الفصل 1
” أريد أن آكل بنكرياسكَ ”
“علي البحث عمّن؟ حتى شخص مثلي لن يقدر على أكل لحم عائلته ”
كنا في أرشيف مكتبة المدرسة، بينما نرتّب الكتب على تلك الأرفف المغبّرة، – كانت تلك مهمَّتنا كأعضاء لجنة المكتبة – ساكورا ياماوتشي نطقت باعتراف غريب.
ببساطة قرّرتُ تجاهله.
“إذن أخبرني عمّاذا كنت أتحدث ؟”
كنا أنا وهي الوحيدان المتواجدان في الأرجاء، وبما أن تحدُّث المرء مع نفسه سيكون غريباً قليلاً، فهمتُ أنه لابد أنه اعتراف موجه لي
لم يكن باليد حيلة – أجبتُ تلك القابعة خلفي، المقابلة للرفوف.
” لم أفكر حيال الأمر حقًا، أعني لا يزال أمامنا الوقت… ”
” هل أدركتِ فجأة فكرة آكلي لحوم البشر؟”
“هل يُعقل حقًا أن تقضي الوقت القليل المتبقي لكِ في عيش أيام في ترتيب المكتبة؟ ”
أخذَت ساكورا نفساً عميقاً فاختنقت ببعض الغبار، ثم سعُلَتْ مرّات قليلة لتنظف حلقها
بعدها أخذَت تفسّر بصوت ممزوج بنوعٍ من الانتصار، لم ألتفت نحوها
.
” لقد شاهدتُه على التلفاز – قديماً، لو كان لأحدهم ضرر في جزء من جسمه، فإنه يأكل ذلك الجزء من حيوان آخر”
” ماذا عن هذا؟ ”
” لهذا عليكِ إيجادَ شخص آخر ”
” كلْ كبدًا إن كان كبدك مريضاً، كلْ معدةً لو كانت معدتُك مريضة وهكذا… يبدو أنهم كانوا يأمنون أن هذا من شأنه أن يشفيهم. لذلك أريد أن آكل بنكرياسك ”
” هل يعقل أنك تطلبين مني أنا هذا ؟ ”
كنا أنا وهي الوحيدان المتواجدان في الأرجاء، وبما أن تحدُّث المرء مع نفسه سيكون غريباً قليلاً، فهمتُ أنه لابد أنه اعتراف موجه لي لم يكن باليد حيلة – أجبتُ تلك القابعة خلفي، المقابلة للرفوف.
” ومن غيرك إذن؟ ”
“هذه كذبة، أليس كذلك؟ ”
ضحكَتْ دون أن تنظر في اتجاهي، يبدو أنها منغمسة في عملها، أستطيع أن أسمع صوت حفيف واصطدام الكتب ذات الأغلفة الكرتونية بالأرض جرّاء ترتيبها.
” حسناً، ألا تفكرين في إيجاد حبكِ الأول مثلاً ؟ أو أن تذهبي في نزهة إلى البحر او الى الخارج أين تقرري أين تقضين آخر لحظاتِك؟”
” بنكرياسي الصغير لا يستطيع أن يتحمل أبدًا عبئًا كإنقاذك مثلاً ”
لقد أصبتُ بالإحباط من كلامها. لكنني في نفس الوقت أفهم ذلك. حتى أنا – سيؤول حالي مثل حالها في المستقبل القريب – سأموت بالتأكيد يومًا ما. أكيد أنا جاهل بميعاد وفاتي، إلا أنه أمر محتوم، من يدري ربما أموت قبلها حتى.
” لهذا عليكِ إيجادَ شخص آخر ”
” إذن أنت لم تكن تستمع ! الكذب ممنوع! ”
“علي البحث عمّن؟ حتى شخص مثلي لن يقدر على أكل لحم عائلته ”
” حسناً ، ليس الأمر كما لو أنني لا أفهم ما تحاول قوله. فحتى أنتَ على سبيل المثال لديك أماني و رغبات تريد القيام بها قبل وفاتك. أليس كذلك؟” ” لن أنكر ذلك ”
ضحكَت مرة أخرى. أما بالنسبة لي، فأزحتُ مكتبي بهدوء، وددْت لو أخذَت هي الأخرى عملها على محمل الجد أيضاً.
” كعكة البخار لذيذة ”
“بالمختصر المفيد، بإمكاني سوى الاعتماد على زميلي كن الذي يعلم سرّي”
“إذن أخبرني عمّاذا كنت أتحدث ؟”
” ألم تفكري أنني ربما أنا أيضا بحاجة إلى بنكرياس؟ ”
أجبتُ إجابة مناسبة ثم قضمتُ قضمه من كعكة البخار. لقد كانت لذيذة.
” كأنك تعرف ما دور البنكرياس أصلاً ”
” بلى، أعلم ”
ضحكَتْ دون أن تنظر في اتجاهي، يبدو أنها منغمسة في عملها، أستطيع أن أسمع صوت حفيف واصطدام الكتب ذات الأغلفة الكرتونية بالأرض جرّاء ترتيبها.
علمْتُ بشأن هذه الغُدّة، لقد قرأت عنها من قبل، وهي بطبيعة الحال انتهزت الفرصة.
سمعتها تتنفس وخطواتها خلفي، علِمتُ أنها استدارت بحماس.
أخذتُ نظرة خاطفة نحوها لأجدها تتصبّبُ عرقاً، تعتليها ابتسامة لا يتوقعها أحد من مريض ميؤوس الحال.
على الرغم من أن العالم يعاني كفاية من الاحتباس الحراري، ونحن بالفعل في شهر يوليو، أحد ما تجاهل تشغيل المكيّف، تصبّبتُ عرقًا أنا الآخر.
” آسف لأني أحضرتكما أنتما الاثنان للمساعدة، رغم أن الامتحانات تبدأ الأسبوع القادم. ”
“هل يعقل أنك طالعتَ عنه؟”
ابتسم لها الفتيان أثناء مرورهم بنا. إذا لم تخنِّ الذاكرة، ينبغي أن يكون زميلاً لي في الصفّ، لكنه لم يعر لي بالاً أبداً.
تردد صدى صوتها قليلاً في المكان، لم أملك خيارا آخر لذا أجبتها:
” كأنك تعرف ما دور البنكرياس أصلاً ” ” بلى، أعلم ”
“يساعد البنكرياس على الهضم وانتاج الطاقة. فمثلاً يقوم بإنتاج الأنسولين الذي يعمل على تحويل السكر الى طاقة. بدون البنكرياس، لن يتمكن الناس من الحصول على الطاقة، ما يؤدي هذا إلى الموت المحتوم. لهذا السبب لا أستطيع أن أدعك تتغذين على بنكرياسي. أنا آسف ”
بعد أن أخبرتها بكل شيء أردتُ قوله، عدت إلى مهمتي، أما هي فأخذَتْ تُزمجر ضاحكةً.
” لا عليك، لا بأس نحن ذلك النوع من الطلاب الذي دائما ما يتحصل على درجات عادية. صحيح يا زميلي كن العالم بسرّي؟ ”
فَهْمها لنكتي أصبح شيئاً يميّزها، لكن هذه المرّة شعرت أن شيئاً ما كان مختلفاً بعض الشيء.
” حسناً، ألا تفكرين في إيجاد حبكِ الأول مثلاً ؟ أو أن تذهبي في نزهة إلى البحر او الى الخارج أين تقرري أين تقضين آخر لحظاتِك؟”
” من كان يتصوّر أن زميلي كن الذي يعلم سري أصبح متهماً بي ؟ ”
بعد أن مكثنا في المكتبة حوالي نصف ساعة إضافية، شرعنا في التوجه الى المنزل.
” حسناً، لا يوجد مانع في الاهتمام بزملاء يعانون من مشاكل صحيّة صعبة ”
” هل بدأتما أنتما الاثنان تفكرا بشأن الجامعة؟ ماذا عنكِ يا ياموتشي؟ ”
” لا، أقصد ماذا عني كشخص؟ هل أروق لك ؟ ” ”
“من يدري…”
” لا عليك، لا بأس نحن ذلك النوع من الطلاب الذي دائما ما يتحصل على درجات عادية. صحيح يا زميلي كن العالم بسرّي؟ ”
” ماذا تقصد ؟ ”
سماء الصيف خلفها لاتزال تلمع بالبرتقالي والزهري بلمسة نهائية فائقة اللمعان، فقد سحرتنا بتوهجها الذابل. في المقابل، لم ألوّح لها، أدرتُ ظهري لها مرة أخرى وتوجهت نحو المنزل. في غياب ضحكاتها الصاخبة، واصلت السير في هذا الطريق المألوف، حيث أفسحَ اللون الدافئ لنهاية اليوم الطريق للمساء الأزرق.
انفجرَت ضحكاً مرة أخرى، لابدّ أن الأدرنالين النّاجم عن شدّة الحرّ قد أثّرعلى بصيلات رأسها، كنت قلقاً على حالها.
أكملنا عملنا في سكينةٍ بعد ذلك، إلى أن نادنا الأستاذ المسؤول عن المكتبة.
” لا بأس، ويجب عليك أن تتوقفي. لأنني لا أمانع. ” أنا حقا لا أمانع. لأننا انا وهي قطبان متعاكسان، لذلك لا يمكن أن يعاملنا زملائنا بنفس الطريقة. ” هذا هو بالضبط السبب في عدم قدرتكَ على تكوين صداقات ”
بطريقةٍ أو بأخرى، بدا أن وقت إغلاق المكتبة قد حان. حيث حدّدنا تقدّمنا في الفرز بإزاحة كتاب واحد عن مكانه قليلاً.
تحققنا من الأشياء المنسيّة ثم غادرنا الأرشيف بأجسادنا المتعرّقة تاركين وراءنا الجوّ الحار هناك لنرتجف من هواء المكتبة البارد.
الفتاة التي مدحتْ أي شيء إيجابي تجلس في كرسي داخل مكتب الاستقبال، حاملة كعكة بخار في يدها، سحبتُ كرسيًا أنا الآخر بعيدًا عنها بعض الشيء وجلستُ معهم.
” الجو بارد! ”
” لقد تجاهل السيد زميلي العارف بسرّي، من الأفضل له أن ينتبه لك غداً ! ”
دارَت ساكورا بمرح في المكان، دخلَت قاعة استقبال المكتبة، استحضرَت منشفة من حقيبتها ومسحَت العرق من على وجهها.
اتبعْتُ خطواتها بشرود وأنا أمسح عرق بدني.
” عمل جيد، لقد أغلقنا المكان بالفعل، لذا خذا وقتكما، تفضلا اجلسا هنا، تناولا بعض المأكولات الخفيفةوالشاي ”
“واو شكرا ً ”
” لكنكَ في الوقت الراهن لا تحقق هذه الأشياء، على الرغم من احتمالية وفاتنا أنا وأنت غداً. لكننا نواصل ما نقوم به بالتأكيد، لأن قيمة كل يوم هي نفسها – بغض النظر عمّا سأفعله، فبالنسبة لي، قيمة الأيام لن تتغير. لقد استمتعت اليوم، كما تعلم ”
” شكرًا ”
أمالت رأسها طفيفًا لتجيبني.
بعد أن أخذتُ رشفة من شاي الشعير الذي قدّمه لنا المعلم، أخذتُ نظرة أخرى على المكتبة. بالفعل، لم يتبقى أيّ طالب غيرَنا.
” آه، آسف، لدي موعد مع صديقتي الحميمة. ستُجن لو تركتها وحدها لذلك لا يمكنني ذلك.”
” كعكة البخار لذيذة ”
وبينما نتبادل أطراف الحديث، وصلنا إلى بوابة المدرسة. كانت منازلنا في اتجاهين متعاكسين، لذا إنفصلتُ عنها هناك. يالها من شفقة. ” الوداع. ”
الفتاة التي مدحتْ أي شيء إيجابي تجلس في كرسي داخل مكتب الاستقبال، حاملة كعكة بخار في يدها، سحبتُ كرسيًا أنا الآخر بعيدًا عنها بعض الشيء وجلستُ معهم.
“يساعد البنكرياس على الهضم وانتاج الطاقة. فمثلاً يقوم بإنتاج الأنسولين الذي يعمل على تحويل السكر الى طاقة. بدون البنكرياس، لن يتمكن الناس من الحصول على الطاقة، ما يؤدي هذا إلى الموت المحتوم. لهذا السبب لا أستطيع أن أدعك تتغذين على بنكرياسي. أنا آسف ” بعد أن أخبرتها بكل شيء أردتُ قوله، عدت إلى مهمتي، أما هي فأخذَتْ تُزمجر ضاحكةً.
” آسف لأني أحضرتكما أنتما الاثنان للمساعدة، رغم أن الامتحانات تبدأ الأسبوع القادم. ”
” هل أدركتِ فجأة فكرة آكلي لحوم البشر؟”
” لا عليك، لا بأس نحن ذلك النوع من الطلاب الذي دائما ما يتحصل على درجات عادية. صحيح يا زميلي كن العالم بسرّي؟ ”
” لقد تجاهل السيد زميلي العارف بسرّي، من الأفضل له أن ينتبه لك غداً ! ”
” حسنا، إذا كنا نستمع إلى الشرح أثناء الحصص، فأعتقد ذلك. ”
ساكورا على حق، لا يمكن أن يحدث هذا. من المستحيل لها أن تصبح في نفس عمر المعلم ذو الأربعين عاماً. في هذا المكان، كان شيئاً ما عرفته أنا وهي فقط. لهذا غَمزَت وضحكَت معي. كانت وكأنها أحد ممثلات الأفلام الأمريكية اللّواتي تغمزن عندما تُلقين نكتة. ولكن فقط لأكون واضحًا، السبب في أني لم أضحك لم يكن نُكتتها الفاشلة. بل ذلك الوجه الفخور الذي صنعَته كلما اعتقدت أنها قالت شيئًا مثيراً للاهتمام – كان حدّا عقلياً
أجبتُ إجابة مناسبة ثم قضمتُ قضمه من كعكة البخار. لقد كانت لذيذة.
” ماذا عنكَ يا كن الطالب الذي يبدو مثل الكبار ؟ ”
” هل بدأتما أنتما الاثنان تفكرا بشأن الجامعة؟ ماذا عنكِ يا ياموتشي؟ ”
كنا في أرشيف مكتبة المدرسة، بينما نرتّب الكتب على تلك الأرفف المغبّرة، – كانت تلك مهمَّتنا كأعضاء لجنة المكتبة – ساكورا ياماوتشي نطقت باعتراف غريب. ببساطة قرّرتُ تجاهله.
” لم أفكر حيال الأمر حقًا، أعني لا يزال أمامنا الوقت… ”
” أرى ذلك ” الأمر حقّا كما قالت.
” ماذا عنكَ يا كن الطالب الذي يبدو مثل الكبار ؟ ”
أنا، الذي إبتعدتُ عنها دون أي تردد، استوقفتني كلماتها. صنعَت وجهاً مبتهجاً وكأنها فكرت فجاةً في شيء. أدركتُ أنني لم أعبر أبداً عن شعور البهجة على وجهي. ” إذا أتيحت لي الفرصة للاختيار، سأقضي الوقت القليل المتبقي من حياتي لمساعدة السيد كن زميلي العارف سرّي.”
” لم أفكر في الأمر أنا كذلك ”
وبينما نتبادل أطراف الحديث، وصلنا إلى بوابة المدرسة. كانت منازلنا في اتجاهين متعاكسين، لذا إنفصلتُ عنها هناك. يالها من شفقة. ” الوداع. ”
” هذا ليس جيدًا، عليك أن تفكر في المستقبل جيدًا يا زميلي كن العالم بسريّ ! ”
وبينما نتبادل أطراف الحديث، وصلنا إلى بوابة المدرسة. كانت منازلنا في اتجاهين متعاكسين، لذا إنفصلتُ عنها هناك. يالها من شفقة. ” الوداع. ”
أخذتُ كعكة أخرى بينما تعلّق ساكورا تعليقها الذي لا داعي منه فتجاهلتها وتناولت رشفة أخرى من مشروبي. كان طعم شاي الشعير المألوف والمتوفر على نطاق واسع في اليابان لذيذاً جدّا.
“حسناً؟ بما تفكر؟”
” إذًا كلاكما لم يفكر حقّا في الجامعة ها؟ إذا استمريتما في كسلكما هذا، ستكونا في نفس عمري قبل أن تُدركا ذلك ”
” إذًا كلاكما لم يفكر حقّا في الجامعة ها؟ إذا استمريتما في كسلكما هذا، ستكونا في نفس عمري قبل أن تُدركا ذلك ”
” هاها من المستحيل أن يحصل هذا ”
” أريد أن آكل بنكرياسكَ ”
بينما كانت الاثنتان تضحكان بمرح، أبقيتُ وجهي فارغ الملامح. فقط أكلتُ كعكة البخار وشربت شاي الشعير.
أجبتُ إجابة مناسبة ثم قضمتُ قضمه من كعكة البخار. لقد كانت لذيذة.
ساكورا على حق، لا يمكن أن يحدث هذا.
من المستحيل لها أن تصبح في نفس عمر المعلم ذو الأربعين عاماً. في هذا المكان، كان شيئاً ما عرفته أنا وهي فقط. لهذا غَمزَت وضحكَت معي. كانت وكأنها أحد ممثلات الأفلام الأمريكية اللّواتي تغمزن عندما تُلقين نكتة.
ولكن فقط لأكون واضحًا، السبب في أني لم أضحك لم يكن نُكتتها الفاشلة. بل ذلك الوجه الفخور الذي صنعَته كلما اعتقدت أنها قالت شيئًا مثيراً للاهتمام – كان حدّا عقلياً
” لا عليك، لا بأس نحن ذلك النوع من الطلاب الذي دائما ما يتحصل على درجات عادية. صحيح يا زميلي كن العالم بسرّي؟ ”
تضايقَت لأني ضللتُ صامتاً فعَبسَت في وجهي. بعد أن رأيتُ ذلك، حواف شفتيّ أخيراً تقوست قليلاً.
” هل أنت متفرغ يوم الأحد؟ ”
بعد أن مكثنا في المكتبة حوالي نصف ساعة إضافية، شرعنا في التوجه الى المنزل.
” آسف لأني أحضرتكما أنتما الاثنان للمساعدة، رغم أن الامتحانات تبدأ الأسبوع القادم. ”
كانت الساعة السادسة مساءً بالفعل عندما وصلنا الى خِزانات الأحذية. على الرغم من ذلك، لا زال بإمكاننا سماع ضجيج أعضاء النادي الرياضي وهم يقدّمون أفضل ما لديهم تحت إشاعة الشمس الحارقة.
” كعكة البخار لذيذة ”
” ألم يكن الجو في الأرشيف حارّا؟ ”
“حقّا؟ إذا في رأيك ماذا على أن أفعل ؟”
” بلى ”
كم مرة ستمشي على نفس الطريق؟
” لا يزال علينا بالقيام بنفس المهام غدًا، ولكن على الأقل غدا سيكون آخر أيام الأسبوع”
” … أ تستمِعُ لي؟ ”
” نعم ”
” أعلم أنها الحقيقة، لكنكِ قلقة جداً بشأنها.”
” … أ تستمِعُ لي؟ ”
تضايقَت لأني ضللتُ صامتاً فعَبسَت في وجهي. بعد أن رأيتُ ذلك، حواف شفتيّ أخيراً تقوست قليلاً.
” نعم ”
“هاي ! بخصوص ما تحدثنا عنه سابقاً.”
قمتُ بتبديل حذاء المدرسة بحذائي وغادرتُ من خلال الباب المُحاذي للخِزانات. كانت بوابة المدرسة في الاتجاه المعاكس للملعب، لذا تضاءلتْ أصوات نوادي البيسبول والرّغبي ببطء بينما أسير بخطوات متثاقلة، لحقَت بي ساكورا ووقفت أمامي.
” ألم تتعلم أن تستمع جيدًا بينما يتحدث الآخرون ؟ ”
” لم أفكر في الأمر أنا كذلك ”
“بلى أعرف – لهذا أنا أستمع جيدًا الآن”
“حسناً؟ بما تفكر؟”
“إذن أخبرني عمّاذا كنت أتحدث ؟”
كنا في أرشيف مكتبة المدرسة، بينما نرتّب الكتب على تلك الأرفف المغبّرة، – كانت تلك مهمَّتنا كأعضاء لجنة المكتبة – ساكورا ياماوتشي نطقت باعتراف غريب. ببساطة قرّرتُ تجاهله.
“… كعك البخار ”
” ومن غيرك إذن؟ ”
” إذن أنت لم تكن تستمع ! الكذب ممنوع! ”
بعد أن مكثنا في المكتبة حوالي نصف ساعة إضافية، شرعنا في التوجه الى المنزل.
لقد وبختني كمعلمة في روضة أطفال. هي – التي كانت طويلة بالنسبة لفتاة – وأنا – الذي كنت قصيرًا بالنسبة لفتى – من نفس الطول تقريباً. الحق يقال، كان أمراً منعشاً بعض الشيء أن يوبخك شخص ما بينما تضطر للنظر إلى الأسفل قليلاً لمواجهته.
” آسف، آسف – كنت أفكر في شيء ما ”
“بالمختصر المفيد، بإمكاني سوى الاعتماد على زميلي كن الذي يعلم سرّي”
“حسناً؟ بما تفكر؟”
” حسناً، لا يوجد مانع في الاهتمام بزملاء يعانون من مشاكل صحيّة صعبة ”
تلاشى عبوسها على الفور، كما لو أنها لم تنزعج أساساً. نظرت إليّ بوجه يفضح فضولها. فأومأتُ لها برفق بعد أن جعلتُ مسافة بيننًا
قاطعت كلماتي التي خططتُ لقولها مسبقاً – كما هو متوقع – وأردفَت بنبرة سمجة.
” أنا؟ ها ماذا؟ اعتراف بالحب؟ واه سأتوتر! ”
ابتسم لها الفتيان أثناء مرورهم بنا. إذا لم تخنِّ الذاكرة، ينبغي أن يكون زميلاً لي في الصفّ، لكنه لم يعر لي بالاً أبداً.
” هاي… لا أقصد هذا ”
” … أ تستمِعُ لي؟ ”
” إذا؟ ”
” لا يزال علينا بالقيام بنفس المهام غدًا، ولكن على الأقل غدا سيكون آخر أيام الأسبوع”
“هل يُعقل حقًا أن تقضي الوقت القليل المتبقي لكِ في عيش أيام في ترتيب المكتبة؟ ”
ساكورا على حق، لا يمكن أن يحدث هذا. من المستحيل لها أن تصبح في نفس عمر المعلم ذو الأربعين عاماً. في هذا المكان، كان شيئاً ما عرفته أنا وهي فقط. لهذا غَمزَت وضحكَت معي. كانت وكأنها أحد ممثلات الأفلام الأمريكية اللّواتي تغمزن عندما تُلقين نكتة. ولكن فقط لأكون واضحًا، السبب في أني لم أضحك لم يكن نُكتتها الفاشلة. بل ذلك الوجه الفخور الذي صنعَته كلما اعتقدت أنها قالت شيئًا مثيراً للاهتمام – كان حدّا عقلياً
أمالت رأسها طفيفًا لتجيبني.
” آه، آسف، لدي موعد مع صديقتي الحميمة. ستُجن لو تركتها وحدها لذلك لا يمكنني ذلك.”
” نعم بلا ريب ”
“وإذا كان كذلك؟ ”
” لا أعتقد ذلك ”
” هل أدركتِ فجأة فكرة آكلي لحوم البشر؟”
“حقّا؟ إذا في رأيك ماذا على أن أفعل ؟”
أنا، الذي إبتعدتُ عنها دون أي تردد، استوقفتني كلماتها. صنعَت وجهاً مبتهجاً وكأنها فكرت فجاةً في شيء. أدركتُ أنني لم أعبر أبداً عن شعور البهجة على وجهي. ” إذا أتيحت لي الفرصة للاختيار، سأقضي الوقت القليل المتبقي من حياتي لمساعدة السيد كن زميلي العارف سرّي.”
” حسناً، ألا تفكرين في إيجاد حبكِ الأول مثلاً ؟ أو أن تذهبي في نزهة إلى البحر او الى الخارج أين تقرري أين تقضين آخر لحظاتِك؟”
قمتُ بتبديل حذاء المدرسة بحذائي وغادرتُ من خلال الباب المُحاذي للخِزانات. كانت بوابة المدرسة في الاتجاه المعاكس للملعب، لذا تضاءلتْ أصوات نوادي البيسبول والرّغبي ببطء بينما أسير بخطوات متثاقلة، لحقَت بي ساكورا ووقفت أمامي. ” ألم تتعلم أن تستمع جيدًا بينما يتحدث الآخرون ؟ ”
أما هذه المرة، فأمالت رأسها إلى الجانب الآخر.
” ألم يكن الجو في الأرشيف حارّا؟ ”
” حسناً ، ليس الأمر كما لو أنني لا أفهم ما تحاول قوله. فحتى أنتَ على سبيل المثال لديك أماني و رغبات تريد القيام بها قبل وفاتك. أليس كذلك؟”
” لن أنكر ذلك ”
أخذتُ كعكة أخرى بينما تعلّق ساكورا تعليقها الذي لا داعي منه فتجاهلتها وتناولت رشفة أخرى من مشروبي. كان طعم شاي الشعير المألوف والمتوفر على نطاق واسع في اليابان لذيذاً جدّا.
” لكنكَ في الوقت الراهن لا تحقق هذه الأشياء، على الرغم من احتمالية وفاتنا أنا وأنت غداً. لكننا نواصل ما نقوم به بالتأكيد، لأن قيمة كل يوم هي نفسها – بغض النظر عمّا سأفعله، فبالنسبة لي، قيمة الأيام لن تتغير. لقد استمتعت اليوم، كما تعلم ”
” هل أدركتِ فجأة فكرة آكلي لحوم البشر؟”
” أرى ذلك ”
الأمر حقّا كما قالت.
” لا أعتقد ذلك ”
لقد أصبتُ بالإحباط من كلامها. لكنني في نفس الوقت أفهم ذلك.
حتى أنا – سيؤول حالي مثل حالها في المستقبل القريب – سأموت بالتأكيد يومًا ما. أكيد أنا جاهل بميعاد وفاتي، إلا أنه أمر محتوم، من يدري ربما أموت قبلها حتى.
ضحكَتْ دون أن تنظر في اتجاهي، يبدو أنها منغمسة في عملها، أستطيع أن أسمع صوت حفيف واصطدام الكتب ذات الأغلفة الكرتونية بالأرض جرّاء ترتيبها.
كما هو متوقع، أفكار الناس الدارية بزوالها قريبًا وقع عميق لهم. كلماتها حرّكت شيئًا ما بي من الداخل
بالطبع، ما اعتقدتُهُ أنا لا يهمها. بالتأكيد، يوجد الكثير ممّن أحبوها، لذلك من الطبيعي أنها لم تملك الوقت لتهتم بشخص مثلي. كدليل على هذه الحقيقة، كان أولاد نادي كرة القدم يركضون باتجاه بوابة المدرسة، بينما يحدقون بها وهي تمشي.
تعرَّفَت على أحد الصبية وهو يركض فلوّحَت بيدها له.
” ابذل قصارى جهدك ! ”
” إذا؟ ”
” شكراً ساكورا ! ”
“يساعد البنكرياس على الهضم وانتاج الطاقة. فمثلاً يقوم بإنتاج الأنسولين الذي يعمل على تحويل السكر الى طاقة. بدون البنكرياس، لن يتمكن الناس من الحصول على الطاقة، ما يؤدي هذا إلى الموت المحتوم. لهذا السبب لا أستطيع أن أدعك تتغذين على بنكرياسي. أنا آسف ” بعد أن أخبرتها بكل شيء أردتُ قوله، عدت إلى مهمتي، أما هي فأخذَتْ تُزمجر ضاحكةً.
ابتسم لها الفتيان أثناء مرورهم بنا. إذا لم تخنِّ الذاكرة، ينبغي أن يكون زميلاً لي في الصفّ، لكنه لم يعر لي بالاً أبداً.
قمتُ بتبديل حذاء المدرسة بحذائي وغادرتُ من خلال الباب المُحاذي للخِزانات. كانت بوابة المدرسة في الاتجاه المعاكس للملعب، لذا تضاءلتْ أصوات نوادي البيسبول والرّغبي ببطء بينما أسير بخطوات متثاقلة، لحقَت بي ساكورا ووقفت أمامي. ” ألم تتعلم أن تستمع جيدًا بينما يتحدث الآخرون ؟ ”
” لقد تجاهل السيد زميلي العارف بسرّي، من الأفضل له أن ينتبه لك غداً ! ”
“بلى أعرف – لهذا أنا أستمع جيدًا الآن”
” لا بأس، ويجب عليك أن تتوقفي. لأنني لا أمانع. ”
أنا حقا لا أمانع. لأننا انا وهي قطبان متعاكسان، لذلك لا يمكن أن يعاملنا زملائنا بنفس الطريقة.
” هذا هو بالضبط السبب في عدم قدرتكَ على تكوين صداقات ”
” نعم بلا ريب ”
” أعلم أنها الحقيقة، لكنكِ قلقة جداً بشأنها.”
“يساعد البنكرياس على الهضم وانتاج الطاقة. فمثلاً يقوم بإنتاج الأنسولين الذي يعمل على تحويل السكر الى طاقة. بدون البنكرياس، لن يتمكن الناس من الحصول على الطاقة، ما يؤدي هذا إلى الموت المحتوم. لهذا السبب لا أستطيع أن أدعك تتغذين على بنكرياسي. أنا آسف ” بعد أن أخبرتها بكل شيء أردتُ قوله، عدت إلى مهمتي، أما هي فأخذَتْ تُزمجر ضاحكةً.
“هذا هو السبب بالضبط ! ”
تلاشى عبوسها على الفور، كما لو أنها لم تنزعج أساساً. نظرت إليّ بوجه يفضح فضولها. فأومأتُ لها برفق بعد أن جعلتُ مسافة بيننًا قاطعت كلماتي التي خططتُ لقولها مسبقاً – كما هو متوقع – وأردفَت بنبرة سمجة. ” أنا؟ ها ماذا؟ اعتراف بالحب؟ واه سأتوتر! ”
وبينما نتبادل أطراف الحديث، وصلنا إلى بوابة المدرسة. كانت منازلنا في اتجاهين متعاكسين، لذا إنفصلتُ عنها هناك. يالها من شفقة.
” الوداع. ”
بدأتُ أتطلع إلى نزهة يوم الأحد بعض الشيء…
“هاي ! بخصوص ما تحدثنا عنه سابقاً.”
” حسنا، إذا كنا نستمع إلى الشرح أثناء الحصص، فأعتقد ذلك. ”
أنا، الذي إبتعدتُ عنها دون أي تردد، استوقفتني كلماتها.
صنعَت وجهاً مبتهجاً وكأنها فكرت فجاةً في شيء. أدركتُ أنني لم أعبر أبداً عن شعور البهجة على وجهي.
” إذا أتيحت لي الفرصة للاختيار، سأقضي الوقت القليل المتبقي من حياتي لمساعدة السيد كن زميلي العارف سرّي.”
ابتسم لها الفتيان أثناء مرورهم بنا. إذا لم تخنِّ الذاكرة، ينبغي أن يكون زميلاً لي في الصفّ، لكنه لم يعر لي بالاً أبداً.
” ماذا تعنين؟ ”
سماء الصيف خلفها لاتزال تلمع بالبرتقالي والزهري بلمسة نهائية فائقة اللمعان، فقد سحرتنا بتوهجها الذابل. في المقابل، لم ألوّح لها، أدرتُ ظهري لها مرة أخرى وتوجهت نحو المنزل. في غياب ضحكاتها الصاخبة، واصلت السير في هذا الطريق المألوف، حيث أفسحَ اللون الدافئ لنهاية اليوم الطريق للمساء الأزرق.
” هل أنت متفرغ يوم الأحد؟ ”
” بنكرياسي الصغير لا يستطيع أن يتحمل أبدًا عبئًا كإنقاذك مثلاً ”
” آه، آسف، لدي موعد مع صديقتي الحميمة. ستُجن لو تركتها وحدها لذلك لا يمكنني ذلك.”
” هل بدأتما أنتما الاثنان تفكرا بشأن الجامعة؟ ماذا عنكِ يا ياموتشي؟ ”
“هذه كذبة، أليس كذلك؟ ”
بينما كانت الاثنتان تضحكان بمرح، أبقيتُ وجهي فارغ الملامح. فقط أكلتُ كعكة البخار وشربت شاي الشعير.
“وإذا كان كذلك؟ ”
” كعكة البخار لذيذة ”
“حسناً، سنلتقي الساعة الحادية عشر أمام المحطة ! سأقوم بإحضار مذكرتي ‘ التعايش مع المرض ‘ أيضاً ! ”
“بلى أعرف – لهذا أنا أستمع جيدًا الآن”
قالت ذلك دون أن تسمع ردي على الإطلاق، لوحَت بيدها بينما تسير نحو منزلها.
” لا بأس، ويجب عليك أن تتوقفي. لأنني لا أمانع. ” أنا حقا لا أمانع. لأننا انا وهي قطبان متعاكسان، لذلك لا يمكن أن يعاملنا زملائنا بنفس الطريقة. ” هذا هو بالضبط السبب في عدم قدرتكَ على تكوين صداقات ”
سماء الصيف خلفها لاتزال تلمع بالبرتقالي والزهري بلمسة نهائية فائقة اللمعان، فقد سحرتنا بتوهجها الذابل.
في المقابل، لم ألوّح لها، أدرتُ ظهري لها مرة أخرى وتوجهت نحو المنزل.
في غياب ضحكاتها الصاخبة، واصلت السير في هذا الطريق المألوف، حيث أفسحَ اللون الدافئ لنهاية اليوم الطريق للمساء الأزرق.
وبينما نتبادل أطراف الحديث، وصلنا إلى بوابة المدرسة. كانت منازلنا في اتجاهين متعاكسين، لذا إنفصلتُ عنها هناك. يالها من شفقة. ” الوداع. ”
سأستمر على الأرجح في السير على هذا الطريق حتى تخرُّجي.
” شكراً ساكورا ! ”
كم مرة ستمشي على نفس الطريق؟
الفتاة التي مدحتْ أي شيء إيجابي تجلس في كرسي داخل مكتب الاستقبال، حاملة كعكة بخار في يدها، سحبتُ كرسيًا أنا الآخر بعيدًا عنها بعض الشيء وجلستُ معهم.
كانت على حق – كما قالت تماماً، أنا لا أعرف عدد المرات التي سأتمكن فيها من السير على هذا الطريق. على هذا النحو، لم تكن الطرق التي سلكناها مختلفة تماماً.
جعلتُ أناملي على جانب عنقي لأتأكد من أنني على قيد الحياة. كل خطوة أخذت معها نبضة من نبضات قلبي. تدهور مزاجي لأنني شعرتُ بحياتي العابرة ترتجف رغماً عني.
هبّ نسيم المساء يداعبني فصرفني عن أفكاري.
ضحكَتْ دون أن تنظر في اتجاهي، يبدو أنها منغمسة في عملها، أستطيع أن أسمع صوت حفيف واصطدام الكتب ذات الأغلفة الكرتونية بالأرض جرّاء ترتيبها.
بدأتُ أتطلع إلى نزهة يوم الأحد بعض الشيء…
“حسناً؟ بما تفكر؟”
سأستمر على الأرجح في السير على هذا الطريق حتى تخرُّجي.
