الفصل 536
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ
ترجمة: ســاد
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
إن هدير الوحوش السحرية داخل الوادي جعل نوح يشعر بمشاعرهم، فتوقف عن الطيران وهو يغمر نفسه في تلك الأحاسيس.
عرفهم جيدا.
الشوق إلى الحرية، وهو الشيء الذي ناضل من أجله كثيرًا، لكنه لا يزال مهددًا بالعديد من الأعداء الذين صنعهم على طول طريقه.
يعلم ما يعنيه أن تكون الأفضل من نوعك، لكنه لا يزال غير قادر على الهروب من قبضة كائنات أقوى منك بكثير، شعر بهذا العجز كثيرًا في حياته.
وبعبارة بسيطة، فقد تعاطف مع الوحوش المحاصرة داخل ذلك المكان.
“ومع ذلك، فأنا لا أشتاق إلى النور، فطريقي لا يمكن أن يقودني إلا إلى أعماق الظلام.”
فكر نوح وهو يغلق عينيه، الشيء الوحيد الذي يمكن لعقله إدراكه هو هدير الوحوش.
” كنت تتبع طبيعتكم فقط، شخص أو شيء آخر أجبركم على المعاناة بسبب احتياجاته.”
تشكلت مسحة من الغضب داخل نوح، كل من جانبه البشري وجانب التنين يمكن أن يتعاطف مع هذا الوضع.
تم حرمان فصيلة التنين الملعونة من قدرتها على الإنجاب وأجنحتها، وتم حبسها في قفص لا يمكنها الهروب منه، وأجبرت على رؤية تراثها يتضاءل بمرور الوقت.
تم التعامل مع نوح باعتباره سجينًا طوال معظم حياته، جهوده تُرى دائمًا باعتبارها ميزة يمكن استغلالها بدلاً من كونها شيئًا يجب تغذيته.
” ارتكبوا خطأ أيضا.”
أدرك نوح ذلك حين وصل تفكيره إلى تلك النقطة.
عائلة بالفان، وعائلة إلباس، ودانيال، وجنود الإمبراطورية، وحتى المنظمات الصالحة في أرخبيل المرجان، كلهم ارتكبوا خطأ الاستخفاف به.
ظنوا جميعًا أنهم كانوا يسيطرون على الممارس البشري الصغير الذي بدا نوح بالفان.
“يبدو الأمر كما لو أن جوهرى ينتشر إلى كل ما يتلامس معي، وهو خطأ يولد أخطاء أينما ذهب.”
تمكن الآخرون في مجموعة نوح من ملاحظة أن هناك شيئًا ما خطأ معه عندما رفعوا أنظارهم من الوادي، بعضهم على وشك التحدث، لكن الشيخة هوب أوقفهم على الفور بإشارة.
“عندما يؤثر شيء لا ينبغي أن يكون موجودًا على العالم، تولد الفوضى.”
ظهرت آثار الإبتسامة على وجه نوح، لم يستطع إلا أن يشعر بالرضا عندما استعرض التأثير الإيجابي الذي تركه طوال حياته.
وجد الحارس الذي ليس له مستقبل تلميذًا يستحق رعايته.
الفتاة الوحيدة التي فقدت الثقة في عائلتها تم تكليفها بقوة لم تكن حتى العائلات النبيلة المتوسطة الحجم تمتلكها.
الممارس المدمر الذي قضى أيامه في محاربة آلامه التي لا تنتهي حصل على وريث يمكنه تحقيق أحلامه.
أمة على حافة الانهيار تركت ذرة أمل بين يديه.
تمكنت منظمة مختبئة تحت السطح في النهاية من الصعود إلى السلطة والمطالبة باستقلالها.
طار نوع منقرض تقريبًا مرة أخرى في السماء وصرخ بغضبه تجاه السماء والأرض.
“أنا أول إنسان، الإنسان الذي كان مقدرا له أن يكون من عامة الناس، لكنه انتهى به المطاف وحشًا يتحدى قدره. لماذا أيأس إذا الظلام يحيط بي؟”
موهبته هي السبب في معظم مشاكل نوح، عنصره هو لعنته ولكن أيضًا السبب في قدرته على التألق بشكل ساطع بين أقرانه.
“إذا أحاط بي الظلام، فسأحوّله إلى ظلامي! جوهرُي خالٍ من إرادة السماء والأرض، ولا أخضع لقوانينهما!”
تغيرت هالة نوح قليلاً تحت نظرات رفيقه، البرودة والوحشية التي ينضح بها تضاءلت في شدتها، بدا الأمر كما لو أن حجابًا مظلمًا بدأ يغطي وجوده.
تنتشر الفوضى كلما خطوتُ خطوة، وما ألمسه يخلّف مصيرًا محتومًا اختارته السماء والأرض. ظلمتي لن تُقيّدني ولن تُخفيني، بل ستشكل مساراتٍ لا يوجد فيها سوى الفراغ! لأن الخطأ قد يحيا والفراغ قد يوجد، وسيؤثر على العالم من حوله.
تغير شيء ما داخل نوح عندما وصل إلى تلك النقطة في أفكاره.
إن قضاء وقت طويل في إزهاق الأرواح يُنسيك من تُعطي. وبالمثل، فإن التركيز المُفرط على التدمير يُنسيك قدرتك على الإبداع، حتى لو كنت تُبدع منذ البداية.
فتح نوح عينيه بعد تلك الأفكار، شعر بعيون الشيوخ مثبتة عليه، لكنه لم يهتم، عليه أن يلقي نظرة أخرى على الوادي المظلم.
انطلقت الزئير بلا انقطاع من أعماق الوادي، وكاد نوح أن يرى نفسه محاصرًا إلى الأبد في مكان مماثل على أيدي قوة لا يستطيع أن يضاهيها.
يعلم أنه من الممكن أن ينتهي الأمر بنفس الطريقة وأن مثل هذه الفرصة لا تزال موجودة، ولكن هذا هو السبب نفسه الذي جعله يتمكن من اكتساب بعض الفهم من وضعهم.
سأتبع دروبًا سلبتك. إن الظلام قد أعماك وأهلكك، فسأكون ظلامًا يُنير ويُبدع. لن يضيع يأسك سدىً.
شعر نوح بقليل من الامتنان تجاه تلك الوحوش حتى لو يعلم أنهم كانوا يتبعون غرائزهم فقط، ولم يكن هديرهم مخصصًا أبدًا لتثقيف الممارس.
ومع ذلك، لم يكن نوح مجرد ممارس بسيط، بل هجينًا يمكنه التعاطف مع وضعهم.
إن الفهم الذي حصل عليه للتو لم يكن يتعلق فقط بقوانين عنصر الظلام، بل إنه استكشف أعماق جسده.
يعتقد دائمًا أنه مجرد مدمر، شخص يستمر في قطع كل ما يظهر أمامه للتقدم.
أهمل دائمًا ما بقي سليمًا بعد رحيله، ولم يتمكن أبدًا من رؤية ما شكله، والمسارات التي شقها.
“الأمير؟”
سألت الشيخة هوب عندما رأت أن نوح تنهد وحرك نظره بعيدًا عن الوادي.
“ما هذا؟”
سأل نوح بصوت هادئ بينما بدت عيناه تتقاطعان مع عينا هوب، بدا الأمر كما لو أنه لم يكن على علم بأنه توقف للتو عن الطيران في أراضي العدو لفترة من الوقت.
شعرت وكأنها تحدق في هاوية، طاقته العقلية تخفي سمات هالته، لكن كل شيء عنه مرئيًا.
“الظلام الذي لا يتصرف كالظلام.”
فكرت الشيخة هوب قبل أن تهز رأسها وتستأنف رحلتها، وألقى الشيوخ الآخرون نظرة سريعة على نوح قبل أن يتبعوها.
ولم يكن لدى نوح أي شيء آخر ليفعله في ذلك المكان فتبعها أيضًا.
رغم أن عقله لم يكن يركز على البيئة التي يعيش فيها، إلا أنه يدرس الأساس وراء إنشاء التعويذات بدلاً من ذلك.
