877. الزعيم
لم يحتج نوح إلا إلى يد واحدة لصد هجوم الأفعى. جسده في الطبقة العليا الآن، مما يضاهي قوة الأفاعي. ومع ذلك، فقد اندمج مع تنين، لذا بدت قوته البدنية أعلى بقليل من قوة خصمه.
بالطبع، كان نوح ليُسيطر عليه في ذلك الحقل لو الثعبان مجرد وحش سحري. ومع ذلك، فإن الكلمات التي نطق بها جعلت الجميع يدركون أنهم يواجهون هجينين.
كذلك، استخدم هذا الهجين لغة الأراضي الفانية الأخرى، مما لم يترك مجالًا للشك في أصلهم. ربما وضعهم ملك الإمبراطورية في بُعد منفصل بعد خسارتهم الحرب.
لكن هناك احتمال آخر.
لم يكن أحدٌ من الممارسين هنا يعرف آلية عمل الأراضي الخالدة. بدا هناك احتمالٌ كبيرٌ أن تعيش كائنات هجينة في المستوى الأعلى، إذ إن اثنتين من الأراضي المعروفة قد نجحتا في إنجاب هذه الأنواع.
من المعقول أن تعيش مثل هذه المخلوقات هنا.
مع ذلك، شعر نوح أن لغتهم لا يمكن أن تكون مصادفة، فقد انتصروا للتو في الحرب ضد العالم الآخر. لبدا الأمر مختلفًا لو استخدموا لغة مجهولة، لكن نوح قد استخلص استنتاجه في الأمر، لأن الأمر لم يكن كذلك.
علاوة على ذلك، لم يرغب نوح في التفكير كثيرًا في أصلهم لأنه قد عقد العزم على التقاط واحد منهم على الأقل!
لم يأتِ قراره فقط من المعلومات المُحتملة حول امتلاك ذلك البُعد لتلك المخلوقات. فالخلية بحاجة إلى أكبر قدر ممكن من الموارد، وكان من الصعب تدريب خبراء الرتبة الخامسة. إجبار واحد على الأقل من الهجينين على الانضمام إلى منظمته لن يُفيد إلا قوتها ككل.
ابتسم نوح ساخرًا وهو يحدق في عينيّ الثعبان المذعور. الحقيقة أنه لطالما فضّل محاربة الوحوش السحرية لأنها أتاحت له إظهار قوة جسده على أكمل وجه.
تبادلت زوجان من عيون الزواحف نظرة طويلة قبل أن يقررا كسر هذا الجمود.
طعن نوح بأصابعه الجلد المتقشر فوق فم الثعبان، وشدّ قبضته ليمزق قطعة كبيرة من لحمه. عندها، فعّلت غريزة البقاء لدى الثعبان، وفعّلت قدرته الفطرية على الابتعاد عن ذلك الإنسان المُهدِّد.
أصبح جسدها شفافا حتى اندمج تمامًا مع البيئة. اختفت الأفعى تمامًا، ووجد نوح نفسه عاجزًا عن تحديد مكانها.
لم يشعر وعيه بشيء، حتى الجرح الذي أحدثه لم يترك أثرًا. كأن ذلك المخلوق الذي يزيد طوله عن خمسين مترًا قد اختفى تمامًا دون أن يترك أي أثر.
“كما توقعت ” استنتج نوح في نفسه عندما رأى تلك القدرة للمرة الثانية. “الأربعة منهم ثعابين شبحية”.
ظهرت سلسلة من المعلومات في ذهنه وهو يراجع ما يعرفه عن هذا النوع.
الميزة الرئيسية للأفاعي الشبحية هي قدرتها على الاندماج مع البيئة وإخفاء وجودها. في هذه الحالة، تكون شبه منيعة، وتستطيع اختراق أي مادة. مع ذلك، لن تتمكن من التأثير على المادة أيضًا، وهو ما عوّضته بأجسادها القوية.
بالإضافة إلى ذلك، بدت لديهم قدرة أرضية، وهي ميزة تستحق النظر إليها نظرًا لأنهم لم يكونوا مجرد وحوش سحرية.
وسّع نوح وعيه إلى أقصى حدوده، وأطلق العنان لغرائزه في عقله. وحده جسده قادر على مساعدته على استشعار وجود الأفعى بمجرد دخولها تلك الحالة غير المادية.
ومع ذلك، حتى عندما شحذ حواسه، لم يستطع إلا أن يشعر بتوتر معين في الجو، وربطه بوحش يُحضّر لكمين. لم يستطع تحديد مكان الهجوم التالي، ولا متى.
لن يكون قادرًا على الشعور به إلا عندما يتم إلغاء تنشيط شكله غير المادي.
“أريد أن أرى إذا كنت تجرؤ على المجيء إذن ” اتسعت ابتسامة نوح، وغزت برودة هادئة عينيه بينما بدأت خيوط من الدخان الأسود تخرج من جسده.
لم يُرِد نوح إخافة الأفعى. فترك الدخان يتصاعد عاليًا في السماء وينتشر في البيئة. ذلك طُعمًا. يحاول إظهار جزء من قوته ليجعل الأفعى تعتقد أن الدخان المُؤَكِّل هو وسيلته الدفاعية.
بالطبع، لن تنجح هذه الاستراتيجيات ضد ممارس حقيقي. إنها مجرد تكتيكات بسيطة تستغل غرائز الوحوش السحرية.
حتى المفترس الأعظم سيستغرب سهولة قتل فريسته. لذا، بدا على نوح أن يُظهر استعداده للنضال من أجل حياته إذا أراد أن يهاجمه خصمه.
أصبح الثعبان مذعورًا، ولم يكن يفكر إلا في تخزين الطعام. عندما رأى الدخان الآكل يتصاعد من جسد نوح، شعر بالخطر الذي يُشعّ منه. ومع ذلك، شعر أيضًا أن جسده قادر على تحمّله لفترة كافية لتحويل الممارس إلى عجينة.
بمجرد أن أجرى تلك الحسابات الغريزية، اقترب الثعبان من نوح وبسط فميه الأثيريين ليحيط بجسده. بدأ جسده يتحوّل إلى مادة في تلك اللحظة، وأغلق فمه بسرعة ليسحق فريسته بهجوم واحد.
لكن فجأةً، أظلمت رؤية الثعبان، وامتلأ فمه بحرقة. وعندما عاد النور إلى عالمه، رأى الثعبان سلسلةً من النيران البيضاء تحرق الجلد الداخلي لفمه وحلقه.
ومع ذلك، لم يكن لديه الوقت للتركيز على تلك النيران، حيث ملأ إحساس خطير عقله وجعله ينسى العاصفة.
بدا نوح قد فعّل بالفعل هيئته الشيطانية بالكامل عندما تمكن الثعبان من إبعاد انتباهه عن فمه. وارتفعت أربعة أذرع إضافية من جذعه لتُمسك بأربع نسخ من السيف الشيطاني.
شعرت الثعبانة بالحاجة إلى الهرب، لكن الأوان قد فات. حتى تفعيل قدرتها الفطرية لم يُمكّنها من تفادي الهجوم.
بدا أن الزمن قد توقف عندما جرح نوح، لكن الألم وصل أسرع بكثير مما تخيلته الأفعى. عندما استدارت، رأت جرحًا عميقًا يبدأ من الزاوية اليسرى لفمها وينتهي في مكان ما في منتصف جسدها.
شعر الثعبان بالارتياح في البداية. بدا أن الممارس قد فوت جميع الأعضاء الحيوية.
ومع ذلك، أطلق نوح زئيرًا وهو يرفع أذرعه الستة مجددًا في الهواء، مُستعدًا لإطلاق الشكل الثاني من فنون مخلب التنين القتالية. حملت الصرخة معنىً بسيطًا، لكن الفخر الشديد الذي لا يُشعّ به إلا هجين في الطبقة العليا ساندها.
وصل صراخ نوح إلى أعماق غرائز الثعبان، لكن عقله ترجم هذا الزئير بكلمات بشرية. “استسلم أو مت!”
لم يستطع الثعبان إلا أن يخفض رأسه خوفًا في تلك اللحظة. أجبرته غرائزه على الاعتراف بنوح قائدًا له.
