Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 76

برفقتك
PDF

برفقتك

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“إذًا حسنًا.” أطلق الأمير ابتسامة. “يمكنك البقاء عندي مؤقتًا… أعتقد أنّنا قادرون على إعالتك.”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

ضيّق تاليس عينيه وقال باستسلام، “هذا مبالغ فيه قليلًا… فالمسافة من هنا إلى ساحة النجم… على أية حال، تحالفنا خطا خطوة أخرى نحو هدفه.”

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

كان يعلم أيضًا أنه عاجزٌ الآن عن الكلام.

Arisu-san

أعتقد أنه بخبرته الطويلة في الكتيبة والحملات العسكرية، أدرك خلفية أولئك الفرسان عديمي الراية. وبفضل الأُخوّة التي جمعته برجال عائلة جيدستار أثناء وجوده في اللواء، فقد أصرّ على حماية هويتهم.”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

….

الفصل 76: برفقتك

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

….

كان يلهث، وجسده مثخنٌ بالجراح، وقد كبّلته سلاسل ثقيلة تمنعه من الحركة.

كان رالف ذات يوم أمل عصابة قوارير الدم، الوحيد من مستوى الفئة العليا بين ‘الاثني عشر الأقوى’. وبعد أن اجتاز الجحيم واليأس، التقى تاليس مجددًا بعد شهرٍ من الفراق.

أرخى جينارد فكه المتيبس، ووقع على الأرض يلهث بأنفاسٍ متقطعة. لقد صمد مرةً أخرى.

“أُهنّئك، لقد صمدتَ حتى النهاية.” ابتسم تاليس وأومأ برأسه. “لم تدع هذا العالم الملعون يهزمك.”

كلّ ذلك من أجل المكان الذي كان يومًا منزله. ومن أجل واجبه كعضوٍ في الحرس الشخصي للدوق الذي رحل جسده، لكنه سيبقى خالدًا في ذاكرته.

ارتجف رالف قليلًا وفتح فمه فجأة. حلقه، الذي كان مزيجًا من اللحم والدم، ارتعش ارتعاشًا خفيفًا. لكنه لم يستطع سوى أن يتمتم بأصواتٍ غامضة غير مفهومة.

حتى حلّت مأساة زودرا — تلك الخيانة المخزية الحقيرة، ذلك الغدر الدنيء المحتقر، تلك الطعنة الجبانة في الظهر.

كان يعلم أيضًا أنه عاجزٌ الآن عن الكلام.

لكن جينارد، الذي قضى اثني عشر عامًا في المقاطعة الشرقية، أدرك أنّه لا بدّ أنه اغضب شخصًا ذا شأنٍ رفيع.

في مثل هذا الموقف، لم يعلم تاليس كيف يتصرّف لوهلة. حكّ رأسه وقال: “لا بأس، إن كان لديك ما تريد قوله، فاكتبه بالقلم.”

كان رالف ذات يوم أمل عصابة قوارير الدم، الوحيد من مستوى الفئة العليا بين ‘الاثني عشر الأقوى’. وبعد أن اجتاز الجحيم واليأس، التقى تاليس مجددًا بعد شهرٍ من الفراق.

خَفَتَ بريق عيني رالف.

التفت زاين نحو آشفورد.

قال غيلبرت متنهّدًا، “لقد حاولنا. لكنه أُمّي. لا يعرف الكتابة، حتى اسمه لا يستطيع كتابته، عدا الأرقام.”

كانت تلك… خطيئة الحرس الشخصي. كانت ذنبهم.

حين سمع هذا، أغمض رالف عينيه خجلًا وخفَض رأسه أكثر. شعر تاليس ببعض الحرج.

Arisu-san

كاد أن ينسى أن رالف عاش حياته داخل عصابة. كان تاليس، الذي اعتاد كونه متسولًا في طفولته، يعلم أنّ أغلب من ينخرطون في العصابات قد عانوا حياةً بائسة. لم يُتح لهم أن يتلقوا تعليمًا لائقًا، إذ كانوا يقضون أيامهم يكافحون لكسب لقمة العيش عبر أعمالٍ غير قانونية.

تصلّب وجه تاليس تحت ضوء المصباح الأبدي.

لكن في اللحظة التالية، ولدهشة تاليس، عضّ رالف على أسنانه واتّكأ بصعوبةٍ على عكّازه، ثم انخفض بجسده المشوّه أمام تاليس الضعيف الصغير…

ذلك الصبي… ليس منقذه فحسب، بل يحمل أيضًا مكانةً مؤثرة في المجتمع…

وانحنى انحناءةً عميقة.

هزّ آشفورد رأسه قليلًا وتنهد بعمق، ثم خفّض رأسه وأبلغ خبرًا آخر. “سيدي، وصلت أنباء من مدينة اليشم… السيدة هيل…”

تنهد تاليس. “حسنًا، لقد تلقيتُ شكرك.”

حتى دخل المدينة مصادفةً، جائعًا حدّ الدوار، وأقدامه تقوده بغير وعي نحو مكتب التجنيد العسكري.

رفع رالف رأسه، وجسده ما زال يرتجف. حدّق في تاليس بعينين تلمعان ببريق.

“هل كنت تعلم، يا سيدي؟”

“ما خططك بعد هذا؟ هل لديك مكانٌ آخر تذهب إليه؟ لا أظن أنّ عودتك إلى عصابة قوارير الدم خيارٌ حكيم…”

كان يشعر أن صموده، وعناده، وصمته، بل وجراحه التي غطّت جسده حتى كاد يفقد حياته، لم تكن سوى كفارةٍ.

ارتعش رالف قليلًا.

ومهما رغبوا في معرفة خلفية أولئك الفرسان الذين ظهروا خارج قصر الكرمة تلك الليلة في المقاطعة الشرقية…

“العودة إلى عصابة قوارير الدم؟ إلى جناحي الأخت الكبرى… كاثرين؟” نظر إلى ساقيه، وانعكست على وجهه ملامح الألم. “ثم هناك نيكولاي…”

حتى دخل المدينة مصادفةً، جائعًا حدّ الدوار، وأقدامه تقوده بغير وعي نحو مكتب التجنيد العسكري.

حين تذكّر عدوه الذي غدر به وطعنه من الخلف، تألّقت عينا رالف بنورٍ حاد. وبعد ثوانٍ، أطلق زفرةً مستخدمًا قدرته النفسية، وهزّ رأسه بيأس.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

حدق فيه تاليس بتركيز.

“ذلك كافٍ.” أومأ تاليس ونظر إلى رالف. “خلال هذه الأيام، تعال إلى غرفة دراستي في النهار.”

“إذًا حسنًا.” أطلق الأمير ابتسامة. “يمكنك البقاء عندي مؤقتًا… أعتقد أنّنا قادرون على إعالتك.”

رفع آشفورد نظره نحوه، في عينيه لمحة استغراب.

أشرق بريق في عيني رالف.

….

ذلك الصبي… ليس منقذه فحسب، بل يحمل أيضًا مكانةً مؤثرة في المجتمع…

قبل اثني عشر عامًا، كان يجوب الأراضي المدمّرة بالحروب في غيبوبةٍ من الألم. عانى البرد والجوع والعذاب واليأس، وشهد القتل والحرق والاغتصاب والنهب كلّ يومٍ كأنه طيفٌ بلا روح.

استدار تاليس نحو الكونت كاسو. “غيلبرت، كم تبقّى لدينا من وقت قبل أن نغادر إلى إكستيدت؟”

“إنه يريد فقط معرفة هوية أولئك الفرسان، لا أكثر. أقسم بشرف سيدي أنه لا ينوي إيذاءهم.”

“الأمر يعتمد على المدة التي يستغرقها الغراب الرسول في الوصول والتواصل مع مدينة سحب التنين. على الأقل ثلاثة أيام، وأقصاها أسبوع، يا صاحب السمو.” تحدث غيلبرت.

كان آنذاك شابًا في التاسعة عشرة، فتى قرويًّا بسيطًا يتعرّض للاضطهاد، جاهلًا لا يملك سبيلًا للبقاء. وفي لواء ضوء النجم، تعلّم لأول مرةٍ معنى العمل الجماعي، وفهم معنى التضحية، وتذوّق طعم القبول والثناء، وتعلّم القراءة والكتابة، ورفع سيفه هاتفًا في لحظة النصر، وغنّى حول نار المخيّم، واتّخذ القرار بأن يكون الحارس الأخير لرفاقه.

“ذلك كافٍ.” أومأ تاليس ونظر إلى رالف. “خلال هذه الأيام، تعال إلى غرفة دراستي في النهار.”

ثم أسند رأسه عليه وزفر بأنينٍ عميق.

بدت الدهشة على ملامح رالف.

“ماذا؟” قال وهو يقطب حاجبيه بحيرة.

ذلك الفتى الواثق المتفائل، الذي منحه الخيار بين ‘الحرية’ و’النضال’ حين كان على حافة اليأس، ابتسم قائلًا, “سأعلّمك القراءة والكتابة، وكيفية التخاطب بإشارات اليدين.”

خفض آشفورد رأسه بهدوء، ولم ينطق بكلمة.

….

كان يعلم أيضًا أنه عاجزٌ الآن عن الكلام.

في زنزانة قصر الكرمة، كان جينارد، قائد فرقة الدفاع التابعة لمركز شرطة المقاطعة الشرقية البالغ من العمر إحدى وثلاثين سنة، ممدّدًا على الأرض.

ذلك الفتى الواثق المتفائل، الذي منحه الخيار بين ‘الحرية’ و’النضال’ حين كان على حافة اليأس، ابتسم قائلًا, “سأعلّمك القراءة والكتابة، وكيفية التخاطب بإشارات اليدين.”

كان يلهث، وجسده مثخنٌ بالجراح، وقد كبّلته سلاسل ثقيلة تمنعه من الحركة.

لكن جينارد، الذي قضى اثني عشر عامًا في المقاطعة الشرقية، أدرك أنّه لا بدّ أنه اغضب شخصًا ذا شأنٍ رفيع.

لكن صوتًا في أعماقه كان يهمس له ألّا… ألّا يفتح فمه.

اهتز صوته، وكرّر كلمة “أبدًا” ثلاث مرات.

مهما عذّبه أتباع هؤلاء النبلاء العظام أو ضربوه، مهما هدّدوه أو حاولوا إغراؤه…

أومأت سيرينا وابتسمت ابتسامة غامضة.

ومهما رغبوا في معرفة خلفية أولئك الفرسان الذين ظهروا خارج قصر الكرمة تلك الليلة في المقاطعة الشرقية…

كان يشعر أن صموده، وعناده، وصمته، بل وجراحه التي غطّت جسده حتى كاد يفقد حياته، لم تكن سوى كفارةٍ.

وجب عليه أن يُبقي فمه مغلقًا.

إلى أن انفجر فجأة، “أوَ لم يكفي أنها تسببت في مقتل والديها؟!”

بعد انتهاء المؤتمر الوطني، أُعفي جينارد من مهامه في ساحة النجم. وفي اليوم التالي، جاء رئيسه مع مجموعة من رجال الشرطة إلى موقع خدمته في المقاطعة الشرقية. تلا رئيسه أمامه وأمام جميع جنوده لائحة اتهامٍ ضده بتهمة الفساد أثناء تأدية واجبه هناك.

حدق فيه تاليس بتركيز.

تنفّس جينارد بعمق.

“إذًا حسنًا.” أطلق الأمير ابتسامة. “يمكنك البقاء عندي مؤقتًا… أعتقد أنّنا قادرون على إعالتك.”

لم يكن لأنّ التهمة باطلة، بل لأنّ قبول الرشى من النبلاء في المقاطعة الشرقية كان عادةً شائعة وممارسةً مألوفة منذ زمن بعيد.

بدت الدهشة على ملامح رالف.

كلّ جنديّ في فرقة الدفاع، بل حتى رجال الشرطة، اعتادوا أخذ مثل هذه «العطايا». وكان مركز الشرطة على علمٍ بذلك، إذ كانوا يقتطعون نصيبهم من الأرباح. وكانت تلك العلاوات هي الدخل الإضافي الوحيد الذي يقدّمه جينارد لجنوده ذوي الأجور الزهيدة.

(هذا الفتى البشري… هل تظن أنني لا أعرف ما تُخطط له؟)

فلماذا هو وحده من وُشي به؟ ارتسمت الدهشة على وجوه جنوده.

…..

لكن جينارد، الذي قضى اثني عشر عامًا في المقاطعة الشرقية، أدرك أنّه لا بدّ أنه اغضب شخصًا ذا شأنٍ رفيع.

وفي النهاية لوّح بيده مشيرًا إلى إصدار أمر. “أرسلوا مزيدًا من الرجال، وتأكّدوا من سلامتها.” أطبق زاين جفنيه بإحكام، وشد على أسنانه قائلًا بغضب: “وتأكّدوا أيضًا أن هويتها تبقى سرًّا… يجب ألا تُكشف أبدًا، أبدًا، أبدًا…”

تحت نظرات الكراهية من عشرة ضباط شرطة، لم يملك سوى أن يعطي سيفه العزيز _الذي احتفظ به اثني عشر عامًا ولم يفارقه قط_ إلى أكثر جنوده وعدًا بالمستقبل.

هزّ زاين رأسه مبتسمًا بسخريةٍ خافتة. “همف، أخشى أن الكنز الملكي المزعوم الذي فُقد من قاعة مينديس لم يكن سوى ذلك الأمير الجديد نفسه! نيكولاي قبض على ذلك الفتى وأحضره إلى قصر الكرمة… ولهذا السبب اقتحموا المكان سرًّا ليستعيدوه!”

ذلك السيف كان هدية تلقّاها من دوق بحيرة النجم بعد الإنسحاب العظيم من ممر والا، إذ قال له الدوق مازحًا، “خُذه بدلًا من كيس الطحين الذي في يدك. بفضلك سنحظى بوجبةٍ طيبة.” وكان يحمل شعار النجمة التساعية.

“تهانينا، يا أميـري، الأمير تاليس، الأمير الثاني.”

قُيّد يديه ورجليه، وغُطّي رأسه، ونُقل بعربة إلى قصرٍ مجهول.

في زنزانة قصر الكرمة، كان جينارد، قائد فرقة الدفاع التابعة لمركز شرطة المقاطعة الشرقية البالغ من العمر إحدى وثلاثين سنة، ممدّدًا على الأرض.

دارت العربة كثيرًا، لكن جينارد، الذي اعتاد التجوّل في المقاطعة الشرقية أكثر من عشر سنوات، وبحكم عادته القديمة من أيامه في لواء ضوء النجم في مراقبة الطرق وحفظها، أدرك في النهاية أنهم أوصلوه إلى قصر عائلة كوڤندير الذي كان يمرّ به ثلاث مراتٍ كلّ يومٍ أثناء دورياته.

قال آشفورد بوجهٍ بلا تعبير، “هناك أمور يمكن معرفة إجاباتها حتى لو لم يتكلم الطرف الآخر. كان جينارد في لواء ضوء النجم، وعضوًا في الحرس الشخصي لـ جون جيدستار، دوق بحيرة النجم، وملك الحرب النجمية. وبعد أن فككت سونيا ساسير لواء ضوء النجم، كان من بين من رفضوا الانتقال شمالًا إلى حصن التنين المحطم، فتقاعد وأصبح ضابط شرطة.”

قضت مجموعة من الرجال – الذين بدا أنهم كانوا جنودًا سابقين – يومين كاملين في تعذيبه، لا لشيء سوى لمعرفة أمر أولئك الفرسان الذين اقتحموا المقاطعة الشرقية تلك الليلة، وربما تسللوا إلى قصر كوڤندير…

كان يعلم أيضًا أنه عاجزٌ الآن عن الكلام.

أرادوا أن يعرفوا أصل أولئك الفرسان.

(بل على العكس، منافستها وخصمها، المُنتَحِبة تلك، أو ملكة الليل… هي التي ينبغي أن تقلقي بشأنها، لا أنا…)

لكن جينارد لم يكن ليستطيع البوح بشيء. لم يكن يجوز له ذلك.

( إنها تتحدث وكأنني لست الوريث الوحيد للمملكة، وكأنني لن أستطيع اعتلاء العرش دون عونها.)

لأنّ أولئك الفرسان… كانوا تحت راية النجمة التساعية. إنهم من العائلة الملكية جيدستار.

وانحنى انحناءةً عميقة.

ذلك كان شعار جون، دوق بحيرة النجم. شعار لواء ضوء النجم. الشعار الذي قاتل تحته جينارد الأحمق قديمًا، مدفوعًا بحرارة الحماسة والطهر.

لأنّ أولئك الفرسان… كانوا تحت راية النجمة التساعية. إنهم من العائلة الملكية جيدستار.

تحت تلك الراية كان رفاقه في القتال!

بعد انتهاء المؤتمر الوطني، أُعفي جينارد من مهامه في ساحة النجم. وفي اليوم التالي، جاء رئيسه مع مجموعة من رجال الشرطة إلى موقع خدمته في المقاطعة الشرقية. تلا رئيسه أمامه وأمام جميع جنوده لائحة اتهامٍ ضده بتهمة الفساد أثناء تأدية واجبه هناك.

قبل اثني عشر عامًا، كان يجوب الأراضي المدمّرة بالحروب في غيبوبةٍ من الألم. عانى البرد والجوع والعذاب واليأس، وشهد القتل والحرق والاغتصاب والنهب كلّ يومٍ كأنه طيفٌ بلا روح.

هناك أدرك لأول مرةٍ أنّ في هذا العالم ما هو أسمى من مجرّد الشبع والبقاء حيًّا.

حتى دخل المدينة مصادفةً، جائعًا حدّ الدوار، وأقدامه تقوده بغير وعي نحو مكتب التجنيد العسكري.

الفصل 76: برفقتك

هناك التقى بالدوق الذكي المتفائل الواثق، دوق بحيرة النجم، وبـ لواء ضوء النجم.

….

كان آنذاك شابًا في التاسعة عشرة، فتى قرويًّا بسيطًا يتعرّض للاضطهاد، جاهلًا لا يملك سبيلًا للبقاء. وفي لواء ضوء النجم، تعلّم لأول مرةٍ معنى العمل الجماعي، وفهم معنى التضحية، وتذوّق طعم القبول والثناء، وتعلّم القراءة والكتابة، ورفع سيفه هاتفًا في لحظة النصر، وغنّى حول نار المخيّم، واتّخذ القرار بأن يكون الحارس الأخير لرفاقه.

لم يكن لأنّ التهمة باطلة، بل لأنّ قبول الرشى من النبلاء في المقاطعة الشرقية كان عادةً شائعة وممارسةً مألوفة منذ زمن بعيد.

هناك أدرك لأول مرةٍ أنّ في هذا العالم ما هو أسمى من مجرّد الشبع والبقاء حيًّا.

ثم استدار وغادر القصر المفعم برائحة الدماء دون تردّد.

هناك، شعر أنه صار إنسانًا بحق، لا وحشًا همجيًا لا همَّ له سوى البحث عن الطعام وإشباع جوعه.

“من سيرى عنادك؟ وبالمثل، من سيرى ضعفك؟ يكفي أن تخبرنا بشيءٍ بسيط… مجرد القليل… لن يعلم أحد.”

كانت فرقة الحرس الشخصي للدوق ولواء ضوء النجم هي منزله، مأواه، وكلّ ما يملكه في حياته. المكان الذي ظنّ أنه سيقاتل فيه بشجاعة حتى آخر أنفاسه.

خفض آشفورد رأسه بهدوء، ولم ينطق بكلمة.

حتى حلّت مأساة زودرا — تلك الخيانة المخزية الحقيرة، ذلك الغدر الدنيء المحتقر، تلك الطعنة الجبانة في الظهر.

( إنها تتحدث وكأنني لست الوريث الوحيد للمملكة، وكأنني لن أستطيع اعتلاء العرش دون عونها.)

حينها فقط، رأى الدوق مسجّى بهدوءٍ بين أفراد حرسه الشخصي. وبين عويل الكتيبة المفعم بالندم والغضب، أوصاهم بصدقٍ قائلاً: “اعتنوا بأنفسكم.” ثم ابتسم، والدموع تترقرق في عينيه، وأغمض جفنيه ورحل إلى الأبد.

“إذًا حسنًا.” أطلق الأمير ابتسامة. “يمكنك البقاء عندي مؤقتًا… أعتقد أنّنا قادرون على إعالتك.”

كانت تلك… خطيئة الحرس الشخصي. كانت ذنبهم.

كان رالف ذات يوم أمل عصابة قوارير الدم، الوحيد من مستوى الفئة العليا بين ‘الاثني عشر الأقوى’. وبعد أن اجتاز الجحيم واليأس، التقى تاليس مجددًا بعد شهرٍ من الفراق.

(لو أننا أدركنا في وقتٍ أبكر… لو أنني تحركتُ أسرع قليلًا… لما كان الدوق… لما كان منزلنا…)

توقف زاين عن السير. استنشق الدوق الشاب نفسًا عميقًا، كأنه يتهيأ لسماع ما لا يُسرّ.

ولذلك، حين كان جينارد يتلقى الإهانات الوقحة من جنود العائلة النبيلة، ويُستجوَب ويُضرَب ويُهدَّد كي يُفشي هوية أولئك الفرسان الذين قاتلوا تحت راية النجمة التساعية…

قُيّد يديه ورجليه، وغُطّي رأسه، ونُقل بعربة إلى قصرٍ مجهول.

كان يشعر أن صموده، وعناده، وصمته، بل وجراحه التي غطّت جسده حتى كاد يفقد حياته، لم تكن سوى كفارةٍ.

تجمّد وجه زاين فورًا، وتشنّجت ملامحه، كأنه يتذكر أمرًا لا يُحتمل…

كفارةٌ لذنبٍ لطالما نهش روحه بالإثم والندم واللوم طوال اثني عشر عامًا. وكأنّ ما يفعله الآن هو محاولةٌ متأخرة لتطهير نفسه، بعد اثني عشر عامًا من البلادة وفقدان الرغبة في الحياة.

هناك، شعر أنه صار إنسانًا بحق، لا وحشًا همجيًا لا همَّ له سوى البحث عن الطعام وإشباع جوعه.

كلّ ذلك من أجل المكان الذي كان يومًا منزله. ومن أجل واجبه كعضوٍ في الحرس الشخصي للدوق الذي رحل جسده، لكنه سيبقى خالدًا في ذاكرته.

ذلك الصبي… ليس منقذه فحسب، بل يحمل أيضًا مكانةً مؤثرة في المجتمع…

“سيدي فقط يريد أن يتحقق من بعض الأمور.” جاء صوت رجلٍ مسنٍّ ذي شعرٍ أبيض من وراء باب الزنزانة، هادئًا متزنًا.

“أقول إنني أريد أن أكون معك.” ابتسمت سيرينا، تلك الفتاة ذات العينين الحمراوين التي تبدو في السادسة أو السابعة من عمرها (“أه؟ ألم تكن تبدو في الخامسة أو السادسة آخر مرة رأيتها فيها؟ أيمكن أنها نمت قليلًا؟” – فكر تاليس) وفتحت فمها بلكنة طفولية: “ما زال هناك بند آخـر ينص على أنك يجب أن تزودني بالدم مرة في الشهر، أليس كذلك؟”

“إنه يريد فقط معرفة هوية أولئك الفرسان، لا أكثر. أقسم بشرف سيدي أنه لا ينوي إيذاءهم.”

“إذًا، الجهة الوحيدة التي تنطبق عليها تلك الصفات هي الجيش الخاص لعائلة جيدستار في قاعة مينديس. وبعد ما حدث بالأمس، عاد الأمير الجديد مباشرةً إلى قاعة مينديس أمام أعين الجميع… إذًا، ذلك هو الكنز الملكي المفقود من القاعة؟”

ضغط جينارد أسنانه بصمتٍ وامتنع عن الرد.

ذلك السيف كان هدية تلقّاها من دوق بحيرة النجم بعد الإنسحاب العظيم من ممر والا، إذ قال له الدوق مازحًا، “خُذه بدلًا من كيس الطحين الذي في يدك. بفضلك سنحظى بوجبةٍ طيبة.” وكان يحمل شعار النجمة التساعية.

“من سيرى عنادك؟ وبالمثل، من سيرى ضعفك؟ يكفي أن تخبرنا بشيءٍ بسيط… مجرد القليل… لن يعلم أحد.”

(تتحدثين عن تتويجي وعودتك إلى العرش؟ يا شمطاء، ألا يمكننا عكس الترتيب؟)

ظلّ جينارد صامتًا، شفاهه مطبقة بإحكام.

تجمّد وجه زاين فورًا، وتشنّجت ملامحه، كأنه يتذكر أمرًا لا يُحتمل…

“نحن نعلم أنك تعلم شيئًا. جميع جنودك قالوا إنهم لم يحملوا رايةً ولا شعارًا. إذًا، هل كانوا أشخاصًا تعرفهم؟ ربما رفاقًا قدامى؟ أصدقاء كنت مستعدًا أن تموت لأجلهم؟”

(أيتها الساحرة الشمطاء الماكرة، لا تتركي فرصة دون أن تستغليها لنفعك…)

لكنّ جينارد بقي صامتًا. تنهد العجوز ذو الشعر الأبيض وغادر الزنزانة.

“لقد سمعنا بوضوح الهتافات تعلو من ساحة النجم.”

أرخى جينارد فكه المتيبس، ووقع على الأرض يلهث بأنفاسٍ متقطعة. لقد صمد مرةً أخرى.

ذلك كان شعار جون، دوق بحيرة النجم. شعار لواء ضوء النجم. الشعار الذي قاتل تحته جينارد الأحمق قديمًا، مدفوعًا بحرارة الحماسة والطهر.

لكنه لم يكن يعلم أنّ آشفورد، كبير خدم عائلة كوڤندير، كان يصعد إلى الطابق الأعلى من قصر الكرمة. انحنى باحترامٍ أمام سيده الشاب، زاين كوڤندير، دوق الساحل الجنوبي.

“سيدي فقط يريد أن يتحقق من بعض الأمور.” جاء صوت رجلٍ مسنٍّ ذي شعرٍ أبيض من وراء باب الزنزانة، هادئًا متزنًا.

“لقد حصلت على الجواب. أولئك الفرسان ينتمون إلى عائلة جيدستار.”

حتى دخل المدينة مصادفةً، جائعًا حدّ الدوار، وأقدامه تقوده بغير وعي نحو مكتب التجنيد العسكري.

استدار زاين عن النافذة التي تعبق برائحة الدم، وعلى وجهه ملامح تفكيرٍ عميق.

(بل على العكس، منافستها وخصمها، المُنتَحِبة تلك، أو ملكة الليل… هي التي ينبغي أن تقلقي بشأنها، لا أنا…)

“كنت أظن أنه رفض الكلام مهما حدث؟”

ومهما رغبوا في معرفة خلفية أولئك الفرسان الذين ظهروا خارج قصر الكرمة تلك الليلة في المقاطعة الشرقية…

قال آشفورد بوجهٍ بلا تعبير، “هناك أمور يمكن معرفة إجاباتها حتى لو لم يتكلم الطرف الآخر. كان جينارد في لواء ضوء النجم، وعضوًا في الحرس الشخصي لـ جون جيدستار، دوق بحيرة النجم، وملك الحرب النجمية. وبعد أن فككت سونيا ساسير لواء ضوء النجم، كان من بين من رفضوا الانتقال شمالًا إلى حصن التنين المحطم، فتقاعد وأصبح ضابط شرطة.”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

تحركت نظرات زاين ببطءٍ، متأملًا، وكأنه يغوص في أعماق التفكير.

هناك التقى بالدوق الذكي المتفائل الواثق، دوق بحيرة النجم، وبـ لواء ضوء النجم.

أومأ آشفورد قليلًا، “من الواضح أنه جنديّ متميّز قويّ الإرادة. إن كان هناك ما يجعله يلتزم الصمت مهما كان، فلا شك أنه مرتبط بما عاشه في خدمته العسكرية.

(بل على العكس، منافستها وخصمها، المُنتَحِبة تلك، أو ملكة الليل… هي التي ينبغي أن تقلقي بشأنها، لا أنا…)

أعتقد أنه بخبرته الطويلة في الكتيبة والحملات العسكرية، أدرك خلفية أولئك الفرسان عديمي الراية. وبفضل الأُخوّة التي جمعته برجال عائلة جيدستار أثناء وجوده في اللواء، فقد أصرّ على حماية هويتهم.”

“تهانينا، يا أميـري، الأمير تاليس، الأمير الثاني.”

تأمل زاين كبير خدمه العجوز لثوانٍ بصمت.

“سيدي فقط يريد أن يتحقق من بعض الأمور.” جاء صوت رجلٍ مسنٍّ ذي شعرٍ أبيض من وراء باب الزنزانة، هادئًا متزنًا.

ثم تنهد أخيرًا.

“إذًا حسنًا.” أطلق الأمير ابتسامة. “يمكنك البقاء عندي مؤقتًا… أعتقد أنّنا قادرون على إعالتك.”

“إذًا، الجهة الوحيدة التي تنطبق عليها تلك الصفات هي الجيش الخاص لعائلة جيدستار في قاعة مينديس. وبعد ما حدث بالأمس، عاد الأمير الجديد مباشرةً إلى قاعة مينديس أمام أعين الجميع… إذًا، ذلك هو الكنز الملكي المفقود من القاعة؟”

Arisu-san

هزّ زاين رأسه مبتسمًا بسخريةٍ خافتة. “همف، أخشى أن الكنز الملكي المزعوم الذي فُقد من قاعة مينديس لم يكن سوى ذلك الأمير الجديد نفسه! نيكولاي قبض على ذلك الفتى وأحضره إلى قصر الكرمة… ولهذا السبب اقتحموا المكان سرًّا ليستعيدوه!”

أومأت سيرينا وابتسمت ابتسامة غامضة.

“آشفورد، هل تدرك أننا أمسكنا بمصير المملكة بين أيدينا مرتين؟ مرتين!” رفع زاين رأسه وأغمض عينيه بقوة. “وفي كل مرة… تركناه يفلت من بين أصابعنا.”

قبل اثني عشر عامًا، كان يجوب الأراضي المدمّرة بالحروب في غيبوبةٍ من الألم. عانى البرد والجوع والعذاب واليأس، وشهد القتل والحرق والاغتصاب والنهب كلّ يومٍ كأنه طيفٌ بلا روح.

خفض آشفورد رأسه بهدوء، ولم ينطق بكلمة.

تنفّس جينارد بعمق.

مرّ زمنٌ صامت.

تحركت نظرات زاين ببطءٍ، متأملًا، وكأنه يغوص في أعماق التفكير.

ثم قال زاين بصوتٍ بارد: “عالجوا جراح ذلك الجندي من لواء ضوء النجم.”

قبل اثني عشر عامًا، كان يجوب الأراضي المدمّرة بالحروب في غيبوبةٍ من الألم. عانى البرد والجوع والعذاب واليأس، وشهد القتل والحرق والاغتصاب والنهب كلّ يومٍ كأنه طيفٌ بلا روح.

رفع آشفورد نظره نحوه، في عينيه لمحة استغراب.

بدت على وجهه ملامح الحيرة، وقطّب حاجبيه، “سيرا؟ دوقية سيرا التي تفككت وعمّتها الفوضى بعد اغتيال الآرشيدوق؟ أليست تلك المنطقة مصابة بطاعون مؤخرًا؟”

“أتعلم… مهما كان الأمر، فإنني أدين لذلك الفتى بشيء…” قبض زاين كفيه بقوة، واشتعل الغضب في عينيه. “ولا أريد أن أتردد حين يحين وقت مواجهته.”

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

ثم استدار وغادر القصر المفعم برائحة الدماء دون تردّد.

“أتعلم… مهما كان الأمر، فإنني أدين لذلك الفتى بشيء…” قبض زاين كفيه بقوة، واشتعل الغضب في عينيه. “ولا أريد أن أتردد حين يحين وقت مواجهته.”

“هل كنت تعلم، يا سيدي؟”

وراءه، ابتسم آشفورد ابتسامة غامضة، “أصبحتَ تشبه الدوق السابق أكثر فأكثر.”

وراءه، ابتسم آشفورد ابتسامة غامضة، “أصبحتَ تشبه الدوق السابق أكثر فأكثر.”

(ستبذلين كل ما في وسعك لمساعدتي؟)

دون أن يدير رأسه، أجاب زاين باحتقار، “وتريدني أن أكون أحمق مثله، تُدبَّر ضدي المؤامرات من أقاربي لأُذبح في غرفة نومي دون أن أدرك ذلك؟”

حدق فيه تاليس بتركيز.

هزّ آشفورد رأسه قليلًا وتنهد بعمق، ثم خفّض رأسه وأبلغ خبرًا آخر. “سيدي، وصلت أنباء من مدينة اليشم… السيدة هيل…”

ضيّق تاليس عينيه وقال باستسلام، “هذا مبالغ فيه قليلًا… فالمسافة من هنا إلى ساحة النجم… على أية حال، تحالفنا خطا خطوة أخرى نحو هدفه.”

رمق آشفورد سيده بنظرة فاحصة، بدا كمن يريد أن يتابع الحديث، لكنه تردد.

سيرينا، ذات الشعر الفضي والعينين الحمراوين، الصغيرة الهاربة من مملكة الليل والتي تجاوز عمرها الأربعمائة عام، نظرت إلى تاليس بنظرة معقدة.

توقف زاين عن السير. استنشق الدوق الشاب نفسًا عميقًا، كأنه يتهيأ لسماع ما لا يُسرّ.

رفع رالف رأسه، وجسده ما زال يرتجف. حدّق في تاليس بعينين تلمعان ببريق.

كان صوته جليديًّا وهو يقول: “تكلّم. ما الأمر السخيف الذي قامت به أختي العزيزة الحمقاء ذات الاثني عشر عامًا هذه المرة؟”

“قبل أن أغادر، سأوكلكم إلى… همم، والدي…” انتقى تاليس كلماته بعناية.

عند سماع ذلك، انحنى آشفورد بعمق وقال بحذر، “الآنسة هيل غادرت بالفعل إلى دوقية سيرا قبل خمسة أيام، برفقة اللورد كاساين لحمايتها. لم يجرؤ أيٌّ من الخدم على إيقافها.”

تأمل زاين كبير خدمه العجوز لثوانٍ بصمت.

التفت زاين نحو آشفورد.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

بدت على وجهه ملامح الحيرة، وقطّب حاجبيه، “سيرا؟ دوقية سيرا التي تفككت وعمّتها الفوضى بعد اغتيال الآرشيدوق؟ أليست تلك المنطقة مصابة بطاعون مؤخرًا؟”

وفي النهاية لوّح بيده مشيرًا إلى إصدار أمر. “أرسلوا مزيدًا من الرجال، وتأكّدوا من سلامتها.” أطبق زاين جفنيه بإحكام، وشد على أسنانه قائلًا بغضب: “وتأكّدوا أيضًا أن هويتها تبقى سرًّا… يجب ألا تُكشف أبدًا، أبدًا، أبدًا…”

انحنى آشفورد قليلًا، “العذر الذي أعلنته أمام العامة هو رغبتها في مساعدة الناس المتضررين من الطاعون. غير أن خادمك المتواضع يشتبه بأنها عثرت على معلومات عن تلك المنظمة.”

أومأت سيرينا وابتسمت ابتسامة غامضة.

“تلك المنظمة؟”

كاد أن ينسى أن رالف عاش حياته داخل عصابة. كان تاليس، الذي اعتاد كونه متسولًا في طفولته، يعلم أنّ أغلب من ينخرطون في العصابات قد عانوا حياةً بائسة. لم يُتح لهم أن يتلقوا تعليمًا لائقًا، إذ كانوا يقضون أيامهم يكافحون لكسب لقمة العيش عبر أعمالٍ غير قانونية.

تجمّد وجه زاين فورًا، وتشنّجت ملامحه، كأنه يتذكر أمرًا لا يُحتمل…

التفت زاين نحو آشفورد.

إلى أن انفجر فجأة، “أوَ لم يكفي أنها تسببت في مقتل والديها؟!”

التفت زاين نحو آشفورد.

كان صوته يغلي بالغضب والحنق. “أيُّ مصيبة أخرى تريد أن تجلبها لعائلة كوڤندير؟!”

لاذ آشفورد بالصمت. وبعد مضي أكثر من عشر ثوانٍ، اطلق زاين تنهيدة ثقيلة.

بدت الدهشة على ملامح رالف.

وفي النهاية لوّح بيده مشيرًا إلى إصدار أمر. “أرسلوا مزيدًا من الرجال، وتأكّدوا من سلامتها.” أطبق زاين جفنيه بإحكام، وشد على أسنانه قائلًا بغضب: “وتأكّدوا أيضًا أن هويتها تبقى سرًّا… يجب ألا تُكشف أبدًا، أبدًا، أبدًا…”

كفارةٌ لذنبٍ لطالما نهش روحه بالإثم والندم واللوم طوال اثني عشر عامًا. وكأنّ ما يفعله الآن هو محاولةٌ متأخرة لتطهير نفسه، بعد اثني عشر عامًا من البلادة وفقدان الرغبة في الحياة.

اهتز صوته، وكرّر كلمة “أبدًا” ثلاث مرات.

“سأتبعك أنت فقط.”

أومأ آشفورد بخفة، وغادر قاعة القصر قبل سيده بتروٍّ.

تابع تاليس الإيماء وهو يحاول التفكير بما يقول تاليًا. “… فأنتِ، بعد كل شيء، شخصية مهمة من حكومة مملكة أخرى، ولن يكون أبي مضيفًا سيئًا بالتأكيد…”

وحين ابتعد الخادم، ارتجف زاين وهو يتشبث بعمود رخامي.

توقف زاين عن السير. استنشق الدوق الشاب نفسًا عميقًا، كأنه يتهيأ لسماع ما لا يُسرّ.

طَخ!

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

هوى بقبضته على العمود بقوة!

(ستبذلين كل ما في وسعك لمساعدتي؟)

ثم أسند رأسه عليه وزفر بأنينٍ عميق.

“أقول إنني أريد أن أكون معك.” ابتسمت سيرينا، تلك الفتاة ذات العينين الحمراوين التي تبدو في السادسة أو السابعة من عمرها (“أه؟ ألم تكن تبدو في الخامسة أو السادسة آخر مرة رأيتها فيها؟ أيمكن أنها نمت قليلًا؟” – فكر تاليس) وفتحت فمها بلكنة طفولية: “ما زال هناك بند آخـر ينص على أنك يجب أن تزودني بالدم مرة في الشهر، أليس كذلك؟”

(التهاون والإخفاق السابق… لا يمكن أن يتكررا ثانية… يجب ألا أفشل… لا يجوز لي أن أفشل! عليَّ أن أصبح ملكًا. يجب أن أصبح. فقط حين أبلغ العرش، حين أقبض على كل سلطة في الكوكبة… وإلا… هيل… من في هذا العالم يمكنه حمايتك؟ من يمكنه أن يحمي… شخصًا مثلك؟)

ثم قال زاين بصوتٍ بارد: “عالجوا جراح ذلك الجندي من لواء ضوء النجم.”

…..

دارت العربة كثيرًا، لكن جينارد، الذي اعتاد التجوّل في المقاطعة الشرقية أكثر من عشر سنوات، وبحكم عادته القديمة من أيامه في لواء ضوء النجم في مراقبة الطرق وحفظها، أدرك في النهاية أنهم أوصلوه إلى قصر عائلة كوڤندير الذي كان يمرّ به ثلاث مراتٍ كلّ يومٍ أثناء دورياته.

قاعة مينديس، القبو.

(أيتها الساحرة الشمطاء الماكرة، لا تتركي فرصة دون أن تستغليها لنفعك…)

“تهانينا، يا أميـري، الأمير تاليس، الأمير الثاني.”

ذلك الفتى الواثق المتفائل، الذي منحه الخيار بين ‘الحرية’ و’النضال’ حين كان على حافة اليأس، ابتسم قائلًا, “سأعلّمك القراءة والكتابة، وكيفية التخاطب بإشارات اليدين.”

سيرينا، ذات الشعر الفضي والعينين الحمراوين، الصغيرة الهاربة من مملكة الليل والتي تجاوز عمرها الأربعمائة عام، نظرت إلى تاليس بنظرة معقدة.

ثم تنهد أخيرًا.

“لقد سمعنا بوضوح الهتافات تعلو من ساحة النجم.”

هناك التقى بالدوق الذكي المتفائل الواثق، دوق بحيرة النجم، وبـ لواء ضوء النجم.

ضيّق تاليس عينيه وقال باستسلام، “هذا مبالغ فيه قليلًا… فالمسافة من هنا إلى ساحة النجم… على أية حال، تحالفنا خطا خطوة أخرى نحو هدفه.”

قال آشفورد بوجهٍ بلا تعبير، “هناك أمور يمكن معرفة إجاباتها حتى لو لم يتكلم الطرف الآخر. كان جينارد في لواء ضوء النجم، وعضوًا في الحرس الشخصي لـ جون جيدستار، دوق بحيرة النجم، وملك الحرب النجمية. وبعد أن فككت سونيا ساسير لواء ضوء النجم، كان من بين من رفضوا الانتقال شمالًا إلى حصن التنين المحطم، فتقاعد وأصبح ضابط شرطة.”

من دون أن يبدُو عليها الخجل — بل كان يشكّ انها كانت تملك أصلًا أي قدر من الخجل — قاطعته سيرينا وتابعت الحديث: “والآن، سننتظر الوقت الذي تُتوَّج فيه ملكًا، ثم يمكنك أن تساعدني على استعادة عرشي. لا تقلق، سأبذل كل ما في وسعي لمساعدتك.”

كانت فرقة الحرس الشخصي للدوق ولواء ضوء النجم هي منزله، مأواه، وكلّ ما يملكه في حياته. المكان الذي ظنّ أنه سيقاتل فيه بشجاعة حتى آخر أنفاسه.

تصلّب وجه تاليس تحت ضوء المصباح الأبدي.

اهتز صوته، وكرّر كلمة “أبدًا” ثلاث مرات.

(ستبذلين كل ما في وسعك لمساعدتي؟)

تدحرجت عينا أمير الكوكبة إلى الأعلى مجددًا.

( إنها تتحدث وكأنني لست الوريث الوحيد للمملكة، وكأنني لن أستطيع اعتلاء العرش دون عونها.)

لكن صوتًا في أعماقه كان يهمس له ألّا… ألّا يفتح فمه.

(بل على العكس، منافستها وخصمها، المُنتَحِبة تلك، أو ملكة الليل… هي التي ينبغي أن تقلقي بشأنها، لا أنا…)

بدت على وجهه ملامح الحيرة، وقطّب حاجبيه، “سيرا؟ دوقية سيرا التي تفككت وعمّتها الفوضى بعد اغتيال الآرشيدوق؟ أليست تلك المنطقة مصابة بطاعون مؤخرًا؟”

شعر تاليس بالصداع يتسلّل إلى رأسه.

“العودة إلى عصابة قوارير الدم؟ إلى جناحي الأخت الكبرى… كاثرين؟” نظر إلى ساقيه، وانعكست على وجهه ملامح الألم. “ثم هناك نيكولاي…”

(أيتها الساحرة الشمطاء الماكرة، لا تتركي فرصة دون أن تستغليها لنفعك…)

لكن صوتًا في أعماقه كان يهمس له ألّا… ألّا يفتح فمه.

(تتحدثين عن تتويجي وعودتك إلى العرش؟ يا شمطاء، ألا يمكننا عكس الترتيب؟)

رفع رالف رأسه، وجسده ما زال يرتجف. حدّق في تاليس بعينين تلمعان ببريق.

لكنه في النهاية لم يُفصح عن أفكاره.

لم يكن لأنّ التهمة باطلة، بل لأنّ قبول الرشى من النبلاء في المقاطعة الشرقية كان عادةً شائعة وممارسةً مألوفة منذ زمن بعيد.

تنحنح تاليس تظاهرًا، وقال، “إذًا، فلا بد أنكِ سمعتِ أنني سأغادر قريبًا إلى إكستيدت.”

“من سيرى عنادك؟ وبالمثل، من سيرى ضعفك؟ يكفي أن تخبرنا بشيءٍ بسيط… مجرد القليل… لن يعلم أحد.”

أومأت سيرينا وابتسمت ابتسامة غامضة.

حتى دخل المدينة مصادفةً، جائعًا حدّ الدوار، وأقدامه تقوده بغير وعي نحو مكتب التجنيد العسكري.

(هذا الفتى البشري… هل تظن أنني لا أعرف ما تُخطط له؟)

ارتعش رالف قليلًا.

“قبل أن أغادر، سأوكلكم إلى… همم، والدي…” انتقى تاليس كلماته بعناية.

فلماذا هو وحده من وُشي به؟ ارتسمت الدهشة على وجوه جنوده.

“سأذهب معك.”

من دون أن يبدُو عليها الخجل — بل كان يشكّ انها كانت تملك أصلًا أي قدر من الخجل — قاطعته سيرينا وتابعت الحديث: “والآن، سننتظر الوقت الذي تُتوَّج فيه ملكًا، ثم يمكنك أن تساعدني على استعادة عرشي. لا تقلق، سأبذل كل ما في وسعي لمساعدتك.”

تابع تاليس الإيماء وهو يحاول التفكير بما يقول تاليًا. “… فأنتِ، بعد كل شيء، شخصية مهمة من حكومة مملكة أخرى، ولن يكون أبي مضيفًا سيئًا بالتأكيد…”

….

“سأتبعك أنت فقط.”

ذلك الفتى الواثق المتفائل، الذي منحه الخيار بين ‘الحرية’ و’النضال’ حين كان على حافة اليأس، ابتسم قائلًا, “سأعلّمك القراءة والكتابة، وكيفية التخاطب بإشارات اليدين.”

بدأ صوت تاليس يخفت تدريجيًا.

“إذًا حسنًا.” أطلق الأمير ابتسامة. “يمكنك البقاء عندي مؤقتًا… أعتقد أنّنا قادرون على إعالتك.”

“ماذا؟” قال وهو يقطب حاجبيه بحيرة.

لقد حدث ما كان يخشاه بالضبط، لكن في تلك اللحظة، دوى صوت غيلبرت من خلف الباب، “يوم سعيد لكم جميعًا… السير كورليوني، السير كورليوني، والسيدة كورليوني… أنتم حقًّا تتحملون المسؤولية بإخلاص. تشورا، خذ قسطًا من الراحة.”

“أقول إنني أريد أن أكون معك.” ابتسمت سيرينا، تلك الفتاة ذات العينين الحمراوين التي تبدو في السادسة أو السابعة من عمرها (“أه؟ ألم تكن تبدو في الخامسة أو السادسة آخر مرة رأيتها فيها؟ أيمكن أنها نمت قليلًا؟” – فكر تاليس) وفتحت فمها بلكنة طفولية: “ما زال هناك بند آخـر ينص على أنك يجب أن تزودني بالدم مرة في الشهر، أليس كذلك؟”

أرخى جينارد فكه المتيبس، ووقع على الأرض يلهث بأنفاسٍ متقطعة. لقد صمد مرةً أخرى.

تنهّد تاليس في داخله.

في مثل هذا الموقف، لم يعلم تاليس كيف يتصرّف لوهلة. حكّ رأسه وقال: “لا بأس، إن كان لديك ما تريد قوله، فاكتبه بالقلم.”

“ثم إن الحلفاء لا ينبغي أن يكونوا متباعدين عن بعضهم كثيرًا… ما زلت بحاجة إلى ضمان سلامتك.”

(أيتها الساحرة الشمطاء الماكرة، لا تتركي فرصة دون أن تستغليها لنفعك…)

تدحرجت عينا أمير الكوكبة إلى الأعلى مجددًا.

ذلك الصبي… ليس منقذه فحسب، بل يحمل أيضًا مكانةً مؤثرة في المجتمع…

(معي؟ لتضمني سلامتي؟ بل لتضمني سلامتك أنتِ!)

كفارةٌ لذنبٍ لطالما نهش روحه بالإثم والندم واللوم طوال اثني عشر عامًا. وكأنّ ما يفعله الآن هو محاولةٌ متأخرة لتطهير نفسه، بعد اثني عشر عامًا من البلادة وفقدان الرغبة في الحياة.

لقد حدث ما كان يخشاه بالضبط، لكن في تلك اللحظة، دوى صوت غيلبرت من خلف الباب، “يوم سعيد لكم جميعًا… السير كورليوني، السير كورليوني، والسيدة كورليوني… أنتم حقًّا تتحملون المسؤولية بإخلاص. تشورا، خذ قسطًا من الراحة.”

مهما عذّبه أتباع هؤلاء النبلاء العظام أو ضربوه، مهما هدّدوه أو حاولوا إغراؤه…

بعد لحظات، دوّى طرق على باب القبو.

حينها فقط، رأى الدوق مسجّى بهدوءٍ بين أفراد حرسه الشخصي. وبين عويل الكتيبة المفعم بالندم والغضب، أوصاهم بصدقٍ قائلاً: “اعتنوا بأنفسكم.” ثم ابتسم، والدموع تترقرق في عينيه، وأغمض جفنيه ورحل إلى الأبد.

جاء صوت الكونت كاسو من الخارج قائلًا، “أعتذر لمقاطعة حديثكما، الأمير تاليس والآرشيدوقة كورليوني، غير أن… ردّ إكستيدت قد وصل… أسرع مما توقعنا.”

ذلك الفتى الواثق المتفائل، الذي منحه الخيار بين ‘الحرية’ و’النضال’ حين كان على حافة اليأس، ابتسم قائلًا, “سأعلّمك القراءة والكتابة، وكيفية التخاطب بإشارات اليدين.”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“نحن نعلم أنك تعلم شيئًا. جميع جنودك قالوا إنهم لم يحملوا رايةً ولا شعارًا. إذًا، هل كانوا أشخاصًا تعرفهم؟ ربما رفاقًا قدامى؟ أصدقاء كنت مستعدًا أن تموت لأجلهم؟”

لكنه لم يكن يعلم أنّ آشفورد، كبير خدم عائلة كوڤندير، كان يصعد إلى الطابق الأعلى من قصر الكرمة. انحنى باحترامٍ أمام سيده الشاب، زاين كوڤندير، دوق الساحل الجنوبي.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط