الفصل 2
الفصل 2
بينما ظلَّت تحتسي القهوة بالحليب، ذكرتْ بمرح “إنها لذيذة!” مع تعليقاتها المتنوعة الأخرى على المشروب. شربتُ بهدوء قهوتي التي ظلت سوداء.
بدأ كل شيء في أبريل، حين لا زالت أزهار الساكورا المتأخرة في أوج تفتحها.
“من يدري.”
مضت العلوم الطبية تتقدم نحو آفاق مجهولة. رغم أنني لم أعرف أي تفاصيل عن ذلك، ولم أهتم بمعرفة المزيد أيضًا.
كل ما وسعني قوله هو أنه -بالنسبة للعلوم الطبية على الأقل- يُعتبر منح حياة عادية لفتاة محاصرة في وضع غير طبيعي تقدمًا؛ وهي حالة مستعصية أعاقت حياتها وستنهيها في غضون عام. ويعني هذا أن البشر اكتسبوا القدرة على إطالة أعمارهم.
“هذا صحيح – إذن هل حظيت بصديقة حميمة من قبل؟”
حسبتُ أن القدرة على الحركة رغم المعاناة من مرض كهذا أمر يشبه الآلة، غير أن انطباعاتي الشخصية لم تهم شخصًا مصابًا بالمرض حقًا.
إذا لاحظتم أي خطأ أو لديكم ملاحظة حول التدقيق، يُرجى مشاركتها عبر التعليقات أو روم الرواية في سيرفر ملوك الروايات على الديسكورد، يوزري على الديسكورد: readandrise
وبغض النظر عن أفكاري غير الضرورية، فقد استفادت هي مرة أخرى بفوائد العلوم الطبية.
ولهذا السبب، لا يقع اللوم على شيء سوى سوء حظها والتحول المفاجئ للأحداث الذي جعلني -أنا الذي يفترض بي أن أكون مجرد زميل دراسة- أكتشف مرضها.
بدأت تضحك وهي تقول: “أظن أن هذا صحيح.” لم أعرف ما الذي وجدته مضحكًا.
وصلتُ أمام النصب التذكاري الذي يحدد نقطة لقائنا قبل خمس دقائق من الوقت المتفق عليه، وانتظرتُ في حالة ذهول حتى ظهرتْ في الموعد المحدد تمامًا.
في ذلك اليوم، تغيبتُ عن المدرسة. يُعزى ذلك لعملية استئصال الزائدة الدودية؛ ليس الجراحة نفسها، بل لإزالة الغرز. أوشكت زياراتي المتكررة للمستشفى للمتابعة العلاجية على الانتهاء. افترضتُ ذهابي إلى المدرسة متأخرًا، لكن فترات الانتظار الطويلة في المستشفى الكبير استنزفت ما تبقَّى لدي من حماس للتعلم، فبقيتُ أتسكع في ردهة المستشفى.
انتابني شعور تافه. في زاوية الردهة، وعلى أريكة منعزلة، استقرَّ كتاب متروك. تساءلتُ عمَّن تركه وعن محتواه. سيطر علي فضولي النابع من حُبّي للكتب، وبدأتُ في السير نحوه.
“ربما منذ المرحلة الابتدائية فصاعدًا، لا أذكر امتلاكي أي أصدقاء.”
“لأنني لا أملك أي اهتمام بالناس. فالجميع سواء – وفي النهاية، لا يهتم الناس في الأساس بأحد سوى أنفسهم. بالطبع، توجد استثناءات أيضًا. حتى أنا أهتم قليلًا بأشخاص مثلكِ يعانون بسبب ظروف خاصة. لهذا السبب لا أهتم بالحديث عن شيء لا يستفيد منه أحد.”
تنقلتُ بين المرضى حتى وصلت إلى الطرف الآخر من الردهة وجلستُ على الأريكة. بناءً على مظهره، بدا الكتاب ذا غلاف ورقي سميك يبلغ نحو 300 صفحة. حمت أسرارَه ورقة غلاف إضافية من متجر الكتب القريب من المستشفى.
عندما أزلتُ الغلاف الورقي للتحقق من العنوان، واجهتني مفاجأة صغيرة. لم يظهر تحته الغلاف الأصلي الذي يفترض أن يُغلّف الكتاب، بل كُتبت عليه عبارة “مذكرات التعايش مع المرض” بقلم حبر سميك. وبالطبع، لم أسمع بهذا العنوان أو الناشر من قبل.
“آه، ربما نحن متناقضان حقًا، هاه – عندما تناولنا الياكينيكو سابقًا، استمررتَ في تناول الكاروبي والروسو. رغم أنك بدأتَ في تناول الهورومون.”
تساءلت عمّا يمكن أن يكون، ولكن بما أنني عجزت عن التفكير في إجابة مناسبة مهما حاولت، قلبتُ الصفحة الأولى.
لم تبدو الكلمات المتواجدة في الصفحة الأولى مطبوعة بخط مألوف لي. بل كُتبت يدويًا بعناية باستخدام قلم حبر جاف؛ مما يعني أن هذا النص كتبه شخصٌ ما.
لا أعرف ما إذا كان مساعد المبيعات قد اقتنع بطوق النجاة الخاص بي، أم أنه استغرب فحسب، لكنه تركنا وعاد إلى عمله الخاص.
الهورومون: طبق ياباني مكون من لحم البقر أو لحم الخنزير. الترجمة: ℱℒ??ℋ
“23 نوفمبر 20XX
قالتْ ذلك دون أن تُبدي أدنى إحباط.
“أتقصد في المستقبل؟ لم أستجمع أفكاري بعد.”
أفكاري وأنشطتي اليومية في اليابان؛ أخطط لتدوينها في مذكرات التعايش مع المرض هذه. لا أحد يعرف عن الأمر سوى عائلتي، لكنني سأموت في غضون بضع سنوات. بعد تقبّل هذه الحقيقة، أكتب من أجل التعايش مع مرضي. كبداية، تُعد أمراض البنكرياس -مثل تلك التي شُخصت بها قبل قليل- ملوك الموت المفاجئ. وحتى اليوم، بقيت أعراضي غير ملحوظة في الغالب……”
“ألن تأكله؟”
“بنكرياس… موت…”
“هذا أسوأ. يجدر بكِ إنفاقه على شيء أكثر أهمية.”
“…………ما معنى هذا؟”
دون تفكير، انطلقت من فمي كلمات لا تُقال في الحياة اليومية.
“لا بأس، فليس هناك من يكره الياكينيكو.”
“ربما. بهذا ينتهي حديثنا غير المثير للاهتمام عني. أنا أسأل فقط من باب المجاملة الاجتماعية، لكن ماذا عنك؟ إذا كان لديكِ حبيب، فبدلًا من قضاء الوقت معي، من الأفضل قضاؤه معه.”
فهمت، يبدو بوضوح أن هذا الكتاب يخص شخصًا تحددت مدة حياته؛ يوميات مواجهة المرض، لا، مذكرات التعايش مع المرض. لم يكن شيئًا يجدر بي قراءته حقًا.
“إذن ثمة أشخاص من هذا النوع.”
بعد إدراك ذلك، أغلقت الكتاب. وبينما لازمتُ مكاني جالسًا، سمعت صوتًا قادمًا من فوق رأسي.
كنتُ مستاءً، لكنني وجدتُ أن طريقة تفكيرها التي تختلف كما هو متوقّع عن طريقتي بدَت مُسلّية. لو كنتُ أنا، لما اكترثتُ بأمر مثل ردود أفعال الناس من حولي بعد موتي.
“إذا أجبتَ بشكلٍ لائق، سأسامحك.”
“أمم…”
“عمّا تتحدث؟ آه، سنطلب حصة واحدة من كل نوع في الوقت الحالي.”
أنا أيضًا استمتعتُ قليلًا اليوم.
رفعت رأسي استجابةً للصوت، دون أن تظهر الصدمة على وجهي. ولدهشتي، ميّزتُ وجه صاحبة الصوت. أخفيتُ مشاعري، مفترضًا اقترابها مني لسبب لا علاقة له بالكتاب.
“أنا أتبعكِ في الأرجاء فحسب، لذا لا أمتلكُ حقًا أي أهداف في ذهني.”
ومع ذلك، حتى شخص مثلي ربما عاش حالة إنكار لاحتمالية أن تتحمل زميلتي في الفصل مصير قصر عمرها.
ظلّ الطريق الذي أسلكه بدراجتي إلى المنزل هو الطريق المعتاد – تساءلتُ كم مرة أُخرى سأتمكن من رؤيتها. هاه؟ بدَا ذلك غريبًا. حتى الأمس، استمرّ الخوف من أنني سأموتُ وأختفي حتمًا يُثير قلبي، لكنّه الآن قد هدأ قليلًا. ربما، لأن الفتاة التي قابلتُها اليوم بدَت بعيدة عن الموت، فقد تبلّد إحساسي بواقع أنني سأموتُ يومًا ما.
“بنكرياس… موت…”
وبما أن زميلة لي اقتربت مني، اتخذتُ مظهرًا منتبهًا، مترقبًا ردها بهدوء. مدَّت ذراعها نحوي، وكأنها تسخر من رد فعلي.
وصلتُ أمام النصب التذكاري الذي يحدد نقطة لقائنا قبل خمس دقائق من الوقت المتفق عليه، وانتظرتُ في حالة ذهول حتى ظهرتْ في الموعد المحدد تمامًا.
“هذا لي. يا زميلي ذي المظهر العادي، لِمَ جئت إلى المستشفى؟”
“إذن لا مشكلة. أريد تناول بعض الياكينيكو.”
بالمناسبة، لم أعرف أي شيء عن زميلتي هذه سوى تمتعها بحيوية مشرقة تناقضت مع صمتي المعتاد. ولهذا السبب فوجئتُ باستطاعتها الابتسام بشجاعة في موقف كهذا، حيث اكتشف مجرد شخص يعرفها فقط لا أكثر مثلي معاناتها من مرض خطير.
ومع ذلك، قرّرتُ التظاهر بجهلي للأمر قدر الإمكان. اعتقدتُ أن ذلك سيكون الخيار الأفضل لكلينا.
“…ربما أنتِ غبية حقًا.”
“أجريتُ عملية استئصال الزائدة الدودية منذ فترة، لكن لا يزال عليّ المجيء للعلاج.”
“…………ما معنى هذا؟”
“آه، فهمت. أجريتُ فحصًا للبنكرياس. وإلا سأموت.”
دون تفكير، انطلقت من فمي كلمات لا تُقال في الحياة اليومية.
لِمَ تقول شيئًا كهذا؟ في لمح البصر، ودون أن ألاحظ، حطَّمت مراعاتي لها إلى أشلاء.
راقبتُ تعابير وجهها، محاولًا قراءة نواياها الحقيقية دون جدوى. ازدادت ابتسامتها عمقًا وهي تجلس بجانبي.
“سيبدو الأمر وكأنني اختفيتُ حقًا من هذا العالم. أيكون مستحيلًا السماح للآخرين بأكلي أو شيء من هذا القبيل؟”
“هل أنت متفاجئ؟ لقد قرأتَها، أليس كذلك؟ “مذكرات التعايش مع المرض”.”
كان من المحرج أن أعترض عمل النادل، لكنها نطقتْ بكلمات لم أعتد سماعها، لذا اضطررتُ لفتح فمي.
بدَت الفتاة غير مكترثة، وتحدّثتْ كما لو أنها توصيني بقراءة رواية. ولهذا السبب ظننتُ أنها تمازحني، وصادفَ وقوعي -بصفتي أحد معارفها- في الفخ.
“انتظري انتظري انتظري، ماذا تطلبين؟”
حاولتُ التفكير في مجمل ما حدثَ اليوم، وظننتُ أننا ربما كنا نتوافق حقًا.
انظر، لقد كشفتُ الخدعة.
بقينا في المقهى لمدة ساعة أُخرى. بدَت الأشياء التي تحدثنا عنها في ذلك الوقت تافهة للغاية. الحياة، الموت، الأمراض، أو مستقبلنا – لم نتحدّث عن أي من ذلك. بدلًا من ذلك، دار حديثنا بشكل أساسي حول كلامها عن زملائنا في الفصل. حاولتُ الاهتمام بهم، لكنَّ جهودها باءت بالفشل إلى حد كبير.
“لقد فوجئت. ظننتُ أنني فقدتُها، فجئتُ إلى هنا أبحث عنها في ذعر شديد، لكن اتضحَ وجودها مع زميلي ذي المظهر العادي.”
“لكن هناك معنى في هذا؛ لن يكون ممتعًا تناول الياكينيكو بمفردك، أليس كذلك؟ أنا أنفقُ المال من أجل متعتي الشخصية فحسب.”
“ربما.”
“…………ما معنى هذا؟”
“ما معناها؟ هذه هي “مذكرات التعايش مع المرض” الخاصة بي. ألم تقرأها؟ إنها مثل يوميات أكتبها منذ اكتشفتُ مرض البنكرياس لدي.”
بما أنني لا أملكُ صديقًا في البداية، لم أكن أعرف ذلك.
فوقَ سريري، فتحتُ كتابًا ورقيًا. الفتاة التي على الجانب الآخر – تساءلتُ عما تفعله.
“……أنتِ تمزحين، أليس كذلك؟”
قالتْ ذلك دون أن تُبدي أدنى إحباط.
رغم وجودها داخل المستشفى، ضحكتْ بصوت عالٍ دون أي تردد.
اللهم انصر عبادك المستضعفين في كل مكان، واحفظ المسلمين في جميع البلدان التي تعاني من الفتن والحروب، إنك على كل شيء قدير.
“ينتابني شعور بأن استخدامكِ للكلمات غير دقيق بعض الشيء. ومع ذلك، ماذا سنفعل اليوم؟”
“أي شخص عديم الذوق تظنني؟ أنا لا ألقي هذا النوع من النكات السوداء، أتعلم؟ كل ما كُتب صحيح؛ لا أستطيع استخدام بنكرياسي وسأموتُ قريبًا، نعم.”
أما الفتاة بجانبي، فلم تبدُ عليها أي رهبة من الحشد الكبير. هل ستموت هذه الفتاة قريبًا حقًا؟ ورغم مراودة شكوك كهذه لي، فبما أنها أرتني بالفعل العديد من الوثائق الرسمية، لم يبقَ مجال للشك.
“……………………آه، فهمت.”
“لكن كما ترين…”
“سأكون كاذبًا لو قلت إن ذلك مستحيل.”
“إيه! هذا كل شيء؟ أليس لديكَ ما تقوله غير ذلك؟”
“قد يكون الأمر كما قلت، لكنني مجروحة!”
ارتجف صوتها من الصدمة.
“يا زميلي الذي يعرف السر، هل أحضرتَ أجرة القطار؟ هل يمكنك إخراجها؟”
“……لا، ولكن ماذا عساي أن أقول بعد إخباري بأن زميلتي في الفصل ستموت قريبًا؟”
وصلتُ إلى المنزل، قرأتُ كتابًا، تناولتُ العشاء الذي أعدّته أمي، استحممت، شربتُ شاي الشعير في المطبخ، حييتُ والدي بقولي “أهلًا بعودتك”، وبينما كنتُ عائدًا إلى غرفتي مع التفكير في قراءة كتاب آخر، تلقيتُ رسالة على هاتفي المحمول. أنا لا أستخدم وظيفة الرسائل في هاتفي بشكل أساسي، لذا ظننتُ إشعار الرسالة الجديدة غريبًا. فتحتُ هاتفي وعلمتُ أن الرسالة منها. الآن وقد فكّرتُ في الأمر، تذكّرتُ أنني مع وجود شبكة اتصال لجنة المكتبة وما إلى ذلك، كنتُ قد تبادلتُ عناوين البريد الإلكتروني معها.
“همم، لو كنتُ مكانك، أظن أنني سأعجز عن الكلام.”
اللهم احفظ أهلنا في السودان، وارحم ضعفهم، واكشف كربهم، واجعل لهم من كل ضيقٍ مخرجًا.
“بالضبط. وإذا لم أصمت، فسأرغب في تقييم الموقف.”
بدأت تضحك وهي تقول: “أظن أن هذا صحيح.” لم أعرف ما الذي وجدته مضحكًا.
قالتْ ذلك دون أن تُبدي أدنى إحباط.
بعد ذلك مباشرةً، أخذتْ الكتاب، ونهضت، ولوّحت لي بيدها ثم توجّهت إلى عمق المستشفى. قالت وهي تغادر: “لا أحد آخر يعرف بهذا، لذا لا تخبر الفصل، حسنًا؟.” ولأنني ظننتُ أنني لن أتبادل معها أي حديث بعد هذا، شعرتُ ببعض الارتياح.
لكن على عكس توقعاتي، نادتني في صباح اليوم التالي، حين مررنا ببعضنا في ممر المدرسة. وبالمناسبة، حُدّد توزيع المهام بحرية من قِبل كل فصل، ونتيجةً لذلك، كنتُ الوحيد الذي قدّم اسمه للمنصب الشاغر في لجنة المكتبة. ومع أنني لم أفهم الدوافع وراء أفعالها، فبصفتي شخصًا يميل للانسياق مع مجرى الأحداث، واصلتُ التفكير بهدوء في العمل الذي سيُكلَّف به أعضاء لجنة المكتبة الجدد.
“لا أعرف أين تقع بالضبط رغم ذلك.”
بالتفكير في الأمر، حدث كل ذلك بسبب ذلك الكتاب الورقي الذي جعلني أقف الآن أمام المحطة في الساعة 11 صباحًا يوم الأحد؛ حقًا لا تعرف كيف ستسير الأمور في هذا العالم.
بعد الوجبة، أخذَ النادل الأطباق الفارغة العديدة وكذلك موقد الفحم القديم، وأخيرًا أحضر لنا الشراب المُبرَّد كحلوى. الفتاة التي قالتْ “أنا لا أشعر أنني بخير” و”هذا مؤلم” عادتْ إلى الحياة عند ظهور الحلوى. أخذتْ نفسًا من الهواء النقي، وكأن شكاواها جميعها أكاذيب، وبدأتْ في إحداث ضجة مرة أخرى.
تمامًا مثل قارب من القصب لا يقوى على مقاومة التيارات القوية، عجزتُ عن رفض دعوتها، أو بالأحرى، لم أستطع إيجاد التوقيت المناسب لرفضها؛ ولذا، وقفتُ الآن في نقطة لقائنا.
“لقد فوجئت. ظننتُ أنني فقدتُها، فجئتُ إلى هنا أبحث عنها في ذعر شديد، لكن اتضحَ وجودها مع زميلي ذي المظهر العادي.”
سأكونُ سعيدًا بالتراجع عن اتفاقنا، لكنني لمحتها من بعيد تبدو مضطربة قليلًا، وكأنها ستطلب المساعدة أو الاتجاهات إذا أظهر أحدهم ضعفًا. لكن على عكسي، شقَّت طريقها الخاص لكسر الجمود؛ ولن تكون مبالغة وصفها بأنها قارب من القصب يسبح عكس التيار.
“لماذا قرّرتَ بأن لا أحد مهتم؟”
“ربما. بهذا ينتهي حديثنا غير المثير للاهتمام عني. أنا أسأل فقط من باب المجاملة الاجتماعية، لكن ماذا عنك؟ إذا كان لديكِ حبيب، فبدلًا من قضاء الوقت معي، من الأفضل قضاؤه معه.”
وصلتُ أمام النصب التذكاري الذي يحدد نقطة لقائنا قبل خمس دقائق من الوقت المتفق عليه، وانتظرتُ في حالة ذهول حتى ظهرتْ في الموعد المحدد تمامًا.
“إذن لم يكن لديكَ أي أصدقاء على الإطلاااق؟ ليس فقط في الوقت الحاضر؟”
استلقيتُ على سريري وفتحتُ رسالتها. احتوت على ما يلي:
تُعد هذه المرة الأولى منذ لقائنا بالصدفة في المستشفى التي أراها فيها ترتدي ملابس غير رسمية؛ قطع بسيطة مثل قميص وسروال جينز.
“كوبوكورو؟ هاه، هل يبيعون أسطوانات تلك الفرقة؟”
“فهمت؛ لكن من الخسارة إدراج لحم بهذه الجودة في البوفيهات.”
اقتربتْ مني بابتسامة، فرددتُ برفع يدي بخفة.
“حسنًا، انتهى وقت الاستراحة.”
“صباح الخير! كنتُ أفكر فيما سأفعله لو تراجعتَ عن وعدنا!”
“سأكون كاذبًا لو قلت إن ذلك مستحيل.”
حدّقتْ بي بنظرة قوية قبل أن تبتسم، وبدا كأن الابتسامة لم تفارقها قط. وبالمناسبة، لم أشعر بالحماس على الإطلاق.
“أتساءل من حينٍ لآخر عمّا إن كنتِ غبية، لكنني لا أجعلك تبدين غبية، حسنًا.”
“لكن ألم تكن النتيجة النهائية جيدة؟”
أفكاري وأنشطتي اليومية في اليابان؛ أخطط لتدوينها في مذكرات التعايش مع المرض هذه. لا أحد يعرف عن الأمر سوى عائلتي، لكنني سأموت في غضون بضع سنوات. بعد تقبّل هذه الحقيقة، أكتب من أجل التعايش مع مرضي. كبداية، تُعد أمراض البنكرياس -مثل تلك التي شُخصت بها قبل قليل- ملوك الموت المفاجئ. وحتى اليوم، بقيت أعراضي غير ملحوظة في الغالب……”
“ينتابني شعور بأن استخدامكِ للكلمات غير دقيق بعض الشيء. ومع ذلك، ماذا سنفعل اليوم؟”
لِمَ تقول شيئًا كهذا؟ في لمح البصر، ودون أن ألاحظ، حطَّمت مراعاتي لها إلى أشلاء.
أفكاري وأنشطتي اليومية في اليابان؛ أخطط لتدوينها في مذكرات التعايش مع المرض هذه. لا أحد يعرف عن الأمر سوى عائلتي، لكنني سأموت في غضون بضع سنوات. بعد تقبّل هذه الحقيقة، أكتب من أجل التعايش مع مرضي. كبداية، تُعد أمراض البنكرياس -مثل تلك التي شُخصت بها قبل قليل- ملوك الموت المفاجئ. وحتى اليوم، بقيت أعراضي غير ملحوظة في الغالب……”
“أوه، حسنًا، ألا تشعر بالحماس.”
“بالمناسبة، شيبري هو البنكرياس.”
راقبتُ تعابير وجهها، محاولًا قراءة نواياها الحقيقية دون جدوى. ازدادت ابتسامتها عمقًا وهي تجلس بجانبي.
حدّقتْ بي بنظرة قوية قبل أن تبتسم، وبدا كأن الابتسامة لم تفارقها قط. وبالمناسبة، لم أشعر بالحماس على الإطلاق.
بقينا في المقهى لمدة ساعة أُخرى. بدَت الأشياء التي تحدثنا عنها في ذلك الوقت تافهة للغاية. الحياة، الموت، الأمراض، أو مستقبلنا – لم نتحدّث عن أي من ذلك. بدلًا من ذلك، دار حديثنا بشكل أساسي حول كلامها عن زملائنا في الفصل. حاولتُ الاهتمام بهم، لكنَّ جهودها باءت بالفشل إلى حد كبير.
“لنذهب إلى المدينة الآن.”
“لكنني لا أحب الزحام حقًا.”
“لهذا السبب تقرأ الكتب دائمًا.”
“يا زميلي الذي يعرف السر، هل أحضرتَ أجرة القطار؟ هل يمكنك إخراجها؟”
“همم، لو كنتُ مكانك، أظن أنني سأعجز عن الكلام.”
“أحضرتها.”
“لا أريد الشعور بالدوار وأن أصبح مفرط الوعي بذاتي عند الحديث عن أمر لا يهتم به أحد.”
في النهاية، استسلمتُ ببساطة، وتوجّهنا إلى المدينة كما اقترحت. وكما خشيتُ، امتلئت المحطة الضخمة التي تتجمع فيها المتاجر المختلفة بحشود صاخبة ومتدافعة. ومجرد رؤية ذلك جعلتني أرتجف من التوجس.
أما الفتاة بجانبي، فلم تبدُ عليها أي رهبة من الحشد الكبير. هل ستموت هذه الفتاة قريبًا حقًا؟ ورغم مراودة شكوك كهذه لي، فبما أنها أرتني بالفعل العديد من الوثائق الرسمية، لم يبقَ مجال للشك.
بما أنني لا أملكُ صديقًا في البداية، لم أكن أعرف ذلك.
بعد اجتياز بوابة التذاكر، واصلتْ السير شاقةً طريقها عبر أمواج البشر المتلاطمة. وتمكنتُ بطريقةٍ ما من إبقائها في مرمى بصري، ووصلنا إلى الممر السفلي حيث تفرّقت الحشود قليلًا. وعندها فقط كشفتْ لي أخيرًا هدفنا لهذا اليوم.
“بنكرياس… موت…”
“أولًا: ياكينيكو*!”
استلقيتُ على سريري وفتحتُ رسالتها. احتوت على ما يلي:
“ياكينيكو؟ لكننا ما زلنا في الصباح كما تعلمين؟”
“هل سيختلف طعم اللحم في الظهيرة عنه في المساء؟”
“ربما. بهذا ينتهي حديثنا غير المثير للاهتمام عني. أنا أسأل فقط من باب المجاملة الاجتماعية، لكن ماذا عنك؟ إذا كان لديكِ حبيب، فبدلًا من قضاء الوقت معي، من الأفضل قضاؤه معه.”
“للأسف، بدلًا من وجود اختلاف، أنا لا أشتهي اللحم طوال اليوم.”
لم يشترِ أي منا أي شيء من متجر الكتب. في الواقع، لم نشترِ أي شيء بعد ذلك أيضًا. بعد مغادرة متجر الكتب، وبناءً على نزوتها، دخلنا متجر إكسسوارات ومتجر نظارات لفتا انتباهها، لكننا غادرنا كِلا المتجرين دون شراء شيء واحد. في النهاية، الأشياء الوحيدة التي اشترتْها هي الحبل وحقيبة اليد.
“إذن لا مشكلة. أريد تناول بعض الياكينيكو.”
“لماذا قرّرتَ بأن لا أحد مهتم؟”
قبل أن تموت – مع أنها لم تقل ذلك، لا بد أنها عنت شيئًا كهذا.
“لكنني تناولت فطوري للتو في العاشرة صباحًا.”
طلبتْ بعض الأرز الأبيض من النادل، وبدأتْ بمرح في ترتيب الهورومون على الموقد. بما أنه لا مفر من ذلك، ساعدتُها أنا أيضًا.
تنقلتُ بين المرضى حتى وصلت إلى الطرف الآخر من الردهة وجلستُ على الأريكة. بناءً على مظهره، بدا الكتاب ذا غلاف ورقي سميك يبلغ نحو 300 صفحة. حمت أسرارَه ورقة غلاف إضافية من متجر الكتب القريب من المستشفى.
“لا بأس، فليس هناك من يكره الياكينيكو.”
“هل تنتبهين لحديثنا حتى؟”
لم يبدُ الأمر كذلك.
لم تلقَ احتجاجاتي آذانًا صاغية، وما هي إلا لحظات حتى وجدتُ نفسي جالسًا قبالتها أمام موقد فحم حقيقي. لقد تبعتُها حقًا كقارب من القصب. خلا المطعم خافت الإضاءة من الازدحام، وجعلت الأضواء الفردية المسلَّطة على كل طاولة رؤية وجوه بعضنا سهلة بشكل غير ضروري.
“يبدو أنكِ استخدمتِ الكلمات بطريقة خاطئة بشكل لا تشوبه شائبة.”
دون تفكير، انطلقت من فمي كلمات لا تُقال في الحياة اليومية.
وفي لمح البصر، ركعَ نادل شاب بجانب الطاولة وبدأ في أخذ طلباتنا. وبينما تملكتني الدهشة، وكأن ذلك دليل على براعتها في الرياضيات، ردّت على النادل بسلاسة.
“انتظري انتظري انتظري، ماذا تطلبين؟”
“ماذا بعد؟”
“هذا الأغلى ثمنًا.”
“واه، أنتَ عديم مشاعر حقًا، هاه.”
فهمت، يبدو بوضوح أن هذا الكتاب يخص شخصًا تحددت مدة حياته؛ يوميات مواجهة المرض، لا، مذكرات التعايش مع المرض. لم يكن شيئًا يجدر بي قراءته حقًا.
“انتظري دقيقة، لم أحضر معي كل هذا المبلغ.”
“لا بأس، فأنا من سيدفع. اطلب وجبتين من أغلى الأطباق المفتوحة من فضلك. وبالنسبة للمشروبات، لا مانع لديك في شاي أولونغ، أليس كذلك؟”
لم يشترِ أي منا أي شيء من متجر الكتب. في الواقع، لم نشترِ أي شيء بعد ذلك أيضًا. بعد مغادرة متجر الكتب، وبناءً على نزوتها، دخلنا متجر إكسسوارات ومتجر نظارات لفتا انتباهها، لكننا غادرنا كِلا المتجرين دون شراء شيء واحد. في النهاية، الأشياء الوحيدة التي اشترتْها هي الحبل وحقيبة اليد.
جاريتُ الموقف وأومأتُ برأسي بينما واصلتْ هي حديثها وكأنها في منزلها؛ كرر النادل الشاب الطلب بسرعة وغادر.
“واااه، لا أطيقُ الانتظار!”
“……أمم، سأحرص على أن أرد لكِ مال اليوم.”
“قلتُ لكَ لا بأس، لا تقلق. أنا سأدفع. حتى وقت قريب، عملتُ أيضًا، لذا لدي مدخرات ولا يصح ألّا أستخدمها.”
“لو فكرّتِ في الأمر، فأي مجموعة من شخصين من جنسين مختلفين قد تكون زوجان، وإذا كان الأمر مجرّد مظهر، فلا أحد يستطيع معرفة أنكِ ستموتين قريبًا. المهم ليس آراء الآخرين، بل الجوهر. ألم تقولي ذلك أيضًا؟”
فهمت، يبدو بوضوح أن هذا الكتاب يخص شخصًا تحددت مدة حياته؛ يوميات مواجهة المرض، لا، مذكرات التعايش مع المرض. لم يكن شيئًا يجدر بي قراءته حقًا.
قبل أن تموت – مع أنها لم تقل ذلك، لا بد أنها عنت شيئًا كهذا.
“هذا أسوأ. يجدر بكِ إنفاقه على شيء أكثر أهمية.”
“لكن هناك معنى في هذا؛ لن يكون ممتعًا تناول الياكينيكو بمفردك، أليس كذلك؟ أنا أنفقُ المال من أجل متعتي الشخصية فحسب.”
“ربما. بهذا ينتهي حديثنا غير المثير للاهتمام عني. أنا أسأل فقط من باب المجاملة الاجتماعية، لكن ماذا عنك؟ إذا كان لديكِ حبيب، فبدلًا من قضاء الوقت معي، من الأفضل قضاؤه معه.”
“لكن كما ترين…”
“يا زميلي الذي يعرف السر، هل أحضرتَ أجرة القطار؟ هل يمكنك إخراجها؟”
“عذرًا على الانتظار. تفضلا المشروبات.”
بينما شرعتُ في ردي التالي، وبتوقيت ممتاز، ظهر النادل حاملًا كأسين من شاي أولونغ على صينية. شعرتُ وكأنها استدعت النادل لينهي حديثنا عن المال. قهقهتْ بينما ارتسمتْ ابتسامة عريضة على وجهها.
تاريخ التدقيق: 9 / 3 / 2026
“ما معناها؟ هذه هي “مذكرات التعايش مع المرض” الخاصة بي. ألم تقرأها؟ إنها مثل يوميات أكتبها منذ اكتشفتُ مرض البنكرياس لدي.”
وصلَ طبق اللحوم المتنوعة بعد المشروبات بقليل. بصراحة، بدَت اللحوم المرتّبة بشكل جميل شهيّة للغاية. لا بد أن السبب يعود لما يسمى بالتعريق. برز نمط الدهون بوضوح، وبدَت اللحوم وكأن طعمها سيكون لذيذًا حتى وهي نيئة، رغم أن مجرد التفكير في ذلك قد يكون منفرًا للكثيرين.
بمجرد أن بدَت الشوّاية المثبّتة فوق موقد الفحم ساخنة بما يكفي، التقطتْ شريحة لحم بعيدان الأكل ووضعتْها بسرعة على الشوّاية. بدأت شريحة اللحم تصدر أزيزًا فور سقوطها على المعدن الحارق، تفوح منها رائحة الشواء المميزة التي تسيل اللعاب؛ ولم تستطع معدتي إلا أن تقرقر استجابةً لذلك. وبما أن طلاب الثانوية في طور النمو لا يستطيعون التحكم في شهيتهم، بدأتُ في طهي اللحم معها. وفوق الموقد الساخن، نضجَ اللحم في وقتٍ قصير.
“شكرًا على الوجبة. ممم!”
“أجل، يوجد بالفعل. لهذا السبب انفصلتُ عنه. سيكون رائعًا لو أن الخالق وضع علامات على الجميع منذ البداية. شيء مثل: هذا الشخص مناسب فقط للصداقة، وذاك الشخص مناسب حتى كحبيب.”
“شكرًا على الوجبة. همم، حسنًا، إنه لذيذ جدًا.”
“لقد بالغتِ في تقديري.”
“ماذا، هذا مستوى حماسكَ فقط؟ أليس لذيذًا للغاية؟ أم تظن أنني عاطفية أكثر لأنني سأموتُ قريبًا؟”
“هاه، هل هذا صحيح؟ هل هناك أي مكان تودّ الذهاب إليه؟”
لا، تميّزَ طعم اللحم بلذّة استثنائية. وُجِدتْ ببساطة فجوة في مستويات التوتر بيننا.
“هذا رائع. أتساءل عمّا إذا كان الأثرياء يأكلون طعامًا لذيذًا كهذا فقط.”
“لا يأتي الأثرياء إلى البوفيهات المفتوحة، على الأرجح.”
بطريقةٍ ما، أو بالأحرى، كالمعتاد، بدَت وكأنَّها لم تسمعني على الإطلاق. أو ربما سمعتني لكنها تتجاهلني. راودني شعور بأن الاحتمال الأخير هو الصحيح.
انفجرتْ ضاحكةً من قلبها على رأيي.
“فهمت؛ لكن من الخسارة إدراج لحم بهذه الجودة في البوفيهات.”
“عمّا تتحدث؟ آه، سنطلب حصة واحدة من كل نوع في الوقت الحالي.”
“لماذا قرّرتَ بأن لا أحد مهتم؟”
“لكن كل شيء يُعد بوفيه مفتوح للأثرياء.”
بالمناسبة، لم أعرف أي شيء عن زميلتي هذه سوى تمتعها بحيوية مشرقة تناقضت مع صمتي المعتاد. ولهذا السبب فوجئتُ باستطاعتها الابتسام بشجاعة في موقف كهذا، حيث اكتشف مجرد شخص يعرفها فقط لا أكثر مثلي معاناتها من مرض خطير.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
رغم أن معدتينا لم يكن يفترض أن تتسعا لكل هذا، سرعان ما اختفت حصتا اللحم المتنوعتان. أخذَتْ قائمة الطعام من طرف الطاولة وبدأتْ تفحص الإضافات.
ولهذا السبب، لا يقع اللوم على شيء سوى سوء حظها والتحول المفاجئ للأحداث الذي جعلني -أنا الذي يفترض بي أن أكون مجرد زميل دراسة- أكتشف مرضها.
“هل أي شيء مناسب؟”
“هل هذا شيء ينبغي لكِ قوله أثناء تناول الياكينيكو؟”
“سأترك الأمر لكِ.”
“يا لكَ من لئيم! لكن حسنًا، لا بأس. لأنني ظللتُ أقرأ كتابًا طوال الوقت. الزميل الذي يعرف السر كن، هل لديك أي اهتمام بالموضة؟”
سأترك الأمر لكِ؛ وجدتُ أن عبارة كهذه تناسبني تمامًا.
بعد الوجبة، أخذَ النادل الأطباق الفارغة العديدة وكذلك موقد الفحم القديم، وأخيرًا أحضر لنا الشراب المُبرَّد كحلوى. الفتاة التي قالتْ “أنا لا أشعر أنني بخير” و”هذا مؤلم” عادتْ إلى الحياة عند ظهور الحلوى. أخذتْ نفسًا من الهواء النقي، وكأن شكاواها جميعها أكاذيب، وبدأتْ في إحداث ضجة مرة أخرى.
دون تفكير، انطلقت من فمي كلمات لا تُقال في الحياة اليومية.
رفعتْ يدها دون أن تنبس بكلمة، وبعد أن لمح النادل إشارتها من مكانٍ ما، وصل سريعًا إلى طاولتنا. ألقت علي نظرة توبيخ لأنني جفلتُ أمام تفاني النادل، وشرعتْ في الطلب من القائمة بطلاقة غير مسبوقة.
“جيارا، كوبوكورو، تيبو، هاتشينوسو، مينو، هاتسو، نيكوتاي، كوريكوري، فوا، سينماي، شيبري.”
كشفتُ لها عنها عارية — أفكاري المعتادة، التي شعرتُ أنها تنتظم على نحوٍ مُحكم فوق سطح المكتب بينما كنتُ أحدّق في عروق الخشب على الطاولة. وهذا النوع من النظريات أيضًا ظلّ يتراكم عليه الغبار في أعمق أعماق قلبي. وبالطبع، كان ذلك لأنني لم أجد شريكًا أتحاور معه في هذا الشأن.
“ماذا بعد؟”
“انتظري انتظري انتظري، ماذا تطلبين؟”
كان من المحرج أن أعترض عمل النادل، لكنها نطقتْ بكلمات لم أعتد سماعها، لذا اضطررتُ لفتح فمي.
“الأذى؟ يبدو أن الحديث حول ما إذا كنتِ ستنتحرين أم لا أصبح مشوشًا تمامًا. في الوقت الحالي، دعينا ننهي هذه المحادثة فحسب.”
“لهذا السبب تقرأ الكتب دائمًا.”
“كوبوكورو؟ هاه، هل يبيعون أسطوانات تلك الفرقة؟”
“عمّا تتحدث؟ آه، سنطلب حصة واحدة من كل نوع في الوقت الحالي.”
ابتسمَ النادل إقرارًا بطلبها وغادر مسرعًا.
“آه، ربما نحن متناقضان حقًا، هاه – عندما تناولنا الياكينيكو سابقًا، استمررتَ في تناول الكاروبي والروسو. رغم أنك بدأتَ في تناول الهورومون.”
“هاتشي؟ هل طلبتِ نحلًا للتو؟ هل يمكن أكل الحشرات؟”
“واااه، لا أطيقُ الانتظار!”
“آه، لعلّك لا تعرف؟ كوبوكورو وهاتشينوسو اسمان لأجزاء معينة من البقرة. شخصيًّا، أحب الهورومون كثيرًا!”
“تقصدين الأحشاء؟ هل للأبقار أجزاء بأسماء مثيرة للاهتمام كهذه؟”
“يعني هذا أنني لم أحظَ بأي أصدقاء. لهذا السبب، شخص مثل حبيبة تسألينني عنها – بالطبع لم أحظَ بواحدة من قبل.”
“أليس لدى البشر أجزاء مماثلة أيضًا؟ مثل العظمة المضحكة.”
“ماذا تعني؟”
“لا أعرف أين تقع بالضبط رغم ذلك.”
طلبتْ بعض الأرز الأبيض من النادل، وبدأتْ بمرح في ترتيب الهورومون على الموقد. بما أنه لا مفر من ذلك، ساعدتُها أنا أيضًا.
“بالمناسبة، شيبري هو البنكرياس.”
“لا أريد أن أسمع بالتفصيل كيف كنتِ ستختتمين هذا، لذا دعينا نتوقف عن الكلام الآن.”
“لهذا السبب تقرأ الكتب دائمًا.”
“هل يمكن أن يكون تناول الأحشاء جزءًا من علاجكِ؟”
“أليس لذيذًا؟”
“يمكنني الاستمرار في تناول الهورومون إلى الأبد. إذا سألني أحدهم عن طعامي المفضل، سأجيب بالهورومون. أنا أحبُّ الأحشاء!”
الفصل 2
“أتساءل. قد يكون من الممتع الحصول عليهم، لكنني أؤمن أن حدود الرواية أكثر متعة من العالم الحقيقي.”
“كيف يُفترض بي الرد على حماسكِ هذا؟”
“هذا صحيح.”
“نسيتُ طلب الأرز الأبيض. هل تريد بعضًا منه؟”
“ربما.”
“لا أريد.”
من الواضح أن الحيلة نفسها لن تنجح مرتين. عندما هممتُ بالوقوف، أمسكتْ بذراعي. أردتُ منها التوقّف عن غرس أظافرها بي. ربما مثَّل هذا انتقامها مني لقطعي الحديث في مطعم الياكينيكو. ولعدم رغبتي في إثارة غضبها، عدتُ للجلوس بهدوء.
من الواضح أن الحيلة نفسها لن تنجح مرتين. عندما هممتُ بالوقوف، أمسكتْ بذراعي. أردتُ منها التوقّف عن غرس أظافرها بي. ربما مثَّل هذا انتقامها مني لقطعي الحديث في مطعم الياكينيكو. ولعدم رغبتي في إثارة غضبها، عدتُ للجلوس بهدوء.
بعد قليل، وصلتْ أطباق الأحشاء العديدة التي طلبتْها، مُرتبةً في مجموعة واحدة. بدا المنظر أكثر بشاعةً مما تخيلت، وبناءً على ذلك، فقدتُ بعضًا من شهيتي.
بعد قليل، وصلتْ أطباق الأحشاء العديدة التي طلبتْها، مُرتبةً في مجموعة واحدة. بدا المنظر أكثر بشاعةً مما تخيلت، وبناءً على ذلك، فقدتُ بعضًا من شهيتي.
طلبتْ بعض الأرز الأبيض من النادل، وبدأتْ بمرح في ترتيب الهورومون على الموقد. بما أنه لا مفر من ذلك، ساعدتُها أنا أيضًا.
“مهلًا، لقد نضج هذا!”
“هل هذا شيء ينبغي لكِ قوله أثناء تناول الياكينيكو؟”
“شكرًا على الوجبة. همم، حسنًا، إنه لذيذ جدًا.”
لعدم قدرتها على الوقوف مكتوفة الأيدي والمشاهدة بينما لا أفعل شيئًا عند تغير مظهر الهورومون، تدخلّتْ بامتعاض ووضعتْ الشيء الأبيض المثقوب في طبقي. ولأن من مبادئي عدم العبث بالطعام أو إهداره، قرّبتُه بحذر من فمي.
“أليس لذيذًا؟”
عندما أزلتُ الغلاف الورقي للتحقق من العنوان، واجهتني مفاجأة صغيرة. لم يظهر تحته الغلاف الأصلي الذي يفترض أن يُغلّف الكتاب، بل كُتبت عليه عبارة “مذكرات التعايش مع المرض” بقلم حبر سميك. وبالطبع، لم أسمع بهذا العنوان أو الناشر من قبل.
لقول الحقيقة، بدا القوام جيدًا، والرائحة زكية، والطعم أفضل مما اعتقدت، لكن الشعور بأنني فعلتُ شيئًا لا ينبغي لي فعله تصاعد من معدتي، فأملتُ رأسي إلى الجانب في توجّس. وكالعادة، أطلقتْ هي ابتسامةً لسبب غير معروف.
“مستحيل أن أبكي. حبل؟”
“يا زميلي الذي يعرف السر، هل أحضرتَ أجرة القطار؟ هل يمكنك إخراجها؟”
تحققتُ ممّا إذا تبقى لديها أي شاي أولونغ، ثم طلبتُ من النادل كوبًا آخر، بالإضافة إلى القليل من اللحم العادي.
رغم أن معدتينا لم يكن يفترض أن تتسعا لكل هذا، سرعان ما اختفت حصتا اللحم المتنوعتان. أخذَتْ قائمة الطعام من طرف الطاولة وبدأتْ تفحص الإضافات.
استهلكتُ قطعة اللحم بصمت، وهي الهورومون. من وقت لآخر، أتناول الهورومون، فتبتسم بتكلف قبل أن ترمقني بوجه منزعج. في مثل هذه الحالات، تأكل الهورومون الذي طبختْه بعناية شديدة مع تنهيدة “آه!”، فينجلي عدم الرضا عن وجهها على الفور.
“مجرد قيود أساسية. ولكن، حتى تلك جاءت نتيجة عشر سنوات من تطور العلوم الطبية هنا. أليست قوة البشر مذهلة؟ قد نعاني من الأمراض، لكنها لا تهدد أنشطتنا اليومية على الإطلاق. أعتقد أن مسار التطور هذا موجّه نحو إيجاد علاجات، هاه.”
“أتعلم، لا أريدُ أن أُحرق.”
“لا. أعتقد أنني لا أهتم حقًا بما أرتديه طالما أنه غير لافت للنظر وبسيط.”
أثناء الاستمتاع بالياكينيكو، طرحتْ بوضوح الموضوع الخاطئ لهذا المكان.
“هذا أسوأ. يجدر بكِ إنفاقه على شيء أكثر أهمية.”
“أتعلم، لا أريدُ أن أُحرق.”
“ماذا قلتِ؟”
“إذا أمكن تسمية ذلك بعلاقة وثيقة، فلن يفكّر أحد في صنع تمبورا من البرتقال.”
نظرًا لاحتمالية إساءتي السمع، حاولتُ الحصول على تأكيد، فردَّت بوجه جاد.
“يا له من عمل مُقيت.”
“كما أقول، لا أريد أن أُحرق. لا أريد أن أُشوى بعد أن أموت.”
“هل هذا شيء ينبغي لكِ قوله أثناء تناول الياكينيكو؟”
“عمّا تتحدث؟ آه، سنطلب حصة واحدة من كل نوع في الوقت الحالي.”
نظرًا لاحتمالية إساءتي السمع، حاولتُ الحصول على تأكيد، فردَّت بوجه جاد.
“سيبدو الأمر وكأنني اختفيتُ حقًا من هذا العالم. أيكون مستحيلًا السماح للآخرين بأكلي أو شيء من هذا القبيل؟”
سأكونُ سعيدًا بالتراجع عن اتفاقنا، لكنني لمحتها من بعيد تبدو مضطربة قليلًا، وكأنها ستطلب المساعدة أو الاتجاهات إذا أظهر أحدهم ضعفًا. لكن على عكسي، شقَّت طريقها الخاص لكسر الجمود؛ ولن تكون مبالغة وصفها بأنها قارب من القصب يسبح عكس التيار.
“إذن؟ هل حظيتَ بواحدة؟”
“دعينا نتوقف عن الحديث حول التخلص من الجثث أثناء تناول اللحم.”
“لا بأس، لا بأس – سأكتب بوضوح أن هذه في الواقع كذبة. من الأفضل أن نلتقطهم بعد سقوطهم، أليس كذلك؟”
“لا بأس، فأنا من سيدفع. اطلب وجبتين من أغلى الأطباق المفتوحة من فضلك. وبالنسبة للمشروبات، لا مانع لديك في شاي أولونغ، أليس كذلك؟”
“سأسمح لكَ بأكل بنكرياسي.”
تنقلتُ بين المرضى حتى وصلت إلى الطرف الآخر من الردهة وجلستُ على الأريكة. بناءً على مظهره، بدا الكتاب ذا غلاف ورقي سميك يبلغ نحو 300 صفحة. حمت أسرارَه ورقة غلاف إضافية من متجر الكتب القريب من المستشفى.
“هل تستمعين إليّ؟”
“يبدو أن بعض البلدان تملك معتقدًا بأن روح الشخص المأكول ستستمر في العيش داخل من أكله.”
ومع ذلك، قرّرتُ التظاهر بجهلي للأمر قدر الإمكان. اعتقدتُ أن ذلك سيكون الخيار الأفضل لكلينا.
“أليس لدى البشر أجزاء مماثلة أيضًا؟ مثل العظمة المضحكة.”
بطريقةٍ ما، أو بالأحرى، كالمعتاد، بدَت وكأنَّها لم تسمعني على الإطلاق. أو ربما سمعتني لكنها تتجاهلني. راودني شعور بأن الاحتمال الأخير هو الصحيح.
تساءلت عمّا يمكن أن يكون، ولكن بما أنني عجزت عن التفكير في إجابة مناسبة مهما حاولت، قلبتُ الصفحة الأولى.
“هل هذا مستحيل حقًا؟”
“بالمناسبة، شيبري هو البنكرياس.”
“بالمناسبة، أشعرُ أنني لا أعرف شيئًا واحدًا عنك.”
“… ربما يكون كذلك. من الناحية الأخلاقية. لكن من الناحية القانونية، لم أبحث في الأمر لذا لا أعرف حقًا.”
“فهمت، هذا مؤسف للغاية. إذن لا يمكنني إعطاؤك بنكرياسي، هاه.”
“يمكنني الاستمرار في تناول الهورومون إلى الأبد. إذا سألني أحدهم عن طعامي المفضل، سأجيب بالهورومون. أنا أحبُّ الأحشاء!”
“لستُ بحاجةٍ إليه.”
“ألن تأكله؟”
“بسبب بنكرياسكِ تحديدًا ستموتين. لذا لا بد أن هذا هو المكان الذي تقع فيه أكبر قطعة من روحكِ. وروحكِ تبدو صاخبة.”
“ما الخطب؟”
“هذا صحيح.”
انتابني شعور تافه. في زاوية الردهة، وعلى أريكة منعزلة، استقرَّ كتاب متروك. تساءلتُ عمَّن تركه وعن محتواه. سيطر علي فضولي النابع من حُبّي للكتب، وبدأتُ في السير نحوه.
“……أمم، سأحرص على أن أرد لكِ مال اليوم.”
قهقهتْ بمرح. هي صاخبة هكذا بالفعل أثناء حياتها، لذا لا توجد بالتأكيد أي طريقة ألا يكون بنكرياس هذه الفتاة التي أصبحت خبيرةً في الروح صاخبًا أيضًا. أنا آسف، لكنني لن آكل شيئًا كهذا أبدًا.
للمقارنة، أكلتْ هي أكثر مني بكثير. حشت نفسها باللحم، والأرز، والهورومون حتى قالت: “آه، هذا مؤلم.” أما أنا، فتوقفت عندما انتفخت معدتي للمستوى المناسب، وشعرتُ بالرضا. بالطبع، منذ البداية، لم أطلب أكثر مما أستطيع أكله، ولم أرتكب حماقة إغراق الطاولة بأطباق القائمة الجانبية كما فعلت هي.
“يبدو أن ذوقكَ في الطعام لا يتطابق مع ذوقي، هاه.”
مضت العلوم الطبية تتقدم نحو آفاق مجهولة. رغم أنني لم أعرف أي تفاصيل عن ذلك، ولم أهتم بمعرفة المزيد أيضًا.
بعد الوجبة، أخذَ النادل الأطباق الفارغة العديدة وكذلك موقد الفحم القديم، وأخيرًا أحضر لنا الشراب المُبرَّد كحلوى. الفتاة التي قالتْ “أنا لا أشعر أنني بخير” و”هذا مؤلم” عادتْ إلى الحياة عند ظهور الحلوى. أخذتْ نفسًا من الهواء النقي، وكأن شكاواها جميعها أكاذيب، وبدأتْ في إحداث ضجة مرة أخرى.
كل ما وسعني قوله هو أنه -بالنسبة للعلوم الطبية على الأقل- يُعتبر منح حياة عادية لفتاة محاصرة في وضع غير طبيعي تقدمًا؛ وهي حالة مستعصية أعاقت حياتها وستنهيها في غضون عام. ويعني هذا أن البشر اكتسبوا القدرة على إطالة أعمارهم.
“أليس لديكِ أي قيود غذائية؟”
“مجرد قيود أساسية. ولكن، حتى تلك جاءت نتيجة عشر سنوات من تطور العلوم الطبية هنا. أليست قوة البشر مذهلة؟ قد نعاني من الأمراض، لكنها لا تهدد أنشطتنا اليومية على الإطلاق. أعتقد أن مسار التطور هذا موجّه نحو إيجاد علاجات، هاه.”
“هذا صحيح.”
__________________________________________
لا أعرف الكثير حقًا عن العلوم الطبية، لكن هذه إحدى الحالات غير العادية التي أتفق فيها مع رأيها. سمعتُ من مكانٍ ما أن العلاج في هذا العالم، بدلًا من علاج الأمراض المستعصية، يتركّز على مساعدة الناس في التعايش معها عوضًا عن ذلك. لكن مهما فكّرتُ في الأمر، التكنولوجيا التي يجب أن تستمر في التقدّم تظل تكنولوجيا للعلاج، وليست وسيلة للتعايش مع الأمراض. ومع ذلك، حتى لو قلنا هذا، نحن ندرك أنه لا توجد طريقة لتقدّم العلوم الطبية من تلقاء نفسها. لكي تتقدّم، الوسيلة الوحيدة هي دراسة الملتحقين بكليات الطب بجدّية استثنائية. بالطبع، هي لا تملك الوقت لانتظار حدوث ذلك. وبالنسبة لي، لا يوجد أي معنى للقيام بذلك.
طلبتْ بعض الأرز الأبيض من النادل، وبدأتْ بمرح في ترتيب الهورومون على الموقد. بما أنه لا مفر من ذلك، ساعدتُها أنا أيضًا.
“لكن كل شيء يُعد بوفيه مفتوح للأثرياء.”
“ماذا بعد؟”
“أي شخص عديم الذوق تظنني؟ أنا لا ألقي هذا النوع من النكات السوداء، أتعلم؟ كل ما كُتب صحيح؛ لا أستطيع استخدام بنكرياسي وسأموتُ قريبًا، نعم.”
“أتقصد في المستقبل؟ لم أستجمع أفكاري بعد.”
“ماذا قلتِ؟”
قالتْ ذلك دون أن تُبدي أدنى إحباط.
“لا أقصدُ ذلك. مهلًا، أفكر في الأمر منذ فترة، ألا تعتقدين أنكِ تضعينني في موقف صعب بإلقاء نكات كهذه؟”
رمقتني بنظرة خالية من التعابير، ثمّ بدأتْ تضحك بخفوت. هي شخص يمتلك تغيرات متطرفة في تعابير الوجه. لا أعتقد أنها، ككائن حي، تشبهني كثيرًا. لكن ربما اختلافنا تحديدًا هو ما جعل أقدارنا مختلفة.
“لكن هناك معنى في هذا؛ لن يكون ممتعًا تناول الياكينيكو بمفردك، أليس كذلك؟ أنا أنفقُ المال من أجل متعتي الشخصية فحسب.”
“لا، لم ألقِ هذه النكات أمام أي شخص سواكَ أيضًا. ألن يتراجع معظم الناس ببساطة؟ لكنكَ مذهل. أنتَ تتحدث بشكل طبيعي مع زميلة فصل ستموت قريبًا. لو كنتُ أنا، لكان ذلك مستحيلًا على الأرجح. ولأنكَ مُذهل أستطيع قول ما أريد قوله.”
“هل ستشتري كتابًا؟”
“لقد بالغتِ في تقديري.”
“حظيتُ بواحد، لكننا انفصلنا مؤخرًا.”
للقرّاء مستخدمي أجهزة الأندرويد، يُفضّل متابعة القراءة عبر التطبيق لضمان أفضل تجربة.
تمامًا.
“لكنني لا أعتقد ذلك، لأن الزميل الذي يعرف السر كن لا يُظهر تعابير حزينة أمامي. أم أنه من الممكن أنكَ تبكي من أجلي في المنزل؟”
كان من المحرج أن أعترض عمل النادل، لكنها نطقتْ بكلمات لم أعتد سماعها، لذا اضطررتُ لفتح فمي.
“لا أفعل.”
رفعتْ يدها دون أن تنبس بكلمة، وبعد أن لمح النادل إشارتها من مكانٍ ما، وصل سريعًا إلى طاولتنا. ألقت علي نظرة توبيخ لأنني جفلتُ أمام تفاني النادل، وشرعتْ في الطلب من القائمة بطلاقة غير مسبوقة.
“إذن يجب عليك ذلك!”
لا توجد أي طريقة لأبكي. لن أفعل شيئًا غير لائق كهذا. لم أشعر بالحزن، وتحديدًا لم أرغب في إظهار هذه العاطفة أمامها. هي لم تُظهر حُزنًا، لذا من غير اللائق أن يفعل أي شخص ذلك نيابةً عنها.
“بالمناسبة، ماذا ستفعلين بالحبل؟ لن تنتحري، صحيح؟ مع أنكِ قلتِ إنها من أجل العبث.”
“للعودة إلى المحادثة، ماذا بعد؟”
“آه، تُغيّر الموضوع! هل كنتَ ستبكي؟ سأشتري حبلًا بعد ذلك.”
“شكرًا على عملكَ الجاد!! حاولتُ مراسلتكَ، هل وصلت؟ شكرًا على خروجك معي اليوم [علامة النصر] استمتعتُ كثيرًا! [وجه مبتسم] سأكونُ سعيدة جدًا إذا خرجتَ معي مرة أخرى [وجه مبتسم] حتى أموت، دعنا نستمر في التوافق! حسنًا، تصبح على خير! [وجه مبتسم] أراكَ غدًا!”
“مستحيل أن أبكي. حبل؟”
قبل أن تموت – مع أنها لم تقل ذلك، لا بد أنها عنت شيئًا كهذا.
“أوه، إذن أنتَ قادر على قول الأشياء بطريقة رجولية، هاه. هل تحاول جعل قلبي ينبض أسرع؟ نعم، حبل. للانتحار.”
“أليس لذيذًا؟”
“من سيحاول التودّد لشخص سيموت قريبًا؟ للانتحار؟”
رغم أن معدتينا لم يكن يفترض أن تتسعا لكل هذا، سرعان ما اختفت حصتا اللحم المتنوعتان. أخذَتْ قائمة الطعام من طرف الطاولة وبدأتْ تفحص الإضافات.
رغم أن مركز التسوق الذي وصلنا إليه بعد مشي قصير فقط يفيض بالناس، لم يتواجد أي شخص في قسم الحبال في المركز المنزلي. بالتأكيد، الأشخاص الوحيدون الذين قد يختارون حبلًا في يوم بطقس جيد كهذا هم التجّار، ورعاة البقر، والفتيات المحتضِرات.
“اعتقدتُ حقًا أن الانتحار سيكون جيدًا أيضًا – أن أقتل نفسي قبل أن يقتلني المرض. لكنني لا أعتقد أنني سأنتحر بعد الآن. أنا أشتري حبلًا من أجل الأذى فحسب. بالحديث عن ذلك، الزميل الذي يعرف السر كن فظيع! ربما أُدفع حتى إلى الانتحار بسبب الأذى.”
“الأذى؟ يبدو أن الحديث حول ما إذا كنتِ ستنتحرين أم لا أصبح مشوشًا تمامًا. في الوقت الحالي، دعينا ننهي هذه المحادثة فحسب.”
“عذرًا. لم يتبقَّ لها الكثير من الوقت لتعيشه، لذا أصبحتْ غريبة الأطوار قليلًا.”
“يا له من عمل مُقيت.”
“هذا صحيح – إذن هل حظيت بصديقة حميمة من قبل؟”
“لا أريد أن أسمع بالتفصيل كيف كنتِ ستختتمين هذا، لذا دعينا نتوقف عن الكلام الآن.”
بما أنها تبدو وكأنها ستقول شيئًا، أخذتُ زمام المبادرة ووقفت. لم أرَ قسيمة الطلب في أي مكان حول الطاولة، لذا ناديتُ النادل لطلبها وأشرتُ إلى أننا مستعدان للمغادرة. قالت “لنذهب” بينما تضحك بخفة، ووقفت هي أيضًا.
وصلتُ أمام النصب التذكاري الذي يحدد نقطة لقائنا قبل خمس دقائق من الوقت المتفق عليه، وانتظرتُ في حالة ذهول حتى ظهرتْ في الموعد المحدد تمامًا.
من الواضح أنها من نوع الأشخاص الذين لا ينهون أيًا من محادثاتهم بندم. هذه سمة مريحة فيها كُشِفت عنها. فكّرتُ أنه ينبغي لي الاحتفاظ بزمام المبادرة من الآن فصاعدًا.
بعد الخروج من متجر الياكينيكو، أمسكنا ببطوننا الممتلئة وخرجنا، حيث ضربتنا أشعة شمس تتسم بتألق الصيف المعتاد. ضيقتُ عينيّ بشكل لا إرادي. “يا له من طقس رائع! ربما سأموت في يوم كهذا.” لم أمتلك أي فكرة عن كيفية الرد على ما تمتمت به، لكنني قرّرتُ في الوقت الحالي أن تجاهلها هو الوسيلة الأكثر فعالية لمعارضتها. تمامًا كما أنه ليس من الجيد النظر في عيني وحشٍ ضارٍ – هكذا يبدو الشعور.
بدأنا التحرّك نحو مركز التسوق الكبير المتصل بالمحطة بعد نقاش خفيف – حتى لو أطلقنا عليه نقاشًا، كما قد تخمنون، فمعظمه مجرد حديثها هي. المركز المنزلي الشهير داخل مركز التسوق يبيع أشياء متنوعة، بما في ذلك الحبل المُمكِّن للانتحار الذي ترغب فيه بشدة.
“لا، لم ألقِ هذه النكات أمام أي شخص سواكَ أيضًا. ألن يتراجع معظم الناس ببساطة؟ لكنكَ مذهل. أنتَ تتحدث بشكل طبيعي مع زميلة فصل ستموت قريبًا. لو كنتُ أنا، لكان ذلك مستحيلًا على الأرجح. ولأنكَ مُذهل أستطيع قول ما أريد قوله.”
رغم أن مركز التسوق الذي وصلنا إليه بعد مشي قصير فقط يفيض بالناس، لم يتواجد أي شخص في قسم الحبال في المركز المنزلي. بالتأكيد، الأشخاص الوحيدون الذين قد يختارون حبلًا في يوم بطقس جيد كهذا هم التجّار، ورعاة البقر، والفتيات المحتضِرات.
رفعت رأسي استجابةً للصوت، دون أن تظهر الصدمة على وجهي. ولدهشتي، ميّزتُ وجه صاحبة الصوت. أخفيتُ مشاعري، مفترضًا اقترابها مني لسبب لا علاقة له بالكتاب.
يمكن سماع أصوات الأطفال الذين يمرحون من بعيد بينما أُقارن أحجام المسامير على مسافة قصيرة منها، بينما تستشير هي مساعد مبيعات شاب.
“واااه، لا أطيقُ الانتظار!”
بقينا في المقهى لمدة ساعة أُخرى. بدَت الأشياء التي تحدثنا عنها في ذلك الوقت تافهة للغاية. الحياة، الموت، الأمراض، أو مستقبلنا – لم نتحدّث عن أي من ذلك. بدلًا من ذلك، دار حديثنا بشكل أساسي حول كلامها عن زملائنا في الفصل. حاولتُ الاهتمام بهم، لكنَّ جهودها باءت بالفشل إلى حد كبير.
“عذرًا، أبحث عن حبل يمكن استخدامه للانتحار، لكنني لا أريد حقًا أي جروح خارجية، فما هو النوع الأكثر أمانًا في هذه الحالة؟”
كل ما وسعني قوله هو أنه -بالنسبة للعلوم الطبية على الأقل- يُعتبر منح حياة عادية لفتاة محاصرة في وضع غير طبيعي تقدمًا؛ وهي حالة مستعصية أعاقت حياتها وستنهيها في غضون عام. ويعني هذا أن البشر اكتسبوا القدرة على إطالة أعمارهم.
“ماذا بعد؟”
سمعتُ بوضوح السؤال الذي طرحته الفتاة الغريبة الأطوار. استدرتُ لأرى تعبير مساعد المبيعات المصدوم بوضوح، مما جعلني أضحك قليلًا. بعد ذلك، أدركتُ أنها ألقتْ نكتةً أخرى من نكاتها، مما أزعجني. شيء آمن رغم أنه للانتحار – تلك هي النكتة التي ألقتْها. أُخذنا أنا ومساعد المبيعات على حين غرة وأُصبنا بالحيرة، لكنني رسمتُ ابتسامة. أعدتُ المسامير ذات الأحجام المختلفة إلى حاوياتها الخاصة واحدًا تلو الآخر، ثم اقتربتُ من مساعد المبيعات والفتاة التي أدركُ أنها تضحك بمجرد النظر إلى ظهرها.
بالمناسبة، لم أعرف أي شيء عن زميلتي هذه سوى تمتعها بحيوية مشرقة تناقضت مع صمتي المعتاد. ولهذا السبب فوجئتُ باستطاعتها الابتسام بشجاعة في موقف كهذا، حيث اكتشف مجرد شخص يعرفها فقط لا أكثر مثلي معاناتها من مرض خطير.
“عذرًا. لم يتبقَّ لها الكثير من الوقت لتعيشه، لذا أصبحتْ غريبة الأطوار قليلًا.”
لا أعرف ما إذا كان مساعد المبيعات قد اقتنع بطوق النجاة الخاص بي، أم أنه استغرب فحسب، لكنه تركنا وعاد إلى عمله الخاص.
بعد ذلك مباشرةً، أخذتْ الكتاب، ونهضت، ولوّحت لي بيدها ثم توجّهت إلى عمق المستشفى. قالت وهي تغادر: “لا أحد آخر يعرف بهذا، لذا لا تخبر الفصل، حسنًا؟.” ولأنني ظننتُ أنني لن أتبادل معها أي حديث بعد هذا، شعرتُ ببعض الارتياح.
“آرغ، فقط عندما كنتُ سأجعل مساعد المبيعات يعرض المنتجات. لا تقف في طريقي. هل يمكن أن تكون قد شعرتَ بالغيرة من العلاقة الوثيقة بيني وبين مساعد المبيعات؟”
وإذا أحببتم المغامرة والتشويق إلى أقصى حد، لا تفوتوا الرواية التي أترجمها، “الوحدة القتالية”، حيث ستشهدون كتابة رائعة، حبكة عظيمة، وشخصيات لا تُنسى. كل فصل يحمل مفاجأة جديدة ستجعلكم تتشوقون للفصل الذي يليه، وتستمتعون بعالم مليء بالتحدي والإثارة.
“أقولُ إنني مهتمة بك. ما كنت لأطلب من شخص الخروج معي للاستمتاع لو لم أكن مهتمة به. لذا لا تجعلني أبدو غبية.”
“إذا أمكن تسمية ذلك بعلاقة وثيقة، فلن يفكّر أحد في صنع تمبورا من البرتقال.”
“ماذا تعني؟”
“ربما. بهذا ينتهي حديثنا غير المثير للاهتمام عني. أنا أسأل فقط من باب المجاملة الاجتماعية، لكن ماذا عنك؟ إذا كان لديكِ حبيب، فبدلًا من قضاء الوقت معي، من الأفضل قضاؤه معه.”
“قلتُ شيئًا بلا معنى لذا يُرجى ألا تتابعيه.”
اقتربتُ منها، لكن قبل أن أتمكّن من مناداتها، لاحظتْني ونظرتْ في اتجاهي. اعتذرتُ بصراحة.
رغم أنني قلتُ ذلك لاعتقادي أنه سيزعجها، في غمضة عين، بدأتْ تقهقه بلا داعٍ كالمعتاد.
“ربما منذ المرحلة الابتدائية فصاعدًا، لا أذكر امتلاكي أي أصدقاء.”
الفتاة، التي أصبح مزاجها جيدًا بشكل غير عادي لسببٍ ما، سرعان ما أمسكت بحبل واشترته مع حقيبة يد كبيرة طُبعت عليها صورة قطة لطيفة. غادرتُ المركز المنزلي بعدها برفقتها، وهي تهمهم وتدور حول الحقيبة التي تحتفظ فيها بالحبل. أتساءل كم كانت مبتهجةً أثناء مغادرة المركز المنزلي لتجذب انتباه وسوء فهم الأشخاص من حولنا؟
“الزميل الذي يعرف السر كن، ماذا بعد؟”
“قلتُ لكَ لا بأس، لا تقلق. أنا سأدفع. حتى وقت قريب، عملتُ أيضًا، لذا لدي مدخرات ولا يصح ألّا أستخدمها.”
“إيه! هذا كل شيء؟ أليس لديكَ ما تقوله غير ذلك؟”
“أنا أتبعكِ في الأرجاء فحسب، لذا لا أمتلكُ حقًا أي أهداف في ذهني.”
“هاه، هل هذا صحيح؟ هل هناك أي مكان تودّ الذهاب إليه؟”
“إذا توجّب عليّ اختيار واحد، فأظن أنه سيكون متجر الكتب.”
“هل ستشتري كتابًا؟”
“ينتابني شعور بأن استخدامكِ للكلمات غير دقيق بعض الشيء. ومع ذلك، ماذا سنفعل اليوم؟”
“لا أعرف أين تقع بالضبط رغم ذلك.”
“لا، أحبُّ الذهاب إلى متاجر الكتب حتى بلا هدف.”
“أوه، هذا تمامًا مِثل مَثلٍ من السويد.”
لم تلقَ احتجاجاتي آذانًا صاغية، وما هي إلا لحظات حتى وجدتُ نفسي جالسًا قبالتها أمام موقد فحم حقيقي. لقد تبعتُها حقًا كقارب من القصب. خلا المطعم خافت الإضاءة من الازدحام، وجعلت الأضواء الفردية المسلَّطة على كل طاولة رؤية وجوه بعضنا سهلة بشكل غير ضروري.
“ماذا تعنين؟”
كل ما وسعني قوله هو أنه -بالنسبة للعلوم الطبية على الأقل- يُعتبر منح حياة عادية لفتاة محاصرة في وضع غير طبيعي تقدمًا؛ وهي حالة مستعصية أعاقت حياتها وستنهيها في غضون عام. ويعني هذا أن البشر اكتسبوا القدرة على إطالة أعمارهم.
“قلتُ شيئًا بلا معنى لذا يُرجى ألا تفكر بجدية فيه، هاهاها.”
وبما أن زميلة لي اقتربت مني، اتخذتُ مظهرًا منتبهًا، مترقبًا ردها بهدوء. مدَّت ذراعها نحوي، وكأنها تسخر من رد فعلي.
يبدو أنها حقًا في مزاج جيد. أنا ببساطة انزعجت. بينما نعبّر عن مشاعر متناقضة، توجَّهنا نحو متجر الكتب الكبير في نفس مركز التسوق. بمجرد وصولنا، مشيتُ نحو ركن الكتب الأدبية الجديدة دون أي اكتراث لها. لم تتبعني. بعد منحي وقتًا بمفردي لأول مرة منذ فترة، استمتعتُ بالكامل بتصفح الكتب ذات الأغلفة الورقية.
أثناء الإعجاب بأغلفة ورقية لا حصر لها وقراءة مقدمات لا حصر لها، مرَّ الوقت دون أن أشعر. إنه إحساس مألوف على الأرجح لمن يحبّون الكتب، لكن ليس كما لو أن جميع البشر يتشاركون نفس الحب لها. لهذا السبب شعرتُ بالذنب قليلًا عندما تحققتُ من ساعتي، وبحثتُ عنها في أرجاء المتجر. بدَت مبتسمة وهي تتصفّح مجلة أزياء. اعتقدتُ أنه من المذهل قدرتها على إظهار سعادتها حتى أثناء التصفح. أنا غير قادر على فعل ذلك.
وبغض النظر عن أفكاري غير الضرورية، فقد استفادت هي مرة أخرى بفوائد العلوم الطبية.
اقتربتُ منها، لكن قبل أن أتمكّن من مناداتها، لاحظتْني ونظرتْ في اتجاهي. اعتذرتُ بصراحة.
“لستُ بحاجةٍ إليه.”
“آسف، نسيتُ أمركِ.”
لم تلقَ احتجاجاتي آذانًا صاغية، وما هي إلا لحظات حتى وجدتُ نفسي جالسًا قبالتها أمام موقد فحم حقيقي. لقد تبعتُها حقًا كقارب من القصب. خلا المطعم خافت الإضاءة من الازدحام، وجعلت الأضواء الفردية المسلَّطة على كل طاولة رؤية وجوه بعضنا سهلة بشكل غير ضروري.
“الزميل الذي يعرف السر كن، ماذا بعد؟”
“يا لكَ من لئيم! لكن حسنًا، لا بأس. لأنني ظللتُ أقرأ كتابًا طوال الوقت. الزميل الذي يعرف السر كن، هل لديك أي اهتمام بالموضة؟”
“لا. أعتقد أنني لا أهتم حقًا بما أرتديه طالما أنه غير لافت للنظر وبسيط.”
دون تفكير، انطلقت من فمي كلمات لا تُقال في الحياة اليومية.
إذا لاحظتم أي خطأ أو لديكم ملاحظة حول التدقيق، يُرجى مشاركتها عبر التعليقات أو روم الرواية في سيرفر ملوك الروايات على الديسكورد، يوزري على الديسكورد: readandrise
“توقّعتُ أن تقول ذلك. أنا مهتمة رغم ذلك. بمجرد أن أصبح طالبة جامعية سأغرقُ نفسي في الكثير من الكحول – أمزح، لأنني سأموت قريبًا. لكن بالنسبة للبشر، المضمون حقًا أهم من المظهر هاه.”
“يبدو أنكِ استخدمتِ الكلمات بطريقة خاطئة بشكل لا تشوبه شائبة.”
نظرتُ في الأرجاء دون النظر إلى أي شيء على وجه التحديد. لأنني اعتقدتُ أن ملاحظتها ربما جذبت بعض الانتباه. لكن يبدو أنه لا يوجد أي شخص في الجوار يمتلك أدنى اهتمام بكلمات فتاة فاضحة في المدرسة الثانوية.
انفجرتْ ضاحكةً من قلبها على رأيي.
“لا يأتي الأثرياء إلى البوفيهات المفتوحة، على الأرجح.”
لم يشترِ أي منا أي شيء من متجر الكتب. في الواقع، لم نشترِ أي شيء بعد ذلك أيضًا. بعد مغادرة متجر الكتب، وبناءً على نزوتها، دخلنا متجر إكسسوارات ومتجر نظارات لفتا انتباهها، لكننا غادرنا كِلا المتجرين دون شراء شيء واحد. في النهاية، الأشياء الوحيدة التي اشترتْها هي الحبل وحقيبة اليد.
“……………………آه، فهمت.”
بسبب التعب من المشي، وكما اقترحتْ، دخلنا إلى مقهى تابع لسلسلة وطنية. المتجر مزدحم، لكن لحسن الحظ، تمكنّا من العثور على مقاعد. بينما تنتظر، ذهبتُ لأطلب لكلينا. أرادتْ قهوة مثلجّة بالحليب. طلبتُ قهوتي المثلجّة مع القهوة المثلجّة بالحليب عند آلة تسجيل النقد، ووضعتُهما على صينية، وعدتُ إلى طاولتنا. إذا كنتم تتساءلون عما ظلّت تفعله أثناء الانتظار، فقد أخذت تخربش في “مذكرات التعايش مع المرض” بقلم.
بدأ كل شيء في أبريل، حين لا زالت أزهار الساكورا المتأخرة في أوج تفتحها.
اللهم احفظ أهلنا في السودان، وارحم ضعفهم، واكشف كربهم، واجعل لهم من كل ضيقٍ مخرجًا.
“آه، شكرًا. كم السعر؟”
“لأنني لا أملك أي اهتمام بالناس. فالجميع سواء – وفي النهاية، لا يهتم الناس في الأساس بأحد سوى أنفسهم. بالطبع، توجد استثناءات أيضًا. حتى أنا أهتم قليلًا بأشخاص مثلكِ يعانون بسبب ظروف خاصة. لهذا السبب لا أهتم بالحديث عن شيء لا يستفيد منه أحد.”
“لا بأس، لقد دفعتِ ثمن الياكينيكو في النهاية.”
“سأكون كاذبًا لو قلت إن ذلك مستحيل.”
“دفعتُ ثمنه حقًا لأنني أردت ذلك، لذا لا بأس. لكن أعتقد أنني سأسمح لك بدعوتي بهذا القدر.”
بمرح، وضعتْ القشة في الكوب وارتشفتْ القهوة المثلجّة بالحليب. ربما التعبير عن السعادة في كل شيء صغير يُمثّل في الواقع إزعاجًا لها. انحنيتُ أمامها لكونها قادرةً دائمًا على النظر بإيجابية تجاه أي شيء.
“لكنني لا أحب الزحام حقًا.”
“هيهي، هل تعتقد أننا نبدو كزوجين للآخرين؟”
“شكرًا على الوجبة. ممم!”
“حتى لو بدونا كذلك، فواقعنا ليس كذلك، لذا لا يهم.”
“هذا أسوأ. يجدر بكِ إنفاقه على شيء أكثر أهمية.”
“واه، أنتَ عديم مشاعر حقًا، هاه.”
ظلّ الطريق الذي أسلكه بدراجتي إلى المنزل هو الطريق المعتاد – تساءلتُ كم مرة أُخرى سأتمكن من رؤيتها. هاه؟ بدَا ذلك غريبًا. حتى الأمس، استمرّ الخوف من أنني سأموتُ وأختفي حتمًا يُثير قلبي، لكنّه الآن قد هدأ قليلًا. ربما، لأن الفتاة التي قابلتُها اليوم بدَت بعيدة عن الموت، فقد تبلّد إحساسي بواقع أنني سأموتُ يومًا ما.
“لو فكرّتِ في الأمر، فأي مجموعة من شخصين من جنسين مختلفين قد تكون زوجان، وإذا كان الأمر مجرّد مظهر، فلا أحد يستطيع معرفة أنكِ ستموتين قريبًا. المهم ليس آراء الآخرين، بل الجوهر. ألم تقولي ذلك أيضًا؟”
ظلّ الطريق الذي أسلكه بدراجتي إلى المنزل هو الطريق المعتاد – تساءلتُ كم مرة أُخرى سأتمكن من رؤيتها. هاه؟ بدَا ذلك غريبًا. حتى الأمس، استمرّ الخوف من أنني سأموتُ وأختفي حتمًا يُثير قلبي، لكنّه الآن قد هدأ قليلًا. ربما، لأن الفتاة التي قابلتُها اليوم بدَت بعيدة عن الموت، فقد تبلّد إحساسي بواقع أنني سأموتُ يومًا ما.
“عذرًا. لم يتبقَّ لها الكثير من الوقت لتعيشه، لذا أصبحتْ غريبة الأطوار قليلًا.”
“كما هو متوقع من الزميل الذي يعرف السر كن، هاه.”
نظرًا لأنها أخذتْ تضحك وهي تشرع في شرب القهوة المثلجّة بالحليب، سُمع صوت فقاعات الهواء وهي تتسرّب من كوبها.
“ما معناها؟ هذه هي “مذكرات التعايش مع المرض” الخاصة بي. ألم تقرأها؟ إنها مثل يوميات أكتبها منذ اكتشفتُ مرض البنكرياس لدي.”
“لا أعتقد أن ذلك سيجعل أي شخص سعيدًا، ولكن ربما يكون ذلك أفضل من لا شيء؟”
“إذن، هل حظي الزميل الذي يعرف السر كن بحبيبة من قبل؟”
“آه، فهمت. أجريتُ فحصًا للبنكرياس. وإلا سأموت.”
“حسنًا، انتهى وقت الاستراحة.”
“صباح الخير! كنتُ أفكر فيما سأفعله لو تراجعتَ عن وعدنا!”
“أجريتُ عملية استئصال الزائدة الدودية منذ فترة، لكن لا يزال عليّ المجيء للعلاج.”
“لكنكَ لم تتناول رشفة واحدة حتى من القهوة المثلجّة.”
“لقد بالغتِ في تقديري.”
من الواضح أن الحيلة نفسها لن تنجح مرتين. عندما هممتُ بالوقوف، أمسكتْ بذراعي. أردتُ منها التوقّف عن غرس أظافرها بي. ربما مثَّل هذا انتقامها مني لقطعي الحديث في مطعم الياكينيكو. ولعدم رغبتي في إثارة غضبها، عدتُ للجلوس بهدوء.
انظر، لقد كشفتُ الخدعة.
“إذن؟ هل حظيتَ بواحدة؟”
“الأذى؟ يبدو أن الحديث حول ما إذا كنتِ ستنتحرين أم لا أصبح مشوشًا تمامًا. في الوقت الحالي، دعينا ننهي هذه المحادثة فحسب.”
“من يدري.”
“بالمناسبة، أشعرُ أنني لا أعرف شيئًا واحدًا عنك.”
“قد يكون الأمر كذلك، هاه. لا أحبُّ التحدث عن نفسي حقًا.”
“لماذا؟”
قبل أن تموت – مع أنها لم تقل ذلك، لا بد أنها عنت شيئًا كهذا.
“لا أريد الشعور بالدوار وأن أصبح مفرط الوعي بذاتي عند الحديث عن أمر لا يهتم به أحد.”
“حتى لو بدونا كذلك، فواقعنا ليس كذلك، لذا لا يهم.”
“لماذا قرّرتَ بأن لا أحد مهتم؟”
“هذا أسوأ. يجدر بكِ إنفاقه على شيء أكثر أهمية.”
“لأنني لا أملك أي اهتمام بالناس. فالجميع سواء – وفي النهاية، لا يهتم الناس في الأساس بأحد سوى أنفسهم. بالطبع، توجد استثناءات أيضًا. حتى أنا أهتم قليلًا بأشخاص مثلكِ يعانون بسبب ظروف خاصة. لهذا السبب لا أهتم بالحديث عن شيء لا يستفيد منه أحد.”
الحقيقة هي أنه لم توجد أي حاجة أو خطة لتورطنا مع بعضنا البعض – بدا الأمر كما لو أننا نقف على طرفي نقيض.
حدّقتْ بي بنظرة قوية قبل أن تبتسم، وبدا كأن الابتسامة لم تفارقها قط. وبالمناسبة، لم أشعر بالحماس على الإطلاق.
كشفتُ لها عنها عارية — أفكاري المعتادة، التي شعرتُ أنها تنتظم على نحوٍ مُحكم فوق سطح المكتب بينما كنتُ أحدّق في عروق الخشب على الطاولة. وهذا النوع من النظريات أيضًا ظلّ يتراكم عليه الغبار في أعمق أعماق قلبي. وبالطبع، كان ذلك لأنني لم أجد شريكًا أتحاور معه في هذا الشأن.
ومع ذلك، قرّرتُ التظاهر بجهلي للأمر قدر الإمكان. اعتقدتُ أن ذلك سيكون الخيار الأفضل لكلينا.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
“أنا مهتمة، كما تعلم.”
“إذا أمكن تسمية ذلك بعلاقة وثيقة، فلن يفكّر أحد في صنع تمبورا من البرتقال.”
نفضتُ الغبار عن نظريتي، وفكرّتُ في الظروف والذكريات المنطوية عليها، ووجدتُ نفسي عاجزًا عن فهم كلماتها. أخيرًا رفعتُ نظري مرةً أُخرى، وقابلني مشهد فاجأني. نقل تعبيرها الحيوي شعورًا واحدًا. حتى أنا، الجاهل بالآخرين، استطعتُ أن أدرك بنظرة واحدة مدى صعوبة محاولتها كبح غضبها.
“لا بأس، فليس هناك من يكره الياكينيكو.”
“بالمناسبة، شيبري هو البنكرياس.”
“ما الخطب؟”
“سيبدو الأمر وكأنني اختفيتُ حقًا من هذا العالم. أيكون مستحيلًا السماح للآخرين بأكلي أو شيء من هذا القبيل؟”
“أقولُ إنني مهتمة بك. ما كنت لأطلب من شخص الخروج معي للاستمتاع لو لم أكن مهتمة به. لذا لا تجعلني أبدو غبية.”
نظرتُ في الأرجاء دون النظر إلى أي شيء على وجه التحديد. لأنني اعتقدتُ أن ملاحظتها ربما جذبت بعض الانتباه. لكن يبدو أنه لا يوجد أي شخص في الجوار يمتلك أدنى اهتمام بكلمات فتاة فاضحة في المدرسة الثانوية.
بصراحة، لم أفهم حقًا ما كانت تقوله. لم أفهم سبب اهتمامها بي، ولا سبب غضبها. والأهم من ذلك، أنني لم أجعلها تبدو غبية.
“أتساءل من حينٍ لآخر عمّا إن كنتِ غبية، لكنني لا أجعلك تبدين غبية، حسنًا.”
“كوبوكورو؟ هاه، هل يبيعون أسطوانات تلك الفرقة؟”
“قد يكون الأمر كما قلت، لكنني مجروحة!”
“هل هذا شيء ينبغي لكِ قوله أثناء تناول الياكينيكو؟”
“آه، فهمت… آسف.”
دون فهم المعنى وراء كلماتها، اعتذرتُ لها فحسب. تُعتبَر هذه الطريقة الأكثر فعالية للتعامل مع الغاضبين، ولم أُمانع استخدامها. وبالفعل، مثل أي شخص غاضب آخر، بدأ تعبيرها يلين حتى مع استمرار انتفاخ خديها.
قبل أن تموت – مع أنها لم تقل ذلك، لا بد أنها عنت شيئًا كهذا.
“لكنني لا أحب الزحام حقًا.”
“إذا أجبتَ بشكلٍ لائق، سأسامحك.”
دون أن ألحظ، انحنت زاوية شفتيها للأعلى. لم أشعر برغبة في معارضتها، وانعدم المخرج أمامي، وكنتُ شخصًا مسايرًا، لكنني لم أعتبر نفسي مثيرًا للشفقة. كنتُ مجرّد قارب من القصب.
“…سماع ذلك لن يجعلكِ تستمتعين أكثر.”
رغم وجودها داخل المستشفى، ضحكتْ بصوت عالٍ دون أي تردد.
“مجرد قيود أساسية. ولكن، حتى تلك جاءت نتيجة عشر سنوات من تطور العلوم الطبية هنا. أليست قوة البشر مذهلة؟ قد نعاني من الأمراض، لكنها لا تهدد أنشطتنا اليومية على الإطلاق. أعتقد أن مسار التطور هذا موجّه نحو إيجاد علاجات، هاه.”
“أخبرني فحسب، بما أنني مهتمة.”
“إذن يجب عليك ذلك!”
دون أن ألحظ، انحنت زاوية شفتيها للأعلى. لم أشعر برغبة في معارضتها، وانعدم المخرج أمامي، وكنتُ شخصًا مسايرًا، لكنني لم أعتبر نفسي مثيرًا للشفقة. كنتُ مجرّد قارب من القصب.
“هذا الأغلى ثمنًا.”
“لا أعتقد أنني سأتمكن من تلبية توقعاتكِ رغم ذلك.”
“عذرًا على الانتظار. تفضلا المشروبات.”
“هذا الأغلى ثمنًا.”
“لا بأس، لا بأس – إذن، جوابك؟”
“لكنني تناولت فطوري للتو في العاشرة صباحًا.”
“ربما منذ المرحلة الابتدائية فصاعدًا، لا أذكر امتلاكي أي أصدقاء.”
لم يبدُ الأمر كذلك.
حدّقتْ بي بنظرة قوية قبل أن تبتسم، وبدا كأن الابتسامة لم تفارقها قط. وبالمناسبة، لم أشعر بالحماس على الإطلاق.
“…………فقدان ذاكرة؟”
نظرًا لاحتمالية إساءتي السمع، حاولتُ الحصول على تأكيد، فردَّت بوجه جاد.
“…ربما أنتِ غبية حقًا.”
مع شكّي الشديد في ذلك، حيث احتمل أن تكون فرص الإصابة بمرض عضال في سنها أقل من الإصابة بفقدان الذاكرة، فقد يوجد مبرّر لملاحظتها. بنية التراجع عن تصريحي السابق، أوضحتُ لها الأمر، هي التي بدَا من السهل قراءة وجهها.
يبدو أنها حقًا في مزاج جيد. أنا ببساطة انزعجت. بينما نعبّر عن مشاعر متناقضة، توجَّهنا نحو متجر الكتب الكبير في نفس مركز التسوق. بمجرد وصولنا، مشيتُ نحو ركن الكتب الأدبية الجديدة دون أي اكتراث لها. لم تتبعني. بعد منحي وقتًا بمفردي لأول مرة منذ فترة، استمتعتُ بالكامل بتصفح الكتب ذات الأغلفة الورقية.
“يعني هذا أنني لم أحظَ بأي أصدقاء. لهذا السبب، شخص مثل حبيبة تسألينني عنها – بالطبع لم أحظَ بواحدة من قبل.”
“آه، لعلّك لا تعرف؟ كوبوكورو وهاتشينوسو اسمان لأجزاء معينة من البقرة. شخصيًّا، أحب الهورومون كثيرًا!”
دون تفكير، انطلقت من فمي كلمات لا تُقال في الحياة اليومية.
“إذن لم يكن لديكَ أي أصدقاء على الإطلاااق؟ ليس فقط في الوقت الحاضر؟”
بدأنا التحرّك نحو مركز التسوق الكبير المتصل بالمحطة بعد نقاش خفيف – حتى لو أطلقنا عليه نقاشًا، كما قد تخمنون، فمعظمه مجرد حديثها هي. المركز المنزلي الشهير داخل مركز التسوق يبيع أشياء متنوعة، بما في ذلك الحبل المُمكِّن للانتحار الذي ترغب فيه بشدة.
“لا. أعتقد أنني لا أهتم حقًا بما أرتديه طالما أنه غير لافت للنظر وبسيط.”
“أجل، لا أهتم بالناس، لذلك لا يهتم بي أحد أيضًا. من المريح ألا أضطر لفقدان أي شخص.”
الحقيقة هي أنه لم توجد أي حاجة أو خطة لتورطنا مع بعضنا البعض – بدا الأمر كما لو أننا نقف على طرفي نقيض.
مع شكّي الشديد في ذلك، حيث احتمل أن تكون فرص الإصابة بمرض عضال في سنها أقل من الإصابة بفقدان الذاكرة، فقد يوجد مبرّر لملاحظتها. بنية التراجع عن تصريحي السابق، أوضحتُ لها الأمر، هي التي بدَا من السهل قراءة وجهها.
“لكن ألم ترغب أبدًا في الحصول على أصدقاء؟”
“ياكينيكو؟ لكننا ما زلنا في الصباح كما تعلمين؟”
بعد الوجبة، أخذَ النادل الأطباق الفارغة العديدة وكذلك موقد الفحم القديم، وأخيرًا أحضر لنا الشراب المُبرَّد كحلوى. الفتاة التي قالتْ “أنا لا أشعر أنني بخير” و”هذا مؤلم” عادتْ إلى الحياة عند ظهور الحلوى. أخذتْ نفسًا من الهواء النقي، وكأن شكاواها جميعها أكاذيب، وبدأتْ في إحداث ضجة مرة أخرى.
“أتساءل. قد يكون من الممتع الحصول عليهم، لكنني أؤمن أن حدود الرواية أكثر متعة من العالم الحقيقي.”
“من يدري.”
“لهذا السبب تقرأ الكتب دائمًا.”
“لا أقصدُ ذلك. مهلًا، أفكر في الأمر منذ فترة، ألا تعتقدين أنكِ تضعينني في موقف صعب بإلقاء نكات كهذه؟”
“ما الخطب؟”
“ربما. بهذا ينتهي حديثنا غير المثير للاهتمام عني. أنا أسأل فقط من باب المجاملة الاجتماعية، لكن ماذا عنك؟ إذا كان لديكِ حبيب، فبدلًا من قضاء الوقت معي، من الأفضل قضاؤه معه.”
“أقولُ إنني مهتمة بك. ما كنت لأطلب من شخص الخروج معي للاستمتاع لو لم أكن مهتمة به. لذا لا تجعلني أبدو غبية.”
“حظيتُ بواحد، لكننا انفصلنا مؤخرًا.”
قالتْ ذلك دون أن تُبدي أدنى إحباط.
حسبتُ أن القدرة على الحركة رغم المعاناة من مرض كهذا أمر يشبه الآلة، غير أن انطباعاتي الشخصية لم تهم شخصًا مصابًا بالمرض حقًا.
“لأنكِ ستموتين قريبًا؟”
مضت العلوم الطبية تتقدم نحو آفاق مجهولة. رغم أنني لم أعرف أي تفاصيل عن ذلك، ولم أهتم بمعرفة المزيد أيضًا.
“كلا. استحال عليّ إخبار حبيبي بشيء كهذا. بما أنني لم أخبر حتى أصدقائي.”
إذن لماذا أخبرتْني بذلك صراحةً آنذاك؟ لم أهتم بمعرفة السبب، ولم أسأل. كالعادة.
بمرح، وضعتْ القشة في الكوب وارتشفتْ القهوة المثلجّة بالحليب. ربما التعبير عن السعادة في كل شيء صغير يُمثّل في الواقع إزعاجًا لها. انحنيتُ أمامها لكونها قادرةً دائمًا على النظر بإيجابية تجاه أي شيء.
حتى بضعة أشهر مضت، تمثّلت نقاط الارتباط الوحيدة بيننا في حقيقة أننا في الفصل نفسه، وأن ضحكتها الصاخبة كانت تنفجر بشكل متقطع في أذني. كانت صاخبة للغاية حقًا، لذا ورغم عدم اهتمامي بالناس، خطر اسمها على بالي فورًا عندما رأيتُها في المستشفى. حقيقة أن اسمها علق في مكان ما داخل رأسي – لا بد أن سبب ذلك أيضًا لأننا متناقضان.
“إنه، حسنًا، آه، أنت تعرفه أيضًا. بما أنه في فصلنا. مع أنك ربما لن تتذكره حتى لو ذكرتُ اسمه، واهاها. إنه، ممم، شخص رائع حقًا لتصادقه، لكنه لا يصلح ليُصبح حبيبًا.”
“ماذا بعد؟”
“إذن ثمة أشخاص من هذا النوع.”
أما الفتاة بجانبي، فلم تبدُ عليها أي رهبة من الحشد الكبير. هل ستموت هذه الفتاة قريبًا حقًا؟ ورغم مراودة شكوك كهذه لي، فبما أنها أرتني بالفعل العديد من الوثائق الرسمية، لم يبقَ مجال للشك.
“آه، فهمت… آسف.”
بما أنني لا أملكُ صديقًا في البداية، لم أكن أعرف ذلك.
“أجل، يوجد بالفعل. لهذا السبب انفصلتُ عنه. سيكون رائعًا لو أن الخالق وضع علامات على الجميع منذ البداية. شيء مثل: هذا الشخص مناسب فقط للصداقة، وذاك الشخص مناسب حتى كحبيب.”
للقرّاء مستخدمي أجهزة الأندرويد، يُفضّل متابعة القراءة عبر التطبيق لضمان أفضل تجربة.
“أظنُّ أن ذلك سيجعل الأمور أسهل بالنسبة لي. لكن يبدو أن الأشخاص مثلكِ يجدون أن تعقيد العلاقات الإنسانية هو ما يجعلها مثيرة للاهتمام.”
مع شكّي الشديد في ذلك، حيث احتمل أن تكون فرص الإصابة بمرض عضال في سنها أقل من الإصابة بفقدان الذاكرة، فقد يوجد مبرّر لملاحظتها. بنية التراجع عن تصريحي السابق، أوضحتُ لها الأمر، هي التي بدَا من السهل قراءة وجهها.
انفجرتْ ضاحكةً من قلبها على رأيي.
“كما قلتَ تمامًا، هاه! نعم، أظنُّ أنني أتفقُ معك، لذا، أسحبُ ما قلته سابقًا عن العلامات. يبدو أنكَ تفهمني حقًا.”
رغم وجودها داخل المستشفى، ضحكتْ بصوت عالٍ دون أي تردد.
“…………”
هممتُ بإنكار ذلك، لكنني توقفت. فكرتُ أن ذلك قد يكون صحيحًا. لأن السبب وراء ذلك خطر ببالي. كنتُ أفهمها بالفعل.
“سيبدو الأمر وكأنني اختفيتُ حقًا من هذا العالم. أيكون مستحيلًا السماح للآخرين بأكلي أو شيء من هذا القبيل؟”
إذن لماذا أخبرتْني بذلك صراحةً آنذاك؟ لم أهتم بمعرفة السبب، ولم أسأل. كالعادة.
“…………لا بد أن السبب هو أننا متناقضان.”
“إذا توجّب عليّ اختيار واحد، فأظن أنه سيكون متجر الكتب.”
“متناقضان؟”
“أنتِ عكسي، لذا ربما هذا هو سبب تفكيركِ في أشياء لا يبدو أنني أفكرُ فيها.”
رغم وجودها داخل المستشفى، ضحكتْ بصوت عالٍ دون أي تردد.
“لقد قلتَ شيئًا عميقًا بعض الشيء، هاه، هل هذا تأثير رواياتك؟”
الفصل 2
ومع ذلك، حتى شخص مثلي ربما عاش حالة إنكار لاحتمالية أن تتحمل زميلتي في الفصل مصير قصر عمرها.
“ربما.”
“كلا. استحال عليّ إخبار حبيبي بشيء كهذا. بما أنني لم أخبر حتى أصدقائي.”
الحقيقة هي أنه لم توجد أي حاجة أو خطة لتورطنا مع بعضنا البعض – بدا الأمر كما لو أننا نقف على طرفي نقيض.
“هل تنتبهين لحديثنا حتى؟”
“إذا أمكن تسمية ذلك بعلاقة وثيقة، فلن يفكّر أحد في صنع تمبورا من البرتقال.”
حتى بضعة أشهر مضت، تمثّلت نقاط الارتباط الوحيدة بيننا في حقيقة أننا في الفصل نفسه، وأن ضحكتها الصاخبة كانت تنفجر بشكل متقطع في أذني. كانت صاخبة للغاية حقًا، لذا ورغم عدم اهتمامي بالناس، خطر اسمها على بالي فورًا عندما رأيتُها في المستشفى. حقيقة أن اسمها علق في مكان ما داخل رأسي – لا بد أن سبب ذلك أيضًا لأننا متناقضان.
اللهم احفظ أهلنا في السودان، وارحم ضعفهم، واكشف كربهم، واجعل لهم من كل ضيقٍ مخرجًا.
قالتْ ذلك دون أن تُبدي أدنى إحباط.
بينما ظلَّت تحتسي القهوة بالحليب، ذكرتْ بمرح “إنها لذيذة!” مع تعليقاتها المتنوعة الأخرى على المشروب. شربتُ بهدوء قهوتي التي ظلت سوداء.
“يا لكَ من لئيم! لكن حسنًا، لا بأس. لأنني ظللتُ أقرأ كتابًا طوال الوقت. الزميل الذي يعرف السر كن، هل لديك أي اهتمام بالموضة؟”
“آه، ربما نحن متناقضان حقًا، هاه – عندما تناولنا الياكينيكو سابقًا، استمررتَ في تناول الكاروبي والروسو. رغم أنك بدأتَ في تناول الهورومون.”
“بدا طعمه أفضل مما توقعت، لكن في النهاية، اللحم العادي لا يزال الأفضل طعمًا. ألا يبدو تناول أحشاء الكائنات الحية طواعيةً شيئًا يفعله الشيطان؟ وضع أطنان من السكر والحليب في القهوة شيء يفعله الشيطان أيضًا. لأن القهوة مثالية بالفعل كما هي.”
“يبدو أن ذوقكَ في الطعام لا يتطابق مع ذوقي، هاه.”
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
بعد ذلك مباشرةً، أخذتْ الكتاب، ونهضت، ولوّحت لي بيدها ثم توجّهت إلى عمق المستشفى. قالت وهي تغادر: “لا أحد آخر يعرف بهذا، لذا لا تخبر الفصل، حسنًا؟.” ولأنني ظننتُ أنني لن أتبادل معها أي حديث بعد هذا، شعرتُ ببعض الارتياح.
“لا أعتقدُ أن الأمر يقتصر على الطعام رغم ذلك.”
بقينا في المقهى لمدة ساعة أُخرى. بدَت الأشياء التي تحدثنا عنها في ذلك الوقت تافهة للغاية. الحياة، الموت، الأمراض، أو مستقبلنا – لم نتحدّث عن أي من ذلك. بدلًا من ذلك، دار حديثنا بشكل أساسي حول كلامها عن زملائنا في الفصل. حاولتُ الاهتمام بهم، لكنَّ جهودها باءت بالفشل إلى حد كبير.
“……………………آه، فهمت.”
“لا بأس، فأنا من سيدفع. اطلب وجبتين من أغلى الأطباق المفتوحة من فضلك. وبالنسبة للمشروبات، لا مانع لديك في شاي أولونغ، أليس كذلك؟”
كنتُ مهتمًا بإخفاقات زملائنا السخيفة وقصص الحب البريئة بنفس القدر الذي لم أكن فيه شخصًا يعرف القصص المملة فحسب. لا بد أنها لاحظتْ مشاعري تلك لأنني لم أكن شخصًا قادرًا على إخفاء ملله أيضًا. ومع ذلك، فقد أبدتُ أدنى قدر من الاهتمام بتعبيرات تلك الفتاة التي كانت تتحدث بكل قوتها. رغم أنه لو كنتُ مكانها، لما أهدرتُ وقتي أو جهدي.
“حسنًا، انتهى وقت الاستراحة.”
حان وقت العودة إلى المنزل – عندما بدأ هذا النوع من المزاج، الذي لم أكن متأكدًا ممن بدأه، سألتُها عن الشيء الذي كنت مهتمًا به.
“بالمناسبة، ماذا ستفعلين بالحبل؟ لن تنتحري، صحيح؟ مع أنكِ قلتِ إنها من أجل العبث.”
بدأ كل شيء في أبريل، حين لا زالت أزهار الساكورا المتأخرة في أوج تفتحها.
“سأقوم ببعض العبث، ولكن حتى مع قول ذلك، لن أتمكن من رؤية النتيجة، لذا يجب أن يشهدها الزميل الذي يعرف السر كن بدلًا مني. كما ترى، سأشيرُ إلى الحبل في “مذكرات التعايش مع المرض”، وعندها سيظن الأشخاص الذين يجدون الحبل خطأً أنني حوصرتُ لدرجة أنني قتلتُ نفسي. إنه عبث من هذا النوع.”
“يا له من عمل مُقيت.”
بصراحة، لم أفهم حقًا ما كانت تقوله. لم أفهم سبب اهتمامها بي، ولا سبب غضبها. والأهم من ذلك، أنني لم أجعلها تبدو غبية.
“لا بأس، لا بأس – سأكتب بوضوح أن هذه في الواقع كذبة. من الأفضل أن نلتقطهم بعد سقوطهم، أليس كذلك؟”
وصلتُ إلى المنزل، قرأتُ كتابًا، تناولتُ العشاء الذي أعدّته أمي، استحممت، شربتُ شاي الشعير في المطبخ، حييتُ والدي بقولي “أهلًا بعودتك”، وبينما كنتُ عائدًا إلى غرفتي مع التفكير في قراءة كتاب آخر، تلقيتُ رسالة على هاتفي المحمول. أنا لا أستخدم وظيفة الرسائل في هاتفي بشكل أساسي، لذا ظننتُ إشعار الرسالة الجديدة غريبًا. فتحتُ هاتفي وعلمتُ أن الرسالة منها. الآن وقد فكّرتُ في الأمر، تذكّرتُ أنني مع وجود شبكة اتصال لجنة المكتبة وما إلى ذلك، كنتُ قد تبادلتُ عناوين البريد الإلكتروني معها.
“لا أعتقد أن ذلك سيجعل أي شخص سعيدًا، ولكن ربما يكون ذلك أفضل من لا شيء؟”
“أتساءل. قد يكون من الممتع الحصول عليهم، لكنني أؤمن أن حدود الرواية أكثر متعة من العالم الحقيقي.”
كنتُ مستاءً، لكنني وجدتُ أن طريقة تفكيرها التي تختلف كما هو متوقّع عن طريقتي بدَت مُسلّية. لو كنتُ أنا، لما اكترثتُ بأمر مثل ردود أفعال الناس من حولي بعد موتي.
سمعتُ بوضوح السؤال الذي طرحته الفتاة الغريبة الأطوار. استدرتُ لأرى تعبير مساعد المبيعات المصدوم بوضوح، مما جعلني أضحك قليلًا. بعد ذلك، أدركتُ أنها ألقتْ نكتةً أخرى من نكاتها، مما أزعجني. شيء آمن رغم أنه للانتحار – تلك هي النكتة التي ألقتْها. أُخذنا أنا ومساعد المبيعات على حين غرة وأُصبنا بالحيرة، لكنني رسمتُ ابتسامة. أعدتُ المسامير ذات الأحجام المختلفة إلى حاوياتها الخاصة واحدًا تلو الآخر، ثم اقتربتُ من مساعد المبيعات والفتاة التي أدركُ أنها تضحك بمجرد النظر إلى ظهرها.
توجهنا إلى المحطة من المقهى، وتمكنّا بطريقةٍ ما من ركوب القطار رغم الازدحام الشديد، ووصلنا إلى بلدتنا بعد حديث قصير بينما كنا لا نزال واقفين.
“إيه! هذا كل شيء؟ أليس لديكَ ما تقوله غير ذلك؟”
“لا، أحبُّ الذهاب إلى متاجر الكتب حتى بلا هدف.”
نظرًا لأن كلينا ركبَ دراجته إلى المحطة، ذهبنا إلى موقف الدراجات المجاني لاستعادتها، وبعد المشي إلى مكان قريب من مدرستنا، لوّحنا مودعين بعضنا البعض. قالت: “أراك غدًا.” بما أنه لا توجد أي أنشطة للجنة المكتبة غدًا، فربما لن يتسنّى لي التحدّث معها، لكنني رددتُ بـ “أجل” وحيدة.
ظلّ الطريق الذي أسلكه بدراجتي إلى المنزل هو الطريق المعتاد – تساءلتُ كم مرة أُخرى سأتمكن من رؤيتها. هاه؟ بدَا ذلك غريبًا. حتى الأمس، استمرّ الخوف من أنني سأموتُ وأختفي حتمًا يُثير قلبي، لكنّه الآن قد هدأ قليلًا. ربما، لأن الفتاة التي قابلتُها اليوم بدَت بعيدة عن الموت، فقد تبلّد إحساسي بواقع أنني سأموتُ يومًا ما.
“من سيحاول التودّد لشخص سيموت قريبًا؟ للانتحار؟”
في هذا اليوم، بدأتُ في الشك قليلًا في أنها ستموت.
وصلتُ إلى المنزل، قرأتُ كتابًا، تناولتُ العشاء الذي أعدّته أمي، استحممت، شربتُ شاي الشعير في المطبخ، حييتُ والدي بقولي “أهلًا بعودتك”، وبينما كنتُ عائدًا إلى غرفتي مع التفكير في قراءة كتاب آخر، تلقيتُ رسالة على هاتفي المحمول. أنا لا أستخدم وظيفة الرسائل في هاتفي بشكل أساسي، لذا ظننتُ إشعار الرسالة الجديدة غريبًا. فتحتُ هاتفي وعلمتُ أن الرسالة منها. الآن وقد فكّرتُ في الأمر، تذكّرتُ أنني مع وجود شبكة اتصال لجنة المكتبة وما إلى ذلك، كنتُ قد تبادلتُ عناوين البريد الإلكتروني معها.
رفعتْ يدها دون أن تنبس بكلمة، وبعد أن لمح النادل إشارتها من مكانٍ ما، وصل سريعًا إلى طاولتنا. ألقت علي نظرة توبيخ لأنني جفلتُ أمام تفاني النادل، وشرعتْ في الطلب من القائمة بطلاقة غير مسبوقة.
انفجرتْ ضاحكةً من قلبها على رأيي.
استلقيتُ على سريري وفتحتُ رسالتها. احتوت على ما يلي:
“شكرًا على عملكَ الجاد!! حاولتُ مراسلتكَ، هل وصلت؟ شكرًا على خروجك معي اليوم [علامة النصر] استمتعتُ كثيرًا! [وجه مبتسم] سأكونُ سعيدة جدًا إذا خرجتَ معي مرة أخرى [وجه مبتسم] حتى أموت، دعنا نستمر في التوافق! حسنًا، تصبح على خير! [وجه مبتسم] أراكَ غدًا!”
استلقيتُ على سريري وفتحتُ رسالتها. احتوت على ما يلي:
أول ما خطر ببالي هو أنني نسيتُ إعادة المال لها مقابل الياكينيكو. حتى لو استحال فعل ذلك غدًا، وحتى لا أنسى، سجلتُ ذلك باستخدام وظيفة الملاحظات في هاتفي. مع التفكير في الرد ببساطة، أعدتُ قراءة الرسالة.
نتوافق، هاه.
اقتربتْ مني بابتسامة، فرددتُ برفع يدي بخفة.
عادةً، كنتُ سأستمر في النظر إلى “حتى أموت” – نكتتها المعهودة – لكنني كنتُ مهتمًا أكثر بالجزء الذي جاء بعدها.
“أوه، حسنًا، ألا تشعر بالحماس.”
فهمت، كنا نتوافق.
“…………”
حاولتُ التفكير في مجمل ما حدثَ اليوم، وظننتُ أننا ربما كنا نتوافق حقًا.
بعد اجتياز بوابة التذاكر، واصلتْ السير شاقةً طريقها عبر أمواج البشر المتلاطمة. وتمكنتُ بطريقةٍ ما من إبقائها في مرمى بصري، ووصلنا إلى الممر السفلي حيث تفرّقت الحشود قليلًا. وعندها فقط كشفتْ لي أخيرًا هدفنا لهذا اليوم.
هممتُ بمراسلتها بكل ما خطر ببالي بشكل غير متوقّع، لكنني توقفت. راودني شعور بأنها ستصاب بخيبة أمل إذا أخبرتُها.
توجهنا إلى المحطة من المقهى، وتمكنّا بطريقةٍ ما من ركوب القطار رغم الازدحام الشديد، ووصلنا إلى بلدتنا بعد حديث قصير بينما كنا لا نزال واقفين.
وفي لمح البصر، ركعَ نادل شاب بجانب الطاولة وبدأ في أخذ طلباتنا. وبينما تملكتني الدهشة، وكأن ذلك دليل على براعتها في الرياضيات، ردّت على النادل بسلاسة.
أنا أيضًا استمتعتُ قليلًا اليوم.
ما كان محبوسًا في أعماق قلبي، أرسلته لها في رسالة – عبارة “أراكِ غدًا.”
ياكينكو: طبق ياباني مكون من قطع صغيرة من اللحم المشوي.
فوقَ سريري، فتحتُ كتابًا ورقيًا. الفتاة التي على الجانب الآخر – تساءلتُ عما تفعله.
“……………………آه، فهمت.”
**********************************************************************
ياكينكو: طبق ياباني مكون من قطع صغيرة من اللحم المشوي.
“……………………آه، فهمت.”
الهورومون: طبق ياباني مكون من لحم البقر أو لحم الخنزير.
الترجمة: ℱℒ??ℋ
حدّقتْ بي بنظرة قوية قبل أن تبتسم، وبدا كأن الابتسامة لم تفارقها قط. وبالمناسبة، لم أشعر بالحماس على الإطلاق.
“كيف يُفترض بي الرد على حماسكِ هذا؟”
التدقيق: Nobody
في هذا اليوم، بدأتُ في الشك قليلًا في أنها ستموت.
تاريخ التدقيق: 9 / 3 / 2026
دعمكم محل تقدير ويحفّزني على تقديم الأفضل دائمًا.
“انتظري انتظري انتظري، ماذا تطلبين؟”
“أليس لدى البشر أجزاء مماثلة أيضًا؟ مثل العظمة المضحكة.”
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
“دفعتُ ثمنه حقًا لأنني أردت ذلك، لذا لا بأس. لكن أعتقد أنني سأسمح لك بدعوتي بهذا القدر.”
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، ووفّقنا لما تحب وترضى، وثبّت أقدامنا على صراطك المستقيم.
لكن على عكس توقعاتي، نادتني في صباح اليوم التالي، حين مررنا ببعضنا في ممر المدرسة. وبالمناسبة، حُدّد توزيع المهام بحرية من قِبل كل فصل، ونتيجةً لذلك، كنتُ الوحيد الذي قدّم اسمه للمنصب الشاغر في لجنة المكتبة. ومع أنني لم أفهم الدوافع وراء أفعالها، فبصفتي شخصًا يميل للانسياق مع مجرى الأحداث، واصلتُ التفكير بهدوء في العمل الذي سيُكلَّف به أعضاء لجنة المكتبة الجدد.
انتابني شعور تافه. في زاوية الردهة، وعلى أريكة منعزلة، استقرَّ كتاب متروك. تساءلتُ عمَّن تركه وعن محتواه. سيطر علي فضولي النابع من حُبّي للكتب، وبدأتُ في السير نحوه.
اللهم احفظ أهلنا في غزّة، وارفع عنهم الظلم والبلاء، وانصرهم نصرًا عزيزًا.
اللهم احفظ أهلنا في السودان، وارحم ضعفهم، واكشف كربهم، واجعل لهم من كل ضيقٍ مخرجًا.
من الواضح أن الحيلة نفسها لن تنجح مرتين. عندما هممتُ بالوقوف، أمسكتْ بذراعي. أردتُ منها التوقّف عن غرس أظافرها بي. ربما مثَّل هذا انتقامها مني لقطعي الحديث في مطعم الياكينيكو. ولعدم رغبتي في إثارة غضبها، عدتُ للجلوس بهدوء.
اللهم انصر عبادك المستضعفين في كل مكان، واحفظ المسلمين في جميع البلدان التي تعاني من الفتن والحروب، إنك على كل شيء قدير.
للقرّاء مستخدمي أجهزة الأندرويد، يُفضّل متابعة القراءة عبر التطبيق لضمان أفضل تجربة.
__________________________________________
“شكرًا على الوجبة. ممم!”
شكرًا لقراءتكم هذا الفصل.
بعد اجتياز بوابة التذاكر، واصلتْ السير شاقةً طريقها عبر أمواج البشر المتلاطمة. وتمكنتُ بطريقةٍ ما من إبقائها في مرمى بصري، ووصلنا إلى الممر السفلي حيث تفرّقت الحشود قليلًا. وعندها فقط كشفتْ لي أخيرًا هدفنا لهذا اليوم.
“لا أعتقد أنني سأتمكن من تلبية توقعاتكِ رغم ذلك.”
دعمكم محل تقدير ويحفّزني على تقديم الأفضل دائمًا.
للقرّاء مستخدمي أجهزة الأندرويد، يُفضّل متابعة القراءة عبر التطبيق لضمان أفضل تجربة.
“كوبوكورو؟ هاه، هل يبيعون أسطوانات تلك الفرقة؟”
وإذا أحببتم المغامرة والتشويق إلى أقصى حد، لا تفوتوا الرواية التي أترجمها، “الوحدة القتالية”، حيث ستشهدون كتابة رائعة، حبكة عظيمة، وشخصيات لا تُنسى. كل فصل يحمل مفاجأة جديدة ستجعلكم تتشوقون للفصل الذي يليه، وتستمتعون بعالم مليء بالتحدي والإثارة.
“دفعتُ ثمنه حقًا لأنني أردت ذلك، لذا لا بأس. لكن أعتقد أنني سأسمح لك بدعوتي بهذا القدر.”
إذا لاحظتم أي خطأ أو لديكم ملاحظة حول التدقيق، يُرجى مشاركتها عبر التعليقات أو روم الرواية في سيرفر ملوك الروايات على الديسكورد، يوزري على الديسكورد: readandrise
“لا يأتي الأثرياء إلى البوفيهات المفتوحة، على الأرجح.”
قهقهتْ بمرح. هي صاخبة هكذا بالفعل أثناء حياتها، لذا لا توجد بالتأكيد أي طريقة ألا يكون بنكرياس هذه الفتاة التي أصبحت خبيرةً في الروح صاخبًا أيضًا. أنا آسف، لكنني لن آكل شيئًا كهذا أبدًا.
لا تنسوا ترك تعليق واحد على الأقل للتعبير عن تقديركم ودعمكم لجهودي في تدقيق هذا الفصل، ولا تنسوني من دعائكم بالتوفيق ~
“…سماع ذلك لن يجعلكِ تستمتعين أكثر.”
