Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 63

طقس سلالة الدم

طقس سلالة الدم

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“ما زال لديّ أمرٌ واحد أقوله. رغم أنّ ما فعلته كان مرضيًا عاطفيًا، إلا أنّ تصرّفك قبل قليل لم يكن أذكى خطوةٍ سياسية.”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

وبالصدفة، ارتفع الهتاف من الساحة أيضًا، طبقةً بعد طبقة، ولم يُعرف أيّ جملةٍ نقلها الحراس من داخل القاعة.

Arisu-san

لكنّه لم يقف قط على شرفة قاعة النجوم داخل القصر، لينظر من الأعلى نحو الساحة بأكملها!

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

شعورٌ مشؤوم تسلّل إلى قلب التنين احادي العين.

الفصل 63: طقس سلالة الدم.

لم تكن تلك المرة الأولى التي يزور فيها تاليس ساحة النجم.

لكن ليسيا لم تُلقِ عليه نظرةً واحدة.

لم يكن تاليس قد أنهى كلمته بعد.

“نعم، لا منطق في الأمر. لستَ وحدك في تلك الجماعة، وليست جماعةً تتكوّن من شخصٍ واحد. إن قُتلتَ أنت، سيفقد الباقون الطمأنينة ويغشاهم الشك، وسينهار التحالف من تلقاء نفسه.”

“بما أنّك كنتَ هدف الاغتيال… فمن يا تُرى الذي أراد سلب حياتك؟”

ابتسم زاين بصعوبة رغم شحوب ملامحه.

صوت تاليس طرق قلب زاين كالمطرقة الثقيلة المغلّفة بأشواكٍ حديدية.

مدّت ليسيا يديها بلا أيّ تعبيرٍ على وجهها، ممسكةً بكلتا يدي الملك وتاليس، ثم رفعت رأسها.

“يا صاحب السمو، فلنسترجع معًا للحظة. ماذا كنتَ تنوي أن تفعل في ذلك اليوم؟ من كنتَ ستقابل؟ ومن كان يملك العلم بتحركاتك؟”

أما زاين فكان ينظر بتفكّرٍ إلى تاليس، الذي أصبح محور الأنظار في القاعة.

تنفّس زاين بعمق دون أن يُظهر أيّ انفعالٍ على ملامحه، غير أنّ المشهد من ذلك اليوم أخذ يطفو بلا إرادةٍ منه في ذهنه.

امرأةٌ فاتنة ذات وقارٍ وأناقة، ترتدي رداءً احتفاليًا داكنًا نُسج عليه نصف شمسٍ حمراء، تسير ببطءٍ عبر الممر الذي فتحه الحرس الملكي بالقوة، ترافقها كاهنةٌ شابّة متوترة.

رأى غيلبرت بين أولئك الذين تعرّضوا للهجوم، ولينال رضا غيلبرت مدّ زاين يد العون.

فقد وقف هناك من قبل، يرفع بصره إلى قصر النهضة المهيب.

تلك الوجوه القاتلة، وذلك الصبي الصغير، وأيضًا أولئك الذين علموا بمكان وجوده.

تنفّس زاين بعمق دون أن يُظهر أيّ انفعالٍ على ملامحه، غير أنّ المشهد من ذلك اليوم أخذ يطفو بلا إرادةٍ منه في ذهنه.

تحدث تاليس بصوتٍ باردٍ وهو يُلقي كلماته ببطءٍ وحِدة.

“تعال معي.”

“أكان أولئك الذين ظننتهم حلفاءك؟ أولئك الذين سعيتَ معهم جاهدًا لتحقيق مستقبلٍ أفضل للكوكبة؟ أولئك الذين وعدوك يومًا بمستقبلٍ زاهٍ؟”

“لا تتحرّكوا.”

“هذا منطقي. ألم يُخبرك هؤلاء أيضًا أنك من بين المؤهلين لخلافة العرش، أنت الأصغر سنًّا، وصاحب الصورة الأنسب، وتحظى بأكبر تأييدٍ شعبي، وأنك الأوفر حظًّا لتولي العرش؟”

“نعم، لا منطق في الأمر. لستَ وحدك في تلك الجماعة، وليست جماعةً تتكوّن من شخصٍ واحد. إن قُتلتَ أنت، سيفقد الباقون الطمأنينة ويغشاهم الشك، وسينهار التحالف من تلقاء نفسه.”

عندها بدأ الهمس في الجموع الهادئة يرتفع شيئًا فشيئًا.

“وأما أنت، يا دوق كالين، رئيس وزرائنا، فما زلتَ موثوقًا كما عهدناك.”

تنوّعت ردود الأفعال تجاه سلوك تاليس.

ساد سكونٌ مفاجئ بين الحاضرين على الشرفة وخلفها، الذين كانوا يتدافعون لمشاهدة الحدث. جثا كثيرٌ من العامة وأغمضوا أعينهم في صلاةٍ خاشعة أمام النور المتلألئ في وسط الشرفة.

في الصفوف الخلفية، كان الضابط الشاب كوهين يقف خلف الكونت كارابيان، يحدق في الصبي بدهشةٍ بالغة.

“أكان أولئك الذين ظننتهم حلفاءك؟ أولئك الذين سعيتَ معهم جاهدًا لتحقيق مستقبلٍ أفضل للكوكبة؟ أولئك الذين وعدوك يومًا بمستقبلٍ زاهٍ؟”

(أهو حقًّا في السادسة أو السابعة من عمره؟ عندما كنتُ في السابعة… لا، لا داعي لتذكّر ذلك وإغضاب نفسي بالمقارنة).

“أصبتِ. إنه تمامًا كأمّه.”

لكن الأمور لا تسير دومًا كما يشتهي المرء.

حرّك تاليس رأسه بطريقةٍ ساخرة كما لو كان بالغًا.

إذ التفت الكونت العجوز كارابيان نحو كوهين بنظرةٍ فاحصة قبل أن يعيد عينيه إلى تاليس.

الناس. كان هناك بشرٌ كثيرون! حشدٌ كثيفٌ هائل! امتلأت ساحة النجم بالكامل بالبشر! كان هناك عشرات الآلاف منهم على الأقل. غطّوا نصف مجال رؤيته الأدنى كجيوشٍ من النمل تفترش الأرض.

وتحت نظرات كوهين المتزايدة حيرة، أخذ بصر الكونت العجوز يتأرجح بينه وبين تاليس مرارًا، حتى تنهد أخيرًا بأسى، وأدار وجهه عن كوهين نحو تاليس.

“أما أنت يا فاكينهاز، أيها العجوز المتعفن، ففي مثل هذه المواقف، من الغريب أن لا أراك تشمت أو تُلقي سخريةً لاذعة. هذا غير مألوفٍ منك.”

ترك كوهين متجهمًا لا يفهم شيئًا، ثم أدرك مغزى تلك النظرات فخفض رأسه بحزنٍ.

وسرعان ما أدركت الحشود في الساحة أن شخصين آخرين ظهرا على الشرفة.

(أيها العجوز، أحقًا بلغت بك المقارنة إلى هذا الحد؟ لا يجوز أن تقارن الناس هكذا!)

الناس. كان هناك بشرٌ كثيرون! حشدٌ كثيفٌ هائل! امتلأت ساحة النجم بالكامل بالبشر! كان هناك عشرات الآلاف منهم على الأقل. غطّوا نصف مجال رؤيته الأدنى كجيوشٍ من النمل تفترش الأرض.

تنفّس مورات، النبي الأسود، بعمق وهو يرمق تاليس بنظراتٍ مختلطة العواطف، كما لو أنّه أدرك أنه كان قد استهان به سابقًا.

ترك كوهين متجهمًا لا يفهم شيئًا، ثم أدرك مغزى تلك النظرات فخفض رأسه بحزنٍ.

أما رئيس إدارة الاستخبارات الشهير فقد همس لرافاييل الواقف خلفه:

“كل من في الكوكبة يجب أن يرى دمك.”

“هذا الطفل… حقًّا فاق كل توقعاتنا. إن كان هو الملك الذي ستخدمه في المستقبل… فميزته أنك لن تقلق كثيرًا، لكن عيبه أنك لن تنعم بالطمأنينة أبدًا.”

فقد وقف هناك من قبل، يرفع بصره إلى قصر النهضة المهيب.

أومأ رافاييل برأسه بجدٍّ وهو يدرك تمامًا ما يقصده النبي بكلامه المتناقض في ظاهره.

حدّق تاليس في الدوق الشاب بعينين باردتين متباعدتين عن أيّ عاطفة، متعمدًا تجاهل كلمة “الدليل” التي أُثيرت للتوّ، موجّهًا تفكير الدوق والحاضرين إلى المسار الذي أراده.

كان كيسل الخامس يحدق في ابنه بعينين متألقتين، ثم مال برأسه قليلًا نحو جينيس هامسًا:

“بعد أكثر من ستمائة عام، اليوم، ليشهد تجسيد الغروب استمرار سلالة الكوكبة الملكية كما في السابق.”

“هل تعلم هذا الصبي الخطابة والبيان من غيلبرت، أم تعلّم المنطق ودقّة الملاحظة منكِ؟”

تقلّصت حدقتا دوق الإقليم الشمالي حين رأى القادمة، وتقدّم جسده للأمام دون وعي.

فأجابت جينيس وهي تراقب فتى القاعة الذي يتحدث ويشرح بجديةٍ بالغة، وابتسامةٌ مريرةٌ راضية ترتسم على محياها:

(ما هذا…؟)

“لا هذا ولا ذاك، يا مولاي… ذاك الطفل فريدٌ بطبعه.”

“يا صاحب السمو، فلنسترجع معًا للحظة. ماذا كنتَ تنوي أن تفعل في ذلك اليوم؟ من كنتَ ستقابل؟ ومن كان يملك العلم بتحركاتك؟”

“فريدٌ بطبعه…” تمتم كيسل الخامس لحظةً ثم زفر بخفةٍ وقد تلونت ملامحه بمزيجٍ من الكآبة والعاطفة المكبوتة.

حدّق تاليس في الدوق الشاب بعينين باردتين متباعدتين عن أيّ عاطفة، متعمدًا تجاهل كلمة “الدليل” التي أُثيرت للتوّ، موجّهًا تفكير الدوق والحاضرين إلى المسار الذي أراده.

“أصبتِ. إنه تمامًا كأمّه.”

“عاشت جيدستار!”

تجمّدت تعابير جينيس.

مدّت الكاهنة الصحن نحو تاليس. كانت لا تزال طفلة في الحادية عشرة أو الثانية عشرة، ويبدو أن هذه أول مرة تشهد فيها موقفًا كهذا، حيث تتركّز عليها أنظار الآلاف. ارتجفت توترًا.

ثم أعاد كيسل بصره إلى تاليس.

“لا داعي للتوتر، كل شيء بخير.”

“كفى!”

لم يجبه أحد.

ضرب كوشدر ذراع الكرسي الحجري بغضبٍ جامحٍ قاطعًا كلام تاليس، وحدق ساخطًا في النظرة المستمتعة على وجه الملك كيسل.

“تِنينُ المنحدرات ذو العين الواحدة! لِمَ كلُّ هذا الاستعجال؟”

“جلالتك، لقد آن لهذه المهزلة أن تنتهي… ما يعنينا هو—”

أمال تاليس رأسه قليلًا وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ صافية.

“تِنينُ المنحدرات ذو العين الواحدة! لِمَ كلُّ هذا الاستعجال؟”

لكن في اللحظة التالية، استرخى جسد تاليس كلّه وانفرجت كفّاه مبتسمًا.

التفت الجميع في دهشة، ليكتشفوا أنّ المتكلم لم يكن سوى دوق الإقليم الشمالي!

كان معظم الواقفين في الساحة من العامة، الذين لا يملكون حق دخول قاعة النجوم.

رفع ڤال رأسه.

امرأةٌ فاتنة ذات وقارٍ وأناقة، ترتدي رداءً احتفاليًا داكنًا نُسج عليه نصف شمسٍ حمراء، تسير ببطءٍ عبر الممر الذي فتحه الحرس الملكي بالقوة، ترافقها كاهنةٌ شابّة متوترة.

“ولِمَ يُزعجك أن يُكمل حديثه؟”

ابتسم دوق كالين ابتسامةً بسيطةً خاليةً من المكر.

عقد لسان كوشدر عن الرد.

اطلق الدوق كولين تنهيدةً طويلة، فقد عرف سلفًا نتيجة الأمر.

وفي عيني ڤال اشتعلت نيرانٌ متأججة، ثم استدار نحو الرجل الكالح المتداعي وقال بكلماتٍ تخفي وراءها معاني حادة كالشفرة:

أدار زاين نظره بعيدًا عن تاليس وبقي صامتًا، محدقًا بثباتٍ في الأرض تحت قدميه كما لو أنّه مهتمٌّ بنقوش البلاط الحجري.

“أما أنت يا فاكينهاز، أيها العجوز المتعفن، ففي مثل هذه المواقف، من الغريب أن لا أراك تشمت أو تُلقي سخريةً لاذعة. هذا غير مألوفٍ منك.”

أغلق زاين عينيه وخفّض رأسه قليلًا. لم يكن غبيًّا ليفوته ما يعنيه الصبي.

“أحسنت التذكير، كنتُ على وشك البدء، هاها…”

بدت الدهشة على كوشدر، ورغب أن يلتقي بنظرة زاين كما اعتاد، لكنه وجد زاين باردًا قاسيًا، لا يمنحه أدنى التفاتة.

قهقه سيريل فاكينهاز، الذي استوعب الأمر أبطأ من الآخرين، مشيرًا بإصبعه نحو زاين ذي الملامح المفعمة بالمرارة.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

لكن من يعرفونه جيدًا أدركوا أنّ ضحكته خاوية النكهة.

“فكّر جيّدًا، وأعد النظر في موقفك. أنت شخصٌ حكيم، فأيُّ جانبٍ سترى أنّه الأجدر أن يكون حليفك؟ ومن الذي سيجلب أكبر فائدة لازدهار زهرة السوسن حين يصبح ملكًا؟”

“يبدو أنك أصبحتَ أضحوكةً بين أيدي غيرك، يا دوق الجنوب الفتي!”

لم يجبه أحد.

رمقه ڤال بازدراءٍ.

“لا تتحرّكوا. أولئك الذين خانوا زاين، لا تديروا رؤوسكم ولا تُشيحوا بأبصاركم. انظروا إلى عينيّ… أستطيع أن أستشعر ذنبكم وخوفكم من ملامحكم.”

“وأما أنت، يا دوق كالين، رئيس وزرائنا، فما زلتَ موثوقًا كما عهدناك.”

(أيها العجوز، أحقًا بلغت بك المقارنة إلى هذا الحد؟ لا يجوز أن تقارن الناس هكذا!)

ابتسم دوق كالين ابتسامةً بسيطةً خاليةً من المكر.

وفي تلك اللحظة بالذات… حدث طارئ.

في حين قبض زاين على قبضته محاولًا ما استطاع أن يحافظ على مظهره رغم الشحوب الذي غزا وجهه، متجنّبًا النظر إلى أولئك الرجال.

“لكن بعد أن رأيتم مثال زهرة السوسن، عليكم أن تدركوا أنّه حين تَخلو سلالة جيدستار من وريث، فإنّه بغضّ النظر عن أيّ عشيرةٍ أو أسرةٍ نبيلةٍ تخلف العرش، سواء قبل التتويج أو بعده، وسواء كانت قويةً أم ضعيفة، فإنّ العائلة الملكية الجديدة ستصبح في النهاية الهدف التالي للإقطاعيين.

(أولئك الرجال…)

كان كيسل الخامس يحدق في ابنه بعينين متألقتين، ثم مال برأسه قليلًا نحو جينيس هامسًا:

(إن… إن متُّ أنا… من منهم سيستفيد؟)

أُضيف سؤالٌ جديد إلى قلب تاليس.

تتابعت الشكوك في ذهنه كالسيل الجارف.

“قبل أن تنال حتى فرصة ارتداء ذلك التاج، لقد خُنت بالفعل. كلّ ذلك يعود إلى حقيقة أنّك ما زلت صغيرًا جدًا ومتهاونًا في انتقاء من تصادق.”

ابتسم زاين بصعوبة رغم شحوب ملامحه.

أغلق زاين عينيه وخفّض رأسه قليلًا. لم يكن غبيًّا ليفوته ما يعنيه الصبي.

“كفى، أيها الفتى. مهما قلتَ، لا وجود لأيّ دليل…”

ثم أعاد كيسل بصره إلى تاليس.

“يا صاحب السمو!”

دوّى صوت “التنين ذو العين الواحدة” الغاضب، دوق نانشيستر، وهو يضرب المقعد الحجري بعنف، ومسح الحشد بنظرةٍ حادّةٍ مهدِّدة.

حدّق تاليس في الدوق الشاب بعينين باردتين متباعدتين عن أيّ عاطفة، متعمدًا تجاهل كلمة “الدليل” التي أُثيرت للتوّ، موجّهًا تفكير الدوق والحاضرين إلى المسار الذي أراده.

أطلق بعض الإقطاعيين الزفير الذي كانوا يحبسونه، وقبضوا أيديهم بشدّة وهم يرمقونه بنظراتٍ حادّة.

“ما موقعك تحديدًا داخل تلك الجماعة التي تُعنى بالعرش؟

“أكان أولئك الذين ظننتهم حلفاءك؟ أولئك الذين سعيتَ معهم جاهدًا لتحقيق مستقبلٍ أفضل للكوكبة؟ أولئك الذين وعدوك يومًا بمستقبلٍ زاهٍ؟”

“نعم، لا منطق في الأمر. لستَ وحدك في تلك الجماعة، وليست جماعةً تتكوّن من شخصٍ واحد. إن قُتلتَ أنت، سيفقد الباقون الطمأنينة ويغشاهم الشك، وسينهار التحالف من تلقاء نفسه.”

خفض غيلبرت رأسه وتابع بصوتٍ منخفض.

تنهد تاليس مجددًا وقال:

“لا داعي للتوتر، كل شيء بخير.”

“فلماذا إذًا أراد من يقف وراء الكواليس قتلك، وهو بذلك يهدم مخططه بيده؟ إلا إذا… كانت هناك إمكانيةٌ أكثر رعبًا.”

أطلق غيلبرت زفرةً طويلة وهمس إلى تاليس الذي كان عائدًا نحوه.

أغلق زاين عينيه وخفّض رأسه قليلًا. لم يكن غبيًّا ليفوته ما يعنيه الصبي.

كان الجميع في القاعة، من نبلاء وعامة، ساكنين تمامًا، لا يصدرون صوتًا ولا يُبدون أي علامة انزعاج.

أخذ تاليس يدور حوله بخطواتٍ وئيدة، وبنظرةٍ يكسوها الأسف وضع يده على كتف لورد زهرة السوسن الثلاثية قائلًا.

نظر تاليس إلى الإقطاعيين وقد استعاد ملامحه الجادّة من جديد.

“الاحتمال هو أن كلّ بقية أفراد جماعتك يعلمون أنّك الذبيحة المختارة. موتك جزءٌ من الخطة. أنت من خُنت، وأنت من تُركت وحيدًا.”

“كل من في الكوكبة يجب أن يرى دمك.”

“وهو أمرٌ منطقي. أنت شابٌّ واعد، ذو كفاءةٍ بارزة، ومن أسرةٍ ثريةٍ، وتحظى بمحبة الناس. إن بلغتَ العرش، حتى لو كان عرشًا نلته عبر اختيارٍ قسري، فلن تمرّ سوى سنواتٍ قليلة حتى تتحوّل سلالة كوڤندير إلى (عائلة جيدستار) جديدة، تُسيطر وتضبط أمر الإقطاعيين. وحتى إن أخذنا العمر بالحسبان، فبعمرك هذا ستعمر أطول من أيٍّ منهم.”

“هذا الطفل… حقًّا فاق كل توقعاتنا. إن كان هو الملك الذي ستخدمه في المستقبل… فميزته أنك لن تقلق كثيرًا، لكن عيبه أنك لن تنعم بالطمأنينة أبدًا.”

“وفي هذه الحالة، ما الفرق إذًا عن محاولة تغيير العائلة الملكية من البداية؟ إذا ما قُتِلَ لورد زهرة السوسن الثلاثية في العاصمة، سيسود الذعر بين النبلاء، ويتصاعد ضغط الحرب، ويزداد العبء على جلالة الملك، وقد يصبح فرض الوريث أمرًا أسهل وأيسر، ويُتوّج بالعرش من يروق لهم أكثر.”

“هذا الطفل… حقًّا فاق كل توقعاتنا. إن كان هو الملك الذي ستخدمه في المستقبل… فميزته أنك لن تقلق كثيرًا، لكن عيبه أنك لن تنعم بالطمأنينة أبدًا.”

كانت ملامح زاين باردة لا تعبير فيها، غير أنّ الجميع أدركوا أنّ نظره توقّف عن الحركة منذ وقتٍ ليس بالقصير.

“ليس عليكم أن تتوتّروا، كنتُ أمزح فحسب.”

حرّك تاليس رأسه بطريقةٍ ساخرة كما لو كان بالغًا.

(هل فعل ذلك عمدًا؟)

“قبل أن تنال حتى فرصة ارتداء ذلك التاج، لقد خُنت بالفعل. كلّ ذلك يعود إلى حقيقة أنّك ما زلت صغيرًا جدًا ومتهاونًا في انتقاء من تصادق.”

“لا تتحرّكوا.”

عاد تاليس إلى جانب كيسل وتابع ببرود،

“عاشت جيدستار!”

“ربّما استدانوا منك ومن عائلة كوڤندير قدرًا عظيمًا من النفوذ والقوة، واستعدّوا لذلك منذ زمنٍ طويل. غير أنّه مهما كانت الوعود التي قطعوها لك، فلن يوفوا بها.”

“تِنينُ المنحدرات ذو العين الواحدة! لِمَ كلُّ هذا الاستعجال؟”

“فكّر جيّدًا، وأعد النظر في موقفك. أنت شخصٌ حكيم، فأيُّ جانبٍ سترى أنّه الأجدر أن يكون حليفك؟ ومن الذي سيجلب أكبر فائدة لازدهار زهرة السوسن حين يصبح ملكًا؟”

تتابعت الشكوك في ذهنه كالسيل الجارف.

أدار زاين نظره بعيدًا عن تاليس وبقي صامتًا، محدقًا بثباتٍ في الأرض تحت قدميه كما لو أنّه مهتمٌّ بنقوش البلاط الحجري.

مدّت الكاهنة الصحن نحو تاليس. كانت لا تزال طفلة في الحادية عشرة أو الثانية عشرة، ويبدو أن هذه أول مرة تشهد فيها موقفًا كهذا، حيث تتركّز عليها أنظار الآلاف. ارتجفت توترًا.

في تلك اللحظة، استدار تاليس فجأة وصرخ بصوتٍ غريب موجّهًا كلامه إلى الإقطاعيين الجالسين على المقاعد الحجرية:

(خخخ، هل تتواصل مع التجسدات الآن؟)

“لا تتحرّكوا.”

كان كيسل الخامس يحدق في ابنه بعينين متألقتين، ثم مال برأسه قليلًا نحو جينيس هامسًا:

تقطّبت حواجب كثيرٍ من الإقطاعيين، فيما مسح تاليس وجوههم جميعًا بنظره بعنايةٍ دقيقة، كما لو كان يتفحّصهم حتى أعماق مسامّهم.

وتحت نظرة تاليس المتحيّرة، أطلق غيلبرت زفرةً طويلة وهمس:

“لا تتحرّكوا. أولئك الذين خانوا زاين، لا تديروا رؤوسكم ولا تُشيحوا بأبصاركم. انظروا إلى عينيّ… أستطيع أن أستشعر ذنبكم وخوفكم من ملامحكم.”

“من دون أيّ قوى خارجية من أعداءٍ آخرين، ستبدؤون بالقتال فيما بينكم بسبب التوزيع غير المتكافئ للسلطة، إلى أن تسقط الكوكبة نفسها.

رفع زاين رأسه فجأة وحدّق في الإقطاعيين، فتوقّفت أنفاس بعضهم في تلك اللحظة.

“فكّر جيّدًا، وأعد النظر في موقفك. أنت شخصٌ حكيم، فأيُّ جانبٍ سترى أنّه الأجدر أن يكون حليفك؟ ومن الذي سيجلب أكبر فائدة لازدهار زهرة السوسن حين يصبح ملكًا؟”

لكن في اللحظة التالية، استرخى جسد تاليس كلّه وانفرجت كفّاه مبتسمًا.

“تعال معي.”

“ليس عليكم أن تتوتّروا، كنتُ أمزح فحسب.”

هَمَسَ الكونت ديريك كروما، وقد بدا عليه الذهول نفسه.

أطلق بعض الإقطاعيين الزفير الذي كانوا يحبسونه، وقبضوا أيديهم بشدّة وهم يرمقونه بنظراتٍ حادّة.

تتابعت الشكوك في ذهنه كالسيل الجارف.

(هل فعل ذلك عمدًا؟)

“التهديد الذي جلبته زهرة السوسن قد تلاشى وسط شكوكه ومخاوفه. كما أنّ نفوذ غزال القرون العظيمة قد تراجع كثيرًا. لكن، كيف كنت متأكدًا أن أولئك المغتالين كانوا يستهدفون زهرة السوسن؟”

نظر تاليس إلى الإقطاعيين وقد استعاد ملامحه الجادّة من جديد.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

“لكن بعد أن رأيتم مثال زهرة السوسن، عليكم أن تدركوا أنّه حين تَخلو سلالة جيدستار من وريث، فإنّه بغضّ النظر عن أيّ عشيرةٍ أو أسرةٍ نبيلةٍ تخلف العرش، سواء قبل التتويج أو بعده، وسواء كانت قويةً أم ضعيفة، فإنّ العائلة الملكية الجديدة ستصبح في النهاية الهدف التالي للإقطاعيين.

(هل فعل ذلك عمدًا؟)

“من دون أيّ قوى خارجية من أعداءٍ آخرين، ستبدؤون بالقتال فيما بينكم بسبب التوزيع غير المتكافئ للسلطة، إلى أن تسقط الكوكبة نفسها.

هَمَسَ الكونت ديريك كروما، وقد بدا عليه الذهول نفسه.

“لا يهمّني من هو الذي وضع مخطّط المؤامرة، ولا من هو الذي يرغب في العرش. فبالنسبة لمعظمكم، إنّها نتيجة محسومة بأنّ العائلة الملكية بلا وريث، ومن الطبيعي أن ترغبوا في اختيار المستقبل الأكثر نفعًا لأنفسكم.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“لكنني واقفٌ هنا الآن. من أجل سلام واستقرار الكوكبة، ومن أجل منفعتكم كذلك، فإنّ استمرار سلالة جيدستار هو الأمل الأكبر لاستقرار الكوكبة.

“لا تتحرّكوا.”

“أيّها الجميع، من أجل كلّ شيء، كونوا كما كان أسلافكم، وادعموا جيدستار بثباتٍ لا يتزعزع. ادعموني.”

“لا يهمّني من هو الذي وضع مخطّط المؤامرة، ولا من هو الذي يرغب في العرش. فبالنسبة لمعظمكم، إنّها نتيجة محسومة بأنّ العائلة الملكية بلا وريث، ومن الطبيعي أن ترغبوا في اختيار المستقبل الأكثر نفعًا لأنفسكم.

تصاعدت ضوضاء الحشود، وبدأ بعض الناس بالتصفيق.

وفي تلك اللحظة، انفجرت القاعة مجددًا بالضجيج. شخصٌ جديد كان يدخل قاعة النجوم.

وبالصدفة، ارتفع الهتاف من الساحة أيضًا، طبقةً بعد طبقة، ولم يُعرف أيّ جملةٍ نقلها الحراس من داخل القاعة.

وسرعان ما أدركت الحشود في الساحة أن شخصين آخرين ظهرا على الشرفة.

لم يلتفت تاليس إلى وجوه الإقطاعيين، بل استمتع أكثر بتخيّل ملامحهم في ذهنه.

كان معظم الواقفين في الساحة من العامة، الذين لا يملكون حق دخول قاعة النجوم.

أطلق غيلبرت زفرةً طويلة وهمس إلى تاليس الذي كان عائدًا نحوه.

(لقد مرّت سنواتٌ طويلة…)

“ذلك بلا شك… ترك انطباعًا عظيمًا في نفوس الناس، يا سيّدي الصغير.”

تزايدت الأشعة الباهرة سطوعًا حتى أصبحت أشدّ إشراقًا!

خفض غيلبرت رأسه وتابع بصوتٍ منخفض.

“أما أنت يا فاكينهاز، أيها العجوز المتعفن، ففي مثل هذه المواقف، من الغريب أن لا أراك تشمت أو تُلقي سخريةً لاذعة. هذا غير مألوفٍ منك.”

“التهديد الذي جلبته زهرة السوسن قد تلاشى وسط شكوكه ومخاوفه. كما أنّ نفوذ غزال القرون العظيمة قد تراجع كثيرًا. لكن، كيف كنت متأكدًا أن أولئك المغتالين كانوا يستهدفون زهرة السوسن؟”

فأجابت جينيس وهي تراقب فتى القاعة الذي يتحدث ويشرح بجديةٍ بالغة، وابتسامةٌ مريرةٌ راضية ترتسم على محياها:

“بالطبع لست متأكدًا.” أشرق وجه تاليس بابتسامة، وبريقٌ لامع في عينيه وهو يحدّق بزاين الذي خفَض رأسه في صمتٍ متفكّر ولم ينبس بكلمة.

“قبل أن تنال حتى فرصة ارتداء ذلك التاج، لقد خُنت بالفعل. كلّ ذلك يعود إلى حقيقة أنّك ما زلت صغيرًا جدًا ومتهاونًا في انتقاء من تصادق.”

“لكنه هو أيضًا لا يعلم، أليس كذلك؟”

أومأ كيسل الخامس برفق، ثم أمسك فجأة بيد تاليس، وحركته المفاجئة أفزعت الفتى.

“عليك أن تمسك جوهر الأمور في كلّ ما تفعل. ما يهمّ حقًا ليس القتلة، بل حقيقة أنّ زاين رأى أولئك القتلة بعينيه.”

“هذا منطقي. ألم يُخبرك هؤلاء أيضًا أنك من بين المؤهلين لخلافة العرش، أنت الأصغر سنًّا، وصاحب الصورة الأنسب، وتحظى بأكبر تأييدٍ شعبي، وأنك الأوفر حظًّا لتولي العرش؟”

شعر تاليس بنظرة كيسل الخامس الجادّة موجهة نحوه، فحاول أن يحافظ على تنفّسه الطبيعي رغم التوتّر وتحدث بنبرة هادئة.

أخذ تاليس يدور حوله بخطواتٍ وئيدة، وبنظرةٍ يكسوها الأسف وضع يده على كتف لورد زهرة السوسن الثلاثية قائلًا.

“تمامًا كما حدث الآن، ما يهم حقًا ليس إمكانية التعرف على هويتي، بل الأشخاص الذين لم يكونوا مستعدين للاعتراف بها.”

ضرب كوشدر ذراع الكرسي الحجري بغضبٍ جامحٍ قاطعًا كلام تاليس، وحدق ساخطًا في النظرة المستمتعة على وجه الملك كيسل.

“ما زال لديّ أمرٌ واحد أقوله. رغم أنّ ما فعلته كان مرضيًا عاطفيًا، إلا أنّ تصرّفك قبل قليل لم يكن أذكى خطوةٍ سياسية.”

رفع زاين رأسه فجأة وحدّق في الإقطاعيين، فتوقّفت أنفاس بعضهم في تلك اللحظة.

وتحت نظرة تاليس المتحيّرة، أطلق غيلبرت زفرةً طويلة وهمس:

كان تاليس يحدق بفضولٍ في تلك الكاهنة الكبرى التي لم تكن تُكنّ له الودّ.

“ستفهم هذا لاحقًا.”

“فلماذا إذًا أراد من يقف وراء الكواليس قتلك، وهو بذلك يهدم مخططه بيده؟ إلا إذا… كانت هناك إمكانيةٌ أكثر رعبًا.”

“أوقفوا هذا الهراء فورًا! هذا عديم الجدوى تمامًا!”

“بما أنّك كنتَ هدف الاغتيال… فمن يا تُرى الذي أراد سلب حياتك؟”

دوّى صوت “التنين ذو العين الواحدة” الغاضب، دوق نانشيستر، وهو يضرب المقعد الحجري بعنف، ومسح الحشد بنظرةٍ حادّةٍ مهدِّدة.

ركع الجميع تقريبًا بخشوعٍ وهم يُصلّون نحو قصر النهضة المهيب فوق رؤوسهم.

“هل نسيتم جميعًا؟ حتى الآن، لم يُثبت هويّته بعد!

تقطّبت حواجب كثيرٍ من الإقطاعيين، فيما مسح تاليس وجوههم جميعًا بنظره بعنايةٍ دقيقة، كما لو كان يتفحّصهم حتى أعماق مسامّهم.

“جلالته لم يُنجب أبناءً طيلة اثنتي عشرة سنة، ثم فجأةً يظهر طفل في السادسة أو السابعة من عمره ويدّعي أنّه من نسل العائلة الملكية؟ بل ويُلقي تصريحاتٍ وخطبًا في هذا المؤتمر الوطني…”

رمقه ڤال بازدراءٍ.

تنفّس تاليس بعمقٍ وقطع كلامه بصوتٍ عالٍ.

“وأما أنت، يا دوق كالين، رئيس وزرائنا، فما زلتَ موثوقًا كما عهدناك.”

“دوق كوشدر نانشيستر، لماذا ما زلتَ عالقًا في مسألة هويّتي؟ ألا تفهم بعد؟ لقد أعدّ والدي لهذا منذ زمنٍ بعيد.”

“بعد أكثر من ستمائة عام، اليوم، ليشهد تجسيد الغروب استمرار سلالة الكوكبة الملكية كما في السابق.”

أمال تاليس رأسه قليلًا وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ صافية.

“جيدٌ جدًا.” ضيّق فاكينهاز عينيه.

“ظننت أن المنافقين أمثالك، الذين يتظاهرون بالقلق على الأمة والشعب، سيكونون مبهورين بعودة دماء جيدستار.”

“يا صاحب السمو، فلنسترجع معًا للحظة. ماذا كنتَ تنوي أن تفعل في ذلك اليوم؟ من كنتَ ستقابل؟ ومن كان يملك العلم بتحركاتك؟”

شعورٌ مشؤوم تسلّل إلى قلب التنين احادي العين.

(إن… إن متُّ أنا… من منهم سيستفيد؟)

وفي تلك اللحظة، انفجرت القاعة مجددًا بالضجيج. شخصٌ جديد كان يدخل قاعة النجوم.

“جلالته لم يُنجب أبناءً طيلة اثنتي عشرة سنة، ثم فجأةً يظهر طفل في السادسة أو السابعة من عمره ويدّعي أنّه من نسل العائلة الملكية؟ بل ويُلقي تصريحاتٍ وخطبًا في هذا المؤتمر الوطني…”

أدار تاليس رأسه، وأضاءت عيناه فورًا.

“قبل أن تنال حتى فرصة ارتداء ذلك التاج، لقد خُنت بالفعل. كلّ ذلك يعود إلى حقيقة أنّك ما زلت صغيرًا جدًا ومتهاونًا في انتقاء من تصادق.”

امرأةٌ فاتنة ذات وقارٍ وأناقة، ترتدي رداءً احتفاليًا داكنًا نُسج عليه نصف شمسٍ حمراء، تسير ببطءٍ عبر الممر الذي فتحه الحرس الملكي بالقوة، ترافقها كاهنةٌ شابّة متوترة.

“طقس السلالة الدموية؟”

جثا كثيرٌ من العامة بخشوعٍ وهم يُصلّون نحوها برؤوسٍ منحنية، بينما أدرك كثيرٌ من النبلاء الحقيقة لحظة رأوا نصف الشمس الحمراء.

“من الآن فصاعدًا، احذروا كلماتكم وتصرفاتكم.”

“جيدٌ جدًا.” ضيّق فاكينهاز عينيه.

ثم تساءل الملك الجليل بنبرةٍ عميقة المعنى،

“الملك، والنبلاء، والتجسدات أيضًا؛ الأعمدة الثلاثة الرئيسية للكوكبة اجتمعت هنا.”

“أوقفوا هذا الهراء فورًا! هذا عديم الجدوى تمامًا!”

تقلّصت حدقتا دوق الإقليم الشمالي حين رأى القادمة، وتقدّم جسده للأمام دون وعي.

سارت الكاهنة الكبرى الأنيقة الرزينة بخطواتٍ بطيئة حتى وقفت بين الملك وتاليس.

“من الآن فصاعدًا، احذروا كلماتكم وتصرفاتكم.”

ثم امتزجت الدماء في خيطٍ واحدٍ من الضوء الأحمر.

أدار الكونت كارابيان رأسه بوقارٍ نحو زوجته وابن أخيه.

طوال ذلك الوقت، لم يكن الفتى يعلم ما حقيقة “التجسدات” في هذا العالم.

هَمَسَ الكونت ديريك كروما، وقد بدا عليه الذهول نفسه.

في الحقيقة، لم يعتد بعد على هذا كله.

“لقد خرج الوضع عن سيطرة الإقطاعيين، وأخشى أنّ التجسدات قد تدخلت أيضًا.”

“لقد مرّ ما يقارب مئتي عامٍ منذ آخر مرة استُخدم فيها هذا الطقس. طقس إثبات سلالة الأمير كيرا… متى كان آخر مرة أُجري فيها؟”

تحت أنظار الحشد، اعتلت المتحدّثة البشرية باسم تجسيد الغروب، الكاهنة الكبرى لقاعة الغروب، ليسيا آروند، منطقة المقاعد الحجرية بخطواتٍ رشيقة.

ابتسم تاليس لها وهو يلتقط الخنجر الذي نُقش عليه رمز شمسٍ حمراء، ثم شقّ راحة يده اليسرى.

“ليسيا.”

كان كيسل ما يزال ممسكًا بيد تاليس.

ارتسمت الدهشة على وجه ڤال آروند، وتحول حزنه القديم إلى مزيجٍ من المشاعر المتناقضة حين رأى أخته الصغرى.

في الصفوف الخلفية، كان الضابط الشاب كوهين يقف خلف الكونت كارابيان، يحدق في الصبي بدهشةٍ بالغة.

(لقد مرّت سنواتٌ طويلة…)

لكن في اللحظة التالية، استرخى جسد تاليس كلّه وانفرجت كفّاه مبتسمًا.

لكن الكاهنة الكبرى لم تُلقِ عليه نظرةً واحدة، ومضت قُدمًا بخطواتٍ واثقةٍ هادئة.

“أما أنت يا فاكينهاز، أيها العجوز المتعفن، ففي مثل هذه المواقف، من الغريب أن لا أراك تشمت أو تُلقي سخريةً لاذعة. هذا غير مألوفٍ منك.”

بدت الدهشة على كوشدر، ورغب أن يلتقي بنظرة زاين كما اعتاد، لكنه وجد زاين باردًا قاسيًا، لا يمنحه أدنى التفاتة.

“ستفهم هذا لاحقًا.”

تجرّع التنين احادي العين مرارةً حادّة في قلبه.

“وهو أمرٌ منطقي. أنت شابٌّ واعد، ذو كفاءةٍ بارزة، ومن أسرةٍ ثريةٍ، وتحظى بمحبة الناس. إن بلغتَ العرش، حتى لو كان عرشًا نلته عبر اختيارٍ قسري، فلن تمرّ سوى سنواتٍ قليلة حتى تتحوّل سلالة كوڤندير إلى (عائلة جيدستار) جديدة، تُسيطر وتضبط أمر الإقطاعيين. وحتى إن أخذنا العمر بالحسبان، فبعمرك هذا ستعمر أطول من أيٍّ منهم.”

وقف كيسل الخامس بوقار.

“فكّر جيّدًا، وأعد النظر في موقفك. أنت شخصٌ حكيم، فأيُّ جانبٍ سترى أنّه الأجدر أن يكون حليفك؟ ومن الذي سيجلب أكبر فائدة لازدهار زهرة السوسن حين يصبح ملكًا؟”

“الكاهنة الكبرى، ليسيا. المتحدثة باسم قاعة الغروب وتجسيد الغروب.

تقلّصت حدقتا دوق الإقليم الشمالي حين رأى القادمة، وتقدّم جسده للأمام دون وعي.

“سلطة الملك، وقَسَم النبلاء، وشهادة التجسدات — هذه هي الشهادات الثلاث الأهم، كما كانت منذ تأسيس الكوكبة.

(هل يُعقل…؟)

“بعد أكثر من ستمائة عام، اليوم، ليشهد تجسيد الغروب استمرار سلالة الكوكبة الملكية كما في السابق.”

كان تاليس يحدق بفضولٍ في تلك الكاهنة الكبرى التي لم تكن تُكنّ له الودّ.

انفجرت القاعة بأكملها بالضجيج مجددًا.

مدّت ليسيا يديها بلا أيّ تعبيرٍ على وجهها، ممسكةً بكلتا يدي الملك وتاليس، ثم رفعت رأسها.

انحنت ليسيا عديمة التعبير وأومأت قليلًا برأسها، لكنها لم تُجب مباشرة. بل جثت على الأرض، رافعةً رأسها نحو السماء، وأغمضت عينيها.

“أترى؟ هؤلاء هم رعايانا، وحملنا، ومسؤوليتنا.” قال الملك ببطئ.

كان تاليس يحدق بفضولٍ في تلك الكاهنة الكبرى التي لم تكن تُكنّ له الودّ.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

(خخخ، هل تتواصل مع التجسدات الآن؟)

قبل أن يتمكن تاليس من الرد، تقدّمت ليسيا نحوهما بوجهٍ بارد. كانت الكاهنة الشابّة التي ترافقها ترتجف وهي تحمل صحنًا فوقه خنجرٌ ثمينٌ ونادر، بإشارةٍ من الكاهنة الكبرى.

لكن فجأة، شعر تاليس بإحساسٍ لا يُوصف في قلبه، إحساسٍ جعله يشعر بسوءٍ شديدٍ وقلقٍ داخلي.

عاد تاليس إلى جانب كيسل وتابع ببرود،

وانطلق صوتٌ أشبه بالطنين في أذنيه.

تصاعدت ضوضاء الحشود، وبدأ بعض الناس بالتصفيق.

بيب!

الفصل 63: طقس سلالة الدم.

ارتعد رعبًا. قاوم بشدّة الرغبة في تغطية أذنيه بيديه، وألقى نظرةً متفحصة حوله.

“طقس السلالة الدموية؟”

كان الجميع في القاعة، من نبلاء وعامة، ساكنين تمامًا، لا يصدرون صوتًا ولا يُبدون أي علامة انزعاج.

“أكان أولئك الذين ظننتهم حلفاءك؟ أولئك الذين سعيتَ معهم جاهدًا لتحقيق مستقبلٍ أفضل للكوكبة؟ أولئك الذين وعدوك يومًا بمستقبلٍ زاهٍ؟”

(هل يُعقل…؟)

وفي عيني ڤال اشتعلت نيرانٌ متأججة، ثم استدار نحو الرجل الكالح المتداعي وقال بكلماتٍ تخفي وراءها معاني حادة كالشفرة:

وحين اختفى ذلك الطنين، كان كل من حوله طبيعيين.

وفي تلك اللحظة، انفجرت القاعة مجددًا بالضجيج. شخصٌ جديد كان يدخل قاعة النجوم.

هل كان هو الوحيد الذي سمعه؟

وفي تلك اللحظة بالذات… حدث طارئ.

طوال ذلك الوقت، لم يكن الفتى يعلم ما حقيقة “التجسدات” في هذا العالم.

“هل تعلم هذا الصبي الخطابة والبيان من غيلبرت، أم تعلّم المنطق ودقّة الملاحظة منكِ؟”

لكن الآن…

سارت الكاهنة الكبرى الأنيقة الرزينة بخطواتٍ بطيئة حتى وقفت بين الملك وتاليس.

أُضيف سؤالٌ جديد إلى قلب تاليس.

حتى أولئك الواقفين في الساحة، تحت ضوء النهار، صاروا قادرين على رؤية ما يحدث فوق الشرفة بوضوح!

بعد لحظات، فتحت ليسيا عينيها ببطء ونهضت لتتحدث.

أما رئيس إدارة الاستخبارات الشهير فقد همس لرافاييل الواقف خلفه:

“لقد استجابت التجسدات، يا جلالتكم.”

(ما هذا…؟)

اطلق الدوق كولين تنهيدةً طويلة، فقد عرف سلفًا نتيجة الأمر.

وفي تلك اللحظة بالذات… حدث طارئ.

قبض كوشدر قبضتيه بإحكام، وومضت عيناه ببريقٍ بارد كالجليد والثلج.

“لكنني واقفٌ هنا الآن. من أجل سلام واستقرار الكوكبة، ومن أجل منفعتكم كذلك، فإنّ استمرار سلالة جيدستار هو الأمل الأكبر لاستقرار الكوكبة.

ضحك فاكينهاز ضحكةً جافة.

تصاعدت ضوضاء الحشود، وبدأ بعض الناس بالتصفيق.

أما زاين فكان ينظر بتفكّرٍ إلى تاليس، الذي أصبح محور الأنظار في القاعة.

عقد لسان كوشدر عن الرد.

أومأ كيسل الخامس برفق، ثم أمسك فجأة بيد تاليس، وحركته المفاجئة أفزعت الفتى.

كان تاليس يحدق بفضولٍ في تلك الكاهنة الكبرى التي لم تكن تُكنّ له الودّ.

“تعال معي.”

“ربّما استدانوا منك ومن عائلة كوڤندير قدرًا عظيمًا من النفوذ والقوة، واستعدّوا لذلك منذ زمنٍ طويل. غير أنّه مهما كانت الوعود التي قطعوها لك، فلن يوفوا بها.”

قال كيسل بنبرةٍ حازمةٍ لا تحتمل الجدل،

في الصفوف الخلفية، كان الضابط الشاب كوهين يقف خلف الكونت كارابيان، يحدق في الصبي بدهشةٍ بالغة.

“كل من في الكوكبة يجب أن يرى دمك.”

ساد سكونٌ مفاجئ بين الحاضرين على الشرفة وخلفها، الذين كانوا يتدافعون لمشاهدة الحدث. جثا كثيرٌ من العامة وأغمضوا أعينهم في صلاةٍ خاشعة أمام النور المتلألئ في وسط الشرفة.

ترك تاليس كيسل الخامس يمسك بيده، وعيناه شاخصتان وفمه مفتوحٌ من الصدمة، بينما سار الاثنان نحو الشرفة المطلة على ساحة النجم من فوق المنصّة الدائرية المحاطة بالمقاعد الحجرية.

كان دوق الإقليم الشمالي يحدق مذهولًا بأخته الصغرى التي لم يرها منذ سنين طويلة.

في الحقيقة، لم يعتد بعد على هذا كله.

بدت الدهشة على كوشدر، ورغب أن يلتقي بنظرة زاين كما اعتاد، لكنه وجد زاين باردًا قاسيًا، لا يمنحه أدنى التفاتة.

ربما لأن قلبه في أعماقه لم يعترف بعد بهذا الرجل القوي كأبٍ له.

تجمّدت تعابير جينيس.

وقف النبلاء التسعة عشر من مقاعدهم الحجرية وتبعوا الملك وابنه إلى الشرفة الفسيحة. حاول بعض النبلاء الأدنى رتبة أن يلحقوا بهم، لكن الحرس الملكي أوقفهم بحزمٍ بدروعهم المانعة للتقدم.

“الكاهنة الكبرى، ليسيا. المتحدثة باسم قاعة الغروب وتجسيد الغروب.

تقدّم تاليس إلى حافة الشرفة ونظر إلى الأسفل. كانت بعد الظهيرة، والجو معتدلًا تمامًا.

كان الجميع في القاعة، من نبلاء وعامة، ساكنين تمامًا، لا يصدرون صوتًا ولا يُبدون أي علامة انزعاج.

ثم كتم أنفاسه فجأة.

“قبل أن تنال حتى فرصة ارتداء ذلك التاج، لقد خُنت بالفعل. كلّ ذلك يعود إلى حقيقة أنّك ما زلت صغيرًا جدًا ومتهاونًا في انتقاء من تصادق.”

الناس. كان هناك بشرٌ كثيرون! حشدٌ كثيفٌ هائل! امتلأت ساحة النجم بالكامل بالبشر! كان هناك عشرات الآلاف منهم على الأقل. غطّوا نصف مجال رؤيته الأدنى كجيوشٍ من النمل تفترش الأرض.

“يا صاحب السمو، فلنسترجع معًا للحظة. ماذا كنتَ تنوي أن تفعل في ذلك اليوم؟ من كنتَ ستقابل؟ ومن كان يملك العلم بتحركاتك؟”

لم تكن تلك المرة الأولى التي يزور فيها تاليس ساحة النجم.

“لا يهمّني من هو الذي وضع مخطّط المؤامرة، ولا من هو الذي يرغب في العرش. فبالنسبة لمعظمكم، إنّها نتيجة محسومة بأنّ العائلة الملكية بلا وريث، ومن الطبيعي أن ترغبوا في اختيار المستقبل الأكثر نفعًا لأنفسكم.

فقد وقف هناك من قبل، يرفع بصره إلى قصر النهضة المهيب.

رأى غيلبرت بين أولئك الذين تعرّضوا للهجوم، ولينال رضا غيلبرت مدّ زاين يد العون.

لكنّه لم يقف قط على شرفة قاعة النجوم داخل القصر، لينظر من الأعلى نحو الساحة بأكملها!

نظر تاليس إلى الإقطاعيين وقد استعاد ملامحه الجادّة من جديد.

حتى وإن كان يحمل ذاكرتين من حياتين مختلفتين، لم يستطع إلا أن يحدّق مندهشًا في هذا المشهد العظيم.

“وهو أمرٌ منطقي. أنت شابٌّ واعد، ذو كفاءةٍ بارزة، ومن أسرةٍ ثريةٍ، وتحظى بمحبة الناس. إن بلغتَ العرش، حتى لو كان عرشًا نلته عبر اختيارٍ قسري، فلن تمرّ سوى سنواتٍ قليلة حتى تتحوّل سلالة كوڤندير إلى (عائلة جيدستار) جديدة، تُسيطر وتضبط أمر الإقطاعيين. وحتى إن أخذنا العمر بالحسبان، فبعمرك هذا ستعمر أطول من أيٍّ منهم.”

وسرعان ما أدركت الحشود في الساحة أن شخصين آخرين ظهرا على الشرفة.

أغلق زاين عينيه وخفّض رأسه قليلًا. لم يكن غبيًّا ليفوته ما يعنيه الصبي.

وحين تأكدوا أنّهما الملك وذريته، دوّى هتافٌ غير مسبوقٍ، مدوٍ كالرعد، اجتاح الساحة بأكملها.

لكنّه لم يقف قط على شرفة قاعة النجوم داخل القصر، لينظر من الأعلى نحو الساحة بأكملها!

“الملك! الملك!”

“طقس السلالة الدموية؟”

“عاشت جيدستار!”

في تلك اللحظة، استدار تاليس فجأة وصرخ بصوتٍ غريب موجّهًا كلامه إلى الإقطاعيين الجالسين على المقاعد الحجرية:

“الكوكبة! الكوكبة!”

فقد وقف هناك من قبل، يرفع بصره إلى قصر النهضة المهيب.

كان كيسل ما يزال ممسكًا بيد تاليس.

“تمامًا كما حدث الآن، ما يهم حقًا ليس إمكانية التعرف على هويتي، بل الأشخاص الذين لم يكونوا مستعدين للاعتراف بها.”

“أترى؟ هؤلاء هم رعايانا، وحملنا، ومسؤوليتنا.” قال الملك ببطئ.

أطلق غيلبرت زفرةً طويلة وهمس إلى تاليس الذي كان عائدًا نحوه.

ثم تساءل الملك الجليل بنبرةٍ عميقة المعنى،

تنفّس تاليس بعمقٍ وقطع كلامه بصوتٍ عالٍ.

“هل أنت مستعد أن تعيش لأجل الكوكبة؟”

“لا هذا ولا ذاك، يا مولاي… ذاك الطفل فريدٌ بطبعه.”

قبل أن يتمكن تاليس من الرد، تقدّمت ليسيا نحوهما بوجهٍ بارد. كانت الكاهنة الشابّة التي ترافقها ترتجف وهي تحمل صحنًا فوقه خنجرٌ ثمينٌ ونادر، بإشارةٍ من الكاهنة الكبرى.

لكن ليسيا لم تُلقِ عليه نظرةً واحدة.

“طقس السلالة الدموية؟”

“ما زال لديّ أمرٌ واحد أقوله. رغم أنّ ما فعلته كان مرضيًا عاطفيًا، إلا أنّ تصرّفك قبل قليل لم يكن أذكى خطوةٍ سياسية.”

اقترب الدوق كولن من الشرفة بمعونة خادميه.

لكن الآن…

“لقد مرّ ما يقارب مئتي عامٍ منذ آخر مرة استُخدم فيها هذا الطقس. طقس إثبات سلالة الأمير كيرا… متى كان آخر مرة أُجري فيها؟”

في الصفوف الخلفية، كان الضابط الشاب كوهين يقف خلف الكونت كارابيان، يحدق في الصبي بدهشةٍ بالغة.

لم يجبه أحد.

لكن فجأة، شعر تاليس بإحساسٍ لا يُوصف في قلبه، إحساسٍ جعله يشعر بسوءٍ شديدٍ وقلقٍ داخلي.

كان دوق الإقليم الشمالي يحدق مذهولًا بأخته الصغرى التي لم يرها منذ سنين طويلة.

“طقس السلالة الدموية؟”

لكن ليسيا لم تُلقِ عليه نظرةً واحدة.

لكن في اللحظة التالية، استرخى جسد تاليس كلّه وانفرجت كفّاه مبتسمًا.

سارت الكاهنة الكبرى الأنيقة الرزينة بخطواتٍ بطيئة حتى وقفت بين الملك وتاليس.

“عليك أن تمسك جوهر الأمور في كلّ ما تفعل. ما يهمّ حقًا ليس القتلة، بل حقيقة أنّ زاين رأى أولئك القتلة بعينيه.”

تحت أنظار الساحة بأكملها، التقط كيسل الخنجر برفق، وشقّ إصبع يده اليسرى، ثم أعاده إلى الصحن.

“يا صاحب السمو، فلنسترجع معًا للحظة. ماذا كنتَ تنوي أن تفعل في ذلك اليوم؟ من كنتَ ستقابل؟ ومن كان يملك العلم بتحركاتك؟”

مدّت الكاهنة الصحن نحو تاليس. كانت لا تزال طفلة في الحادية عشرة أو الثانية عشرة، ويبدو أن هذه أول مرة تشهد فيها موقفًا كهذا، حيث تتركّز عليها أنظار الآلاف. ارتجفت توترًا.

أدار تاليس رأسه، وأضاءت عيناه فورًا.

“لا داعي للتوتر، كل شيء بخير.”

دوّى صوت “التنين ذو العين الواحدة” الغاضب، دوق نانشيستر، وهو يضرب المقعد الحجري بعنف، ومسح الحشد بنظرةٍ حادّةٍ مهدِّدة.

ابتسم تاليس لها وهو يلتقط الخنجر الذي نُقش عليه رمز شمسٍ حمراء، ثم شقّ راحة يده اليسرى.

(لقد مرّت سنواتٌ طويلة…)

مدّت ليسيا يديها بلا أيّ تعبيرٍ على وجهها، ممسكةً بكلتا يدي الملك وتاليس، ثم رفعت رأسها.

نظر تاليس إلى الإقطاعيين وقد استعاد ملامحه الجادّة من جديد.

كان الطقس مختلفًا تمامًا عمّا تخيّله تاليس، إذ لم يكن صلاةً طويلة مملة، لأنّ الضوء الساطع ذاته الذي رآه في الغرفة الحجرية، انبعث في اللحظة التالية من عيني ليسيا!

مدّت ليسيا يديها بلا أيّ تعبيرٍ على وجهها، ممسكةً بكلتا يدي الملك وتاليس، ثم رفعت رأسها.

ساد سكونٌ مفاجئ بين الحاضرين على الشرفة وخلفها، الذين كانوا يتدافعون لمشاهدة الحدث. جثا كثيرٌ من العامة وأغمضوا أعينهم في صلاةٍ خاشعة أمام النور المتلألئ في وسط الشرفة.

فقد وقف هناك من قبل، يرفع بصره إلى قصر النهضة المهيب.

تزايدت الأشعة الباهرة سطوعًا حتى أصبحت أشدّ إشراقًا!

“ما موقعك تحديدًا داخل تلك الجماعة التي تُعنى بالعرش؟

حتى أولئك الواقفين في الساحة، تحت ضوء النهار، صاروا قادرين على رؤية ما يحدث فوق الشرفة بوضوح!

كان معظم الواقفين في الساحة من العامة، الذين لا يملكون حق دخول قاعة النجوم.

حرّك تاليس رأسه بطريقةٍ ساخرة كما لو كان بالغًا.

ركع الجميع تقريبًا بخشوعٍ وهم يُصلّون نحو قصر النهضة المهيب فوق رؤوسهم.

وفي عيني ڤال اشتعلت نيرانٌ متأججة، ثم استدار نحو الرجل الكالح المتداعي وقال بكلماتٍ تخفي وراءها معاني حادة كالشفرة:

وبدت الساحة بأكملها منحنية في موجةٍ بشريةٍ ضخمةٍ تتدفق كمدٍّ هائلٍ نحو شرفة قاعة النجوم.

أومأ رافاييل برأسه بجدٍّ وهو يدرك تمامًا ما يقصده النبي بكلامه المتناقض في ظاهره.

لكن تاليس لم يكن يملك القدرة على التركيز على هذا المشهد المهيب، إذ اكتشف بدهشة أنّ الدماء المنبثقة من يده ويد كيسل تطفو داخل الشعاع الساطع المنبعث من عيني الكاهنة الكبرى!

لم يلتفت تاليس إلى وجوه الإقطاعيين، بل استمتع أكثر بتخيّل ملامحهم في ذهنه.

ثم امتزجت الدماء في خيطٍ واحدٍ من الضوء الأحمر.

عندها بدأ الهمس في الجموع الهادئة يرتفع شيئًا فشيئًا.

(ما هذا…؟)

حدّق تاليس في ذلك الضوء في حيرة.

حدّق تاليس في ذلك الضوء في حيرة.

“أصبتِ. إنه تمامًا كأمّه.”

وفي تلك اللحظة بالذات… حدث طارئ.

عندها بدأ الهمس في الجموع الهادئة يرتفع شيئًا فشيئًا.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“الملك! الملك!”

🔥 تحدي يوليو 2026 ⏳ 5 يوم متبقي
13,500 شعلة الهدف: 66,666
20.3%
🔥 ادعم الموقع لضمان استمراريته وبدون ظهور إعلانات مزعجة للجميع!
×

شراء عملة الشعلة

🥇M. K🔥 12,000
🥈Fares saeed🔥 1,000
🥉Hamood Mahemed🔥 500

“لقد خرج الوضع عن سيطرة الإقطاعيين، وأخشى أنّ التجسدات قد تدخلت أيضًا.”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط