الجناح الطويل، الطريق القديم، ورمي المنديل
الفصل 253: الجناح الطويل، الطريق القديم، ورمي المنديل
أمسك فان شيان بالكتاب ولم يعرف ماذا يقول. لقاؤه مع زوانغ موهان قبل ليلتين تحول إلى اللقاء الأخير بينهما. على الرغم من أنه اكتشف تلك الليلة أن صحة زوانغ موهان قد تدهورت منذ العام الماضي، لم يتخيل أبدًا أن هذا العالم الكبير سيغادر الحياة فجأة.
ابتسمت سي ليلي، ولم تعد تبدو هشة كما بدت حين كانت هايتانغ حاضرة. قالت: “سيدي، أليس الأمر كذلك معك أيضًا؟ رغم أنني أصررت على البقاء، تسرعت في قول ذلك، هل كنت تخشى أن أطلب منك أن تأخذني معك؟”
في كلماته الأخيرة، أعطى زوانغ موهان عمله الأدبي الأخير لفان شيان، وهي لفتة حملت معانٍ معقدة.
استدارت بسرعة وغادرت الجناح، تاركة فان شيان واقفًا، متجهمًا وهو يحاول فك شفرة المعنى وراء كلماتها.
سرعان ما انتشر الخبر المذهل بين المسؤولين في مملكة تشي، وسادت أجواء من الحزن بين الحضور. معظم المسؤولين ألقوا نظرات على فان شيان، مليئة بالحذر والكراهية والشك.
كما قيل، في القراءة يمكن العثور على جمال النساء، وبيوت من ذهب، وولائم فاخرة.
كان فان شيان يعلم ما الذي يدور في أذهان مسؤولي تشي: أنهم يرونه المسؤول عن سقوط زوانغ موهان الوحيد. ومع أن الرجل العجوز قد رحل، شعر فان شيان بالحزن قليلاً. كان يتعمد استيعاب المشاعر المعقدة وراء كل نظرة موجهة نحوه.
لم يكن الجمع قد تعافى بعد من صدمة خبر وفاة زوانغ موهان، والآن أصبحوا أكثر حزنًا، ولكن فضولهم كان أيضًا متزايدًا. ماذا قد يكون الشيء الذي تركه زوانغ موهان لفان شيان؟
بينما كان فان شيان مستغرقًا في أفكاره، وصلت العربة أخيرًا من بوابة المدينة، جاذبة انتباه الجميع إلى الخلف حيث كان الوفد واقفًا. كانت تلك العربة غريبة الشكل وتصدر صريرًا، مما يشير إلى أنها تحمل حمولة ثقيلة. تقدم الخادم الذي جلب الخبر في البداية نحو فان شيان، وقال بصوت مرتجف:
“سيدي فان، بناءً على وصيته الأخيرة، طلب السيد الكبير أن تأخذ هذه العربة وتعتني بمحتوياتها جيدًا.”
نظرت إليه سي ليلي بنظرة تحمل بقايا من الحنان، وقالت بصوت ناعم: “فقط تخبرني بأن أكون حذرة؟ ألا يوجد شيء آخر تريد قوله لي؟”
لم يكن الجمع قد تعافى بعد من صدمة خبر وفاة زوانغ موهان، والآن أصبحوا أكثر حزنًا، ولكن فضولهم كان أيضًا متزايدًا. ماذا قد يكون الشيء الذي تركه زوانغ موهان لفان شيان؟
نظر فان شيان إلى جمالها للحظة، وكأنه شرد، ثم قال بعد أن استجمع تركيزه: “انتظري الأخبار. كوني آمنة. أعتقد أنه قريبًا، سيأتي شخص ما ليأخذ بثأرك.”
وقف فان شيان تحت أشعة الشمس الساطعة، مما اضطره إلى تضييق عينيه. ومع ذلك، اهتز عندما رأى ما كانت تحمله العربة.
كما قيل، في القراءة يمكن العثور على جمال النساء، وبيوت من ذهب، وولائم فاخرة.
كما قيل، في القراءة يمكن العثور على جمال النساء، وبيوت من ذهب، وولائم فاخرة.
كان فان شيان يقطع طريقه عبر حقل السورغم(الذرة الرفيعة)، وابتسامة سعادة خالصة ترتسم على وجهه. أخيرًا، انتهت رحلته إلى شمال تشي بخاتمة مرضية. بالنسبة له، منذ أن أعيد ولادته في هذا العالم، تمكن من مقابلة أشخاص مثيرين للاهتمام. مثل “قطعة الجليد” يان بينغيون، والزهرة هايتانغ، التي بدت في البداية باهتة وغير مميزة.
لكن العربة لم تكن تحتوي على جمال أو مجوهرات، بل كانت مليئة بالكتب—مجموعة زوانغ موهان التي جمعها طوال حياته، على الأرجح. وبناءً على مكانة زوانغ موهان، كان من السهل التخمين أنها كانت كلها كتبًا نادرة دون الحاجة حتى لتصفحها.
لحظات لاحقة، دخل معظم أعضاء الوفد إلى المحطة. كان المسؤولون من وزارة الطقوس مشغولين للغاية، ولم يلاحظ أحد أين ذهب فان شيان.
قدّم الخادم لفان شيان كتيبًا صغيرًا وقال:
“سيدي فان، هذا هو الفهرس الذي كتبه السيد الكبير بخط يده. يحتوي أيضًا على خطوات مهمة لحفظ الكتب.”
إهداء الكتب كان إشارة رمزية. من خلال هذا الفعل، أراد زوانغ موهان أن يعبر عن نواياه بوضوح. بغض النظر عن فخر المسؤولين المدنيين في تشي، منذ هذه اللحظة، لم يعد بإمكان أحد أن يستخف بفان شيان. في الوقت نفسه، حصل فان شيان على تقدير مستحق من الأكاديميين.
تنهد فان شيان وأغلق باب العربة. قرأ الكتيب بعناية. في هذا العصر، رغم التقدم الكبير في تقنيات الطباعة، لا يزال إنتاج الكتب مهمة شاقة. بغض النظر عن عدد الكتب، فإن مجرد قيام زوانغ موهان بإهداء كتبه كان كافيًا ليثير مشاعر فان شيان. ثم سمع الخادم يقول:
“السيد الكبير ترك كتبه لك أملًا في أن تحافظ عليها طوال حياتك.”
ابتسمت هايتانغ وقالت: “سيدي فان، أنت تغادر المملكة العظيمة تشي. لا أعرف متى سأراك مجددًا.”
كان فان شيان يعرف أن الخادم قال ذلك من تلقاء نفسه. ومع ذلك، انحنى له بصدق قائلاً:
“أخي، لا تقلق. حتى لو فنيتُ أنا، ستبقى هذه الكتب تنتقل عبر الأجيال.”
رفعت سي ليلي رأسها فجأة، تنظر إليه بعدم تصديق. لم يكترث فان شيان لنظرة الفرح في عينيها، وأخرج قصاصة من الورق من كمه. “تواصلي معي عبر هذا الشخص. بمجرد أن تحفظي تفاصيل الاتصال، تخلصي من الورقة.”
اجتمع المسؤولون من مملكة تشي حول العربة، ورأوا كل تلك الكتب. بما أنهم جميعًا اجتازوا الامتحانات المدنية، فقد كانوا يدركون تمامًا قيمة هذه الكتب. لم يتوقع أحد منهم أن يهدي زوانغ موهان مجموعته الثمينة لمسؤول من دولة جنوبية. إلى جانب المفاجأة، شعر البعض أيضًا بالغيرة.
انحنت سي ليلي بانحناءة خفيفة، وصوتها يرتجف قليلاً وهي تقول: “سيدي فان.”
كان المعلم الكبير يعرف نوايا سيده وتنهد.
كانت هذه أول مرة يسمع فيها فان شيان صوت الأميرة. كان صوتها أجش قليلاً، مما أثار استغرابه. رفعت إحدى خادمات القصر الستار وخرجت بعينين حمراوين. اقتربت من فان شيان وقالت بهدوء: “جلالتها ليست بخير. يرجى الانتظار قليلاً.”
إهداء الكتب كان إشارة رمزية. من خلال هذا الفعل، أراد زوانغ موهان أن يعبر عن نواياه بوضوح. بغض النظر عن فخر المسؤولين المدنيين في تشي، منذ هذه اللحظة، لم يعد بإمكان أحد أن يستخف بفان شيان. في الوقت نفسه، حصل فان شيان على تقدير مستحق من الأكاديميين.
عبس يان بينغيون قليلاً، وكأن هناك ما يصعب عليه قوله. تردد قبل أن يسأل: “على طول الطريق، هل كانت هناك امرأة ترتدي الأخضر الفاتح وتتبع الوفد؟ تميل لركوب حصان أحمر.”
استدار فان شيان نحو المعلم الكبير وقال:
“من الواجب أن أعود إلى شانغجينغ لأقدم احترامي للسيد زوانغ.”
استدارت بسرعة وغادرت الجناح، تاركة فان شيان واقفًا، متجهمًا وهو يحاول فك شفرة المعنى وراء كلماتها.
لم يتمكن المعلم الكبير من إخفاء الألم في عينيه. كان يفكر فقط في العودة لتقديم احترامه لزوانغ موهان. عرض فان شيان أعطاه بعض العزاء، فوافق. ولكن الوزير وي هوا اقترب وانحنى قائلاً بحزن:
“العالم يبكي على وفاة السيد. لكن كل شيء يتعلق برحيل الوفد قد تم ترتيبه بالفعل. أخشى أنه لا يمكنك العودة إلى المدينة.”
كان العاملون في المحطة يدركون أهمية الضيوف، لذا نظفوا المكان بعناية فائقة واتبعت تصرفاتهم البروتوكولات الملكية. بعد تفقد المكان، مر فان شيان عبر الغرفة الرئيسية وخرج بصمت من الباب الخلفي، ليختفي في حقل السورغم الطويل خلف المحطة.
صمت فان شيان للحظة، ثم نظر نحو أسوار شانغجينغ الرمادية، وكأنه يرى ضوءًا بنفسجيًا خافتًا يطفو في السماء أعلاها. رتّب ملابسه وانحنى بعمق نحو المدينة كما يفعل التلاميذ تجاه أساتذتهم.
الفصل 253: الجناح الطويل، الطريق القديم، ورمي المنديل أمسك فان شيان بالكتاب ولم يعرف ماذا يقول. لقاؤه مع زوانغ موهان قبل ليلتين تحول إلى اللقاء الأخير بينهما. على الرغم من أنه اكتشف تلك الليلة أن صحة زوانغ موهان قد تدهورت منذ العام الماضي، لم يتخيل أبدًا أن هذا العالم الكبير سيغادر الحياة فجأة.
تفاجأ المعلم الكبير قليلاً من هذا الانحناء، وهو تعبير عن احترام عميق. هدّأ ذلك قلبه بعض الشيء، فرد التحية.
انطلقت أصوات المفرقعات. لم يعرف أحد إذا كانت احتفالًا بوداع الوفد أو لرحيل زوانغ موهان. تطايرت أوراق ملونة في السماء، وتلاشى دخانها الحاد بسرعة، مذكّرًا الناس بعدم ديمومة الحياة.
استدار فان شيان نحو المعلم الكبير وقال: “من الواجب أن أعود إلى شانغجينغ لأقدم احترامي للسيد زوانغ.”
بدأ الوفد يتحرك غربًا ببطء. وعندما ابتعدت عربة الكتب الثقيلة برفقة الوفد الجنوبي، تنهد مسؤولو تشي وعادوا إلى ارتداء ملابس الحداد والتوجه إلى قصر السيد زوانغ. الإمبراطورة الأرملة والإمبراطور كانا قد وصلا بالفعل، لذا لم يجرؤ أحد على التأخر. أما المعلم الكبير وبعض العلماء الكبار الذين دربهم زوانغ موهان، فقد كادوا ينهارون من شدة البكاء.
نظرت إليه سي ليلي بنظرة تحمل بقايا من الحنان، وقالت بصوت ناعم: “فقط تخبرني بأن أكون حذرة؟ ألا يوجد شيء آخر تريد قوله لي؟”
واصل الوفد طريقه، وعندما اختفت أسوار شانغجينغ وراء الغابة الجبلية، وصل إلى أول محطة بريدية خارج المدينة. وفقًا للقواعد، كان عليهم قضاء الليل هناك ومتابعة الرحلة في اليوم التالي.
ردت سي ليلي بهدوء: “أوه. ربما لأنني سافرت كثيرًا في صغري. مقارنة بأولئك النساء اللاتي يقضين أيامهن في التطريز وكتابة الأشعار، لستُ محافظة مثلهن.”
ترجل فان شيان ببطء من حصانه وسار نحو المحطة. وبينما مرّ بجانب عربة الكتب، لم يستطع إلا أن يلقي نظرة عليها، رغم أنه كبح رغبته في الدخول إليها.
عاد يان بينغيون إلى جلوسه داخل العربة، مرتاحًا قليلاً لأن الآنسة شين لم تخاطر بالمجيء لرؤيته، لكنه شعر بشيء من الكآبة دون سبب واضح.
توجه نحو عربة مطلية باللونين الأحمر والذهبي، وانحنى باحترام شديد قائلاً:
“لقد وصلنا إلى المحطة البريدية. الأميرة، من فضلك استريحي هنا.”
استدارت بسرعة وغادرت الجناح، تاركة فان شيان واقفًا، متجهمًا وهو يحاول فك شفرة المعنى وراء كلماتها.
بعد لحظات، جاء صوت خافت من داخل العربة:
“… سيدي، افعل ما تراه مناسبًا. أود الجلوس بمفردي لبعض الوقت.”
قالت سي ليلي بصوت يحمل صدقًا وترددًا: “شكرًا لك، سيدي.”
كانت هذه أول مرة يسمع فيها فان شيان صوت الأميرة. كان صوتها أجش قليلاً، مما أثار استغرابه. رفعت إحدى خادمات القصر الستار وخرجت بعينين حمراوين. اقتربت من فان شيان وقالت بهدوء:
“جلالتها ليست بخير. يرجى الانتظار قليلاً.”
في هذا الوفد، كان الوحيد الذي ينادي فان شيان بـ”المفوض”.
أبدى فان شيان اهتمامه قائلاً:
“تحتاج جلالتها إلى الكثير من الرعاية. ليس من المفاجئ أنها ليست معتادة على الرحلات الطويلة. الراحة المتكررة ضرورية.”
صمت فان شيان للحظة، ثم نظر نحو أسوار شانغجينغ الرمادية، وكأنه يرى ضوءًا بنفسجيًا خافتًا يطفو في السماء أعلاها. رتّب ملابسه وانحنى بعمق نحو المدينة كما يفعل التلاميذ تجاه أساتذتهم.
نظرت خادمة القصر إلى وجه فان شيان الوسيم وشعرت لسبب ما بشعور غريب من الثقة تجاهه. قالت له:
“الأميرة درست يومًا تحت إشراف السيد زوانغ. سماع الخبر اليوم أحزنها بشدة.”
اجتمع المسؤولون من مملكة تشي حول العربة، ورأوا كل تلك الكتب. بما أنهم جميعًا اجتازوا الامتحانات المدنية، فقد كانوا يدركون تمامًا قيمة هذه الكتب. لم يتوقع أحد منهم أن يهدي زوانغ موهان مجموعته الثمينة لمسؤول من دولة جنوبية. إلى جانب المفاجأة، شعر البعض أيضًا بالغيرة.
فهم فان شيان الآن ما كان يحدث. نظرته تجاه العربة أصبحت مشوبة بشيء من التعاطف. الحزن على وفاة معلمها جعل الأميرة تبدو كشخص غير متعالٍ. كونها من العائلة المالكة، وعدم قدرتها على تقديم احترامها لمعلمها كان أمرًا محزنًا بالفعل.
ردت سي ليلي بجدية: “أرجو أن تطمئن.”
تنهد فان شيان، وربما كان يفكر في خلفيته الخاصة. أعطى بعض التعليمات لخادمة القصر، ثم استدعى حراس النمر وأعضاء الوفد المهمين لترتيب الأمور. بعد ذلك، دخل المحطة وحده.
ابتسمت سي ليلي، ولم تعد تبدو هشة كما بدت حين كانت هايتانغ حاضرة. قالت: “سيدي، أليس الأمر كذلك معك أيضًا؟ رغم أنني أصررت على البقاء، تسرعت في قول ذلك، هل كنت تخشى أن أطلب منك أن تأخذني معك؟”
كان العاملون في المحطة يدركون أهمية الضيوف، لذا نظفوا المكان بعناية فائقة واتبعت تصرفاتهم البروتوكولات الملكية. بعد تفقد المكان، مر فان شيان عبر الغرفة الرئيسية وخرج بصمت من الباب الخلفي، ليختفي في حقل السورغم الطويل خلف المحطة.
قال فان شيان بابتسامة صادقة: “بصراحة، إذا أصبحنا أصدقاء حقًا، لا أعتقد أن ذلك سيكون أمرًا سيئًا.”
لحظات لاحقة، دخل معظم أعضاء الوفد إلى المحطة. كان المسؤولون من وزارة الطقوس مشغولين للغاية، ولم يلاحظ أحد أين ذهب فان شيان.
الفصل 253: الجناح الطويل، الطريق القديم، ورمي المنديل أمسك فان شيان بالكتاب ولم يعرف ماذا يقول. لقاؤه مع زوانغ موهان قبل ليلتين تحول إلى اللقاء الأخير بينهما. على الرغم من أنه اكتشف تلك الليلة أن صحة زوانغ موهان قد تدهورت منذ العام الماضي، لم يتخيل أبدًا أن هذا العالم الكبير سيغادر الحياة فجأة.
خارج المحطة، بقيت عربتان فيهما ركاب. الأولى كانت تشغلها الأميرة، والجميع كانوا يعرفون أنها حزينة، فلم يجرؤ أحد على إزعاجها. أما العربة الثانية، فقد احتوت على وجه شيطاني وسيم، ولم يكن لمسؤولي تشي أي سبب للاهتمام. فقط حراس النمر ومسؤولو مجلس الرقابة كانوا يحرسون العربتين بأمر من فان شيان.
خارج حقل الذرة الرفيعة، كان هناك جناح وحيد بجانب طريق قديم مهجور منذ زمن. على الطريق كانت تقف عربة، وتحت الجناح وقفت فتاتان.
رفع شخص ما ستار نافذة العربة الثانية ولوّح بيده. كانت اليد شاحبة لدرجة أنها بدت باردة.
استدار فان شيان نحو المعلم الكبير وقال: “من الواجب أن أعود إلى شانغجينغ لأقدم احترامي للسيد زوانغ.”
اقترب مسؤول من مجلس الرقابة وسأل:
“سيدي يان، ما هي أوامرك؟”
ردت سي ليلي بجدية: “أرجو أن تطمئن.”
ظهر وجه يان بينغيون الوسيم ولكنه البارد بشكل استثنائي خلف النافذة. سأل بهدوء:
“أين ذهب المفوض؟”
نظر فان شيان إلى جمالها للحظة، وكأنه شرد، ثم قال بعد أن استجمع تركيزه: “انتظري الأخبار. كوني آمنة. أعتقد أنه قريبًا، سيأتي شخص ما ليأخذ بثأرك.”
في هذا الوفد، كان الوحيد الذي ينادي فان شيان بـ”المفوض”.
ابتسم فان شيان، لكنه لم يعانق كتفيها الهشة. قال: “بما أنك مصرة على البقاء في شمال تشي، لماذا تحاولين الآن التأثير عليّ؟ هل تستمتع كل النساء بلعب المشاعر مع الرجال؟”
أجاب المسؤول:
“لا أعرف.”
في كلماته الأخيرة، أعطى زوانغ موهان عمله الأدبي الأخير لفان شيان، وهي لفتة حملت معانٍ معقدة.
عبس يان بينغيون قليلاً، وكأن هناك ما يصعب عليه قوله. تردد قبل أن يسأل:
“على طول الطريق، هل كانت هناك امرأة ترتدي الأخضر الفاتح وتتبع الوفد؟ تميل لركوب حصان أحمر.”
كان فان شيان يعلم ما الذي يدور في أذهان مسؤولي تشي: أنهم يرونه المسؤول عن سقوط زوانغ موهان الوحيد. ومع أن الرجل العجوز قد رحل، شعر فان شيان بالحزن قليلاً. كان يتعمد استيعاب المشاعر المعقدة وراء كل نظرة موجهة نحوه.
هزّ المسؤول رأسه نفيًا.
“هذا الرجل الجنوبي شاب مثير للاهتمام،” فكرت هايتانغ. “بمجرد عودته إلى تشينغ، ستحدث تغييرات طفيفة في العالم.”
عاد يان بينغيون إلى جلوسه داخل العربة، مرتاحًا قليلاً لأن الآنسة شين لم تخاطر بالمجيء لرؤيته، لكنه شعر بشيء من الكآبة دون سبب واضح.
فهم فان شيان الآن ما كان يحدث. نظرته تجاه العربة أصبحت مشوبة بشيء من التعاطف. الحزن على وفاة معلمها جعل الأميرة تبدو كشخص غير متعالٍ. كونها من العائلة المالكة، وعدم قدرتها على تقديم احترامها لمعلمها كان أمرًا محزنًا بالفعل.
خارج حقل الذرة الرفيعة، كان هناك جناح وحيد بجانب طريق قديم مهجور منذ زمن. على الطريق كانت تقف عربة، وتحت الجناح وقفت فتاتان.
إهداء الكتب كان إشارة رمزية. من خلال هذا الفعل، أراد زوانغ موهان أن يعبر عن نواياه بوضوح. بغض النظر عن فخر المسؤولين المدنيين في تشي، منذ هذه اللحظة، لم يعد بإمكان أحد أن يستخف بفان شيان. في الوقت نفسه، حصل فان شيان على تقدير مستحق من الأكاديميين.
هبت نسمة ريح، فصدرت حفيفات خفيفة بين سيقان السورغم. خرج فان شيان من الحقل واقترب ببطء من الجناح. بنظرات دافئة، وجه حديثه إلى الفتاتين وقال بهدوء:
“لم أعتقد أن الوقت الوحيد الذي يمكننا أن نتحدث فيه بشكل صحيح بعد قدومي إلى شانغجينغ هو وقت رحيلي.”
ظهر ومضة من المزاح في عيني فان شيان. “قد تحكمين قصر شمال تشي يومًا ما. لماذا تعانين مع شخص مثلي؟”
انحنت سي ليلي بانحناءة خفيفة، وصوتها يرتجف قليلاً وهي تقول:
“سيدي فان.”
في هذا الوفد، كان الوحيد الذي ينادي فان شيان بـ”المفوض”.
لم يوجه فان شيان سوى نظرة إلى هايتانغ، التي كانت واقفة على الجانب، دون أن يقول شيئًا. ابتسمت هايتانغ، ووضعت يديها في جيوبها، ثم ابتعدت بخفة، تخطو بأطراف قدميها على الأرض المتشققة، لتترك الجناح لهذا الثنائي المميز.
تنهدت هايتانغ، محاولة مسح حزنها على وفاة زوانغ موهان. ولكن فجأة، تذكرت شيئًا كانت قد نسيته—نادي شعر هايتانغ في حكاية الحجر. هل كان له علاقة بها أم لا؟ دفعت هذه الفكرة عقلها للشرود للحظة.
بمجرد أن غادرت هايتانغ، تغير تعبير فان شيان الدافئ فجأة إلى الجدية. قال:
“عندما تدخلين القصر، يجب أن تكوني حذرة. الإمبراطورة الأرملة ليست شخصًا بسيطًا. خداعها لن يكون أمرًا سهلاً.”
رد فان شيان بتهكم: “لو كنتِ فعلتِ، سأصبح أخرس.”
نظرت إليه سي ليلي بنظرة تحمل بقايا من الحنان، وقالت بصوت ناعم:
“فقط تخبرني بأن أكون حذرة؟ ألا يوجد شيء آخر تريد قوله لي؟”
رفع شخص ما ستار نافذة العربة الثانية ولوّح بيده. كانت اليد شاحبة لدرجة أنها بدت باردة.
ابتسم فان شيان، لكنه لم يعانق كتفيها الهشة. قال:
“بما أنك مصرة على البقاء في شمال تشي، لماذا تحاولين الآن التأثير عليّ؟ هل تستمتع كل النساء بلعب المشاعر مع الرجال؟”
أبدى فان شيان اهتمامه قائلاً: “تحتاج جلالتها إلى الكثير من الرعاية. ليس من المفاجئ أنها ليست معتادة على الرحلات الطويلة. الراحة المتكررة ضرورية.”
ابتسمت سي ليلي، ولم تعد تبدو هشة كما بدت حين كانت هايتانغ حاضرة. قالت:
“سيدي، أليس الأمر كذلك معك أيضًا؟ رغم أنني أصررت على البقاء، تسرعت في قول ذلك، هل كنت تخشى أن أطلب منك أن تأخذني معك؟”
عندما تحركت العربة على الطريق القديم، لم يُظهر فان شيان أي تعبير على وجهه، لكنه تنهد بعمق في داخله. فجأة، ضرب أحد أعمدة الجناح بقبضة قوية، ما جعل الجناح، الذي كان على وشك الانهيار بسبب الإهمال، يصدر صوت أزيز عالٍ.
ظهر ومضة من المزاح في عيني فان شيان.
“قد تحكمين قصر شمال تشي يومًا ما. لماذا تعانين مع شخص مثلي؟”
بينما كانت هايتانغ تقف تحت الجناح المهترئ، بجانب الطريق القديم، شاهدت فان شيان يختفي في الأفق. مالت برأسها قليلاً، متأملة الأيام التي قضتها معه في شانغجينغ، وابتسمت.
ضحكت سي ليلي وقالت:
“سيكون من الجميل أن يكون لي مكان في القصر. لا أجرؤ على الحلم بأمنيات مبالغ فيها.”
نظرت خادمة القصر إلى وجه فان شيان الوسيم وشعرت لسبب ما بشعور غريب من الثقة تجاهه. قالت له: “الأميرة درست يومًا تحت إشراف السيد زوانغ. سماع الخبر اليوم أحزنها بشدة.”
هز فان شيان رأسه. فجأة قال:
“ليلي، أنتِ مختلفة عن النساء الأخريات.”
استدار فان شيان نحو المعلم الكبير وقال: “من الواجب أن أعود إلى شانغجينغ لأقدم احترامي للسيد زوانغ.”
ردت سي ليلي بهدوء:
“أوه. ربما لأنني سافرت كثيرًا في صغري. مقارنة بأولئك النساء اللاتي يقضين أيامهن في التطريز وكتابة الأشعار، لستُ محافظة مثلهن.”
خطا فان شيان خطوة للأمام وعانق هايتانغ سريعًا، ولم تُظهر أي مقاومة.
هبّت ريح خفيفة، فحركت سيقان السورغم (الذرة الرفيعة)، محدثة حفيفًا طفيفًا. خرج فان شيان من الحقل واقترب ببطء نحو الجناح. بنظرات دافئة، تحدث بهدوء إلى الفتاتين قائلاً:
“لم أتوقع أن يكون الوقت الوحيد للحديث الجاد بيننا في شانغجينغ هو لحظة رحيلي.”
وقف فان شيان تحت أشعة الشمس الساطعة، مما اضطره إلى تضييق عينيه. ومع ذلك، اهتز عندما رأى ما كانت تحمله العربة.
انحنت سي ليلي بانحناءة عميقة، وصوتها مهتز بعض الشيء:
“سيدي فان.”
ابتسمت هايتانغ وقالت: “سيدي فان، أنت تغادر المملكة العظيمة تشي. لا أعرف متى سأراك مجددًا.”
ألقى فان شيان نظرة فقط على هايتانغ، التي وقفت جانبًا دون أن يتحدث. ابتسمت هايتانغ ووضعت يديها في جيوبها، ثم انسحبت بخفة، تاركة الجناح لهذا الثنائي الخاص.
قالت سي ليلي بصوت يحمل صدقًا وترددًا: “شكرًا لك، سيدي.”
بمجرد مغادرة هايتانغ، تغيّرت ملامح فان شيان إلى الجدية. قال بصرامة:
“أؤمن بقدراتك، لكني أريد تحذيرك: لا تستهيني بمن يبدون مسنين أو مملين.”
لكن العربة لم تكن تحتوي على جمال أو مجوهرات، بل كانت مليئة بالكتب—مجموعة زوانغ موهان التي جمعها طوال حياته، على الأرجح. وبناءً على مكانة زوانغ موهان، كان من السهل التخمين أنها كانت كلها كتبًا نادرة دون الحاجة حتى لتصفحها.
ساد الصمت للحظة. بعد وقت طويل، انحنت سي ليلي مرة أخرى وقالت بهدوء:
“سيدي، قد لا تصدق ذلك، لكني حقًا أستمتع بالحديث معك، تمامًا كما فعلتُ في العربة في طريقنا إلى تشي.”
كان فان شيان يعلم ما الذي يدور في أذهان مسؤولي تشي: أنهم يرونه المسؤول عن سقوط زوانغ موهان الوحيد. ومع أن الرجل العجوز قد رحل، شعر فان شيان بالحزن قليلاً. كان يتعمد استيعاب المشاعر المعقدة وراء كل نظرة موجهة نحوه.
حدق فان شيان فيها، غير متأكد من مقدار الصدق في كلماتها.
تنهد فان شيان، وربما كان يفكر في خلفيته الخاصة. أعطى بعض التعليمات لخادمة القصر، ثم استدعى حراس النمر وأعضاء الوفد المهمين لترتيب الأمور. بعد ذلك، دخل المحطة وحده.
ابتسمت سي ليلي بخفة، وجمالها كان مشعًا بشكل لا يُضاهى، وقالت:
“سيدي، أنا ممتنة جدًا لأنك خلصت جسدي من السم. هذا… حقيقة.”
قالت سي ليلي بصوت يحمل صدقًا وترددًا: “شكرًا لك، سيدي.”
قال فان شيان ببرود:
“أنا لست تشن بينغبينغ. أؤمن بأنه حتى المصالح يمكن تحقيقها بطرق أكثر لطفًا. بالإضافة إلى ذلك، لا أرغب في أن يُسمم إمبراطور تشي بسببك… وبالنظر إلى الأمور الآن، يبدو أن خطة تشن بينغبينغ لم تكن لتنجح أبدًا.”
انطلقت أصوات المفرقعات. لم يعرف أحد إذا كانت احتفالًا بوداع الوفد أو لرحيل زوانغ موهان. تطايرت أوراق ملونة في السماء، وتلاشى دخانها الحاد بسرعة، مذكّرًا الناس بعدم ديمومة الحياة.
احمر وجه سي ليلي قليلاً، إذ علمت أن هذا الرجل، القريب منها الآن، قد خمن الكثير بالفعل.
قالت سي ليلي بصوت يحمل صدقًا وترددًا: “شكرًا لك، سيدي.”
واصل فان شيان بنبرة منخفضة:
“العيش في القصر أمر خطير. لا يمكن لمجلس الرقابة أن يحميك هناك. يعتمد نجاح الاتفاق بيننا على تصرفاتك أنت.”
خارج المحطة، بقيت عربتان فيهما ركاب. الأولى كانت تشغلها الأميرة، والجميع كانوا يعرفون أنها حزينة، فلم يجرؤ أحد على إزعاجها. أما العربة الثانية، فقد احتوت على وجه شيطاني وسيم، ولم يكن لمسؤولي تشي أي سبب للاهتمام. فقط حراس النمر ومسؤولو مجلس الرقابة كانوا يحرسون العربتين بأمر من فان شيان.
ردت سي ليلي بجدية:
“أرجو أن تطمئن.”
لم يوجه فان شيان سوى نظرة إلى هايتانغ، التي كانت واقفة على الجانب، دون أن يقول شيئًا. ابتسمت هايتانغ، ووضعت يديها في جيوبها، ثم ابتعدت بخفة، تخطو بأطراف قدميها على الأرض المتشققة، لتترك الجناح لهذا الثنائي المميز.
نظر فان شيان إلى جمالها للحظة، وكأنه شرد، ثم قال بعد أن استجمع تركيزه:
“انتظري الأخبار. كوني آمنة. أعتقد أنه قريبًا، سيأتي شخص ما ليأخذ بثأرك.”
نظرت خادمة القصر إلى وجه فان شيان الوسيم وشعرت لسبب ما بشعور غريب من الثقة تجاهه. قالت له: “الأميرة درست يومًا تحت إشراف السيد زوانغ. سماع الخبر اليوم أحزنها بشدة.”
رفعت سي ليلي رأسها فجأة، تنظر إليه بعدم تصديق. لم يكترث فان شيان لنظرة الفرح في عينيها، وأخرج قصاصة من الورق من كمه.
“تواصلي معي عبر هذا الشخص. بمجرد أن تحفظي تفاصيل الاتصال، تخلصي من الورقة.”
بمجرد أن غادرت هايتانغ، تغير تعبير فان شيان الدافئ فجأة إلى الجدية. قال: “عندما تدخلين القصر، يجب أن تكوني حذرة. الإمبراطورة الأرملة ليست شخصًا بسيطًا. خداعها لن يكون أمرًا سهلاً.”
ابتسم فان شيان فجأة وقال:
“أسمح لك بالتخلي عن الاتفاق بيننا، لكني بالتأكيد لن أقبل بخيانتك لي. هذا الاتصال أحادي الاتجاه؛ لن يفيدك بشيء إذا كشفته لشمال تشي، لذا من الأفضل ألا تخاطري.”
هز فان شيان رأسه. فجأة قال: “ليلي، أنتِ مختلفة عن النساء الأخريات.”
تسببت ابتسامة فان شيان الغريبة في شعور سي ليلي بالخوف، لذا هزت رأسها بسرعة.
“هذا الرجل الجنوبي شاب مثير للاهتمام،” فكرت هايتانغ. “بمجرد عودته إلى تشينغ، ستحدث تغييرات طفيفة في العالم.”
ثم أضاف فان شيان بعد لحظة من الصمت:
“إذا… إذا شعرتِ يومًا بأنك لا تريدين البقاء في قصر تشي، أخبريني، وسأتكفل بالأمر.”
عندما تحركت العربة على الطريق القديم، لم يُظهر فان شيان أي تعبير على وجهه، لكنه تنهد بعمق في داخله. فجأة، ضرب أحد أعمدة الجناح بقبضة قوية، ما جعل الجناح، الذي كان على وشك الانهيار بسبب الإهمال، يصدر صوت أزيز عالٍ.
قالت سي ليلي بصوت يحمل صدقًا وترددًا:
“شكرًا لك، سيدي.”
تفاجأ المعلم الكبير قليلاً من هذا الانحناء، وهو تعبير عن احترام عميق. هدّأ ذلك قلبه بعض الشيء، فرد التحية.
ثم تابعت بنبرة حزينة:
“مع هذا الوداع، من يعلم متى سنلتقي مجددًا؟ مجرد التفكير في ذلك يجعلني أشعر وكأن شيئًا ما يقطع أحشائي.”
لم يتمكن المعلم الكبير من إخفاء الألم في عينيه. كان يفكر فقط في العودة لتقديم احترامه لزوانغ موهان. عرض فان شيان أعطاه بعض العزاء، فوافق. ولكن الوزير وي هوا اقترب وانحنى قائلاً بحزن: “العالم يبكي على وفاة السيد. لكن كل شيء يتعلق برحيل الوفد قد تم ترتيبه بالفعل. أخشى أنه لا يمكنك العودة إلى المدينة.”
استدارت بسرعة وغادرت الجناح، تاركة فان شيان واقفًا، متجهمًا وهو يحاول فك شفرة المعنى وراء كلماتها.
انحنت سي ليلي بانحناءة عميقة، وصوتها مهتز بعض الشيء: “سيدي فان.”
عندما تحركت العربة على الطريق القديم، لم يُظهر فان شيان أي تعبير على وجهه، لكنه تنهد بعمق في داخله. فجأة، ضرب أحد أعمدة الجناح بقبضة قوية، ما جعل الجناح، الذي كان على وشك الانهيار بسبب الإهمال، يصدر صوت أزيز عالٍ.
هز فان شيان رأسه. فجأة قال: “ليلي، أنتِ مختلفة عن النساء الأخريات.”
هبط ظل خفيف من السقف. كانت هايتانغ. وقفت بجانب فان شيان بابتسامة عذبة.
“لم أتجسس عليك.”
ابتسم فان شيان فجأة وقال: “أسمح لك بالتخلي عن الاتفاق بيننا، لكني بالتأكيد لن أقبل بخيانتك لي. هذا الاتصال أحادي الاتجاه؛ لن يفيدك بشيء إذا كشفته لشمال تشي، لذا من الأفضل ألا تخاطري.”
رد فان شيان بتهكم:
“لو كنتِ فعلتِ، سأصبح أخرس.”
ألقى فان شيان نظرة فقط على هايتانغ، التي وقفت جانبًا دون أن يتحدث. ابتسمت هايتانغ ووضعت يديها في جيوبها، ثم انسحبت بخفة، تاركة الجناح لهذا الثنائي الخاص.
ابتسمت هايتانغ وقالت:
“سيدي فان، أنت تغادر المملكة العظيمة تشي. لا أعرف متى سأراك مجددًا.”
استدار فان شيان نحو المعلم الكبير وقال: “من الواجب أن أعود إلى شانغجينغ لأقدم احترامي للسيد زوانغ.”
فكر فان شيان في أخته الصغيرة في الوطن وتنهد.
“لن يطول الأمر، أعتقد… أين معلمك الشهير؟” ثم غيّر الموضوع. “المجيء إلى شمال تشي دون زيارة ذلك الأستاذ العظيم كان عارًا حقًا.”
بعد لحظات، جاء صوت خافت من داخل العربة: “… سيدي، افعل ما تراه مناسبًا. أود الجلوس بمفردي لبعض الوقت.”
فكرت هايتانغ للحظة قبل أن تقرر أن تكون صريحة:
“قبل ثلاثة أيام من دخولك شانغجينغ، تلقى سيدي لوحًا خشبيًا وغادر. لا أحد، بما في ذلك الإمبراطورة الأرملة وأنا، يعرف أين ذهب.”
ردت سي ليلي بجدية: “أرجو أن تطمئن.”
نظر فان شيان إلى نهاية الطريق القديم حيث شجرة وحيدة، وقال:
“لقد أخفيت عني الكثير أثناء وجودي في شانغجينغ. عليّ أن أشكركِ على ذلك.”
بشكل تلقائي، رفعت يدها لتُحكم ربطة المنديل على رأسها، لكنها لم تلمس شيئًا. أدركت على الفور ما حدث، وشعرت بحرارة تتصاعد إلى خديها. ورغم أن وجهها لم يظهر شيئًا، فإن العناق السابق جعلها متوترة أكثر مما أرادت الاعتراف به. لم تدرك حتى أن “ذلك اللص” قد أخذ منديلها.
ثم أضاف بابتسامة:
“دوودو، شكراً لمساعدتك.”
وضع فان شيان المنديل في جيب صدره، دافعًا سيقان السورغم أمامه، وألقى نظرة على الدخان المتصاعد من محطة البريد في المسافة. بابتسامة مرحة على وجهه، بدأ يغني بهدوء: “ارمه، ارمه، ارمه المنديل…”
ابتسمت هايتانغ، وأخيرًا، انحنت بلباقة مثل فتاة عادية.
كان فان شيان يعلم ما الذي يدور في أذهان مسؤولي تشي: أنهم يرونه المسؤول عن سقوط زوانغ موهان الوحيد. ومع أن الرجل العجوز قد رحل، شعر فان شيان بالحزن قليلاً. كان يتعمد استيعاب المشاعر المعقدة وراء كل نظرة موجهة نحوه.
خطا فان شيان خطوة للأمام وعانق هايتانغ سريعًا، ولم تُظهر أي مقاومة.
تنهد فان شيان وأغلق باب العربة. قرأ الكتيب بعناية. في هذا العصر، رغم التقدم الكبير في تقنيات الطباعة، لا يزال إنتاج الكتب مهمة شاقة. بغض النظر عن عدد الكتب، فإن مجرد قيام زوانغ موهان بإهداء كتبه كان كافيًا ليثير مشاعر فان شيان. ثم سمع الخادم يقول: “السيد الكبير ترك كتبه لك أملًا في أن تحافظ عليها طوال حياتك.”
قال فان شيان بابتسامة صادقة:
“بصراحة، إذا أصبحنا أصدقاء حقًا، لا أعتقد أن ذلك سيكون أمرًا سيئًا.”
ابتسم فان شيان فجأة وقال: “أسمح لك بالتخلي عن الاتفاق بيننا، لكني بالتأكيد لن أقبل بخيانتك لي. هذا الاتصال أحادي الاتجاه؛ لن يفيدك بشيء إذا كشفته لشمال تشي، لذا من الأفضل ألا تخاطري.”
ابتسمت هايتانغ وقالت بهدوء:
“وأنا كذلك.”
أبدى فان شيان اهتمامه قائلاً: “تحتاج جلالتها إلى الكثير من الرعاية. ليس من المفاجئ أنها ليست معتادة على الرحلات الطويلة. الراحة المتكررة ضرورية.”
بينما كانت هايتانغ تقف تحت الجناح المهترئ، بجانب الطريق القديم، شاهدت فان شيان يختفي في الأفق. مالت برأسها قليلاً، متأملة الأيام التي قضتها معه في شانغجينغ، وابتسمت.
أبدى فان شيان اهتمامه قائلاً: “تحتاج جلالتها إلى الكثير من الرعاية. ليس من المفاجئ أنها ليست معتادة على الرحلات الطويلة. الراحة المتكررة ضرورية.”
“هذا الرجل الجنوبي شاب مثير للاهتمام،” فكرت هايتانغ.
“بمجرد عودته إلى تشينغ، ستحدث تغييرات طفيفة في العالم.”
واصل فان شيان بنبرة منخفضة: “العيش في القصر أمر خطير. لا يمكن لمجلس الرقابة أن يحميك هناك. يعتمد نجاح الاتفاق بيننا على تصرفاتك أنت.”
تنهدت هايتانغ، محاولة مسح حزنها على وفاة زوانغ موهان. ولكن فجأة، تذكرت شيئًا كانت قد نسيته—نادي شعر هايتانغ في حكاية الحجر. هل كان له علاقة بها أم لا؟ دفعت هذه الفكرة عقلها للشرود للحظة.
عندما تحركت العربة على الطريق القديم، لم يُظهر فان شيان أي تعبير على وجهه، لكنه تنهد بعمق في داخله. فجأة، ضرب أحد أعمدة الجناح بقبضة قوية، ما جعل الجناح، الذي كان على وشك الانهيار بسبب الإهمال، يصدر صوت أزيز عالٍ.
بشكل تلقائي، رفعت يدها لتُحكم ربطة المنديل على رأسها، لكنها لم تلمس شيئًا. أدركت على الفور ما حدث، وشعرت بحرارة تتصاعد إلى خديها. ورغم أن وجهها لم يظهر شيئًا، فإن العناق السابق جعلها متوترة أكثر مما أرادت الاعتراف به. لم تدرك حتى أن “ذلك اللص” قد أخذ منديلها.
هزّ المسؤول رأسه نفيًا.
كان فان شيان يقطع طريقه عبر حقل السورغم(الذرة الرفيعة)، وابتسامة سعادة خالصة ترتسم على وجهه. أخيرًا، انتهت رحلته إلى شمال تشي بخاتمة مرضية. بالنسبة له، منذ أن أعيد ولادته في هذا العالم، تمكن من مقابلة أشخاص مثيرين للاهتمام. مثل “قطعة الجليد” يان بينغيون، والزهرة هايتانغ، التي بدت في البداية باهتة وغير مميزة.
ثم أضاف بابتسامة: “دوودو، شكراً لمساعدتك.”
ورغم بعض تضارب المصالح والاختلافات في القناعات، إلا أنه وجد متعة حقيقية في الحديث مع هايتانغ.
هبّت ريح خفيفة، فحركت سيقان السورغم (الذرة الرفيعة)، محدثة حفيفًا طفيفًا. خرج فان شيان من الحقل واقترب ببطء نحو الجناح. بنظرات دافئة، تحدث بهدوء إلى الفتاتين قائلاً: “لم أتوقع أن يكون الوقت الوحيد للحديث الجاد بيننا في شانغجينغ هو لحظة رحيلي.”
الإمبراطور يحتاج إلى ابن، كو هي يحتاج إلى أكل اللحم، العجوز المقعد تشن يحتاج للذهاب إلى الحمام، وفان شيان يحتاج إلى أصدقاء.
ثم أضاف فان شيان بعد لحظة من الصمت: “إذا… إذا شعرتِ يومًا بأنك لا تريدين البقاء في قصر تشي، أخبريني، وسأتكفل بالأمر.”
وضع فان شيان المنديل في جيب صدره، دافعًا سيقان السورغم أمامه، وألقى نظرة على الدخان المتصاعد من محطة البريد في المسافة. بابتسامة مرحة على وجهه، بدأ يغني بهدوء:
“ارمه، ارمه، ارمه المنديل…”
في كلماته الأخيرة، أعطى زوانغ موهان عمله الأدبي الأخير لفان شيان، وهي لفتة حملت معانٍ معقدة.
لم يوجه فان شيان سوى نظرة إلى هايتانغ، التي كانت واقفة على الجانب، دون أن يقول شيئًا. ابتسمت هايتانغ، ووضعت يديها في جيوبها، ثم ابتعدت بخفة، تخطو بأطراف قدميها على الأرض المتشققة، لتترك الجناح لهذا الثنائي المميز.
