الرحلة
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“بهذا اللباس، لا بدّ أنه أعلى شأنًا من نبلاء الطبقة الدنيا!”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
لم يحتج لإبلاغ الآخرين، فقد رأى كثير من النبلاء تاليس بأنفسهم.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
عند رؤية النجم التساعي، جمد كوهين في مكانه من الذهول.
Arisu-san
الفصل 61: الرحلة
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
في الممرّ الضيّق، ضغط تاليس على صدغيه بقوة. عادت الومضة من الماضي، لكنه عضّ على أسنانه وتابع سيره بثبات.
الفصل 61: الرحلة
ضرب ڤال مقبض كرسيه الحجري بقبضته، ونظر ببرود. قبض كفيه بإحكام وخفض رأسه.
…
تلاشت الومضة كما ينحسر المدّ. شعر الفتى كأنّ في جسده تدفقًا جديدًا من الطاقة جعله أكثر يقظة.
شاهد تاليس بلا مبالاة بينما كان النبلاء يتجادلون علنًا ويتبادلون كلمات لاذعة في الظلام. خفّض رأسه بكآبة.
“لكنه صغير السن جدًا.”
تنهد بخفة.
وخز أحدُ الأتباع القرويين، بملابس رثّة بعض الشيء، صديقه الذي يعمل ناقلًا بين المدينة والريف.
(السلطة، الإجراءات، الحرب، القوة العسكرية، العرش، أهذا هو المستقبل الذي عليّ أن أواجهه؟)
“بل أفضل من إكستيدت. لدينا ألف عام من إرث الإمبراطورية.”
شعر فجأة بأن هذا العالم المجهول الغريب الذي كان قد أثار فضوله كثيرًا، بدأ يغدو مملًا بعض الشيء.
خطوة.
نظر الدوق كولين، الذي كان إلى جانب فاكينهاز، إليه بعدم رضى.
خطا تاليس بعزمٍ على الدرج. (اعتبرها مجرّد لعبة أخرى.)
“سيريل، هل يجب أن تكون صريحًا إلى هذا الحد في كل مرة؟”
أعاد تاليس ترتيب ربطة عنقه، ثم خاطب نفسه بالاسم الذي ينتمي إليه في هذا العالم. (تاليس، حان الوقت.)
دوّى هدير صاخب من ساحة النجم، مشحون بالغضب والحماسة، حتى غدت الأصوات غير واضحة.
رفع تاليس رأسه فجأة. كان الحارس قد استدار وغادر.
أما في قاعة النجوم، فقد انفجر عوامّ الشعب والنبلاء الصغار في فيضان من الاحتجاجات.
وو تشيرين كان جالسًا في فصلٍ صغير للغاية، يتحدث مع المحاضر أمامه ومع طالبين آخرين.
“أيها السيد المتعجرف! هذه خيانة للعرش!”
نظر الكونت لاشيا من تلال الساحل الجنوبي إلى الدوق زاين بنظرة معقدة، ثم تقدم وركع هو الآخر.
“لكننا بحاجة إلى وريث! ماذا لو حدث مكروه للملك في ساحة المعركة…”
تحت قصر النهضة، تعالت أصوات الحشود أكثر فأكثر.
“موتوا، أيها الخونة! جيدستار هو ملكنا، وذلك عهدنا المقدّس!”
“إنها خيانة مشينة أن تُجبروا الملك على التنازل، فكيف تجعلونها تبدو مبررة ومشرفة إلى هذا الحد؟” صرخ الكونت جودوين باسنان مشدودة.
“كل هذا لأجل الكوكبة! علينا أن نقف صفًا واحدًا ونواجه إكستيدت وجهاً لوجه!”
“هل هو نبيل تأخر عن الحضور؟”
تبادل الدوقات نظرات غاضبة في صمت، بينما تمتم الكونتات فيما بينهم.
تقدم الكونت بوزدورف بخطوات ثقيلة وركع بثبات.
“صمتًا! صمتًا!” حاول غيلبرت جاهدًا الحفاظ على النظام، لكن محاولته باءت بالفشل.
تحدث الدوق بمرارة وخيبة.
حتى لمح الملك الأعلى للكوكبة، كيسل الخامس، بريقًا لامعًا في عينيه.
“نعم، كما هو متوقّع من ملك اليد الحديدية.”
قبض على الصولجان الغامض المتلألئ بضوء النجوم، ونهض من على العرش، وصاح بصوته السلطوي الغاضب.
لم يتوقّف تاليس عن السير. تابع طريقه، متجاوزًا المقاعد التي يشغلها المحاربون الفخريون والمسؤولون الإداريون.
“وريث؟”
تلاشت الومضة كما ينحسر المدّ. شعر الفتى كأنّ في جسده تدفقًا جديدًا من الطاقة جعله أكثر يقظة.
ساد الصمت الفوري في قاعة النجوم، وتركزت جميع الأنظار على هيئة الملك الصلبة.
«ومع ذلك، فإنّ صعود الإقطاعية ما زال يُعَدّ جهدًا محمودًا في تثبيت الحكم العام… كما رأى بوغي أنّه خلال هذه العملية، أصبحت شرعيّة السلطة، وحدود حكم الملك، ومسؤوليات الدولة وتقاليدها، بل وأهمية القانون، جزءًا من التاريخ، ونالت اعترافًا. وهذه هي أعظم تركةٍ تركتها الإقطاعية للدول التي جاءت بعدها…»
“يا له من توقيت رائع! كان لا بدّ أن تفعلوا هذا حين تواجه الكوكبة محنتها، وحين نحتاج جميعًا إلى الاتحاد لمواجهة العدو!”
“أتقصدون أننا سنتبنى نظام اختيار الملوك؟ ها، بالفعل، هكذا ستتمكنون من ’مشاركة عبء الكوكبة’! تمامًا مثل إكستيدت، أليس كذلك؟”
أسند الملك يديه على الصولجان، وحدّق بكوشدر نانشيستر بنظرة حادة.
انحنى التنين ذو العين الواحدة ببطء على ركبة واحدة أمام الملك.
انحنى التنين ذو العين الواحدة ببطء على ركبة واحدة أمام الملك.
أما في قاعة النجوم، فقد انفجر عوامّ الشعب والنبلاء الصغار في فيضان من الاحتجاجات.
تحدث نانشيستر بثبات وجديّة، يملأ كلماته صدقٌ واضح.
خطا تاليس بعزمٍ على الدرج. (اعتبرها مجرّد لعبة أخرى.)
“اغفر لي، جلالتك، لكن هذه تجربة. أؤمن أنّ قوى الكوكبة الضعيفة والمبعثرة يمكن أن تتحد مجددًا في هذه المواجهة بين التنين والكوكبة.
طهّر تاليس قلبه من كلّ المشاعر ومحا كلّ التعابير عن وجهه. ثمّ وطِئ السجادة الزرقاء السماوية الموشّاة بالنقوش.
“يعلم الجميع أن أول من يجبر جلالتك على تعيين وريث سيتعرض لاتهامات الجماهير. لكن هذا ليس لأنني — وليس لأن نانشيستر — نطمح إلى العرش.”
“لا يمكن أن يكون ذلك… النجمة التساعية؟’
رفع كوشدر رأسه، وفي عينه الواحدة تألق بريق نقي.
“إذن الآن…”
“جلالتك، يمكنك بكل بساطة استثناء نانشيستر من قائمة المرشحين. كل هذا لأجل الكوكبة. الرجاء تعيين وريث، أو على الأقل وضع طريقة لاختيار الوريث. حينها ستعود الكوكبة لتقف على قمة شبه الجزيرة الغربية، وربما تُظهر مجددًا مجد الإمبراطورية.”
غمز له غيلبرت.
اقترب كيسل منه ببطء وضحك ببرود.
بعد كلمات الدوق كولين، تقدم الكونتان من البحر الشرقي، جاڤيا وألموند، وركعا بصمت.
“كوشدر، أحيانًا لا أستطيع حتى أن أُميّز إن كان هذا الإخلاص المهيب نابعًا من صدق أم من شيء آخر.”
شاهد تاليس بلا مبالاة بينما كان النبلاء يتجادلون علنًا ويتبادلون كلمات لاذعة في الظلام. خفّض رأسه بكآبة.
“لكن طالما أنه نافع للكوكبة، فهل يهمّ إن كان صادقًا أم لا؟” تحدث كوشدر بصدق
(إنه يعود مجددًا.)
“لقد تخيّلت هذا الموقف من قبل. لكن في مخيلتي، كان سيحدث أثناء مؤتمر المجلس الأعلى. لم يكن ليتحول إلى مشهد قبيح كهذا.”
نهض دوق زهرة السوسن ثلاثية الألوان بعزم، وانضم إلى الجمع الراكع.
نهض الكونت داغستان بثبات ووقف خلف كوشدر، ثم انحنى على ركبة واحدة.
“لكنه صغير السن جدًا.”
“لكن يا صاحب الجلالة، بسبب المؤتمر الوطني الذي قررت عقده، تحولت النصيحة الواجبة إلى نزاع علني، يبدو كما لو أننا نجبرك علنًا على التنازل عن العرش.”
“دعه يلتقِ بالجميع، يا غيلبرت.”
تقدم الكونت سوريل من الخلف، وركع على ركبة واحدة، وتحدث بجدية مهيبة.
رفع الكونت داغستان رأسه ونظر مباشرة إلى كيسل. “أعتذر لعدم فهمي لما تعنيه، يا جلالتكم… هل يُعقَل أن الوريث الذي اخترتموه ليس من بين النبلاء الحاضرين في هذه القاعة؟”
“ومع ذلك، لدينا أسباب مشروعة كافية لإحياء هذا المملكة العظيمة التي أصبحت الآن في حالة يرثى لها.”
دوي!
احمرّ وجه غيلبرت من شدة الغضب.
(لا، ليس الآن!)
“بمجرد تنصيب ملك جديد؟ أتظنون أن الكوكبة ستغدو إمبراطورية بمجرد ارتداء التاج؟”
“إلى حدٍّ كبير.”
تقدم الكونت بوزدورف بخطوات ثقيلة وركع بثبات.
تقدم الكونت سوريل من الخلف، وركع على ركبة واحدة، وتحدث بجدية مهيبة.
“الأمر ليس بهذه البساطة. نريد أن نجعل الملك الأعلى الذي يتصرف بمحض إرادته جزءًا منا، ليفكر كما نفكر ويتصرف كما نتصرف. الحاكم والنبلاء كانوا يومًا واحدًا، ثم تفرّقوا بسبب اختلاف القوة… والآن، سنصبح واحدًا مجددًا.”
خطا نحو مستقبله.
خفض زاين رأسه وتحدث بحزن.
“كوشدر، أحيانًا لا أستطيع حتى أن أُميّز إن كان هذا الإخلاص المهيب نابعًا من صدق أم من شيء آخر.”
“عائلة كوڤندير اتبعت عائلة جيدستار منذ معركة الإبادة، وهذا العهد لن يُنقض. ومع ذلك، أظن أن تورموند الأول كان سيريد أيضًا حماية أمان ومستقبل الكوكبة — كان سيتفهّم ذلك.”
“إذن الآن…”
نهض دوق زهرة السوسن ثلاثية الألوان بعزم، وانضم إلى الجمع الراكع.
خطا تاليس بعزمٍ على الدرج. (اعتبرها مجرّد لعبة أخرى.)
انطلق ضحك فاكينهاز المزعج في لحظة غير مناسبة مرة أخرى.
أعاد تاليس ترتيب ربطة عنقه، ثم خاطب نفسه بالاسم الذي ينتمي إليه في هذا العالم. (تاليس، حان الوقت.)
“أتقصدون أننا سنتبنى نظام اختيار الملوك؟ ها، بالفعل، هكذا ستتمكنون من ’مشاركة عبء الكوكبة’! تمامًا مثل إكستيدت، أليس كذلك؟”
((إنه هو… إنه هو؟ إنه هو!))
“بل أفضل من إكستيدت. لدينا ألف عام من إرث الإمبراطورية.”
تحدث الدوق بمرارة وخيبة.
نظر الكونت لاشيا من تلال الساحل الجنوبي إلى الدوق زاين بنظرة معقدة، ثم تقدم وركع هو الآخر.
لمع شريط من الذاكرة أمام عينيه.
حدق كوهين في ذهول بينما ركع والده، الكونت العجوز كارابيان، بهدوء بجانب الكونت لاشيا.
(ما الذي أغفله؟)
نظر كيسل ببرود إلى هؤلاء الدوقات والكونتات واحدًا تلو الآخر وهم يركعون على ركبة واحدة.
أدرك أنّ الباب الذي أمامه يقود نحو مركز القاعة—حيث العشرون كرسيًّا الحجريّة.
تنهد الدوق كولين في تلك اللحظة.
خطا تاليس بعزمٍ على الدرج. (اعتبرها مجرّد لعبة أخرى.)
“ليست عائلة جيدستار هي المذنبة، بل اللوم على هذا التاج، وذلك العرش، وذلك الصولجان. طالما أنّ الدم الملكي يوشك على الانقراض، فربما لن يكون أمرًا سيئًا للكوكبة إن عينت وريثًا.”
طهّر تاليس قلبه من كلّ المشاعر ومحا كلّ التعابير عن وجهه. ثمّ وطِئ السجادة الزرقاء السماوية الموشّاة بالنقوش.
بعد كلمات الدوق كولين، تقدم الكونتان من البحر الشرقي، جاڤيا وألموند، وركعا بصمت.
“جلالتك، يمكنك بكل بساطة استثناء نانشيستر من قائمة المرشحين. كل هذا لأجل الكوكبة. الرجاء تعيين وريث، أو على الأقل وضع طريقة لاختيار الوريث. حينها ستعود الكوكبة لتقف على قمة شبه الجزيرة الغربية، وربما تُظهر مجددًا مجد الإمبراطورية.”
“إنها خيانة مشينة أن تُجبروا الملك على التنازل، فكيف تجعلونها تبدو مبررة ومشرفة إلى هذا الحد؟” صرخ الكونت جودوين باسنان مشدودة.
“عائلة كوڤندير اتبعت عائلة جيدستار منذ معركة الإبادة، وهذا العهد لن يُنقض. ومع ذلك، أظن أن تورموند الأول كان سيريد أيضًا حماية أمان ومستقبل الكوكبة — كان سيتفهّم ذلك.”
“ألا تراه بوضوح؟”
دوي!
غادر ديريك كروما مقعده بثبات وركع.
“يكاد يكون أنيقًا كابنة البارون الشابة.”
“هذا انعكاس لاتجاه البلاد العام.”
تحدث الدوق بمرارة وخيبة.
تحت قصر النهضة، تعالت أصوات الحشود أكثر فأكثر.
وبينما بدا ڤال مترددًا ومذنبًا، انطلق ضحك سيريل فاكينهاز الصارخ من جديد.
دوي!
نظر الكونت لاشيا من تلال الساحل الجنوبي إلى الدوق زاين بنظرة معقدة، ثم تقدم وركع هو الآخر.
ضرب ڤال مقبض كرسيه الحجري بقبضته، ونظر ببرود. قبض كفيه بإحكام وخفض رأسه.
رآه قاضٍ من قرية صغيرة قريبة. قطّب حاجبيه وأمال رأسه، هامسًا بتوتّرٍ إلى الموثّق القانوني من قاعة بلدة أخرى.
“أحيانًا أشعر بالاشمئزاز منكم جميعًا. حربٌ جاءت مصادفة عجيبة، ومناصحة جاءت مصادفة أعجب، والمنطقة الشمالية التي تُقدَّم قربانًا…”
(إنه الباب الرئيسي.)
تطلع إليه كيسل الخامس بنظرة فريدة يصعب تفسيرها.
“إذن الآن…”
تحت تلك النظرة الغامضة، أغمض دوق الإقليم الشمالي عينيه بشدة وتنهد.
“كوشدر، أحيانًا لا أستطيع حتى أن أُميّز إن كان هذا الإخلاص المهيب نابعًا من صدق أم من شيء آخر.”
تحرك حاجباه، تعبيرًا عن الصراع الهائل داخل قلبه.
لم يُعرهم تاليس أيّ اهتمام. مرّ بالمقاعد الحجريّة التي يشغلها النواب، والكونتات، وسائر النبلاء من الطبقة المتوسطة.
وفي النهاية، كمن اتخذ قراره، فتح عينيه ونظر إلى كيسل. لكنه لم يلتقِ عيني الملك.
الملك الأعلى لم يُعره أيّ اهتمام. بلغ تاليس بابًا جانبيًا، وقد صار يرى بالفعل الحشود من العامة المتجمّعة خارج قاعة النجوم.
تحدث الدوق بمرارة وخيبة.
“آه، هذه المسألة مياهها عميقة جدًا…”
“لكن إن كان هذا سيجلب الاستقرار والأمان للإقليم الشمالي والكوكبة… كيل، ربما عليك أن تفكر بالأمر.”
“ولماذا يأتي في هذا التوقيت؟”
خفض الكونتان، تابعا الإقليم الشمالي، رأسيهما في صمت.
أسند الملك يديه على الصولجان، وحدّق بكوشدر نانشيستر بنظرة حادة.
أظلمت نظرة كيسل. أدار وجهه ولم يعد ينظر إلى صديقه القديم.
…
وبينما بدا ڤال مترددًا ومذنبًا، انطلق ضحك سيريل فاكينهاز الصارخ من جديد.
الكلمات التي كان تاليس ينتظرها منذ وقت طويل، رنّت أخيرًا في الأرجاء.
“يا صاحب الجلالة، يبدو أنك أمام خيارين فقط الآن — أن تعيّن وريثًا فورًا، أو تؤسس نظام اختيار للملوك.”
دوّى هدير صاخب من ساحة النجم، مشحون بالغضب والحماسة، حتى غدت الأصوات غير واضحة.
وقف كيسل الخامس فوق جميع أتباعه دون أي تعبير على وجهه. الشيء الوحيد الذي أمسك به بقوة كان صولجانه.
جلس كيسل الخامس ببطء دون أن ينظر إلى النبلاء الواقفين على الأرض.
شعر تاليس فجأة بأن والده بدا وحيدًا للغاية.
(ما الذي أغفله؟)
(لو أنه لم يجدني، كيف كان سيكون الوضع الآن؟)
“يعلم الجميع أن أول من يجبر جلالتك على تعيين وريث سيتعرض لاتهامات الجماهير. لكن هذا ليس لأنني — وليس لأن نانشيستر — نطمح إلى العرش.”
وبينما كان يراقب كل شيء من الجانب، شعر تاليس بدوار مفاجئ.
دوّى هدير صاخب من ساحة النجم، مشحون بالغضب والحماسة، حتى غدت الأصوات غير واضحة.
(إنه يعود مجددًا.)
“يبدو مألوفًا بعض الشيء. لقد نقلتُ زبائن ذات مرة كانت المخطوطات التي يحملونها تحمل هذا الشعار.”
لمع شريط من الذاكرة أمام عينيه.
“كوشدر، أحيانًا لا أستطيع حتى أن أُميّز إن كان هذا الإخلاص المهيب نابعًا من صدق أم من شيء آخر.”
وو تشيرين كان جالسًا في فصلٍ صغير للغاية، يتحدث مع المحاضر أمامه ومع طالبين آخرين.
…
“بوغي ورث التراث الأكاديمي الألماني لويبر. في أبحاثه التي دارت حول السلطة، درس نشأة الدول الإقطاعية…”
“حتى الأطفال يُسمح لهم بدخول قاعة النجوم الآن؟”
(لا، ليس الآن!)
وفي النهاية، كمن اتخذ قراره، فتح عينيه ونظر إلى كيسل. لكنه لم يلتقِ عيني الملك.
ضغط تاليس كفيه على صدغيه بقوة، محاولًا كبح ارتداد الذكرى.
“أتُدركون الشعار الذي على ثيابه؟”
وحين عاد انتباهه إلى قاعة النجوم، دوّى الصوت المهيب لكيسل الخامس بجواره.
قبض على الصولجان الغامض المتلألئ بضوء النجوم، ونهض من على العرش، وصاح بصوته السلطوي الغاضب.
“يبدو أنه إن لم أُعيّن وريثًا، فلن نتمكن حتى من خوض الحرب… حسنًا إذًا، سأُعيّن وريثًا.”
“سيريل، هل يجب أن تكون صريحًا إلى هذا الحد في كل مرة؟”
تجهمت ملامح زاين قليلًا، وشعر بقلقٍ متزايد.
دوي!
جلس كيسل الخامس ببطء دون أن ينظر إلى النبلاء الواقفين على الأرض.
“هل هو نبيل تأخر عن الحضور؟”
الكلمات التي كان تاليس ينتظرها منذ وقت طويل، رنّت أخيرًا في الأرجاء.
“يكاد يكون أنيقًا كابنة البارون الشابة.”
“دعه يلتقِ بالجميع، يا غيلبرت.”
تقدم الكونت سوريل من الخلف، وركع على ركبة واحدة، وتحدث بجدية مهيبة.
(حان الوقت.) خَلَى ذهنُ تاليس من أيّ فكرة. أَجْبَرَ نفسَه على ابتلاع ريقه، ونظر إلى غيلبرت وهو يلوّح بيده.
تحت قصر النهضة، تعالت أصوات الحشود أكثر فأكثر.
في الغرفة المظلمة، انفتح فجأة بابٌ سرّي أمام تاليس. احتوى على درج طويل يقود إلى مكان مجهول. بدأ الحشد في قاعة النجوم يتناقش فيما بينهم.
نظر كيسل ببرود إلى هؤلاء الدوقات والكونتات واحدًا تلو الآخر وهم يركعون على ركبة واحدة.
حافظ الدوقات والكونتات على رباطة جأشهم. ومع ذلك، أمكن رؤية الشكّ في نظراتهم المتبادلة.
“يا له من توقيت رائع! كان لا بدّ أن تفعلوا هذا حين تواجه الكوكبة محنتها، وحين نحتاج جميعًا إلى الاتحاد لمواجهة العدو!”
أعاد تاليس ترتيب ربطة عنقه، ثم خاطب نفسه بالاسم الذي ينتمي إليه في هذا العالم. (تاليس، حان الوقت.)
غادر ديريك كروما مقعده بثبات وركع.
خطا تاليس بعزمٍ على الدرج. (اعتبرها مجرّد لعبة أخرى.)
تقدم الكونت بوزدورف بخطوات ثقيلة وركع بثبات.
خطوة.
“يا صاحب الجلالة، يبدو أنك أمام خيارين فقط الآن — أن تعيّن وريثًا فورًا، أو تؤسس نظام اختيار للملوك.”
خطوة أخرى.
الملك الأعلى لم يُعره أيّ اهتمام. بلغ تاليس بابًا جانبيًا، وقد صار يرى بالفعل الحشود من العامة المتجمّعة خارج قاعة النجوم.
رفع الكونت داغستان رأسه ونظر مباشرة إلى كيسل. “أعتذر لعدم فهمي لما تعنيه، يا جلالتكم… هل يُعقَل أن الوريث الذي اخترتموه ليس من بين النبلاء الحاضرين في هذه القاعة؟”
“انظر إلى شعار تلك العائلة.”
الملك الأعلى لم يرد، واكتفى بتحديقه البارد نحوه.
دوّى هدير صاخب من ساحة النجم، مشحون بالغضب والحماسة، حتى غدت الأصوات غير واضحة.
في الممرّ الضيّق، ضغط تاليس على صدغيه بقوة. عادت الومضة من الماضي، لكنه عضّ على أسنانه وتابع سيره بثبات.
“لكن يا صاحب الجلالة، بسبب المؤتمر الوطني الذي قررت عقده، تحولت النصيحة الواجبة إلى نزاع علني، يبدو كما لو أننا نجبرك علنًا على التنازل عن العرش.”
حين فتح عينيه، رأى قاعة النجوم، وحين أغمضهما، رأى النسخة الأخرى من نفسه تعيش داخل شظايا تلك الذكريات.
“الأمر ليس بهذه البساطة. نريد أن نجعل الملك الأعلى الذي يتصرف بمحض إرادته جزءًا منا، ليفكر كما نفكر ويتصرف كما نتصرف. الحاكم والنبلاء كانوا يومًا واحدًا، ثم تفرّقوا بسبب اختلاف القوة… والآن، سنصبح واحدًا مجددًا.”
«إنّ الرابط بين الملك الإقطاعي وتابعيه هو رابط عاطفي وشخصيّ بطبيعته… وبسبب الصراع على السلطة، أخذ ذلك الرابط في التآكل. انهار النظام، وغدت الأواصر غير مستقرة. اندلعت أعمال العنف والاضطراب بشكلٍ دوريّ… ثمّ انهار النظام الإقطاعي الموحّد في النهاية…»
(السلطة، الإجراءات، الحرب، القوة العسكرية، العرش، أهذا هو المستقبل الذي عليّ أن أواجهه؟)
«ومع ذلك، فإنّ صعود الإقطاعية ما زال يُعَدّ جهدًا محمودًا في تثبيت الحكم العام… كما رأى بوغي أنّه خلال هذه العملية، أصبحت شرعيّة السلطة، وحدود حكم الملك، ومسؤوليات الدولة وتقاليدها، بل وأهمية القانون، جزءًا من التاريخ، ونالت اعترافًا. وهذه هي أعظم تركةٍ تركتها الإقطاعية للدول التي جاءت بعدها…»
تلألأت عينا بارونٍ كان يدخّن غليونه بضوءٍ ساطع، حتى كاد أن يعضّ الأنبوب بين أسنانه. مال بجسده إلى الأمام وربّت على كتف صديقه.
«لكن لا بدّ أن نسأل: ما الذي أغفله بوغي في ملاحظته وتحليله؟»
“يا له من توقيت رائع! كان لا بدّ أن تفعلوا هذا حين تواجه الكوكبة محنتها، وحين نحتاج جميعًا إلى الاتحاد لمواجهة العدو!”
(ما الذي أغفله؟)
دون أن يرمش، خطا تاليس بين الكراسي الحجرية الثلاثة عشر.
“جلالتكم، هل اخترتم وريثكم؟” رفع التنّين ذو العين الواحدة، كوشدر نانشيستر، عينه الوحيدة ونظر من حوله بنظرةٍ عميقة. “لكن يبدو أنّ عائلة تابارك والعائلتين النبيلتين من الجنوب الغربي لم تصلا بعد.”
“لكن يا صاحب الجلالة، بسبب المؤتمر الوطني الذي قررت عقده، تحولت النصيحة الواجبة إلى نزاع علني، يبدو كما لو أننا نجبرك علنًا على التنازل عن العرش.”
الملك الأعلى لم يُعره أيّ اهتمام. بلغ تاليس بابًا جانبيًا، وقد صار يرى بالفعل الحشود من العامة المتجمّعة خارج قاعة النجوم.
كان الحراس على وجوههم سِماتُ الجدّ. غير أنّ بعضهم لم يستطع إلا أن يُلقي نظرةً عليه وعلى الشعار الذي على ثيابه.
(لا، ليس بابًا جانبيًا.)
الكلمات التي كان تاليس ينتظرها منذ وقت طويل، رنّت أخيرًا في الأرجاء.
أدرك أنّ الباب الذي أمامه يقود نحو مركز القاعة—حيث العشرون كرسيًّا الحجريّة.
أدرك أنّ الباب الذي أمامه يقود نحو مركز القاعة—حيث العشرون كرسيًّا الحجريّة.
(إنه الباب الرئيسي.)
(إنه الباب الرئيسي.)
كان الحراس على وجوههم سِماتُ الجدّ. غير أنّ بعضهم لم يستطع إلا أن يُلقي نظرةً عليه وعلى الشعار الذي على ثيابه.
دوّى هدير صاخب من ساحة النجم، مشحون بالغضب والحماسة، حتى غدت الأصوات غير واضحة.
ما إن رأوه بوضوح، حتى تسارعت أنفاسُ كثيرٍ منهم. فقد بعضهم رباطة جأشه ومال إلى الأمام ليتأمّله.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لكنّ حارسًا بدا أنه القائد زجرهم بصرامة ليعودوا إلى مواقعهم. ثمّ أدّى التحية باحترامٍ لتاليس وفتح له الطريق نحو القاعة، غير أنه عندما همّ تاليس بخطو أولى خطواته—
“عائلة كوڤندير اتبعت عائلة جيدستار منذ معركة الإبادة، وهذا العهد لن يُنقض. ومع ذلك، أظن أن تورموند الأول كان سيريد أيضًا حماية أمان ومستقبل الكوكبة — كان سيتفهّم ذلك.”
“اذهب. ستكون أفضل منه”
غمز له غيلبرت.
رفع تاليس رأسه فجأة. كان الحارس قد استدار وغادر.
“لكنه صغير السن جدًا.”
لم يُرَ منه سوى ظهرُه، مكسوًّا بالدّرع والخوذة.
وفي اللحظة التي رأى فيها زاين كوڤندير، دوق الساحل الجنوبي الحارس، وجه الفتى بوضوح، انكمشت حدقتاه فورًا.
(يودل.) قبض تاليس قبضتَه بإحكام. (هل هو أنت؟)
لم يُعرهم تاليس أيّ اهتمام. مرّ بالمقاعد الحجريّة التي يشغلها النواب، والكونتات، وسائر النبلاء من الطبقة المتوسطة.
وبالمثل، لاحظ بعض أفراد العامة المجتمعين خارج القاعة الفتى الواقف عند الباب. بدأوا يتهامسون فيما بينهم ويشير بعضهم إلى بعض.
تصاعدت النقاشات والأصوات والهمهمات بين الحشود شيئًا فشيئًا، حتى تحوّلت إلى ضجيجٍ عالٍ.
تلاشت الومضة كما ينحسر المدّ. شعر الفتى كأنّ في جسده تدفقًا جديدًا من الطاقة جعله أكثر يقظة.
(إنه الباب الرئيسي.)
أخذ تاليس ثلاث أنفاسٍ عميقة. (ليست سوى لعبة أخرى… ليست سوى مناقشة أطروحة أخرى.)
أما في قاعة النجوم، فقد انفجر عوامّ الشعب والنبلاء الصغار في فيضان من الاحتجاجات.
طهّر تاليس قلبه من كلّ المشاعر ومحا كلّ التعابير عن وجهه. ثمّ وطِئ السجادة الزرقاء السماوية الموشّاة بالنقوش.
“ألا تراه بوضوح؟”
خطا نحو مستقبله.
حتى لمح الملك الأعلى للكوكبة، كيسل الخامس، بريقًا لامعًا في عينيه.
تابع سيره، مارًّا بأفراد العامة المجتمعين في الحلقة الخارجية من الحشد.
رفع كوشدر رأسه، وفي عينه الواحدة تألق بريق نقي.
وخز أحدُ الأتباع القرويين، بملابس رثّة بعض الشيء، صديقه الذي يعمل ناقلًا بين المدينة والريف.
التفت السادة الإقطاعيون الراكعون على الأرض برؤوسهم.
“من ذاك؟”
“لقد تعاملت مع ما يقرب من مئة تفويض من الملك! كيف لي أن أخطئ؟!”
“حتى الأطفال يُسمح لهم بدخول قاعة النجوم الآن؟”
تصاعدت النقاشات والأصوات والهمهمات بين الحشود شيئًا فشيئًا، حتى تحوّلت إلى ضجيجٍ عالٍ.
“ربما يكون نبيلًا.”
لمع شريط من الذاكرة أمام عينيه.
“لكنه صغير السن جدًا.”
كانت تلك أول مرة يُخاطب فيها السادة الإقطاعيين الموقّرين لمملكة الكوكبة، أولئك الذين في أيديهم جيوشٌ عظيمة… ويحكمون المملكة.
“هاه، هل تراها؟ إنّ ملابس ذلك الفتى فاخرة جدًا.”
لمع شريط من الذاكرة أمام عينيه.
“يكاد يكون أنيقًا كابنة البارون الشابة.”
خطا تاليس بعزمٍ على الدرج. (اعتبرها مجرّد لعبة أخرى.)
لم يحرّك تاليس نظره. واصل السير، عابرًا التجارَ والحرفيين والمزارعين ورؤساء النقابات الذين احتلّوا الدرجات.
«ومع ذلك، فإنّ صعود الإقطاعية ما زال يُعَدّ جهدًا محمودًا في تثبيت الحكم العام… كما رأى بوغي أنّه خلال هذه العملية، أصبحت شرعيّة السلطة، وحدود حكم الملك، ومسؤوليات الدولة وتقاليدها، بل وأهمية القانون، جزءًا من التاريخ، ونالت اعترافًا. وهذه هي أعظم تركةٍ تركتها الإقطاعية للدول التي جاءت بعدها…»
أُصيب تاجرُ عرباتٍ سمين بدهشةٍ خفيفة، فشدّ ذراعي رجلين آخرين من حرفته.
لم يُعرهم تاليس أيّ اهتمام. مرّ بالمقاعد الحجريّة التي يشغلها النواب، والكونتات، وسائر النبلاء من الطبقة المتوسطة.
“انظروا إلى ذلك الفتى!”
كانت تلك أول مرة يُخاطب فيها السادة الإقطاعيين الموقّرين لمملكة الكوكبة، أولئك الذين في أيديهم جيوشٌ عظيمة… ويحكمون المملكة.
“هل هو نبيل تأخر عن الحضور؟”
انحنى التنين ذو العين الواحدة ببطء على ركبة واحدة أمام الملك.
“بهذا اللباس، لا بدّ أنه أعلى شأنًا من نبلاء الطبقة الدنيا!”
“ربما يكون نبيلًا.”
“أتُدركون الشعار الذي على ثيابه؟”
في الممرّ الضيّق، ضغط تاليس على صدغيه بقوة. عادت الومضة من الماضي، لكنه عضّ على أسنانه وتابع سيره بثبات.
“يبدو مألوفًا بعض الشيء. لقد نقلتُ زبائن ذات مرة كانت المخطوطات التي يحملونها تحمل هذا الشعار.”
“نهاركم سعيد، أيها السادة،” سمع تاليس نفسه يقول.
“ولماذا يأتي في هذا التوقيت؟”
“أذلك هو…”
لم يتوقّف تاليس عن السير. تابع طريقه، متجاوزًا المقاعد التي يشغلها المحاربون الفخريون والمسؤولون الإداريون.
«إنّ الرابط بين الملك الإقطاعي وتابعيه هو رابط عاطفي وشخصيّ بطبيعته… وبسبب الصراع على السلطة، أخذ ذلك الرابط في التآكل. انهار النظام، وغدت الأواصر غير مستقرة. اندلعت أعمال العنف والاضطراب بشكلٍ دوريّ… ثمّ انهار النظام الإقطاعي الموحّد في النهاية…»
رآه قاضٍ من قرية صغيرة قريبة. قطّب حاجبيه وأمال رأسه، هامسًا بتوتّرٍ إلى الموثّق القانوني من قاعة بلدة أخرى.
غمز له غيلبرت.
“انظر إلى شعار تلك العائلة.”
“لا يمكن أن يكون ذلك… النجمة التساعية؟’
“إنه… يا إلهي!”
“ليست عائلة جيدستار هي المذنبة، بل اللوم على هذا التاج، وذلك العرش، وذلك الصولجان. طالما أنّ الدم الملكي يوشك على الانقراض، فربما لن يكون أمرًا سيئًا للكوكبة إن عينت وريثًا.”
“كيف يكون هذا ممكنًا؟”
“لكن طالما أنه نافع للكوكبة، فهل يهمّ إن كان صادقًا أم لا؟” تحدث كوشدر بصدق
“وأنا أيضًا أرى أنه مستحيل. هل أنت متأكد أنك لم تخطئ؟”
“ألا تراه بوضوح؟”
“لقد تعاملت مع ما يقرب من مئة تفويض من الملك! كيف لي أن أخطئ؟!”
داعب كيسل صولجانه برفقٍ مرة أخرى، وتكلّم بصوتٍ مهيبٍ مفعمٍ بالسلطة:
تجاهلهم تاليس تمامًا وتابع سيره، مارًّا بنبلاء الطبقة الوسطى من لوردات وبارونات جالسين على المقاعد الحجرية.
“سيريل، هل يجب أن تكون صريحًا إلى هذا الحد في كل مرة؟”
تلألأت عينا بارونٍ كان يدخّن غليونه بضوءٍ ساطع، حتى كاد أن يعضّ الأنبوب بين أسنانه. مال بجسده إلى الأمام وربّت على كتف صديقه.
كانت تلك أول مرة يُخاطب فيها السادة الإقطاعيين الموقّرين لمملكة الكوكبة، أولئك الذين في أيديهم جيوشٌ عظيمة… ويحكمون المملكة.
“لا يمكن أن يكون ذلك… النجمة التساعية؟’
في الممرّ الضيّق، ضغط تاليس على صدغيه بقوة. عادت الومضة من الماضي، لكنه عضّ على أسنانه وتابع سيره بثبات.
“ماذا؟ هذا…”
“إنه ابني. الوريث الوحيد لدماء العائلة الملكية جيدستار.”
“هل تفكّر بما أفكّر فيه؟”
غمز له غيلبرت.
“إلى حدٍّ كبير.”
كان الحراس على وجوههم سِماتُ الجدّ. غير أنّ بعضهم لم يستطع إلا أن يُلقي نظرةً عليه وعلى الشعار الذي على ثيابه.
“إذن الآن…”
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال، “أيها السادة، تعرّفوا إلى تاليس.”
“نعم، كما هو متوقّع من ملك اليد الحديدية.”
«إنّ الرابط بين الملك الإقطاعي وتابعيه هو رابط عاطفي وشخصيّ بطبيعته… وبسبب الصراع على السلطة، أخذ ذلك الرابط في التآكل. انهار النظام، وغدت الأواصر غير مستقرة. اندلعت أعمال العنف والاضطراب بشكلٍ دوريّ… ثمّ انهار النظام الإقطاعي الموحّد في النهاية…»
لم يُعرهم تاليس أيّ اهتمام. مرّ بالمقاعد الحجريّة التي يشغلها النواب، والكونتات، وسائر النبلاء من الطبقة المتوسطة.
لكنّ حارسًا بدا أنه القائد زجرهم بصرامة ليعودوا إلى مواقعهم. ثمّ أدّى التحية باحترامٍ لتاليس وفتح له الطريق نحو القاعة، غير أنه عندما همّ تاليس بخطو أولى خطواته—
فتح أحد الكونتات الفخريين فمه بدهشةٍ لا تُصدّق.
“كوشدر، أحيانًا لا أستطيع حتى أن أُميّز إن كان هذا الإخلاص المهيب نابعًا من صدق أم من شيء آخر.”
لم يحتج لإبلاغ الآخرين، فقد رأى كثير من النبلاء تاليس بأنفسهم.
تحت قصر النهضة، تعالت أصوات الحشود أكثر فأكثر.
“أذلك هو…”
ساد الصمت الفوري في قاعة النجوم، وتركزت جميع الأنظار على هيئة الملك الصلبة.
“يا سماوات… هذا، كيف سيضعون حدًّا له؟”
وبينما كان يراقب كل شيء من الجانب، شعر تاليس بدوار مفاجئ.
“لا يمكن. طوال هذه السنوات، لم يُسمع عن أي خبر…”
قبض على الصولجان الغامض المتلألئ بضوء النجوم، ونهض من على العرش، وصاح بصوته السلطوي الغاضب.
“ربما هو ابن غير شرعيّ تائه في الخارج…”
تجهمت ملامح زاين قليلًا، وشعر بقلقٍ متزايد.
“إذن السادة الإقطاعيون…”
ثم استدار نحو جميع السادة الإقطاعيين.
“آه، هذه المسألة مياهها عميقة جدًا…”
قطّب كالين حاجبيه بعمق وأمال جسده البدين إلى الأمام. (ذلك الفتى… شعاره…)
“لننتظر ونرَ ما سيحدث.”
انحنى التنين ذو العين الواحدة ببطء على ركبة واحدة أمام الملك.
تصاعدت النقاشات والأصوات والهمهمات بين الحشود شيئًا فشيئًا، حتى تحوّلت إلى ضجيجٍ عالٍ.
لم يُعرهم تاليس أيّ اهتمام. مرّ بالمقاعد الحجريّة التي يشغلها النواب، والكونتات، وسائر النبلاء من الطبقة المتوسطة.
وقف الجميع وانحنوا للأمام، يراقبون الفتى الغامض المتأنّق بشارة النجمة التساعية الذهبية والفضّية.
غمز له غيلبرت.
خلف المقعد الحجري في الوسط، التفت كوهين برأسه بفضول نحو مصدر الضجّة.
“لا يمكن. طوال هذه السنوات، لم يُسمع عن أي خبر…”
فتى بملابس النبلاء، يرتدي دبّوس صدرٍ على هيئة نجمٍ تساعيّ، يتقدّم بخطًى ثابتة وتعبيرٍ وقور.
“بمجرد تنصيب ملك جديد؟ أتظنون أن الكوكبة ستغدو إمبراطورية بمجرد ارتداء التاج؟”
عند رؤية النجم التساعي، جمد كوهين في مكانه من الذهول.
وحين عاد انتباهه إلى قاعة النجوم، دوّى الصوت المهيب لكيسل الخامس بجواره.
“ذلك الفتى… لماذا يحمل شعار… عائلة جيدستار؟”
(يودل.) قبض تاليس قبضتَه بإحكام. (هل هو أنت؟)
دون أن يرمش، خطا تاليس بين الكراسي الحجرية الثلاثة عشر.
وبالمثل، لاحظ بعض أفراد العامة المجتمعين خارج القاعة الفتى الواقف عند الباب. بدأوا يتهامسون فيما بينهم ويشير بعضهم إلى بعض.
غمز له غيلبرت.
كان الحراس على وجوههم سِماتُ الجدّ. غير أنّ بعضهم لم يستطع إلا أن يُلقي نظرةً عليه وعلى الشعار الذي على ثيابه.
رأى الدوقات الثلاثة الجالسون الفتى القادم بوضوح. لم يعودوا قادرين على الحفاظ على هدوئهم.
حدق كوهين في ذهول بينما ركع والده، الكونت العجوز كارابيان، بهدوء بجانب الكونت لاشيا.
حدّق فال في الفتى بصدمة، قابضًا قبضتيه بشدّة. (هذا… هل تمزحون؟)
“دعه يلتقِ بالجميع، يا غيلبرت.”
قطّب كالين حاجبيه بعمق وأمال جسده البدين إلى الأمام. (ذلك الفتى… شعاره…)
“أذلك هو…”
أما سيريل، فصكّ أسنانه المروّعة وارتجّت حاجباه وهو يتمتم ببضع كلمات، (آه، آه… هذا حقًا… يفوق توقّعاتي.)
غمز له غيلبرت.
رفع الملك الأعلى رأسه ببطء. كانت نظرته باردة، لكن فيها ظلّ ابتسامة أيضًا.
تلاشت الومضة كما ينحسر المدّ. شعر الفتى كأنّ في جسده تدفقًا جديدًا من الطاقة جعله أكثر يقظة.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال، “أيها السادة، تعرّفوا إلى تاليس.”
“من ذاك؟”
التفت السادة الإقطاعيون الراكعون على الأرض برؤوسهم.
شعر تاليس فجأة بأن والده بدا وحيدًا للغاية.
وفي اللحظة التي رأى فيها زاين كوڤندير، دوق الساحل الجنوبي الحارس، وجه الفتى بوضوح، انكمشت حدقتاه فورًا.
تحدث الدوق بمرارة وخيبة.
((إنه هو… إنه هو؟ إنه هو!))
وبالمثل، لاحظ بعض أفراد العامة المجتمعين خارج القاعة الفتى الواقف عند الباب. بدأوا يتهامسون فيما بينهم ويشير بعضهم إلى بعض.
داعب كيسل صولجانه برفقٍ مرة أخرى، وتكلّم بصوتٍ مهيبٍ مفعمٍ بالسلطة:
تحت قصر النهضة، تعالت أصوات الحشود أكثر فأكثر.
“إنه ابني. الوريث الوحيد لدماء العائلة الملكية جيدستار.”
رآه قاضٍ من قرية صغيرة قريبة. قطّب حاجبيه وأمال رأسه، هامسًا بتوتّرٍ إلى الموثّق القانوني من قاعة بلدة أخرى.
مدّ تاليس يده اليمنى إلى الأمام، ووضع اليسرى خلف ظهره، وانحنى بانحناءةٍ عميقة أمام الملك.
“لقد تعاملت مع ما يقرب من مئة تفويض من الملك! كيف لي أن أخطئ؟!”
ثم استدار نحو جميع السادة الإقطاعيين.
شعر فجأة بأن هذا العالم المجهول الغريب الذي كان قد أثار فضوله كثيرًا، بدأ يغدو مملًا بعض الشيء.
“نهاركم سعيد، أيها السادة،” سمع تاليس نفسه يقول.
“هذا انعكاس لاتجاه البلاد العام.”
كانت تلك أول مرة يُخاطب فيها السادة الإقطاعيين الموقّرين لمملكة الكوكبة، أولئك الذين في أيديهم جيوشٌ عظيمة… ويحكمون المملكة.
تطلع إليه كيسل الخامس بنظرة فريدة يصعب تفسيرها.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“آه، هذه المسألة مياهها عميقة جدًا…”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
