الأب والملك
الفصل 18: الأب والملك
الطور 2: وريث المملكة
لقد أفاق تاليس من أفكاره وكان مذهولًا قليلًا.
حل الفجر.
نظر الملك إليه أخيرًا. لمعت عيناه الزرقاوان السماويتان ببريقٍ ساطعٍ في عينيه الغائرتين. في تلك اللحظة، كانت نظرة كيسيل الخامس معقدةً للغاية وغير مفهومة. لم يستطع تاليس تفسير أي شيءٍ أبعد من ذلك.
تجمدت نظرة يودل من خلف عدسات القناع للحظة. في النهاية، خفض رأسه ولم يعد يتكلم. تسلل شعور طفيف من الشك والصدمة إلى قلب تاليس.
في قاعة مينديس، جرى اللقاء الأهم والأكثر حرجًا بين أبٍ وابنه في المملكة كلها.
صُدِم تاليس. ‘هل هذا… والده؟’
تاليس حدّق بذهول في النبيل الضخم أمامه، والده.
تجمدت نظرة يودل من خلف عدسات القناع للحظة. في النهاية، خفض رأسه ولم يعد يتكلم. تسلل شعور طفيف من الشك والصدمة إلى قلب تاليس.
“تاليس، اسمع جيدًا.” ضيّق كيسل عينيه، بنبرة باردة. “لستَ بحاجة لمعرفة الكثير من الأمور؛ ولا داعي للقلق بشأنها أيضًا. طريقك مُحدّد مسبقًا، ما عليك سوى اتباعه.”
التفت نحو غيلبرت ويودل، وعلامات الخوف والارتباك تملأه، لكنهما لزما الصمت وخفضا رأسيهما.
هل هي مصادفة؟
ثم نظر إلى الحراس في القاعة، غير أنّ الجنود المدججين بالسلاح أخفوا أنظارهم خلف خوذاتهم المحكمة وظلوا جامدين.
حينها دوّى صوت كيسيل الخامس الجهوري بجانبه، “يبدو كقرد طيني هزيل.”
حينها دوّى صوت كيسيل الخامس الجهوري بجانبه، “يبدو كقرد طيني هزيل.”
بالفعل، لم يكن تاليس في أفضل حالاته. شعره الأسود القصير مقصوص بشكل غير متساوٍ (بفعل سينتي) ومغطى بالتراب، ووجهه الصغير يحمل آثار الأيدي والطين. صحيح أن أسدا، الصوفي، أوقف نزيف جراحه بأسلوب التصوف، لكن الخدوش والرضوض والجروح من المنزل المهجور وسوق الشارع الأحمر ما زالت تغطي جسده. ثوبه المصنوع من الخيش اتّسخ بالتراب وتمزّق عند الصدر حتى كاد يكشف عن الحرق هناك. وقبل دخوله قاعة مينديس، كان يرتجف من البرد.
————————
من الواضح أن تاليس لم يكن الوحيد الذي شعر بهذا الشعور الغريب. تغير وجه غيلبرت قليلًا، كما لو يريد أن يقول شيئًا. لكنه في النهاية اكتفى بخفض رأسه وتنهد تنهيدة خفيفة من زاوية لم يستطع الملك رؤيتها.
ارتفع صوت كيسيل في القاعة، “كنت واثقًا أنكما لن تخطئا.”
من الواضح أن تاليس لم يكن الوحيد الذي شعر بهذا الشعور الغريب. تغير وجه غيلبرت قليلًا، كما لو يريد أن يقول شيئًا. لكنه في النهاية اكتفى بخفض رأسه وتنهد تنهيدة خفيفة من زاوية لم يستطع الملك رؤيتها.
رفع تاليس رأسه مجددًا ونظر إلى كيسيل. ملكه… أبوه. لكن كيسيل كان قد أشاح بوجهه بعيدًا ولم يعد ينظر إليه.
ارتفعت في قلب تاليس غصّة خفيفة، غير أنّه أسرع في كبحها.
في تلك اللحظة تحدث غيلبرت وقطع حديث الملك بتعبير محترم.
ظلّ صوت كيسيل الرخيم يتردّد في القاعة، “أنتما تعرفان أهمية هذا الأمر. حتى الآن، لا يعلم به سوى نحن الثلاثة. بالطبع، سأنقل جينيس إلى هنا، فهو بحاجة إلى رعاية مؤهلة. عندها يصبح عدد العارفين أربعة فقط. وعندما يعود مورات، سأتولى بنفسي الحديث معه.”
ثم نظر إلى الحراس في القاعة، غير أنّ الجنود المدججين بالسلاح أخفوا أنظارهم خلف خوذاتهم المحكمة وظلوا جامدين.
في تلك اللحظة، رأى تاليس رموشَ عيني الملك الغائرتين ترفرف. شعر وكأن موجةً من المشاعر الغريبة تسري في وجه كيسيل. أراد تاليس أن يقول شيئًا، لكن قبل أن تصل الكلمات إلى حافة فمه، ابتلعها.
“ابتداءً من الآن، ستُغلق قاعة مينديس إغلاقًا تامًا. وللخارج سننشر أن كنزًا ملكيًا قد فُقد وأن غضبي بالغ. لا يمكننا المجازفة بإرسال حرس القصر، فذلك سيبدو جليًا. علينا أن نُبقي العدو جاهلًا بخطوتنا التالية.”
لم يكن من الممكن رؤية تعبير الحارس السري خلف القناع، لكن صوته الأجش كان حازمًا للغاية.
“خلال الشهر المقبل، سيتكفّل جنود عائلة جيدستار الخاصون، خمسون من ‘سيوف الإبادة’، بحمايته. قد يكون مستوى الحراسة أضعف بسبب قلّتهم، لكنهم يتفوّقون في الولاء والكتمان. يستطيعون حفظ السر. ما داموا لا يلفتون الأنظار، فذلك كافٍ وزيادة. يودل، احتياطًا، ابقَ هنا للحراسة. أمّا أيدا والحرس الملكي فسيكونون مسؤولين عن سلامتي هذا الشهر.”
بالفعل، لم يكن تاليس في أفضل حالاته. شعره الأسود القصير مقصوص بشكل غير متساوٍ (بفعل سينتي) ومغطى بالتراب، ووجهه الصغير يحمل آثار الأيدي والطين. صحيح أن أسدا، الصوفي، أوقف نزيف جراحه بأسلوب التصوف، لكن الخدوش والرضوض والجروح من المنزل المهجور وسوق الشارع الأحمر ما زالت تغطي جسده. ثوبه المصنوع من الخيش اتّسخ بالتراب وتمزّق عند الصدر حتى كاد يكشف عن الحرق هناك. وقبل دخوله قاعة مينديس، كان يرتجف من البرد.
“اللعنة.” خفض تاليس رأسه وركز نظره على بلاط الأرضية الأسود الباهظ الثمن بعبوس شديد.
لم يتفوّه يودل بكلمة، واكتفى بهزّ رأسه المغطّى بالقناع.
“أما بالنسبة لعقد زواجه، فلديّ فكرة. سنناقشها لاحقًا مع إكستيدت—”
“غيلبرت.” كيسيل لم يخص تاليس بنظرة واحدة حتى الآن. كان يمرّر يده على الكريستالة المثبّتة في صولجانه، غارقًا في تفكيره، ونبرته تفيض بالهيبة، “هل وجدت مبررًا مقنعًا لزيارة قاعة مينديس عند الفجر؟”
“بالطبع يا جلالة الملك. العذر مُسبق: اندلعت معركة ضارية بين العصابات على حدود أحياء المدينة السفلى والأحياء الغربية. سقط عدد لا يُحصى من القتلى والجرحى. أسرعتُ ليلًا إلى القصر الإمبراطوري الذي كنتَ تقيم فيه مؤقتًا لأُبلغك بالأمر،” أجاب غيلبرت باحترام.
“يا بني، تاليس.” لم يستطع غيلبرت، الذي كان خلفه، المقاومة، فنقر على كتفه بصمت. “لا تقلق ولا تفكر كثيرًا في الأمر. جلالته مشغول جدًا. إنه في الواقع—”
تجمدت نظرة يودل من خلف عدسات القناع للحظة. في النهاية، خفض رأسه ولم يعد يتكلم. تسلل شعور طفيف من الشك والصدمة إلى قلب تاليس.
“هذا لا يكفي. سأعود إلى قصر النهضة غدًا. لكن خلال الشهر القادم، ستحتاج إلى زيارة هذا المكان باستمرار. نحتاج إلى سبب أقوى.” هز الملك كيسيل رأسه.
“وللتأكد يا غيلبرت، عليك إعادة تأكيد بنود الخلافة الملكية في ‘دستور الكوكبة المقدسة’، بالإضافة إلى سوابق لقضايا مماثلة في عائلة جيدستار. إذا كان هناك أي سبب للخلاف، فلن يفوت الأوان لمعالجته الآن.”
تشبث كيسيل الخامس بصولجانه بقوة، ولم يُجب بكلمة. عبس ببطء.
“ماذا لو قلت أن الظروف المحيطة باختفاء الكنز الملكي غامضة للغاية وأنك أمرتني بالتحقيق في هذا الأمر بدقة؟”
“هذا لا يكفي. سأعود إلى قصر النهضة غدًا. لكن خلال الشهر القادم، ستحتاج إلى زيارة هذا المكان باستمرار. نحتاج إلى سبب أقوى.” هز الملك كيسيل رأسه.
“الأمر مُعقد بعض الشيء. لكنه كافٍ لشهر واحد.” فكّر الملك كيسيل قليلًا ثم أومأ برأسه.
ثم ألقى ملك الكوكبة نظره أخيرًا على تاليس، الواقع في حيرة من أمره. كانت نظراته حادة لدرجة أن تاليس تراجع خطوةً إلى الوراء دون وعي، فلم يشعر قط أن أبًا ينظر إلى ابنه —بدا الملك وكأنه لا يكترث لأمر تاليس إطلاقًا.
حينها دوّى صوت كيسيل الخامس الجهوري بجانبه، “يبدو كقرد طيني هزيل.”
“ماذا لو قلت أن الظروف المحيطة باختفاء الكنز الملكي غامضة للغاية وأنك أمرتني بالتحقيق في هذا الأمر بدقة؟”
“شهر واحد يا غيلبرت، شهر واحد. قبل الاعتراف الرسمي بمكانته، ستكون أنت معلمه الشخصي، وستكون مسؤولًا عن جميع الأمور المتعلقة بتعليمه.”
نظر غيلبرت إلى يودل الذي قطع كلامه بأفعاله، فزفر من أنفه بانزعاج. ثم انحنى أمام تاليس وقال له بلطف، “سيدي الشاب تاليس، لقد مررت بالكثير الليلة. ما تحتاجه الآن هو الراحة، وربما العلاج. تاليس، تفضل معي. يودل، سأبحث عنك لاحقًا. نحتاج إلى التحدث.”
لكن الملك كيسيل الواقف أمامه لم يُبدِ أي اهتمام لأفكاره. اكتفى بإعلان أوامره جملةً جملةً، وعبّر عن رغباته. “لا أحد يعلم ماضيه، ولكن لا بد من وجود قصة. يا غيلبرت، اختلق قصةً عن أصله. ما دامت سلالته مؤكدة —سأناقش هذا الأمر مع ليسيا، فالتعامل مع التجسيدات ليس مستحيلًا— فلا داعي للخوف من الشائعات.”
“نعم يا جلالة الملك، كما تريد، سأبذل قصارى جهدي،” أجاب غيلبرت باحترام.
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
لقد غرق قلب تاليس.
نقر كيسيل بصولجانه على الأرض بثقة وتأمل للحظة. “عليك أن تُهيئه. لا يمكنه الظهور أمام المملكة بأكملها، والعشائر الست الكبرى، والمبعوثين الدبلوماسيين من دول أخرى كهذه. من آداب السلوك إلى التعامل، ومن المعرفة إلى المظهر، عليه أن يبدو أنيقًا. ما نحتاجه هو وريثٌ مناسبٌ للمملكة، وليس متسول شارع بائس.”
نظر غيلبرت إلى تاليس بصدمة. كان تعبير يودل لا يزال مخفيًا خلف القناع.
‘متسول شارع؟’ سمع تاليس هذا، فشد قبضتيه قليلًا.
“تاليس، اسمع جيدًا.” ضيّق كيسل عينيه، بنبرة باردة. “لستَ بحاجة لمعرفة الكثير من الأمور؛ ولا داعي للقلق بشأنها أيضًا. طريقك مُحدّد مسبقًا، ما عليك سوى اتباعه.”
“سنضع مأدبة الترحيب التي تقيمها مجموعة إكستيدت الدبلوماسية كهدف. آمل أن يتمكن من الحضور بحلول ذلك الوقت. لن يكون هذا الأمر سهلًا، لكنني أعتقد أنكم قادرون على إنجازه على أكمل وجه.”
تاليس حدّق بذهول في النبيل الضخم أمامه، والده.
ارتجف قلب تاليس قليلًا، لكنه استمع بصمت إلى أوامر الملك كيسيل التي لم تترك مجالًا للشك بينما يخطط الملك لمستقبله خطوة بخطوة.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا. ‘ربما أساءا الفهم. هل ظنا أنني أشعر بخيبة أمل لأن والدي تجاهلني؟’
لكن، بدا وكأن إرادة تاليس لا مكان لها في مستقبله. لماذا كان الأمر هكذا؟ لقد نجا لتوه من ذلك المكان البائس الذي صبر عليه وتحمله طوال حياته. لا تزال في قلبه أسئلة وشكوك كثيرة.
“يا بني، تاليس.” لم يستطع غيلبرت، الذي كان خلفه، المقاومة، فنقر على كتفه بصمت. “لا تقلق ولا تفكر كثيرًا في الأمر. جلالته مشغول جدًا. إنه في الواقع—”
لكن الملك كيسيل الواقف أمامه لم يُبدِ أي اهتمام لأفكاره. اكتفى بإعلان أوامره جملةً جملةً، وعبّر عن رغباته. “لا أحد يعلم ماضيه، ولكن لا بد من وجود قصة. يا غيلبرت، اختلق قصةً عن أصله. ما دامت سلالته مؤكدة —سأناقش هذا الأمر مع ليسيا، فالتعامل مع التجسيدات ليس مستحيلًا— فلا داعي للخوف من الشائعات.”
قبل أن يُكمل غيلبرت جملته، تقدم يودل فجأةً وانحنى أمام تاليس. أخرج خنجر تاليس —الذي كان قد سقط بين يديه بطريقة ما (تغير تعبير غيلبرت. لمس خصره وعقد حاجبيه)— ووضعه برفق بين يدي تاليس.
“انتظر لحظة!” أخيرًا، لم يستطع تاليس المقاومة، فصرخ بصوت عالٍ. لقد انتهى من كونه قطعة شطرنج عاجزة.
“اختر بعضًا من أقرانه من قائمة النبلاء، بالإضافة إلى المعلمين والمرافقين للوريث. بعد التعرف عليه، سيصبح كل هذا محور الاهتمام. تأكد من تسجيل كل ذلك في السجلات مسبقًا. أريد الاطلاع على قائمة الأسماء قبل الأسبوع المقبل.”
‘هذا ليس صحيحًا. هذا الأب المزعوم… هو من أنجب هذا الجسد، أليس كذلك؟’
“وللتأكد يا غيلبرت، عليك إعادة تأكيد بنود الخلافة الملكية في ‘دستور الكوكبة المقدسة’، بالإضافة إلى سوابق لقضايا مماثلة في عائلة جيدستار. إذا كان هناك أي سبب للخلاف، فلن يفوت الأوان لمعالجته الآن.”
نظر غيلبرت إلى تاليس بصدمة. كان تعبير يودل لا يزال مخفيًا خلف القناع.
“خلال الشهر المقبل، سيتكفّل جنود عائلة جيدستار الخاصون، خمسون من ‘سيوف الإبادة’، بحمايته. قد يكون مستوى الحراسة أضعف بسبب قلّتهم، لكنهم يتفوّقون في الولاء والكتمان. يستطيعون حفظ السر. ما داموا لا يلفتون الأنظار، فذلك كافٍ وزيادة. يودل، احتياطًا، ابقَ هنا للحراسة. أمّا أيدا والحرس الملكي فسيكونون مسؤولين عن سلامتي هذا الشهر.”
عبس تاليس، واستمر في الاستماع وهم يخططون لمستقبله وحياته. كان كالدمية.
“أما بالنسبة لعقد زواجه، فلديّ فكرة. سنناقشها لاحقًا مع إكستيدت—”
من الواضح أن تاليس لم يكن الوحيد الذي شعر بهذا الشعور الغريب. تغير وجه غيلبرت قليلًا، كما لو يريد أن يقول شيئًا. لكنه في النهاية اكتفى بخفض رأسه وتنهد تنهيدة خفيفة من زاوية لم يستطع الملك رؤيتها.
نقر كيسيل بصولجانه على الأرض بثقة وتأمل للحظة. “عليك أن تُهيئه. لا يمكنه الظهور أمام المملكة بأكملها، والعشائر الست الكبرى، والمبعوثين الدبلوماسيين من دول أخرى كهذه. من آداب السلوك إلى التعامل، ومن المعرفة إلى المظهر، عليه أن يبدو أنيقًا. ما نحتاجه هو وريثٌ مناسبٌ للمملكة، وليس متسول شارع بائس.”
في تلك اللحظة تحدث غيلبرت وقطع حديث الملك بتعبير محترم.
“جلالة الملك، لا يزال هناك بعض الوقت المتبقي.” بدا النبيل الكهل وكأنه يشعر بوجود خطب ما، لكنه بذل قصارى جهده للتعبير عن رأيه. “إذا كنتَ بحاجة لقضاء بعض الوقت على انفراد مع هذا الطفل، يمكننا—”
لكن كيسيل لوح بيده بسرعة وأوقف غيلبرت في منتصف الجملة.
‘هذا ليس صحيحًا. هذا الأب المزعوم… هو من أنجب هذا الجسد، أليس كذلك؟’
في تلك اللحظة، رأى تاليس رموشَ عيني الملك الغائرتين ترفرف. شعر وكأن موجةً من المشاعر الغريبة تسري في وجه كيسيل. أراد تاليس أن يقول شيئًا، لكن قبل أن تصل الكلمات إلى حافة فمه، ابتلعها.
“خلال الشهر المقبل، سيتكفّل جنود عائلة جيدستار الخاصون، خمسون من ‘سيوف الإبادة’، بحمايته. قد يكون مستوى الحراسة أضعف بسبب قلّتهم، لكنهم يتفوّقون في الولاء والكتمان. يستطيعون حفظ السر. ما داموا لا يلفتون الأنظار، فذلك كافٍ وزيادة. يودل، احتياطًا، ابقَ هنا للحراسة. أمّا أيدا والحرس الملكي فسيكونون مسؤولين عن سلامتي هذا الشهر.”
‘ماذا… ماذا أقول؟ ماذا أستطيع أن أقول؟ ماذا يجب أن يقول طفل في السابعة من عمره يلتقي والده لأول مرة؟ يا أبي الذي التقيته للتو، هل يمكنني أن أقول شيئًا؟ ربما عليك أن تستمع لرأيي بدلًا من أن تُحدث نفسك؟ آه، هذا غريب جدًا.’
بدا كيسل وكأنه ينوي الالتفات نحو تاليس، لكنه استدار فجأة. وضع يديه على صولجانه، ونظر إلى الصور الثلاث، صامتًا لفترة طويلة.
التفت نحو غيلبرت ويودل، وعلامات الخوف والارتباك تملأه، لكنهما لزما الصمت وخفضا رأسيهما.
فقط في هذه اللحظة بدا وكأنه يشبه الإنسان.
“خلال الشهر المقبل، سيتكفّل جنود عائلة جيدستار الخاصون، خمسون من ‘سيوف الإبادة’، بحمايته. قد يكون مستوى الحراسة أضعف بسبب قلّتهم، لكنهم يتفوّقون في الولاء والكتمان. يستطيعون حفظ السر. ما داموا لا يلفتون الأنظار، فذلك كافٍ وزيادة. يودل، احتياطًا، ابقَ هنا للحراسة. أمّا أيدا والحرس الملكي فسيكونون مسؤولين عن سلامتي هذا الشهر.”
“هو قبل كل شيء قريبك —ابنك! وعندها فقط يصبح وريثك. لا يمكنك تجاهل كونه ابنك.”
استدار كيسل بعد برهة. لم ينظر إلى أحد. لكن الصوت الآمر الذي كان ملكًا لملك الكوكبة، كيسل الخامس، رن مرة أخرى، “باختصار، الواجب الملقى على عاتقكما ثقيلٌ جدًا. الكوكبة بلا وريث منذ اثني عشر عامًا. في الأسبوع الماضي فقط، سواءً عن قصد أم لا، ذكر كوشدر في رسالته نظام الخلافة في إكستيدت. كلاكما يعرف كيف ستتصرف العشائر الست الكبرى.”
ارتفعت في قلب تاليس غصّة خفيفة، غير أنّه أسرع في كبحها.
“ظهوره متغير، ولكنه أيضًا ورقة تفاوض وميزة غير متوقعة لنا… حان الوقت لتغيير خططنا، لنضمن تقدمنا خطوة على أعدائنا. احرصوا على استغلال وجوده على أكمل وجه.”
التفت نحو غيلبرت ويودل، وعلامات الخوف والارتباك تملأه، لكنهما لزما الصمت وخفضا رأسيهما.
صُدِم تاليس. ‘هل هذا… والده؟’
‘مُتَغَيِّر. ورقة تفاوض. ميزة. يُستَغَلٌ إلى أقصى حد؟ هل هذا ما ينبغي أن يقوله الأب أمام ابن لم يلتقِ به قط؟’
تنهد تاليس في قلبه وأخفض رأسه. ‘إذن هذا هو الأمر… هذا الشعور بعدم الانتماء… لا يشبه هذا لقاءً بين أب وابنه إطلاقًا… إنه أشبه بلاعب شطرنج يحرك قطعة صدره تلقائيًا وبلا مبالاة.’
نظر غيلبرت إلى يودل الذي قطع كلامه بأفعاله، فزفر من أنفه بانزعاج. ثم انحنى أمام تاليس وقال له بلطف، “سيدي الشاب تاليس، لقد مررت بالكثير الليلة. ما تحتاجه الآن هو الراحة، وربما العلاج. تاليس، تفضل معي. يودل، سأبحث عنك لاحقًا. نحتاج إلى التحدث.”
من الواضح أن تاليس لم يكن الوحيد الذي شعر بهذا الشعور الغريب. تغير وجه غيلبرت قليلًا، كما لو يريد أن يقول شيئًا. لكنه في النهاية اكتفى بخفض رأسه وتنهد تنهيدة خفيفة من زاوية لم يستطع الملك رؤيتها.
“اللعنة.” خفض تاليس رأسه وركز نظره على بلاط الأرضية الأسود الباهظ الثمن بعبوس شديد.
لكن كان هناك من قاطع الملك دون مراعاة للأجواء. “جلالتك.”
————————
فتح عينيه ونظر مباشرة إلى “والده”.
أدار تاليس رأسه مندهشًا. يودل الصامت هو من تكلم.
لقد أفاق تاليس من أفكاره وكان مذهولًا قليلًا.
لم يكن من الممكن رؤية تعبير الحارس السري خلف القناع، لكن صوته الأجش كان حازمًا للغاية.
‘هل هذا هو حقا والد هذا الجسد، وليس عدوًا؟’
“هو قبل كل شيء قريبك —ابنك! وعندها فقط يصبح وريثك. لا يمكنك تجاهل كونه ابنك.”
حرك يديه بخفة وهو يُركّب جملته. “لكن هذا مستقبلي. إن كنتَ قد اتخذتَ قرارك بالفعل… فعليكَ على الأقل أن تُساعدني على فهم الوضع قليلًا. علاوةً على ذلك، قلتَ إنه لا داعي لأن يعرف أحدٌ ماضيّ… لكنني على الأقل أريد ذلك، ما أقصده هو… على الأقل، أحتاج أن أعرف ماضيّ.”
رفع تاليس رأسه ورأى أن كيسيل الخامس أطلق تنهيدة طويلة قبل أن يغلق عينيه.
“نعم، إنه ابني.” وبينما لا يزال الملك مغمض العينين، أمسك بصولجانه بقوة وقال بنبرة حزينة، “لهذا السبب أنا هنا اليوم. أعهد به إليكما. تذكرا —شهر واحد.”
في قاعة مينديس، جرى اللقاء الأهم والأكثر حرجًا بين أبٍ وابنه في المملكة كلها.
تجمدت نظرة يودل من خلف عدسات القناع للحظة. في النهاية، خفض رأسه ولم يعد يتكلم. تسلل شعور طفيف من الشك والصدمة إلى قلب تاليس.
أومأ الملك. نظر إلى غيلبرت ويودل، اللذين ركعا على ركبة واحدة. ثم ألقى نظرة خاطفة على تاليس المذهول بنظرة غامضة ومعقدة، ثم انصرف دون تردد.
‘لكن لماذا؟ لماذا يبدو… بلا مشاعر؟ أيضًا… الأمور المتعلقة بمستقبلي… هل حُسمت هكذا؟ لم أُتح لي حتى فرصة للتحدث…’
وقف غيلبرت ويودل ببطء.
أغمض تاليس عينيه بإحكام ثم فتحهما مجددًا وهو يزفر. “أعتقد…” نطق الكلمات بصعوبة، ولم يجد بلاغته المعهودة في أي مكان.
نزل الرجل القويّ الدرج ببطء. كانت خطواته ثقيلة لكنها قوية. سلطة ملك.
بدا كيسل وكأنه ينوي الالتفات نحو تاليس، لكنه استدار فجأة. وضع يديه على صولجانه، ونظر إلى الصور الثلاث، صامتًا لفترة طويلة.
‘مُتَغَيِّر. ورقة تفاوض. ميزة. يُستَغَلٌ إلى أقصى حد؟ هل هذا ما ينبغي أن يقوله الأب أمام ابن لم يلتقِ به قط؟’
‘ماذا؟ انتهى الأمر… هكذا فقط؟’ صُدم تاليس وشاهد بذهولٍ رحيل “والده”.
‘هذا ليس صحيحًا. هذا الأب المزعوم… هو من أنجب هذا الجسد، أليس كذلك؟’
رفع تاليس رأسه مجددًا ونظر إلى كيسيل. ملكه… أبوه. لكن كيسيل كان قد أشاح بوجهه بعيدًا ولم يعد ينظر إليه.
‘لكن لماذا؟ لماذا يبدو… بلا مشاعر؟ أيضًا… الأمور المتعلقة بمستقبلي… هل حُسمت هكذا؟ لم أُتح لي حتى فرصة للتحدث…’
“على الرغم من أن أفعالك… لا تشبه حقًا أفعال الأب العادي… على الرغم من أنك الملك…”
لم يكن من الممكن رؤية تعبير الحارس السري خلف القناع، لكن صوته الأجش كان حازمًا للغاية.
“انتظر لحظة!” أخيرًا، لم يستطع تاليس المقاومة، فصرخ بصوت عالٍ. لقد انتهى من كونه قطعة شطرنج عاجزة.
“شهر واحد يا غيلبرت، شهر واحد. قبل الاعتراف الرسمي بمكانته، ستكون أنت معلمه الشخصي، وستكون مسؤولًا عن جميع الأمور المتعلقة بتعليمه.”
توقفت الشخصية القوية للحظة ثم استدارت.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
نظر غيلبرت إلى تاليس بصدمة. كان تعبير يودل لا يزال مخفيًا خلف القناع.
بينما يراقب تاليس الملك وهو يستدير ببطء، وينظر إليه بنظرة حادة، شعر فجأةً وكأن ضفدعًا يتسلل إلى حلقه. لكنه، بجهدٍ كبير، فتح فمه وتكلم.
أغمض تاليس عينيه بإحكام ثم فتحهما مجددًا وهو يزفر. “أعتقد…” نطق الكلمات بصعوبة، ولم يجد بلاغته المعهودة في أي مكان.
“أنا… مع أننا لم نلتقِ قط…” تلعثم في كلماته، مدّ يديه وحرّكهما بعجز أمام جسده وهو يُفكّر في كلماته. “لكن بما أنك… أعني، بما أننا…”
“انتظر لحظة!” أخيرًا، لم يستطع تاليس المقاومة، فصرخ بصوت عالٍ. لقد انتهى من كونه قطعة شطرنج عاجزة.
أمسك الملك درابزين الدرج ونظر إلى تاليس بنظرة معقدة لا يمكن وصفها.
هل هي مصادفة؟
مدّ غيلبرت، الذي بجانبه، يده نحو تاليس كأنه يريد أن يقول شيئًا. لكنه في النهاية اختار الصمت.
أغمض تاليس عينيه بإحكام ثم فتحهما مجددًا وهو يزفر. “أعتقد…” نطق الكلمات بصعوبة، ولم يجد بلاغته المعهودة في أي مكان.
لم يتفوّه يودل بكلمة، واكتفى بهزّ رأسه المغطّى بالقناع.
‘اللعنة… ما نوع الموقف والكلمات التي يجب أن أستخدمها عند مواجهة… هذا الشخص، الذي هو والدي والملك في نفس الوقت؟’
“إذا كان لا يزال لديك أي شكوك، اذهب واسأل غيلبرت.”
‘إعجاب؟ لامبالاة؟ ذهول؟ مفاجأة؟ لا يبدو أيٌّ منها صحيحًا.’
تاليس حدّق بذهول في النبيل الضخم أمامه، والده.
مدّ غيلبرت، الذي بجانبه، يده نحو تاليس كأنه يريد أن يقول شيئًا. لكنه في النهاية اختار الصمت.
لقد احتفظ بخنجره وضغط على قبضتيه بقوة، مما أجبره على الابتسام.
تسارعت أنفاس تاليس. عبس وقال، “أنا في الواقع محتار بعض الشيء. ربما، بصفتي… يمكنك إعطائي بعض الإجابات. ففي النهاية، نحن… أقارب بالدم. وقد تحدثتَ عن أمور كثيرة كالوريث، والمملكة، وعقد الزواج، لكنني لا أعرف شيئًا. قد لا يكون هذا مهمًا بالنسبة لك، وأنت لا تهتم حقًا…”
لكن الملك كيسيل الواقف أمامه لم يُبدِ أي اهتمام لأفكاره. اكتفى بإعلان أوامره جملةً جملةً، وعبّر عن رغباته. “لا أحد يعلم ماضيه، ولكن لا بد من وجود قصة. يا غيلبرت، اختلق قصةً عن أصله. ما دامت سلالته مؤكدة —سأناقش هذا الأمر مع ليسيا، فالتعامل مع التجسيدات ليس مستحيلًا— فلا داعي للخوف من الشائعات.”
تشبث كيسيل الخامس بصولجانه بقوة، ولم يُجب بكلمة. عبس ببطء.
لقد أفاق تاليس من أفكاره وكان مذهولًا قليلًا.
ثم نظر إلى الحراس في القاعة، غير أنّ الجنود المدججين بالسلاح أخفوا أنظارهم خلف خوذاتهم المحكمة وظلوا جامدين.
عضّ تاليس شفتيه. شعر بحرقة في صدره تؤلمه من جديد.
‘تبًا. حتى أسوأ تقرير أطروحتي كان أقل إحراجًا من هذا.’
“يا بني، تاليس.” لم يستطع غيلبرت، الذي كان خلفه، المقاومة، فنقر على كتفه بصمت. “لا تقلق ولا تفكر كثيرًا في الأمر. جلالته مشغول جدًا. إنه في الواقع—”
حرك يديه بخفة وهو يُركّب جملته. “لكن هذا مستقبلي. إن كنتَ قد اتخذتَ قرارك بالفعل… فعليكَ على الأقل أن تُساعدني على فهم الوضع قليلًا. علاوةً على ذلك، قلتَ إنه لا داعي لأن يعرف أحدٌ ماضيّ… لكنني على الأقل أريد ذلك، ما أقصده هو… على الأقل، أحتاج أن أعرف ماضيّ.”
أدار تاليس رأسه مندهشًا. يودل الصامت هو من تكلم.
“أريد حقًا أن أعرف ما حدث بالفعل، وما هو المسار الذي سأسلكه.”
‘ماذا… ماذا أقول؟ ماذا أستطيع أن أقول؟ ماذا يجب أن يقول طفل في السابعة من عمره يلتقي والده لأول مرة؟ يا أبي الذي التقيته للتو، هل يمكنني أن أقول شيئًا؟ ربما عليك أن تستمع لرأيي بدلًا من أن تُحدث نفسك؟ آه، هذا غريب جدًا.’
ثم ألقى ملك الكوكبة نظره أخيرًا على تاليس، الواقع في حيرة من أمره. كانت نظراته حادة لدرجة أن تاليس تراجع خطوةً إلى الوراء دون وعي، فلم يشعر قط أن أبًا ينظر إلى ابنه —بدا الملك وكأنه لا يكترث لأمر تاليس إطلاقًا.
تغيرت نظرة كيسيل عندما نظر إلى تاليس. لم تعد نظرةً مُدققةً وحكميةً وناقدةً. كأنه أدرك، لأول مرة، أن تاليس إنسانٌ، وابنه أيضًا.
في تلك اللحظة تحدث غيلبرت وقطع حديث الملك بتعبير محترم.
ارتجف قلب تاليس قليلًا، لكنه استمع بصمت إلى أوامر الملك كيسيل التي لم تترك مجالًا للشك بينما يخطط الملك لمستقبله خطوة بخطوة.
تنهد تاليس. ‘لا بأس.’
فتح عينيه ونظر مباشرة إلى “والده”.
بدا كيسل وكأنه ينوي الالتفات نحو تاليس، لكنه استدار فجأة. وضع يديه على صولجانه، ونظر إلى الصور الثلاث، صامتًا لفترة طويلة.
‘مُتَغَيِّر. ورقة تفاوض. ميزة. يُستَغَلٌ إلى أقصى حد؟ هل هذا ما ينبغي أن يقوله الأب أمام ابن لم يلتقِ به قط؟’
“نعم، أريد أن أعرف كل شيء عن نفسي. أريد أن أعرف أصولي. مثل… من هي أمي، وأين ولدت، وكيف أصبحتُ كما أنا الآن. بالإضافة إلى هويتي، ومستقبلي، والخيارات المتاحة لي… إجابات كهذه… بدلًا من أن أكون دخيلًا، أو قطعة شطرنج، أو شيئًا… هذا إن كنتُ حقًا…” صر تاليس على أسنانه وهو ينطق بتلك الكلمة، “ابنك.”
ارتفع صوت كيسيل في القاعة، “كنت واثقًا أنكما لن تخطئا.”
“على الرغم من أن أفعالك… لا تشبه حقًا أفعال الأب العادي… على الرغم من أنك الملك…”
حل الفجر.
شعر تاليس بدوار خفيف. فالطاقة التي بذلها الليلة كانت فوق طاقة جسده ذي السبع سنوات.
ارتفعت في قلب تاليس غصّة خفيفة، غير أنّه أسرع في كبحها.
نظر الملك إليه أخيرًا. لمعت عيناه الزرقاوان السماويتان ببريقٍ ساطعٍ في عينيه الغائرتين. في تلك اللحظة، كانت نظرة كيسيل الخامس معقدةً للغاية وغير مفهومة. لم يستطع تاليس تفسير أي شيءٍ أبعد من ذلك.
“يا بني، ما اسمك؟” سأل الحاكم الأعلى في كوكبة بصوته المهيب.
حينها دوّى صوت كيسيل الخامس الجهوري بجانبه، “يبدو كقرد طيني هزيل.”
“يا بني، ما اسمك؟” سأل الحاكم الأعلى في كوكبة بصوته المهيب.
نظر غيلبرت إلى يودل الذي قطع كلامه بأفعاله، فزفر من أنفه بانزعاج. ثم انحنى أمام تاليس وقال له بلطف، “سيدي الشاب تاليس، لقد مررت بالكثير الليلة. ما تحتاجه الآن هو الراحة، وربما العلاج. تاليس، تفضل معي. يودل، سأبحث عنك لاحقًا. نحتاج إلى التحدث.”
حدق تاليس في كيسل. “تاليس.” سمع نفسه يقول، “اسمي تاليس.”
‘الآن فقط يفكر في السؤال عن اسم ابنه؟ واو.’ هز تاليس رأسه في ذهنه.
‘اللعنة… ما نوع الموقف والكلمات التي يجب أن أستخدمها عند مواجهة… هذا الشخص، الذي هو والدي والملك في نفس الوقت؟’
“تاليس، اسمع جيدًا.” ضيّق كيسل عينيه، بنبرة باردة. “لستَ بحاجة لمعرفة الكثير من الأمور؛ ولا داعي للقلق بشأنها أيضًا. طريقك مُحدّد مسبقًا، ما عليك سوى اتباعه.”
حينها دوّى صوت كيسيل الخامس الجهوري بجانبه، “يبدو كقرد طيني هزيل.”
“ماذا؟” في تلك اللحظة، شعر تاليس بموجة من البرودة في قلبه.
“إذا كان لا يزال لديك أي شكوك، اذهب واسأل غيلبرت.”
ثم غادر كيسل الخامس، الملك الأعلى التاسع والثلاثون للكوكبة والجزيرة الجنوبية والصحراء الغربية، قاعة مينديس دون أن يلتفت. واختفى عباءته عن أنظار تاليس.
في تلك اللحظة تحدث غيلبرت وقطع حديث الملك بتعبير محترم.
“اللعنة.” خفض تاليس رأسه وركز نظره على بلاط الأرضية الأسود الباهظ الثمن بعبوس شديد.
‘هل هذا هو حقا والد هذا الجسد، وليس عدوًا؟’
“لا تقلقا.” قمع عدم الرضا في قلبه وتحدث بوضوح، “شكرًا لكما.”
“يا بني، تاليس.” لم يستطع غيلبرت، الذي كان خلفه، المقاومة، فنقر على كتفه بصمت. “لا تقلق ولا تفكر كثيرًا في الأمر. جلالته مشغول جدًا. إنه في الواقع—”
“نعم، إنه ابني.” وبينما لا يزال الملك مغمض العينين، أمسك بصولجانه بقوة وقال بنبرة حزينة، “لهذا السبب أنا هنا اليوم. أعهد به إليكما. تذكرا —شهر واحد.”
قبل أن يُكمل غيلبرت جملته، تقدم يودل فجأةً وانحنى أمام تاليس. أخرج خنجر تاليس —الذي كان قد سقط بين يديه بطريقة ما (تغير تعبير غيلبرت. لمس خصره وعقد حاجبيه)— ووضعه برفق بين يدي تاليس.
رفع تاليس رأسه ورأى أن كيسيل الخامس أطلق تنهيدة طويلة قبل أن يغلق عينيه.
لقد أفاق تاليس من أفكاره وكان مذهولًا قليلًا.
ثم ألقى ملك الكوكبة نظره أخيرًا على تاليس، الواقع في حيرة من أمره. كانت نظراته حادة لدرجة أن تاليس تراجع خطوةً إلى الوراء دون وعي، فلم يشعر قط أن أبًا ينظر إلى ابنه —بدا الملك وكأنه لا يكترث لأمر تاليس إطلاقًا.
أومأ الرأس خلف القناع الأرجواني الداكن قليلًا، وقال صوت أجش ببطء، “اهدأ. أنت ابنه، قريب الدم، ومرتبط بالقدر. لا شيء ولا أحد يستطيع تغيير هذا.”
فتح عينيه ونظر مباشرة إلى “والده”.
أخذ تاليس نفسًا عميقًا. ‘ربما أساءا الفهم. هل ظنا أنني أشعر بخيبة أمل لأن والدي تجاهلني؟’
“شهر واحد يا غيلبرت، شهر واحد. قبل الاعتراف الرسمي بمكانته، ستكون أنت معلمه الشخصي، وستكون مسؤولًا عن جميع الأمور المتعلقة بتعليمه.”
تجمدت نظرة يودل من خلف عدسات القناع للحظة. في النهاية، خفض رأسه ولم يعد يتكلم. تسلل شعور طفيف من الشك والصدمة إلى قلب تاليس.
لقد احتفظ بخنجره وضغط على قبضتيه بقوة، مما أجبره على الابتسام.
حينها دوّى صوت كيسيل الخامس الجهوري بجانبه، “يبدو كقرد طيني هزيل.”
“لا تقلقا.” قمع عدم الرضا في قلبه وتحدث بوضوح، “شكرًا لكما.”
“اختر بعضًا من أقرانه من قائمة النبلاء، بالإضافة إلى المعلمين والمرافقين للوريث. بعد التعرف عليه، سيصبح كل هذا محور الاهتمام. تأكد من تسجيل كل ذلك في السجلات مسبقًا. أريد الاطلاع على قائمة الأسماء قبل الأسبوع المقبل.”
نظر غيلبرت إلى يودل الذي قطع كلامه بأفعاله، فزفر من أنفه بانزعاج. ثم انحنى أمام تاليس وقال له بلطف، “سيدي الشاب تاليس، لقد مررت بالكثير الليلة. ما تحتاجه الآن هو الراحة، وربما العلاج. تاليس، تفضل معي. يودل، سأبحث عنك لاحقًا. نحتاج إلى التحدث.”
أومأ تاليس برأسه وتبع غيلبرت مطيعًا.
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
رفع يودل، الذي بقي وحيدًا، رأسه ونظر إلى مزهرية موضوعة في الممر على مسافة ما.
‘هذا ليس صحيحًا. هذا الأب المزعوم… هو من أنجب هذا الجسد، أليس كذلك؟’
وباستخدام نظراته الحادة والمخيفة، لاحظ ظهور شقوق رقيقة بالكاد يمكن ملاحظتها على المزهرية.
نظر غيلبرت إلى يودل الذي قطع كلامه بأفعاله، فزفر من أنفه بانزعاج. ثم انحنى أمام تاليس وقال له بلطف، “سيدي الشاب تاليس، لقد مررت بالكثير الليلة. ما تحتاجه الآن هو الراحة، وربما العلاج. تاليس، تفضل معي. يودل، سأبحث عنك لاحقًا. نحتاج إلى التحدث.”
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
عبس يودل قليلًا خلف قناعه. إنه يعلم أنه قبل أن يزأر تاليس بغضب… كانت المزهرية لا تزال في حالة ممتازة.
“بالطبع يا جلالة الملك. العذر مُسبق: اندلعت معركة ضارية بين العصابات على حدود أحياء المدينة السفلى والأحياء الغربية. سقط عدد لا يُحصى من القتلى والجرحى. أسرعتُ ليلًا إلى القصر الإمبراطوري الذي كنتَ تقيم فيه مؤقتًا لأُبلغك بالأمر،” أجاب غيلبرت باحترام.
هل هي مصادفة؟
“أما بالنسبة لعقد زواجه، فلديّ فكرة. سنناقشها لاحقًا مع إكستيدت—”
“أنا… مع أننا لم نلتقِ قط…” تلعثم في كلماته، مدّ يديه وحرّكهما بعجز أمام جسده وهو يُفكّر في كلماته. “لكن بما أنك… أعني، بما أننا…”
————————
بدا كيسل وكأنه ينوي الالتفات نحو تاليس، لكنه استدار فجأة. وضع يديه على صولجانه، ونظر إلى الصور الثلاث، صامتًا لفترة طويلة.
اللهم يا واحد يا أحد، يا ملك يا مبين، ارزقنا القوة في ديننا، والصبر على بلائنا، والثبات على توحيدك. ارزقنا من فضلك ما يقوّي إيماننا ويُصلح أحوالنا. ارحم شهداءنا، وألحقهم بالصالحين، واجعلهم في جنات النعيم. انصر المستضعفين، واكشف الغمّة، وفرّج الكرب، يا أرحم الراحمين. آمين.
“يا بني، تاليس.” لم يستطع غيلبرت، الذي كان خلفه، المقاومة، فنقر على كتفه بصمت. “لا تقلق ولا تفكر كثيرًا في الأمر. جلالته مشغول جدًا. إنه في الواقع—”
“جلالة الملك، لا يزال هناك بعض الوقت المتبقي.” بدا النبيل الكهل وكأنه يشعر بوجود خطب ما، لكنه بذل قصارى جهده للتعبير عن رأيه. “إذا كنتَ بحاجة لقضاء بعض الوقت على انفراد مع هذا الطفل، يمكننا—”
إن وُجدت أخطاء نحوية، إملائية، لغوية، فأخبروني في التعليقات. لا تبخلوا بتعليق جميل تحت.
ثم غادر كيسل الخامس، الملك الأعلى التاسع والثلاثون للكوكبة والجزيرة الجنوبية والصحراء الغربية، قاعة مينديس دون أن يلتفت. واختفى عباءته عن أنظار تاليس.
ارتفع صوت كيسيل في القاعة، “كنت واثقًا أنكما لن تخطئا.”
تنهد تاليس. ‘لا بأس.’
