خروجهم من العاصمة.
ساد الصمت للحظات بينما أخذت سيليستيا تفكر في ما سمعته. ثم أومأت برأسها وقالت:
«شكرًا لك يا عم على إخباري بهذا الأمر.»
توقفت قليلًا قبل أن تسأله مرة أخرى:
هل عاد أخي وأمي؟
لا، سيدتي. لم يعد السيد بران ولا والدتك حتى الآن.
حسنًا. عندما يعودان، أخبرني فورًا.
أومأ العجوز برأسه، ثم استدار استعدادًا للمغادرة. لكنه لم يكد يخطو بضع خطوات حتى سمع صوت سيليستيا مجددًا.
جهّز عشرين عربة بحلول الصباح الباكر.
توقف العجوز والتفت إليها باستغراب. لم يفهم سبب هذا الطلب المفاجئ، لكنه لم يسأل عن التفاصيل، بل انحنى احترامًا لها.
كما تأمرين، سيدتي الصغيرة.
ثم غادر الغرفة.
ما إن أُغلق الباب خلفه حتى ارتسمت ابتسامة على وجه ريماس.
ذلك الوغد يستحق ما حدث له.
ثم حولت نظرها نحو سيليستيا وسألتها:
والآن، لن تفعلي شيئًا غدًا، أليس كذلك؟
راقبت سيليستيا وجه ريماس للحظات قبل أن تجيب بهدوء:
بما أنه اختفى، ولا أحد يعرف إن كان لا يزال على قيد الحياة أم لا، فلا يمكنني فعل شيء في الوقت الحالي. أما بعد تدمير السجن، فقد انتهت مهمتي.
توقفت قليلًا، ثم أضافت بنبرة حاسمة:
أما الآن، فأنا مستعدة للبدء بما أخبرتك عنه سابقا.
نهاية الفصل
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.