Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 77

الملكة، الأميرة، والمصير (1)
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الملكة، الأميرة، والمصير (1)

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“نعم. آه، ولا تستخدم هذا المصطلح المهين عند الحديث عنهم. إنهم ليسوا معاقين أو مرضى. في كل مرة تنعتهم بهذه الألفاظ، فأنتَ تعزلهم عن المجتمع الطبيعي. عليك أن تقول ’أشخاص ذوو إعاقة جسدية‘ أو ’أشخاص يواجهون صعوبات جسدية‘.”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

“أيها الطفل المسكين.” تنهدت كيا. “لم أزر إكستيدت قط، لكنني سمعت عنها. مكانٌ همجيٌّ خشن، يعشق العنف والحروب. وأنت ما زلت صغيرًا… أخشى أن تعاني المشقة.”

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

قبض رالف قبضته اليمنى وحركها بدائرية أمام صدره بترددٍ واضح.

Arisu-san

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

وبينما كان غيلبرت غارقًا في تلك الأفكار، تابع صوت تاليس التردد في القاعة.

الفصل ٧٧: الملكة، الأميرة، والمصير (1)

تحفّظ تاليس قليلًا، إذ كان ابنًا غير شرعي للملك، وشعر بالغرابة للمشهد أمامه؛ إن كانت جينيس عشيقة الملك، فكيف تتعامل الملكة معها بهذه المودّة؟

….

((في وجيز القول… تحت هذا الخط توجد جميع الكلمات اليومية التي تبدأ بحرف “P”، وقد شرحتها قبل قليل. إن لم تستطع تذكّرها، فهناك صور إلى الجانب تعمل كتلميحات. أما لماذا لا تُنطق الكلمات التي تبدأ بـ”Ph” على هذا النحو… فلا تسألني، يكفي أن تحفظها فقط…))

((في وجيز القول… تحت هذا الخط توجد جميع الكلمات اليومية التي تبدأ بحرف “P”، وقد شرحتها قبل قليل. إن لم تستطع تذكّرها، فهناك صور إلى الجانب تعمل كتلميحات. أما لماذا لا تُنطق الكلمات التي تبدأ بـ”Ph” على هذا النحو… فلا تسألني، يكفي أن تحفظها فقط…))

“وو تشيرين! إن ما يواجهونه من صعوبات ليس ذنبهم! بل ذنب أمثالنا نحن، أفراد المجتمع الذين لا يؤدّون مسؤوليتهم في تمكين كل إنسان من أن يعيش دون عوائق مهما كانت حالته. إذا كنّا نُظهر التفهم ونصمم مراحيض خاصة للأطفال دون مئةٍ وعشرين سنتيمترًا ليعيشوا في هذا المجتمع دون عوائق، فلماذا لا نتيح لشخص أصمّ أو أبكم أن يتواصل مع الآخرين بلا حواجز، ليعيش هو أيضًا دون عوائق؟”

تردّد صوت تاليس في قاعة الدراسة.

“جينيس، يا لكِ من رائعة!” قالت الملكة كيا بابتسامةٍ صافيةٍ ومفعمةٍ بالسرور. “كم هذا جميل! فكيسل مشغول مؤخرًا بعلاقات إكستيدت الدبلوماسية، وظننتكِ ستغرقين في العمل أيضًا…”

“جميع هذه المواد أعدّها غيلبرت لي، لكن يبدو الآن أن تقدّمي تجاوز مستوى هذه المواد قليلًا. ومع ذلك، فهي مناسبة تمامًا لك.”

تنقلت نظرات تاليس بين رالف والكتاب، وفي تلك اللحظة بدأ بصره يتشوش مجددًا.

(تجاوزها قليلًا؟)

الفتاة في الرسم بدت وديعة ورقيقة، تبتسم بلُطف، ووجهها البسيط نقيّ كالزنبقة. وعلى أذنها اليسرى قرطٌ على هيئة نجمةٍ متعددة الرؤوس.

كان غيلبرت يقف عند المدخل يتفحص المكان بعينين حذرتين، وقد عقد حاجبيه وهو يرى تاليس يناول قائمة الكلمات إلى رالف، الذي لم يكن قادرًا على الكلام.

“آه… إنني فقط أوصلكِ إلى هناك—”

لم يكن غيلبرت يوافق—بل كان يعارض بشدة—أن يضيّع الأمير وقته في تعليم رالف خلال لحظة حرجة كهذه (حتى وإن لم يكن هناك من يستطيع أن يحلّ محل سموّه في تعليم رالف بإشاراته الغامضة ذات المعنى العميق). فقد كان ذلك يعرقل دروسه الخاصة. غير أنّه عندما تذكّر أن رحلة الأمير الدبلوماسية إلى إكستيدت تقترب، أدرك أن ما يحتاجه الأمير حقًا هو تابع جدير بالثقة، لا تكدّس المعلومات المرهقة. فيتنهد غيلبرت عندها، ويبقى واقفًا عند الباب، يسمح لسموّه أن يُظهر اللطف تجاه تابعه، ويسعى لكسب ولائه. على الأقل، كان هذا ما يبدو عليه المشهد في نظر غيلبرت.

كانت بخط يد الملك نوڤين نفسه.

كان ردّ إكستيدت الخطي قد وصل في اليوم السابق. لكن حين عرض البارون لاسال، المبعوث الطارئ المتوتر، محتوى الرسالة، حتى الدوق العجوز كالين المعروف بأشدّ درجات ضبط النفس، لم يستطع إلا أن يقطّب حاجبيه بشدة.

كان لون الرق القديم باهتًا، يوحي بقدمٍ يفوق قِدم الكتاب ذاته، رغم أن الكتاب ظلّ محفوظًا بشكلٍ مدهش برغم هشاشته.

مقارنة ببصمات الدم التي لطّخت الرسالة الأولى المختومة، بدت هذه الرسالة أكثر إيجازًا واتزانًا.

تسلّل الشك إلى قلب تاليس.

كانت بخط يد الملك نوڤين نفسه.

(ثمة شيء غير طبيعي…)

ولم تحوِ سوى كلمتان قويتان للغاية:

“آمل أن ترث أيضًا ذكاء والدتك، وثقافتها الواسعة، وبلاغتها السلسة في كل مسعى. هاها… فقلّما وُجدت نساء مثلهنّ، مثلها ومثل جينيس.”

“دَعْه يأتِ.”

“آه… إنني فقط أوصلكِ إلى هناك—”

لا شروط، لا مقدمات، لا ذكرٍ للصراع بين المملكتين، ولا تعليقٍ على أفعال الآرشيدوق لامبارد—لم تتضمن الرسالة أي محتوى إضافي.

كانت جينيس تمشي بحذائها ذي الكعب العالي تصعد الدرج الحجري البارد، يقودها تاليس مرتديًا ثيابه الرسمية.

بعد أن أنهى كيسل الخامس قراءة الرسالة، ظلّ وجهه جامدًا دون تعبير. لم يُبدِ رأيًا، بل أصدر أمرًا رسميًا فحسب: بعد ثلاثة أيام، يتوجه الأمير الثاني ووفده الدبلوماسي شمالًا نحو إكستيدت، إلى مدينة سحب التنين.

“آمل أن ترث أيضًا ذكاء والدتك، وثقافتها الواسعة، وبلاغتها السلسة في كل مسعى. هاها… فقلّما وُجدت نساء مثلهنّ، مثلها ومثل جينيس.”

لم يستطع غيلبرت كبح توتره.

“نعم. آه، ولا تستخدم هذا المصطلح المهين عند الحديث عنهم. إنهم ليسوا معاقين أو مرضى. في كل مرة تنعتهم بهذه الألفاظ، فأنتَ تعزلهم عن المجتمع الطبيعي. عليك أن تقول ’أشخاص ذوو إعاقة جسدية‘ أو ’أشخاص يواجهون صعوبات جسدية‘.”

فبعد أن نقل البارون لاسال رسالة الملك نوڤين، غادر وهو يتصبب عرقًا، ليعود إلى بلاده. خمّن غيلبرت أن ما جرى في لقائه بجلالة الملك، وأداء لاسال ذاك اليوم، قد بلغا آذان إكستيدت الآن، وأنّ لاسال سيجد نفسه مضطرًا قريبًا للاختيار بين الملك نوڤين والآرشيدوق لامبارد.

هل ستكون تلك نهايته في المرة القادمة إن استعمل طاقته الصوفية مجددًا؟

وبينما كان غيلبرت غارقًا في تلك الأفكار، تابع صوت تاليس التردد في القاعة.

“دَعْه يأتِ.”

“حسنًا، الآن سنراجع إشارات لغة الإشارة التي تعلمناها قبل قليل. كيف تعبّر عن كلمة ’آسف‘؟”

ترددت في أذنيه أصوات وو تشيرين.

قطّب رالف حاجبيه وهو يقلب الأوراق المليئة بالصور إلى جانبه، ثم رفع كفّه اليمنى بحيرة، وأدارها بخفة أمام صدره.

كان نصف انتباهه على رالف، والنصف الآخر على يده اليمنى التي تخفي كتابًا تحت الطاولة، عنوانه: “من الإمبراطورية الأخيرة إلى الكوكبة.”

“خطأ. هذه تعني ’من فضلك‘. عليك أن تقبض كفك على شكل قبضة… نعم، هكذا، تلك هي ’آسف‘.”

هل استُخدمت هذه الورقة الأقدم من الكتاب كمِعْلَمٍ عابر من قِبَل أحد أفراد الأجيال الماضية؟

قبض رالف قبضته اليمنى وحركها بدائرية أمام صدره بترددٍ واضح.

“هاه، ومتى أصبحتِ صاحبة مبادئ رفيعة كهذه؟ لا يحملها إلا من تخصّص في العلوم الاجتماعية!”

في الجهة المقابلة لتابع الربح الشبحية، أومأ تاليس بخفة دون أن يرفع رأسه.

تحفّظ تاليس قليلًا، إذ كان ابنًا غير شرعي للملك، وشعر بالغرابة للمشهد أمامه؛ إن كانت جينيس عشيقة الملك، فكيف تتعامل الملكة معها بهذه المودّة؟

كان نصف انتباهه على رالف، والنصف الآخر على يده اليمنى التي تخفي كتابًا تحت الطاولة، عنوانه: “من الإمبراطورية الأخيرة إلى الكوكبة.”

“هاه، ومتى أصبحتِ صاحبة مبادئ رفيعة كهذه؟ لا يحملها إلا من تخصّص في العلوم الاجتماعية!”

نعم، بينما كان يعلّم رالف لغة الإشارة، كان أيضًا يقرأ سرًا ما يحتاج إليه تحت الطاولة. كان ذلك الكتاب شيئًا لا يمكنه السماح لغيلبرت برؤيته، خصوصًا وأنه يتحدث عن الكوارث… وعن الصوفيين.

الفتاة في الرسم بدت وديعة ورقيقة، تبتسم بلُطف، ووجهها البسيط نقيّ كالزنبقة. وعلى أذنها اليسرى قرطٌ على هيئة نجمةٍ متعددة الرؤوس.

كان تاليس يتوق بشدة إلى فهم تلك الأسرار المرتبطة به. خاصةً بعد محاولة الاغتيال الأخيرة، التي اشتبه فيها بأنه استخدم طاقة صوفية. لم يزل القلق ينهش فكره بسبب ذلك الألم المُمزّق الذي كاد يفتك بجسده بأكمله.

(أمي؟)

هل ستكون تلك نهايته في المرة القادمة إن استعمل طاقته الصوفية مجددًا؟

(ثمة شيء غير طبيعي…)

لكن وكأنه مدفوع بالمصير، منذ مؤتمر المملكة، مرورًا بلقاء دبلوماسيي إكستيدت، ثم تكليفه بالمهمة الدبلوماسية… لم يجد وقتًا ليتوقف ويبحث عن الحقيقة الكامنة في نفسه وعن الصوفيين.

“هاه؟ إلى أين؟”

لو لم تكن قضية إكستيدت عاجلة، ولولا قدوم رالف، لوجد تاليس ذريعة لتقليص دروسه اليومية مع غيلبرت، ليستغل الوقت الإضافي في تعليم رالف لغة الإشارة. فلا يمكنه أن يقرأ تلك المواد المريبة أثناء دروسه مع غيلبرت، كما أنه لم يجرؤ على الإفصاح عن فضوله حول الصوفيين مقابل فرصة للبحث فيهم علنًا. فمن يدري؟ ربما كانت الكتب التي يقرأها ستُسجّل وتُرفع إلى كيسل، أو حتى إلى مورات.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

ولذا، لم يكن أمامه إلا أن يُخفي دوافعه في حياته اليومية، ويسرق الوقت ليتقصّى سره الخفي، كما يفعل اليوم.

مقارنة ببصمات الدم التي لطّخت الرسالة الأولى المختومة، بدت هذه الرسالة أكثر إيجازًا واتزانًا.

أما ذلك الألم المبرح الذي اجتاح جسده بعد فقدانه السيطرة أثناء محاولة الاغتيال أمام القصر، فقد جعله أشد قلقًا ويقظة. كم من الشذوذات الأخرى يخبئ جسده؟ ومتى ستكشف تلك الشذوذات سره الخفي؟

“آه… إنني فقط أوصلكِ إلى هناك—”

شعر تاليس أن جميع الأسرار متشابكة في أصله، ومن بينها الأسرار المتعلقة بأمه الغامضة، وسلوك رئيسة الطقوس ليسيا المريب والغامض، وتلك المحادثة المريبة بين الملك ورئيسة الطقوس أثناء طقس السلالة، وغيرها من الأمور.

“اجتماع العائلة؟” انفرج فم تاليس دهشةً. “أيّ عائلة؟”

كان “حقيقة الأم” يحتلّ المرتبة الثانية في قائمة تاليس المسماة “الخمسُ غوامض الكبرى عن نفسي” — يسبقه فقط “لغز الصوفيين”، ويعلو على “العام الدموي” و”الذكريات الومضية” و”الجسد الشاذّ”.

كان لون الرق القديم باهتًا، يوحي بقدمٍ يفوق قِدم الكتاب ذاته، رغم أن الكتاب ظلّ محفوظًا بشكلٍ مدهش برغم هشاشته.

كان عليه أن يُنقذ نفسه في هذا العالم المليء بالمخاطر.

“جينيس، يا لكِ من رائعة!” قالت الملكة كيا بابتسامةٍ صافيةٍ ومفعمةٍ بالسرور. “كم هذا جميل! فكيسل مشغول مؤخرًا بعلاقات إكستيدت الدبلوماسية، وظننتكِ ستغرقين في العمل أيضًا…”

تنهد تاليس بعمق عند هذه الفكرة.

قصر النهضة.

“وماذا عن ’شكرًا‘؟ كيف تُعبّر عنها؟” سأل ببساطة.

كانت القاعة الفسيحة بسيطة الزينة، لكنها تفوح بذوقٍ رفيعٍ يمنحها هالةً من الأناقة.

بحث رالف بتعبٍ عن الورقة المناسبة، ثم لمس بذروة كفه اليمنى ذقنه برفق، وقلب يده لتواجه راحته الخارج.

كان لون الرق القديم باهتًا، يوحي بقدمٍ يفوق قِدم الكتاب ذاته، رغم أن الكتاب ظلّ محفوظًا بشكلٍ مدهش برغم هشاشته.

تنقلت نظرات تاليس بين رالف والكتاب، وفي تلك اللحظة بدأ بصره يتشوش مجددًا.

هزّ تاليس رأسه، عاجزًا عن الفهم.

ترددت في أذنيه أصوات وو تشيرين.

…

“آنسة، أأنتِ ذاهبة إلى المدرسة الخاصة مرة أخرى لتتطوّعي لخدمة ذوي الإعاقات؟”

مدّت جلالتها يدها، تمسح رأسه بمودّة، وقالت بابتسامةٍ أمومية،

“نعم. آه، ولا تستخدم هذا المصطلح المهين عند الحديث عنهم. إنهم ليسوا معاقين أو مرضى. في كل مرة تنعتهم بهذه الألفاظ، فأنتَ تعزلهم عن المجتمع الطبيعي. عليك أن تقول ’أشخاص ذوو إعاقة جسدية‘ أو ’أشخاص يواجهون صعوبات جسدية‘.”

“جميع هذه المواد أعدّها غيلبرت لي، لكن يبدو الآن أن تقدّمي تجاوز مستوى هذه المواد قليلًا. ومع ذلك، فهي مناسبة تمامًا لك.”

“هاي… لطالما ظننتُ أنكِ يجب أن تركزي على شهادتك الجامعية بدلًا من قضاء وقتك في هذه الأمور. فبهذا يمكنك التأثير من مستوى البنية الاجتماعية وتطوير التعليم الخاص. فبعد كل شيء، جهودك الفردية لن تكفي. ما يواجهونه من صعوبات يومية لن يتحسّن بأفعالك المتفرقة. فهكذا لا يتغير المجتمع.”

لم يكن غيلبرت يوافق—بل كان يعارض بشدة—أن يضيّع الأمير وقته في تعليم رالف خلال لحظة حرجة كهذه (حتى وإن لم يكن هناك من يستطيع أن يحلّ محل سموّه في تعليم رالف بإشاراته الغامضة ذات المعنى العميق). فقد كان ذلك يعرقل دروسه الخاصة. غير أنّه عندما تذكّر أن رحلة الأمير الدبلوماسية إلى إكستيدت تقترب، أدرك أن ما يحتاجه الأمير حقًا هو تابع جدير بالثقة، لا تكدّس المعلومات المرهقة. فيتنهد غيلبرت عندها، ويبقى واقفًا عند الباب، يسمح لسموّه أن يُظهر اللطف تجاه تابعه، ويسعى لكسب ولائه. على الأقل، كان هذا ما يبدو عليه المشهد في نظر غيلبرت.

“وو تشيرين! إن ما يواجهونه من صعوبات ليس ذنبهم! بل ذنب أمثالنا نحن، أفراد المجتمع الذين لا يؤدّون مسؤوليتهم في تمكين كل إنسان من أن يعيش دون عوائق مهما كانت حالته. إذا كنّا نُظهر التفهم ونصمم مراحيض خاصة للأطفال دون مئةٍ وعشرين سنتيمترًا ليعيشوا في هذا المجتمع دون عوائق، فلماذا لا نتيح لشخص أصمّ أو أبكم أن يتواصل مع الآخرين بلا حواجز، ليعيش هو أيضًا دون عوائق؟”

(أما يستطيع حضور اجتماعٍ عائلي؟

“هاه، ومتى أصبحتِ صاحبة مبادئ رفيعة كهذه؟ لا يحملها إلا من تخصّص في العلوم الاجتماعية!”

كان نصف انتباهه على رالف، والنصف الآخر على يده اليمنى التي تخفي كتابًا تحت الطاولة، عنوانه: “من الإمبراطورية الأخيرة إلى الكوكبة.”

“هذه ليست مبادئ، بل قيمٌ أساسية! إن ادعاءك بأن ’الطريقة الصحيحة لتطوير المجتمع تنبع من البنية الكلية‘ مغلوط! لا أؤمن أن شخصًا لا يكترث لمساعدة محيطه سيسهم بصدق في المجتمع. وأنا أتحدث عنك، وو تشيرين!”

“آآآه! وو تشيرين! هل أنت ذاهب أيضًا؟ لا بد أنك تأثرت بفيض استقامتي المتوهجة، أليس كذلك؟ ستتعلم لغة الإشارة معي، اتفقنا!”

“توقفي! هذا النقاش الجاد ينتهي هنا، هيا نغادر الآن.”

((في وجيز القول… تحت هذا الخط توجد جميع الكلمات اليومية التي تبدأ بحرف “P”، وقد شرحتها قبل قليل. إن لم تستطع تذكّرها، فهناك صور إلى الجانب تعمل كتلميحات. أما لماذا لا تُنطق الكلمات التي تبدأ بـ”Ph” على هذا النحو… فلا تسألني، يكفي أن تحفظها فقط…))

“هاه؟ إلى أين؟”

عند أسفل الصورة، وُقّعت الأحرف:

“إنني أرسلك إلى المدرسة الخاصة! ألم تقولي إنك ترغبين بأن تصبحي متطوِّعة؟!”

تبدّل وجه جينيس بنفورٍ وهي تقول بسرعة، “حسنًا، كيا، إن لم يكن هناك أمرٌ ضروري، عليّ أن آخذه الآن… تعلمين أنه سيرحل قريبًا إلى إكستيدت.”

“آآآه! وو تشيرين! هل أنت ذاهب أيضًا؟ لا بد أنك تأثرت بفيض استقامتي المتوهجة، أليس كذلك؟ ستتعلم لغة الإشارة معي، اتفقنا!”

الفتاة في الرسم بدت وديعة ورقيقة، تبتسم بلُطف، ووجهها البسيط نقيّ كالزنبقة. وعلى أذنها اليسرى قرطٌ على هيئة نجمةٍ متعددة الرؤوس.

“آه… إنني فقط أوصلكِ إلى هناك—”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“لا يهمني! عليك أن ترافقني! وإلا فلن يُسمح لك بدخول غرفتي الليلة!”

“جلالته منشغل للغاية، لذا لن يحضر اليوم.” تمتمت جينيس وهي تحدق بالباب المغلق.

أدار تاليس رأسه بقوة، طاردًا من ذهنه تلك الذكريات العميقة، الغائرة في وجدانه، والبعيدة المنال.

في تلك اللحظة، ظهرت خلف غيلبرت مسؤولة البلاط ذات المرتبة الأولى.

أعاد تركيزه إلى الحاضر.

تبدّل وجه جينيس بنفورٍ وهي تقول بسرعة، “حسنًا، كيا، إن لم يكن هناك أمرٌ ضروري، عليّ أن آخذه الآن… تعلمين أنه سيرحل قريبًا إلى إكستيدت.”

“ليس سيئًا، فلنرفع مستوى الصعوبة… ’جرّب مجددًا’… لا، لا، لا، ما أعنيه هو، كيف تُشير إلى ’جرّب مجددًا’ بلغة الإشارة؟”

“جلالته منشغل للغاية، لذا لن يحضر اليوم.” تمتمت جينيس وهي تحدق بالباب المغلق.

قلّب تاليس صفحتين من كتاب من الإمبراطورية الأخيرة إلى الكوكبة، فيما كان رالف يغطّ في العرق، يبحث عن الرسم الصحيح.

“ليس سيئًا، فلنرفع مستوى الصعوبة… ’جرّب مجددًا’… لا، لا، لا، ما أعنيه هو، كيف تُشير إلى ’جرّب مجددًا’ بلغة الإشارة؟”

قيمة هذا الكتاب كانت أدنى من سابقه؛ إذ لم يكن سوى تجميعٍ لأساطير خيالية وسجلات مطوّلة للأحداث الكبرى. ولم يتمكن من وصف “الكوارث” في معركة الإبادة بوضوح. كان الأمر تمامًا كما يراه العامة —عرضًا مملًا في قاعة الليل المظلم— حتى إن كثيرين كانوا يظنون أن العالم يتكوّن في الأصل من شبه جزيرتين… مهلاً؟

[عدو!]

تقطب حاجبا تاليس.

تردّد صوت تاليس في قاعة الدراسة.

سقطت ورقة من بين صفحات الكتاب السميك.

T.C.K.J

تناولها برفق.

أما ذلك الألم المبرح الذي اجتاح جسده بعد فقدانه السيطرة أثناء محاولة الاغتيال أمام القصر، فقد جعله أشد قلقًا ويقظة. كم من الشذوذات الأخرى يخبئ جسده؟ ومتى ستكشف تلك الشذوذات سره الخفي؟

كان لون الرق القديم باهتًا، يوحي بقدمٍ يفوق قِدم الكتاب ذاته، رغم أن الكتاب ظلّ محفوظًا بشكلٍ مدهش برغم هشاشته.

“وماذا عن ’شكرًا‘؟ كيف تُعبّر عنها؟” سأل ببساطة.

رُسمت على الرق صورة جانبية لفتاةٍ مراهقة بقلمٍ أسود قابل للمحو.

هل استُخدمت هذه الورقة الأقدم من الكتاب كمِعْلَمٍ عابر من قِبَل أحد أفراد الأجيال الماضية؟

الفتاة في الرسم بدت وديعة ورقيقة، تبتسم بلُطف، ووجهها البسيط نقيّ كالزنبقة. وعلى أذنها اليسرى قرطٌ على هيئة نجمةٍ متعددة الرؤوس.

تبدّل وجه جينيس بنفورٍ وهي تقول بسرعة، “حسنًا، كيا، إن لم يكن هناك أمرٌ ضروري، عليّ أن آخذه الآن… تعلمين أنه سيرحل قريبًا إلى إكستيدت.”

هل استُخدمت هذه الورقة الأقدم من الكتاب كمِعْلَمٍ عابر من قِبَل أحد أفراد الأجيال الماضية؟

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

ارتسمت الحيرة على وجه تاليس وهو يخفض نظره.

تقطب حاجبا تاليس.

عند أسفل الصورة، وُقّعت الأحرف:

لم يكن غيلبرت يوافق—بل كان يعارض بشدة—أن يضيّع الأمير وقته في تعليم رالف خلال لحظة حرجة كهذه (حتى وإن لم يكن هناك من يستطيع أن يحلّ محل سموّه في تعليم رالف بإشاراته الغامضة ذات المعنى العميق). فقد كان ذلك يعرقل دروسه الخاصة. غير أنّه عندما تذكّر أن رحلة الأمير الدبلوماسية إلى إكستيدت تقترب، أدرك أن ما يحتاجه الأمير حقًا هو تابع جدير بالثقة، لا تكدّس المعلومات المرهقة. فيتنهد غيلبرت عندها، ويبقى واقفًا عند الباب، يسمح لسموّه أن يُظهر اللطف تجاه تابعه، ويسعى لكسب ولائه. على الأقل، كان هذا ما يبدو عليه المشهد في نظر غيلبرت.

T.C.K.J

“حسنًا، كيا، لديه مهام أخرى، سننصرف الآن…”

كانت تلك الأحرف على الأرجح أوائل اسم الرسّام.

عند أسفل الصورة، وُقّعت الأحرف:

فيما كان رالف يشير بعجز، قلَب تاليس الرق، ليجد على ظهره كلمة محفورة بخطٍ متعجّل:

كانت تلك الأحرف على الأرجح أوائل اسم الرسّام.

[عدو!]

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

انتهت الكلمة بعلامة تعجّبٍ كبيرة.

“هاي… لطالما ظننتُ أنكِ يجب أن تركزي على شهادتك الجامعية بدلًا من قضاء وقتك في هذه الأمور. فبهذا يمكنك التأثير من مستوى البنية الاجتماعية وتطوير التعليم الخاص. فبعد كل شيء، جهودك الفردية لن تكفي. ما يواجهونه من صعوبات يومية لن يتحسّن بأفعالك المتفرقة. فهكذا لا يتغير المجتمع.”

“عدو؟”

ضحكت الملكة كيا بخفة.

هزّ تاليس رأسه، عاجزًا عن الفهم.

لم يستطع غيلبرت كبح توتره.

دوّى صوت غيلبرت فجأة.

“إذن، أنت هو؟” اقتربت كيا ببطء من تاليس وانحنت قليلًا أمامه. “أصغر أبناء كيسل؟”

“صاحب السمو، أعتذر عن المقاطعة!”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

ظلّ تاليس محافظًا على رباطة جأشه، دسّ الرق في صدره، أغلق الكتاب، وركله خفيةً إلى زاويةٍ غير لافتة.

كانت القاعة الفسيحة بسيطة الزينة، لكنها تفوح بذوقٍ رفيعٍ يمنحها هالةً من الأناقة.

رفع الأمير رأسه وابتسم نحو غيلبرت.

هل ستكون تلك نهايته في المرة القادمة إن استعمل طاقته الصوفية مجددًا؟

“لقد وردت أنباء من جلالته.” مال غيلبرت بقبعته وهو ينحني قليلًا. “يرجو أن تقوم بزيارة قصر النهضة قبل رحيلك، ليكتمل اجتماع العائلة الملكية.”

“توقفي! هذا النقاش الجاد ينتهي هنا، هيا نغادر الآن.”

“اجتماع العائلة؟” انفرج فم تاليس دهشةً. “أيّ عائلة؟”

تردّد صوت تاليس في قاعة الدراسة.

(ألَم تنقرض سلالة جيدستار؟)

لم يكن غيلبرت يوافق—بل كان يعارض بشدة—أن يضيّع الأمير وقته في تعليم رالف خلال لحظة حرجة كهذه (حتى وإن لم يكن هناك من يستطيع أن يحلّ محل سموّه في تعليم رالف بإشاراته الغامضة ذات المعنى العميق). فقد كان ذلك يعرقل دروسه الخاصة. غير أنّه عندما تذكّر أن رحلة الأمير الدبلوماسية إلى إكستيدت تقترب، أدرك أن ما يحتاجه الأمير حقًا هو تابع جدير بالثقة، لا تكدّس المعلومات المرهقة. فيتنهد غيلبرت عندها، ويبقى واقفًا عند الباب، يسمح لسموّه أن يُظهر اللطف تجاه تابعه، ويسعى لكسب ولائه. على الأقل، كان هذا ما يبدو عليه المشهد في نظر غيلبرت.

في تلك اللحظة، ظهرت خلف غيلبرت مسؤولة البلاط ذات المرتبة الأولى.

نادَت بحذر، “كيا، لقد جئت.”

“اتبعني فحسب.” قالت جينيس بصوتٍ خافت، وفي عينيها شفقةٌ وأسًى عميقان.

تنهد تاليس بعمق عند هذه الفكرة.

…

جمُد تاليس لبضع لحظات.

قصر النهضة.

انتهت الكلمة بعلامة تعجّبٍ كبيرة.

كانت جينيس تمشي بحذائها ذي الكعب العالي تصعد الدرج الحجري البارد، يقودها تاليس مرتديًا ثيابه الرسمية.

أحسّ تاليس بغرابة، ما الذي يجعل جينيس بهذا التوتر أمام هذه الملكة الهادئة الودودة؟ ولم تُعجِّل بإنهاء اللقاء؟

“بما أنك قد اعتُرِف بك كأمير، فعليك أن تلتقي بأمّك بالاسم. وإن لم تكن أمك الحقيقية… فعلى الأقل، قبل أن تغادر إلى إكستيدت…” جاء صوتها جليديًّا.

(أمي؟)

“أمّ؟” تساءل تاليس مذهولًا.

تنهد تاليس بعمق عند هذه الفكرة.

“زوجة والدك الوحيدة، طبعًا.” اكتسى وجه جينيس بحزنٍ لا يُحتمل. “الملكة كيا.”

سقطت ورقة من بين صفحات الكتاب السميك.

جمُد تاليس لبضع لحظات.

(جميلة آسرة… ذكية… مثقفة… بليغة؟)

توقّفا أمام باب قاعةٍ ملكية.

كان نصف انتباهه على رالف، والنصف الآخر على يده اليمنى التي تخفي كتابًا تحت الطاولة، عنوانه: “من الإمبراطورية الأخيرة إلى الكوكبة.”

“جلالته منشغل للغاية، لذا لن يحضر اليوم.” تمتمت جينيس وهي تحدق بالباب المغلق.

“توقفي! هذا النقاش الجاد ينتهي هنا، هيا نغادر الآن.”

تسلّل الشك إلى قلب تاليس.

هل استُخدمت هذه الورقة الأقدم من الكتاب كمِعْلَمٍ عابر من قِبَل أحد أفراد الأجيال الماضية؟

(أما يستطيع حضور اجتماعٍ عائلي؟

لكن وكأنه مدفوع بالمصير، منذ مؤتمر المملكة، مرورًا بلقاء دبلوماسيي إكستيدت، ثم تكليفه بالمهمة الدبلوماسية… لم يجد وقتًا ليتوقف ويبحث عن الحقيقة الكامنة في نفسه وعن الصوفيين.

هل يترك ابنه المكتشف حديثًا يواجه الملكة وحده؟)

كانت بخط يد الملك نوڤين نفسه.

لكن فكر جينيس كان في موضعٍ آخر.

( لكن… ما الذي ليس على ما يرام بالضبط؟)

ثم قالت بنبرةٍ جادةٍ مهيبة، “مهما حدث لاحقًا، لا تُبدِ دهشةً ولا خوفًا.”

“هاه؟ إلى أين؟”

قبل أن يستفيق تاليس من شروده، دفعت جينيس الباب بخفّة ودخلت.

نادَت بحذر، “كيا، لقد جئت.”

نادَت بحذر، “كيا، لقد جئت.”

“آه… إنني فقط أوصلكِ إلى هناك—”

تبعها تاليس بخطواتٍ مترددة.

وبينما كان غيلبرت غارقًا في تلك الأفكار، تابع صوت تاليس التردد في القاعة.

كانت القاعة الفسيحة بسيطة الزينة، لكنها تفوح بذوقٍ رفيعٍ يمنحها هالةً من الأناقة.

“وماذا عن ’شكرًا‘؟ كيف تُعبّر عنها؟” سأل ببساطة.

امرأةٌ في الأربعين تقريبًا وقفت أمامهما، وجهها ناعمٌ ورقيق، ترتدي ثوبًا أزرقَ كحليًّا فخمًا. استدارت لتنظر إلى جينيس وتاليس.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

“جينيس، يا لكِ من رائعة!” قالت الملكة كيا بابتسامةٍ صافيةٍ ومفعمةٍ بالسرور. “كم هذا جميل! فكيسل مشغول مؤخرًا بعلاقات إكستيدت الدبلوماسية، وظننتكِ ستغرقين في العمل أيضًا…”

هل ستكون تلك نهايته في المرة القادمة إن استعمل طاقته الصوفية مجددًا؟

تحفّظ تاليس قليلًا، إذ كان ابنًا غير شرعي للملك، وشعر بالغرابة للمشهد أمامه؛ إن كانت جينيس عشيقة الملك، فكيف تتعامل الملكة معها بهذه المودّة؟

ولذا، لم يكن أمامه إلا أن يُخفي دوافعه في حياته اليومية، ويسرق الوقت ليتقصّى سره الخفي، كما يفعل اليوم.

“لقد أخبرتكِ من قبل أن من سيأتي للقائك اليوم…” توقفت جينيس لحظة، وكأنها رأت أن لا حاجة للإطالة، ثم تنفّست بعمق وسحبت تاليس للأمام قائلة بهدوء، “هذا هو تاليس، ثاني ابناء كيسل…”

ضحكت الملكة كيا بخفة.

“إذن، أنت هو؟” اقتربت كيا ببطء من تاليس وانحنت قليلًا أمامه. “أصغر أبناء كيسل؟”

(ألَم تنقرض سلالة جيدستار؟)

التقت عيناهما، وكان في نظراتها لطفٌ حانٍ.

(ثمة شيء غير طبيعي…)

شعر تاليس بضيقٍ في أنفاسه من شدّة الارتباك.

كان ردّ إكستيدت الخطي قد وصل في اليوم السابق. لكن حين عرض البارون لاسال، المبعوث الطارئ المتوتر، محتوى الرسالة، حتى الدوق العجوز كالين المعروف بأشدّ درجات ضبط النفس، لم يستطع إلا أن يقطّب حاجبيه بشدة.

مدّت جلالتها يدها، تمسح رأسه بمودّة، وقالت بابتسامةٍ أمومية،

“هذه ليست مبادئ، بل قيمٌ أساسية! إن ادعاءك بأن ’الطريقة الصحيحة لتطوير المجتمع تنبع من البنية الكلية‘ مغلوط! لا أؤمن أن شخصًا لا يكترث لمساعدة محيطه سيسهم بصدق في المجتمع. وأنا أتحدث عنك، وو تشيرين!”

“لا تخف، أنا أيضًا من عائلتك. أنظر إلى عينيك وأنفك… إنهما نسخةٌ من والدتك الآسرة الجمال.”

“عدو؟”

توقّف تنفّس تاليس واتّسعت عيناه.

تبدّل وجه جينيس بنفورٍ وهي تقول بسرعة، “حسنًا، كيا، إن لم يكن هناك أمرٌ ضروري، عليّ أن آخذه الآن… تعلمين أنه سيرحل قريبًا إلى إكستيدت.”

(أمي؟)

لو لم تكن قضية إكستيدت عاجلة، ولولا قدوم رالف، لوجد تاليس ذريعة لتقليص دروسه اليومية مع غيلبرت، ليستغل الوقت الإضافي في تعليم رالف لغة الإشارة. فلا يمكنه أن يقرأ تلك المواد المريبة أثناء دروسه مع غيلبرت، كما أنه لم يجرؤ على الإفصاح عن فضوله حول الصوفيين مقابل فرصة للبحث فيهم علنًا. فمن يدري؟ ربما كانت الكتب التي يقرأها ستُسجّل وتُرفع إلى كيسل، أو حتى إلى مورات.

تابعت الملكة كيا بصوتٍ رقيقٍ وصادق.

كانت بخط يد الملك نوڤين نفسه.

“آمل أن ترث أيضًا ذكاء والدتك، وثقافتها الواسعة، وبلاغتها السلسة في كل مسعى. هاها… فقلّما وُجدت نساء مثلهنّ، مثلها ومثل جينيس.”

تابعت الملكة كيا بصوتٍ رقيقٍ وصادق.

(جميلة آسرة… ذكية… مثقفة… بليغة؟)

تقطّب حاجبا تاليس.

سجّل تاليس تلك المعلومات بعناية في الجزء المسمّى “الأم” داخل ذهنه — المفتاح لكثير من الألغاز التي تكتنفه.

أعاد تركيزه إلى الحاضر.

تبدّل وجه جينيس بنفورٍ وهي تقول بسرعة، “حسنًا، كيا، إن لم يكن هناك أمرٌ ضروري، عليّ أن آخذه الآن… تعلمين أنه سيرحل قريبًا إلى إكستيدت.”

“جينيس، يا لكِ من رائعة!” قالت الملكة كيا بابتسامةٍ صافيةٍ ومفعمةٍ بالسرور. “كم هذا جميل! فكيسل مشغول مؤخرًا بعلاقات إكستيدت الدبلوماسية، وظننتكِ ستغرقين في العمل أيضًا…”

أحسّ تاليس بغرابة، ما الذي يجعل جينيس بهذا التوتر أمام هذه الملكة الهادئة الودودة؟ ولم تُعجِّل بإنهاء اللقاء؟

رُسمت على الرق صورة جانبية لفتاةٍ مراهقة بقلمٍ أسود قابل للمحو.

“أيها الطفل المسكين.” تنهدت كيا. “لم أزر إكستيدت قط، لكنني سمعت عنها. مكانٌ همجيٌّ خشن، يعشق العنف والحروب. وأنت ما زلت صغيرًا… أخشى أن تعاني المشقة.”

“لقد وردت أنباء من جلالته.” مال غيلبرت بقبعته وهو ينحني قليلًا. “يرجو أن تقوم بزيارة قصر النهضة قبل رحيلك، ليكتمل اجتماع العائلة الملكية.”

“أه، شكرًا لعنايتك…” حتى تاليس، الذي كان لبقًا في التعامل مع الناس، لم يدرِ كيف يتصرّف وسط هذا الجو الأسريّ الغريب، فأجاب بصوتٍ متيبّس، “إنها أوامر جلالته… وهذه أيضًا مهمة جيدستار.”

أحسّ تاليس بغرابة، ما الذي يجعل جينيس بهذا التوتر أمام هذه الملكة الهادئة الودودة؟ ولم تُعجِّل بإنهاء اللقاء؟

ضحكت الملكة كيا بخفة.

نادَت بحذر، “كيا، لقد جئت.”

“مهمة جيدستار… هكذا يقولون دائمًا.”

تردّد صوت تاليس في قاعة الدراسة.

“حسنًا، كيا، لديه مهام أخرى، سننصرف الآن…”

عند أسفل الصورة، وُقّعت الأحرف:

(هناك خطبٌ ما.)

“هاه؟ إلى أين؟”

تقطّب حاجبا تاليس.

أما ذلك الألم المبرح الذي اجتاح جسده بعد فقدانه السيطرة أثناء محاولة الاغتيال أمام القصر، فقد جعله أشد قلقًا ويقظة. كم من الشذوذات الأخرى يخبئ جسده؟ ومتى ستكشف تلك الشذوذات سره الخفي؟

(ثمة شيء غير طبيعي…)

“ليس سيئًا، فلنرفع مستوى الصعوبة… ’جرّب مجددًا’… لا، لا، لا، ما أعنيه هو، كيف تُشير إلى ’جرّب مجددًا’ بلغة الإشارة؟”

( لكن… ما الذي ليس على ما يرام بالضبط؟)

“هاه؟ إلى أين؟”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

قصر النهضة.

مقارنة ببصمات الدم التي لطّخت الرسالة الأولى المختومة، بدت هذه الرسالة أكثر إيجازًا واتزانًا.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط