Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 106

الرهان الفاشل
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الرهان الفاشل

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تجمّد تاليس قليلًا، وما إن فهم معنى الكلمة حتى تبدّل وجهه فجأة.

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

“لا تُفاجأ.” تقدَّم الفيكونت كينتفيدا من جانبه، ووضع يده فوق يد الكونت وتنهد. “لقد كنَّا نتطلَّع منذ زمنٍ طويلٍ لمواجهة غضب المملكة. حتى حرّاس النصل الأبيض لم يتمكنوا من صدّ هجماته الوحشية وجهاً لوجه.”

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

رمى آراكا فأس ليروك من يده، وقطع الحبل المثبّت حول جسد تاليس وهو يسأله بهدوء: “هل أنت متأكد أن هذه فرصتنا؟”

Arisu-san

كان آراكا يلهث، والدم يتدفّق من جرحه ليبلّل كتف تاليس بثقله الدافئ.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

بذل آراكا قصارى جهده ليصدّ الضربة الموجهة إلى صدره، ثم أمسك بالسيف الآخر بإحكام ليمنعه من متابعة هجومه.

الفصل 106: الرهان الفاشل

اغتبط وجه ويلو فرحًا.

…

احمرّ وجه ويلو، واهتزّت يداه بقوةٍ وهما تُقاومان ضغط الفأس العظيم.

صرخ ليروك وتراجع بخطواتٍ سريعة إلى الخلف ليتفادى ضربة آراكا الهجومية.

عمّ الصمت فجأة.

وبأمرٍ منه، لم يُشكّل العشرات من مشاة إكستيدت المحيطين به أيَّ تشكيلٍ قتاليٍّ ولم يتراجعوا، بل اندفعوا مباشرة نحو حرس الغضب الذين يحيطون بآراكا. فاشتدّ عبوس الأخير.

“آراكا مورخ وقوته كانا جزءاً من خطّتنا منذ البداية.” سُمع صوتٌ رصين من الخلف، فانحنى كلٌّ من كينتفيدا وليفان احتراماً. “إن تولّى هو الهجوم بنفسه، فبوسعه أن يخترق صفوفنا أبعد من ذلك برفقة أمير الكوكبة.”

في خضمّ صخب الزئير وارتطام الحديد بالحديد، التفَّ جنود إكستيدت بعنادٍ حول حرس الغضب، مُطبقين عليهم بإصرارٍ قاتل.

صرخ رامون وهو يرتمي أرضًا. “كنت أعلم ذلك! اتباع هذا الأمير… ضربٌ من الجنون!”

وفي لحظةٍ واحدة، وجد آراكا نفسه في المقدّمة وحيدًا، بلا من يدرأ عنه الضربات من الجانبين، وقد أحاط به سبعة أو ثمانية من مقاتلي إكستيدت بوجوهٍ شرسةٍ مفعمةٍ بالحقد.

طَنين!

تغيّر وجه تاليس تغيّرًا حادًّا.

إنه جينارد، المحارب من “لواء ضوء النجوم”. أمسك بعدوّه الهائج وكلاهما يُمسك بيد الآخر التي تحمل السيف، يتصارعان بقوّتهما وصبرهما ليغرس أحدهما نصل سيفه في مقتل خصمه قبل الآخر.

(تبًّا!)

زفر تاليس أنفاسًا طويلةً متقطّعة، وشعر بأن ذهنه بدأ يسترخي أخيرًا. (يا لها من لحظةٍ فاصلة!)

كان آراكا يعتمد اعتمادًا كبيرًا على تضحية الحرس المحيطين به وحمايتهم له ليحافظ على تفوّقه المطلق في الخطوط الأمامية، ليقاتل دون خوفٍ من الهجمات الجانبية. أمّا الآن، فلو قتل عشرة رجالٍ فحسب، فسيتباطأ إيقاعه ويُحاصر مجددًا في ذلك الطوق الحديديّ الذي لا يُكسر.

زفر تاليس أنفاسًا طويلةً متقطّعة، وشعر بأن ذهنه بدأ يسترخي أخيرًا. (يا لها من لحظةٍ فاصلة!)

حتى المقاتل الأعلى فئةً، لو استُنزف بهذا القدر، لهلك.

عقد ليروك حاجبيه وهو يحدّق في البريق الأحمر الضعيف المنبعث من عيني آراكا، فيما تقلّصت عضلات كتفه الجريح وانكمشت لتسدّ الجرح وتمنع النزيف.

وفوق ذلك، أن تواجه في آنٍ واحد أعداء لا يُحصَون، وضرباتٍ من كل صوبٍ وسلاح، أمرٌ لا يخرج منه أحدٌ سالمًا، حتى النخبة من الفئة الفائقة. وهكذا كانت حال آراكا الآن، جراحٌ تتراكم وقوةٌ تتناقص.

حين استعاد تاليس وعيه، حدّق بدهشةٍ وهو يرى آراكا يندفع بأقصى سرعته نحو السبعة أو الثمانية الذين أمامهم.

كان يلهث قليلًا وهو يُحدّق في الميدان أمامه.

عمّ الصمت فجأة.

“غطّوه!” تسلّلت آيدا بخفةٍ بين ثلاثة من مشاة إكستيدت المتناسقين في هجماتهم، لكنها لم تكن معتادةً على إيقاع ساحة القتال، حيث السيوف تتقاطع من كل اتجاه، فعجزت عن تخليص نفسها سريعًا.

وفي الوقت ذاته، بذل الرماحان اللذان كانا يتصارعان مع آراكا كل ما في وسعهما، يحاولان اغتنام اللحظة لقتله.

“غطّوا آراكا! وإلا سيشدّوننا مجددًا إلى قلب طوقهم الحديدي!”

خفض جنديّ إكستيدت رأسه بدهشة، وسقط الخنجر من يده.

كان وايا محاصرًا بين عدوّين، يعجز عن الفكاك بسرعةٍ بسبب جراحه. أمّا بيوتراي، الذي لا يملك مهاراتهما، فاستطاع ببرودةٍ أن يتخلّص من خصومه ليحمي آراكا.

وفي اللحظة التالية، أطلق آراكا زئيراً هادراً هزّ السماء، وانفجرت حرارةٌ مدهشةٌ من قبضته اليمنى، ثم غرسها في وجه أحد السيّافين بصوتٍ واضحٍ لتحطّم العظام. فصرخ الجنديّ بجنونٍ وعذاب.

وبسبب تشكيل “الهجوم المخروطي” الذي استخدمه آراكا، اخترقوا الصفوف بسرعةٍ كبيرة، فاندفع جنود إكستيدت الذين تراجعوا خلفهم في مطاردةٍ جديدة.

تجمّد السيّاف الذي قتل رفيقه بالخطأ لثانيةٍ واحدة، قبل أن يقبض آراكا على سترته ويسحبه نحوه ليفتت قصبته الهوائية.

اتّسعت عينا رالف، فاندفعت ريحٌ قوية هاجت بين نثار الثلوج لتصنع حاجزًا صدَّ الصفوف الأولى من جنود إكستيدت.

“من الأفضل أن تكون محقًّا، أيها الأمير الصغير.” خرج صوته مبحوحًا مرتعشًا، “لأن كل هذا… من أجلك وحدك…”

“الجنود الذين يحملون عتاد حرس الغضب قد احتُجزوا جميعًا!” صاح بيوتراي وهو يواجه هجومًا عنيفًا من أحد المشاة، “وواضحٌ أن بعثتنا الدبلوماسية، ومن ضمنهم أنت، لم يشاركوا في حربٍ من قبل—لا قدرة لنا على الاختراق!”

كان آراكا يعتمد اعتمادًا كبيرًا على تضحية الحرس المحيطين به وحمايتهم له ليحافظ على تفوّقه المطلق في الخطوط الأمامية، ليقاتل دون خوفٍ من الهجمات الجانبية. أمّا الآن، فلو قتل عشرة رجالٍ فحسب، فسيتباطأ إيقاعه ويُحاصر مجددًا في ذلك الطوق الحديديّ الذي لا يُكسر.

قال وايا وهو يتصدّى لعدوه بسيفه ببطءٍ شديد، “هل بقي غير حرس الغضب والبعثة الدبلوماسية؟ إن استطعنا فقط الخروج من هذا الطوق، سنصل إلى الأمير!”

تراقصت الأضواء أمام عيني تاليس وارتبكت رؤيته. رأى يدي آراكا تمسكان بمقبض الفأس الطويل.

وسط ضجيج المعركة، استدار جنديٌّ شابٌّ ومُحاربٌ مُخضرم يحمل سيفًا ودرعًا فجأةً معًا.

الفصل 106: الرهان الفاشل

…

وكما كان متوقَّعًا، لم يُمهله العدوُّ لحظةً واحدة ليلتقط أنفاسه. فقد هاجمه جنديان من إكستيدت، وانطلق سيفاهما الطويلان نحو صدر آراكا ورأسه.

لو كان آراكا ما يزال محاطًا برجال حرس الغضب، لما احتاج أن يقلق على تهديدات الجانبين أو الخلف، وكان يكفيه أن يواجه العدو من الأمام. أمّا الآن، فعليه أن يصدّ الخطر من كلّ اتجاه.

خفض تاليس رأسه بوجهٍ معقّد. وفي تلك اللحظة بالذات—

طَنِين!

“إنه أعجب سلاحٍ في العالم كلّه.” ابتسم بخبث وقال: “كل سلاحٍ يمنح مستخدمه قوّةً تناسبه.”

وجّه ليروك فأسه العظيم بقوّة نحو مطرقة المسامير التي انتزعها آراكا حديثًا! فأطلق الأخير زئيرًا وحشيًّا مكتومًا، حتى إن تاليس شعر بالرهبة من الضغط في الجوّ.

تطاير الأخير بعيداً كطائرةٍ مقطوعة الخيط.

ثم احمرّتا عينا غضب المملكة، وارتجّت المطرقة المعلّقة بفأس ليروك بينما تفجّرت قوته دفعةً واحدة!

“في المرة القادمة استخدم رمحًا طويلًا وآخر قصيرًا.” جاء صوته من الأمام. “الرمحان المتساويان في الطول… حماقة كبيرة.”

طَنِين!

“كلّنا نعرف أسطورة ذلك الرجل. سمعت أنّ برج الإبادة منح قدرته المتحوّرة اسماً خاصاً، أليس كذلك؟”

تطايرت الشرارات واللهب، وتراجع ليروك متعثرًا، وقد عضّ على أسنانه من شدّة الصدمة.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“خلفك!” صرخ تاليس بقلقٍ بالغ.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

لكن قبل أن يُكمل صرخته، كان آراكا قد استدار في لحظةٍ واحدة، وصَدَّ ضربة السيف القادمة من الخلف بزئيرٍ غاضب ليمنعها من إصابة تاليس.

“هناك مشكلة أخرى. طالما أنّ مورخ يحمل قوسه، فسيكون من الصعب على المشاة إنهاك قواه بعددهم فحسب.” قطّب الفيكونت كينتفيدا حاجبيه مفكّراً. “كما أنّ تطويق المشاة من الشمال ليس بإحكام الجنوب، فهناك احتمالٌ كبير أن يتمكّن من شقّ طريقه إلينا مباشرة. سيكون ذلك موقفاً حرجاً. كيف سنتعامل مع مورخ وذلك الأمير؟”

دارت هيئة غضب المملكة بسرعةٍ خاطفة ليتفادى رأس الرمح الذي اندفع نحوه في اللحظة نفسها، وفي أثناء دورانه رمى المطرقة الثقيلة التي في يده فاخترقت صدر السَيّاف الذي خلفه.

بدت حركته بسيطة، وكأنّه انزاح قليلاً ليتفادى جميع الضربات المميتة في لحظةٍ واحدة، لكن تاليس أدرك أنّ تلك الحركة لم تكن بسيطةً البتّة.

لكن من دون حمايةٍ تغطّيه، عجز آراكا عن مواصلة الهجوم، فتراجع وهو يعرج وقد تباطأت خطواته. تفادى شفرةً استهدفت مقتلَه في جانبه الأيسر، لكن سيفًا آخر شقّ خاصرته وسال الدم منها بغزارة.

“درع القوس الضوئي!” صرخ آراكا وهو يضع تاليس أرضًا، “اصطفّوا فورًا! اضبطوا زاوية الانحراف!”

“ربما علينا الانسحاب والالتحاق بالحرس!” صاح تاليس بألمٍ من جراحٍ سابقةٍ في ظهره.

لم يبدُ أنّ آراكا يهتمّ بعدد الجراح التي تراكمت على جسده. كلّ ما فعله أنّه اندفع للأمام بعينين محمومتين، يهاجم بجنون… حتى اقتحم صفوف أعدائه.

لم يُعره الرجل الوحشي اهتمامًا، بل استدار بزئيرٍ خافت، وانقضّ بكتفٍ يفيض قوةً كالبركان على جنديٍّ ممسكٍ بسيفٍ ودرعٍ لم يُمهله الوقت ليحمي نفسه، فحشره الدرع بينهما.

إنه جينارد، المحارب من “لواء ضوء النجوم”. أمسك بعدوّه الهائج وكلاهما يُمسك بيد الآخر التي تحمل السيف، يتصارعان بقوّتهما وصبرهما ليغرس أحدهما نصل سيفه في مقتل خصمه قبل الآخر.

تمزيق!

(كنت أعلم ذلك.)

انتزع آراكا سيف خصمه بعنفٍ وشقّ عنقه بضربةٍ واحدة، فتناثر الدم على جسده.

“لكن مهارتك في استعمال الرمحين معًا رديئة.”

ولم يكد يلتقط أنفاسه حتى خفَض خصره واستدار بسرعةٍ خاطفة، فجرح سيفٌ عريض كتفه فقط من الخلف.

ثم وجه بركلةٍ منخفضة نحو ركبة خصمه، فدوّى صوت كسر العظم وسقط الجندي مترنّحًا، فشقّ آراكا عنقه واصطاد سيفه الساقط بحركةٍ واحدةٍ متقنة.

“إنه أعجب سلاحٍ في العالم كلّه.” ابتسم بخبث وقال: “كل سلاحٍ يمنح مستخدمه قوّةً تناسبه.”

وفي تلك اللحظة، عصفَت الرياح عصفًا هادرًا!

“فهو الآن مغطّى بالجراح بعد قتالٍ دام نحو ثماني دقائق، وذلك يجعله أخطر.” تابع الفيكونت كينتفيدا كلام الآرشيدوق بحذر.

طَنينٌ صاعق!

وفي الحشد، وخز ويلو جينارد إلى جانبه بوجهٍ حائر، “ما هذا؟”

ارتجّت أُذُنا تاليس من شدّة الصوت، ورأى آراكا يرفع السيف والشفرة فوق رأسه وقد غاصت قدماه في الأرض، بينما يُقاوم بفولاذٍ لا يلين ضربة فأس ليروك الهاوية من الأعلى.

بوجهٍ ملطّخٍ بالدماء، لوّح آراكا بالفأس الضخمة وصاح في رفاقه من خلفه: “اتبعوني!”

“تحكمك الدقيق يجعلك لا تهدر ذرةَ طاقة… أليس كذلك، يا غضب المملكة صاحب الفئة الفائقة؟ رغم أننا هجمنا في الوقت نفسه، قتلتَ ثلاثةً منا!” قال ليروك.

ثم احمرّتا عينا غضب المملكة، وارتجّت المطرقة المعلّقة بفأس ليروك بينما تفجّرت قوته دفعةً واحدة!

اندفع رمحٌ طويل نحو قلب آراكا، فأمسك غضب المملكة بفأس ليروك بكلتا يديه، ومع براعةٍ لا تُصدَّق أدار صدره لتفادي رأس الرمح، وثبّته بين جذعه وتحت إبطه الأيسر.

تناثرت الدماء والأنسجة في كل اتجاه. دار آراكا مجدداً وأحكم السلسلة حول خنجرٍ معادٍ، ثم جذب خصمه نحوه، ليستخدم بطن ذلك الرجل كدرعٍ صدّ به سيفاً آخر كان يهوي نحوه فوراً.

ثم هاجمه رمحٌ آخر من حيث لا يدري، فاستثار قوته الماحقة في لحظةٍ واحدة، وتفادى الرمح ليُسقطه تحت قدمه بحركةٍ عنيفةٍ قاسية.

ثمّ اندفع بالفأس ذات الحدّين كوحشٍ مفترسٍ بين الجموع، شاقّاً طريقاً دموياً بين صفوفهم.

شعر تاليس بقشعريرةٍ تسري في جسده وهو يُشاهد آراكا يثبت الرماحين بيديه، فيما المهاجمان يشدّان قبضتيهما وأسنانهما، ووجهاهما يزرقان من شدّة الضغط في محاولةٍ يائسةٍ لقتله.

صرخ جينارد بأعلى صوته أثناء اشتباكه، “لم يبقَ إلا قلّة! حرس الغضب ورجالك جميعهم مشغولون بالقتال! عليك أن تُثبت فاعليتك يا جنديَّ الرماحين الهارب!”

(هذا… ليس جيدًا.)

مرةً أخرى، شعر تاليس بانفجار قوّةٍ جديدةٍ من جسد الرجل الذي يحمله.

وكما كان متوقَّعًا، لم يُمهله العدوُّ لحظةً واحدة ليلتقط أنفاسه. فقد هاجمه جنديان من إكستيدت، وانطلق سيفاهما الطويلان نحو صدر آراكا ورأسه.

كان وايا محاصرًا بين عدوّين، يعجز عن الفكاك بسرعةٍ بسبب جراحه. أمّا بيوتراي، الذي لا يملك مهاراتهما، فاستطاع ببرودةٍ أن يتخلّص من خصومه ليحمي آراكا.

بذل آراكا قصارى جهده ليصدّ الضربة الموجهة إلى صدره، ثم أمسك بالسيف الآخر بإحكام ليمنعه من متابعة هجومه.

شعر تاليس ببرودةٍ حادةٍ تغزو صدره. (تبًّا، لقد أخطأ الهدف!)

هوووش…

أرخى آراكا ذراعه اليسرى وأمسك بمقبض فأس ليروك بكلتا يديه، والنار تشتعل في عينيه.

انبعث صوتٌ حادٌّ مع هواءٍ يصفر حين هوى الفأس العظيم مجددًا من الأعلى.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“لكن هذه ساحةُ حرب!” ضحك قائد العدو ضحكةً لئيمة وهو يلوّح بفأسه في قوسٍ واسعٍ قاتل، “المعركة لم تكن يومًا مواجهةً فردية! حتى النخبة من الفئة الفائقة… لها حدودها!”

(كنت أعلم ذلك.)

زمجر عددٌ من مشاة إكستيدت بغضب، واندفعوا من خلف ليروك ليُطوّقوا آراكا من جديد.

هوووش…

رفع تاليس يده المرتجفة نحو خنجره وصاح مذهولًا، “احذر!”

التفت بوجهٍ متألّم إلى الجنود الملطّخين بالجراح، والجثث الكثيرة التي خلفهم.

وفي اللحظة التالية دوّى صوتُ فأسٍ يشقّ اللحم، مصحوبًا بصوتٍ معدنيٍّ كاسحٍ يُجمّد الدم في العروق!

قهقه آراكا ضاحكاً حين انفجرت طاقة الإبادة من جسده بعنف. وبقوةٍ متّقدة، اصطدم بكتفه بدرع خصمه الذي يلوّح بمطرقةٍ متصلةٍ بسلسلة، فارتفع الأخير في الهواء صارخاً ألماً.

رَشّة دم!

ارتجّت أُذُنا تاليس من شدّة الصوت، ورأى آراكا يرفع السيف والشفرة فوق رأسه وقد غاصت قدماه في الأرض، بينما يُقاوم بفولاذٍ لا يلين ضربة فأس ليروك الهاوية من الأعلى.

طَنين!

وفي لحظةٍ واحدة، وجد آراكا نفسه في المقدّمة وحيدًا، بلا من يدرأ عنه الضربات من الجانبين، وقد أحاط به سبعة أو ثمانية من مقاتلي إكستيدت بوجوهٍ شرسةٍ مفعمةٍ بالحقد.

ارتجف جسد تاليس، وتألّمت أُذناه من شدّة الصدى. (لا…)

زمجر عددٌ من مشاة إكستيدت بغضب، واندفعوا من خلف ليروك ليُطوّقوا آراكا من جديد.

لهث الأمير بعنف، واتّسعت عيناه وهو يشاهد شفرة الفأس العظيم تشقّ كتف آراكا الأيسر بثبات. اخترقت الشفرة درع الصدر ومزّقت اللحم حتى توقّفت بين عظمتي الكتف والترقوة.

طَنينٌ صاعق!

ولم يكن الفأس يبعد سوى إنشٍ واحد عن كتف تاليس نفسه.

وسط ضجيج المعركة، استدار جنديٌّ شابٌّ ومُحاربٌ مُخضرم يحمل سيفًا ودرعًا فجأةً معًا.

كان آراكا يلهث، والدم يتدفّق من جرحه ليبلّل كتف تاليس بثقله الدافئ.

أمام شفرة الفأس مباشرةً، كان جنديٌّ فتيٌّ من الكوكبة، أسود الشعر، بنّي العينين، قد ركع على ركبةٍ واحدة إلى جانب آراكا. عضّ على أسنانه بقوة، ورفع ذراعيه عاليًا فوق رأسه ممسكًا برمحين متوازيين، مستخدمًا كل قوّته ليُقاوم شفرة الفأس المغروسة في كتف آراكا الأيسر.

أما السيف الذي كان في يده اليمنى فقد اختفى تمامًا، وبيدٍ واحدةٍ فقط أمسك بمقبض فأس ليروك، وجسده كله يرتجف في صراع حياةٍ أو موت مع قائد العدو.

لكن من الواضح أنّ جنود إكستيدت المرتبكين لم يعودوا قادرين على مجاراة إيقاع آراكا.

لكنّه… لم يكن وحيدًا.

صرخ رامون وهو يرتمي أرضًا. “كنت أعلم ذلك! اتباع هذا الأمير… ضربٌ من الجنون!”

أمام شفرة الفأس مباشرةً، كان جنديٌّ فتيٌّ من الكوكبة، أسود الشعر، بنّي العينين، قد ركع على ركبةٍ واحدة إلى جانب آراكا. عضّ على أسنانه بقوة، ورفع ذراعيه عاليًا فوق رأسه ممسكًا برمحين متوازيين، مستخدمًا كل قوّته ليُقاوم شفرة الفأس المغروسة في كتف آراكا الأيسر.

اختفى الشعور المزعج الذي يشبه الصدمة الكهربائية تدريجيًا من جسد تاليس. قاوم الصبيّ الإحساس غير المريح الذي سبّبه القوس العظيم وسأل: “ما هذا؟”

صرخ ليروك بعينين محمرّتين وهو يُفجّر طاقته الماحقة: “أيها اللعين!” ثم بدأ يضغط ببطءٍ على مقبض فأسه ليغرسه أعمق فأعمق.

لكن من الواضح أنّ جنود إكستيدت المرتبكين لم يعودوا قادرين على مجاراة إيقاع آراكا.

وفي الوقت ذاته، بذل الرماحان اللذان كانا يتصارعان مع آراكا كل ما في وسعهما، يحاولان اغتنام اللحظة لقتله.

خفض جنديّ إكستيدت رأسه بدهشة، وسقط الخنجر من يده.

“لا تحلما بذلك…”

تجمّد السيّاف الذي قتل رفيقه بالخطأ لثانيةٍ واحدة، قبل أن يقبض آراكا على سترته ويسحبه نحوه ليفتت قصبته الهوائية.

كانت يدا ويلو كين ترتجفان وهو يُمسك بالرمحين بكلّ ما أوتي من قوّة، مُقاومًا ثقل الفأس وضغط الجاذبية، مُخففًا العبء عن آراكا.

أرخى آراكا ذراعه اليسرى وأمسك بمقبض فأس ليروك بكلتا يديه، والنار تشتعل في عينيه.

كان آراكا يلهث بألمٍ شديد، وعيناه محدِقتان بويلو بنظرةٍ معقّدة.

أصاب الذعر وايا، فاندفع نحو تاليس. “سموك، ابحث عن غطاءٍ حالًا!”

هبت الريح فجأة، وعبر رالف الهواء نحوهم، يتفادى أسلحة الإكستيدتيون بصعوبةٍ كبيرة، ومعه جنديان من الكوكبة يرتدون زيّ الحصن، هاجموا رجال ليروك الذين كانوا يتهيؤون للدخول إلى المعركة.

طَنينٌ صاعق!

اندفع محاربٌ مخضرم من الكوكبة بقوةٍ هائلة، وبدفعٍ واحد بدرعه طرح جنود إكستيدت الذين كانوا يقاتلون آراكا أرضًا.

أمام شفرة الفأس مباشرةً، كان جنديٌّ فتيٌّ من الكوكبة، أسود الشعر، بنّي العينين، قد ركع على ركبةٍ واحدة إلى جانب آراكا. عضّ على أسنانه بقوة، ورفع ذراعيه عاليًا فوق رأسه ممسكًا برمحين متوازيين، مستخدمًا كل قوّته ليُقاوم شفرة الفأس المغروسة في كتف آراكا الأيسر.

إنه جينارد، المحارب من “لواء ضوء النجوم”. أمسك بعدوّه الهائج وكلاهما يُمسك بيد الآخر التي تحمل السيف، يتصارعان بقوّتهما وصبرهما ليغرس أحدهما نصل سيفه في مقتل خصمه قبل الآخر.

“أيها الفتى ذو الرمحين المزدوجين.” التفت آراكا فجأة إلى ويلو.

“هل بقي أحد؟!” صاح تاليس بقلقٍ وهو يجرّ خنجره بصعوبة، متردّدًا إن كان عليه قطع الحبل الذي يُقيّده خلف ظهر آراكا.

من أحد جوانب معسكر إكستيدت، خرجت وحدة من الجنود — قليلة العدد، لكنهم مدججون بالسلاح — يسيرون بانتظامٍ أمامهم. رفع الجميع رؤوسهم ليروا ما يحدث.

صرخ جينارد بأعلى صوته أثناء اشتباكه، “لم يبقَ إلا قلّة! حرس الغضب ورجالك جميعهم مشغولون بالقتال! عليك أن تُثبت فاعليتك يا جنديَّ الرماحين الهارب!”

تحرّك كلّ جندي من الكوكبة في جنون. حرّاس الغضب وقدامى محاربي الحصن سحبوا دروعهم من ظهورهم، وخصوصًا تلك التي تشعّ بلمعانٍ معدنيّ.

احمرّ وجه ويلو، واهتزّت يداه بقوةٍ وهما تُقاومان ضغط الفأس العظيم.

وفوق ذلك، أن تواجه في آنٍ واحد أعداء لا يُحصَون، وضرباتٍ من كل صوبٍ وسلاح، أمرٌ لا يخرج منه أحدٌ سالمًا، حتى النخبة من الفئة الفائقة. وهكذا كانت حال آراكا الآن، جراحٌ تتراكم وقوةٌ تتناقص.

“قلتُ لك من قبل…”

كان آراكا يلهث، والدم يتدفّق من جرحه ليبلّل كتف تاليس بثقله الدافئ.

صرخ جنديٌّ من إكستيدت كان رمحه عالقًا بين ذراع آراكا اليسرى وجذعه، ثم ألقى رمحه أرضًا وسحب خنجرًا صغيرًا من ظهره وانقضّ على آراكا المتجمد في مكانه.

إنه جينارد، المحارب من “لواء ضوء النجوم”. أمسك بعدوّه الهائج وكلاهما يُمسك بيد الآخر التي تحمل السيف، يتصارعان بقوّتهما وصبرهما ليغرس أحدهما نصل سيفه في مقتل خصمه قبل الآخر.

أرخى آراكا ذراعه اليسرى وأمسك بمقبض فأس ليروك بكلتا يديه، والنار تشتعل في عينيه.

ارتجّت أُذُنا تاليس من شدّة الصوت، ورأى آراكا يرفع السيف والشفرة فوق رأسه وقد غاصت قدماه في الأرض، بينما يُقاوم بفولاذٍ لا يلين ضربة فأس ليروك الهاوية من الأعلى.

شد ويلو على اسنانه وتحدث، “أنا لستُ جبانًا هاربًا!”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

اندفع الجندي كالمجنون نحو آراكا وتاليس وخنجره مرفوع، وارتجف تاليس وهو يقطع الحبل بسرعة.

“المعدّات الأسطورية المضادّة للصوفيين؟” أدرك فجأة أن هذا القوس لم يكن له وتر.

سحب ويلو ذراعه اليمنى التي تمسك برمحٍ واحد، بينما ظلّ يصدّ الفأس بيده اليسرى بصعوبة، وصاح بيأسٍ، “وأيضًا… أنا بارعٌ حقًّا في… القتال برمحين!”

التفت بوجهٍ متألّم إلى الجنود الملطّخين بالجراح، والجثث الكثيرة التي خلفهم.

اندفع رمحه الأيمن فجأة! فتراجع جنديّ إكستيدت بخنجره خطوةً مبتعدًا عن رمح ويلو المفرد.

قال وايا وهو يتصدّى لعدوه بسيفه ببطءٍ شديد، “هل بقي غير حرس الغضب والبعثة الدبلوماسية؟ إن استطعنا فقط الخروج من هذا الطوق، سنصل إلى الأمير!”

شعر تاليس ببرودةٍ حادةٍ تغزو صدره. (تبًّا، لقد أخطأ الهدف!)

لم يعد رمح ويلو في قبضته، إذ كان رأسه قد استقرّ عميقًا في عنق الجندي.

لكن يد ويلو ارتجفت فجأة، وامتلأ طرف رمحه ببريقٍ خاطف، فانطلق عمود الرمح من قبضته كالسهم!

غير أنّ فأس ليروك لم ينزل بعد.

تمزيق!

قال وايا وهو يتصدّى لعدوه بسيفه ببطءٍ شديد، “هل بقي غير حرس الغضب والبعثة الدبلوماسية؟ إن استطعنا فقط الخروج من هذا الطوق، سنصل إلى الأمير!”

خفض جنديّ إكستيدت رأسه بدهشة، وسقط الخنجر من يده.

انبعث صوتٌ حادٌّ مع هواءٍ يصفر حين هوى الفأس العظيم مجددًا من الأعلى.

لم يعد رمح ويلو في قبضته، إذ كان رأسه قد استقرّ عميقًا في عنق الجندي.

تمزيق!

زفر تاليس أنفاسًا طويلةً متقطّعة، وشعر بأن ذهنه بدأ يسترخي أخيرًا. (يا لها من لحظةٍ فاصلة!)

“لكن هذه ساحةُ حرب!” ضحك قائد العدو ضحكةً لئيمة وهو يلوّح بفأسه في قوسٍ واسعٍ قاتل، “المعركة لم تكن يومًا مواجهةً فردية! حتى النخبة من الفئة الفائقة… لها حدودها!”

لكن ويلو، وقد استُنزفت كلّ قوّته، كان يلهث، وسقط الرمح اليساري من يده المرتجفة، وانهار على الأرض مُنهكًا.

ولم يكد يلتقط أنفاسه حتى خفَض خصره واستدار بسرعةٍ خاطفة، فجرح سيفٌ عريض كتفه فقط من الخلف.

غير أنّ فأس ليروك لم ينزل بعد.

قطّب آراكا حاجبيه وتسارعت أنفاسه. “هذه هي الحُجّة… لم أكن يومًا ‘غضب المملكة’، بل كان هناك فقط حرّاس الغضب وتضحياتهم.”

مرةً أخرى، شعر تاليس بانفجار قوّةٍ جديدةٍ من جسد الرجل الذي يحمله.

لكن من الواضح أنّ جنود إكستيدت المرتبكين لم يعودوا قادرين على مجاراة إيقاع آراكا.

حدّق ليروك بدهشة في فأسه العظيم، بينما كان غضب المملكة يرفعه ببطءٍ إنشًا بعد آخر بذراعيه.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

نهض الرجل الوحشيّ ببطءٍ من الأرض، كبركانٍ يوشك على الانفجار.

حيثما مرّ، تطايرت الدماء والأشلاء في كلّ اتجاه. ارتبك جنود إكستيدت من هول مقتل قائدهم وهيجان غضب المملكة الجارف.

لهث آراكا وتحدث بصوتٍ متقطّعٍ، “ألم يُخبرك قائدك من قبل؟”

وفي اللحظة التالية دوّى صوتُ فأسٍ يشقّ اللحم، مصحوبًا بصوتٍ معدنيٍّ كاسحٍ يُجمّد الدم في العروق!

ارتجف جسده كوحشٍ جريحٍ وهو يطلق قوّةً مروّعةً من ذراعيه دفعةً واحدة، فدفع الفأس نحو الأمام بقوةٍ هائلة، فتعثّر ليروك وتراجع، ولولا أن أحد جنوده أمسكه من الخلف لسقط أرضًا.

تدفّقت إلى ذهنه ذكرياتٌ من الماضي…

تابع آراكا بابتسامةٍ متوحّشة، “إن سنحت لك الفرصة لقتلي… فاقتُلني بضربةٍ واحدة. أمّا إن فشلت…” أطلق ضحكةً خافتةً مرعبة، ثم تبدّل وجهه فجأة.

في الجهة الأخرى، كان الكونت ليفان يُحدّق في رسول الجيش بدهشةٍ عارمة، وقد تلوّنت ملامحه بعدم التصديق.

شاهد تاليس بذهولٍ الموجات المتفجرة في جسد آراكا تتفاعل كحممٍ بركانيةٍ تغلي، تتوهّج وتشتعل من الداخل!

سقط الجنود الخمسة من إكستيدت أرضاً في لحظةٍ واحدةٍ عند قدمي آراكا. زمجر ليروك غاضباً وأهوى بفأسه!

عقد ليروك حاجبيه وهو يحدّق في البريق الأحمر الضعيف المنبعث من عيني آراكا، فيما تقلّصت عضلات كتفه الجريح وانكمشت لتسدّ الجرح وتمنع النزيف.

“كلّنا نعرف أسطورة ذلك الرجل. سمعت أنّ برج الإبادة منح قدرته المتحوّرة اسماً خاصاً، أليس كذلك؟”

(ما هذا؟) تذكّر ليروك أسطورة غضب المملكة. (لا… مستحيل. إنه بشرٌ مثلنا… أليس كذلك؟)

…

وسط صخب المعركة، صرخ ليروك بغضبٍ عارم، وحشد كلّ قوّته واندفع نحو آراكا ومعه أقرب رجاله الموثوقين، وانطلقت سبعة أو ثمانية أسلحةٍ في وقتٍ واحدٍ نحوه!

رفع لامبارد رأسه وتنهد بخفوت. “نعم، غضب السماء المظلمة—قوة الإبادة التي وُلدت من أجل ساحة القتال.”

…

قبل ثلاثة أيام فقط، كانوا يقبضون على مقابض سيوفهم بوجوهٍ صارمة في مواجهةٍ متوترة مع سونيا وفصيلها في الحصن.

في الجهة الأخرى، كان الكونت ليفان يُحدّق في رسول الجيش بدهشةٍ عارمة، وقد تلوّنت ملامحه بعدم التصديق.

التفت بوجهٍ متألّم إلى الجنود الملطّخين بالجراح، والجثث الكثيرة التي خلفهم.

“أربع دقائق؟! ذلك الرجل تقدّم في الصفوف وحده… واستغرق أربع دقائق فقط لاختراق تشكيلنا القتالي؟!” أمسك الكونت بتلابيب الرسول بعنفٍ وصاح، “مستحيل! تلك ستّ وحداتٍ عسكرية! يقارب عددهم ألفين وخمسمئة رجل! يُطوّقونه من جميع الجهات!”

داعب لامبارد سيفه عند خاصرته متفكّراً، وبعد أكثر من عشر ثوانٍ هزّ رأسه ببطء ورفض. “كلا، لا أرغب بحدوث أي طارئٍ لك. فحتى دون قوسه، يبقى مورخ شديد البأس.”

قال الرسول وهو يلهث بشدّة: “لـ… لم يُخترق كليًّا بعد.” بدا عليه الغيظ ذاته، وأكمل بأسنانٍ مشدودة: “الجنود من الجهات الأخرى يحاولون سدّ الثغرة… يمكننا إنهاكه حتى الموت إن استمرّ القتال…”

زمجر عددٌ من مشاة إكستيدت بغضب، واندفعوا من خلف ليروك ليُطوّقوا آراكا من جديد.

لم يُكمل حديثه. فبالنسبة لجنديٍ شماليٍّ شجاعٍ مثله، كانت عبارة «إرهاقه حتى الموت» بحدّ ذاتها قريبةً من العار.

ثم احمرّتا عينا غضب المملكة، وارتجّت المطرقة المعلّقة بفأس ليروك بينما تفجّرت قوته دفعةً واحدة!

“لا تُفاجأ.” تقدَّم الفيكونت كينتفيدا من جانبه، ووضع يده فوق يد الكونت وتنهد. “لقد كنَّا نتطلَّع منذ زمنٍ طويلٍ لمواجهة غضب المملكة. حتى حرّاس النصل الأبيض لم يتمكنوا من صدّ هجماته الوحشية وجهاً لوجه.”

وحين رفع رأسه مجدداً، رأى آراكا يلوّح بفأس ليروك المزدوجة، ثم يهوي بها على وجه صاحبها.

“لكن… أربع دقائق…” اتخذ الكونت ليفان ملامح جديّة. “هذا كثير…”

سمع تاليس ضحكةً مجلجلةً من غضب المملكة، يعقبها عويل يائس من ليروك.

“آراكا مورخ وقوته كانا جزءاً من خطّتنا منذ البداية.” سُمع صوتٌ رصين من الخلف، فانحنى كلٌّ من كينتفيدا وليفان احتراماً. “إن تولّى هو الهجوم بنفسه، فبوسعه أن يخترق صفوفنا أبعد من ذلك برفقة أمير الكوكبة.”

أصدر آراكا أنفاسًا باردة وهو يلوّح بالفأس العظيم ويتقدّم بخطًى واسعة وسريعة.

على صهوة جواده، حدّق الآرشيدوق لامبارد في المعركة البعيدة وتنهد. “إن حاولوا اختراق الخط في اتجاه الحصن، فسيكون وقع الصدمة النفسيّة على الحصن أقوى… وحينها سترتفع احتمالات نجاح خطّتنا في استدراج ساسيري. عندها لن تتوقّف معنويات الحصن على ما إذا كانت ساسيري سترسل جيوشها أم لا.

أرخى آراكا ذراعه اليسرى وأمسك بمقبض فأس ليروك بكلتا يديه، والنار تشتعل في عينيه.

يا للأسف. من صاحب الفكرة التي جعلتهم يتجهون شمالاً بدلاً من صوب الحصن، ليهاجموا في الاتجاه المعاكس… لا أحد يعلم.” هزّ الآرشيدوق رأسه بأسفٍ بالغ.

سقط الجنود الخمسة من إكستيدت أرضاً في لحظةٍ واحدةٍ عند قدمي آراكا. زمجر ليروك غاضباً وأهوى بفأسه!

استعاد الكونت ليفان رباطة جأشه وقال بجبينٍ متجعد، “هل وافق الأمير ذو الأعوام السبعة على السعي وراء الموت بهذه الطريقة؟”

استعاد الكونت ليفان رباطة جأشه وقال بجبينٍ متجعد، “هل وافق الأمير ذو الأعوام السبعة على السعي وراء الموت بهذه الطريقة؟”

“لا جدوى من التفكير الزائد.” شدّد لامبارد ملامحه وهزّ رأسه بحزم. “لقد أصبح استعادة الحصن أمراً مستحيلاً.”

هزّ تاليس رأسه بقوة، وقمع الذكريات المتلألئة والغثيان الذي تسبّب به رائحة الدم في ساحة المعركة داخل صدره.

“هناك مشكلة أخرى. طالما أنّ مورخ يحمل قوسه، فسيكون من الصعب على المشاة إنهاك قواه بعددهم فحسب.” قطّب الفيكونت كينتفيدا حاجبيه مفكّراً. “كما أنّ تطويق المشاة من الشمال ليس بإحكام الجنوب، فهناك احتمالٌ كبير أن يتمكّن من شقّ طريقه إلينا مباشرة. سيكون ذلك موقفاً حرجاً. كيف سنتعامل مع مورخ وذلك الأمير؟”

قال الرسول وهو يلهث بشدّة: “لـ… لم يُخترق كليًّا بعد.” بدا عليه الغيظ ذاته، وأكمل بأسنانٍ مشدودة: “الجنود من الجهات الأخرى يحاولون سدّ الثغرة… يمكننا إنهاكه حتى الموت إن استمرّ القتال…”

“إن لم تستطع المشاة الخفيفة تطويقه ومنعه…” تلألأت عينا الكونت ليفان وقال بنبرةٍ جادّة: “لكنّه ما زال يحمل عبئاً، ولا يستطيع دخول ساحة المعركة والخروج منها كما يشاء! دعوا المشاة الخفيفة يواصلون صدّ الآخرين، وانقلوا القوّة الرئيسيّة المخصّصة للهجوم على الحصن إلى هنا. سواء كان هجوم المرتزقة المزدوجون أو اندفاع الفرسان الثقال البعيد المدى، فكلاهما قادرٌ على قتلهم جميعاً بسهولة… بما في ذلك مورخ.”

“الرامون يموتون دائمًا؟ مهلاً، ما معنى ذلك؟”

“لكن لدينا خبرة سابقة. فبناءً على مهارات غضب المملكة في ساحة القتال، ففاعليته في قتل المشاة الخفيفة والمرتزقة المزدوجون متساوية.” هزّ الفيكونت كينتفيدا رأسه. “وحتى لو نجحنا، فهناك احتمال كبير أن نقتل أمير الكوكبة معه. هذه ليست خطوةً جيّدة… أخشى أنّ علينا ابتكار خطة أخرى.”

“صحيح.” أومأ غضب المملكة. “إنه القوس الساكن.”

“أرجوك، دعني أذهب، سموّك.” من خلف لامبارد، انحنى اللورد توليا قليلاً عن صهوة جواده وهو يحمل سيفاً ذا شكلٍ غريب. تلألأت في عينيه رغبةٌ لا حدّ لها في القتال. “سأستعيد من جثة مورخ القوس الذي يخصّ إكستيدت. إن لم نتمكن من إرسال قوّتنا الرئيسيّة… فأنا الوحيد القادر هنا على مواجهته.” حدّق توليا في الآرشيدوق بنظرةٍ متّقدة. “دع سيف الشّمس الصاعدة يواجه القوس الساكن.”

قال وايا وهو يتصدّى لعدوه بسيفه ببطءٍ شديد، “هل بقي غير حرس الغضب والبعثة الدبلوماسية؟ إن استطعنا فقط الخروج من هذا الطوق، سنصل إلى الأمير!”

داعب لامبارد سيفه عند خاصرته متفكّراً، وبعد أكثر من عشر ثوانٍ هزّ رأسه ببطء ورفض. “كلا، لا أرغب بحدوث أي طارئٍ لك. فحتى دون قوسه، يبقى مورخ شديد البأس.”

لكن من الواضح أنّ جنود إكستيدت المرتبكين لم يعودوا قادرين على مجاراة إيقاع آراكا.

ارتسمت خيبة الأمل في عيني توليا.

حدّق جنود إكستيدت بدهشةٍ في غضب المملكة وهو يقف ببطء، يلوّح بالفأس الضخم بخفةٍ، وكأن طاقته قد تجدّدت من جديد.

“فهو الآن مغطّى بالجراح بعد قتالٍ دام نحو ثماني دقائق، وذلك يجعله أخطر.” تابع الفيكونت كينتفيدا كلام الآرشيدوق بحذر.

“الرامون يموتون دائمًا؟ مهلاً، ما معنى ذلك؟”

“كلّنا نعرف أسطورة ذلك الرجل. سمعت أنّ برج الإبادة منح قدرته المتحوّرة اسماً خاصاً، أليس كذلك؟”

خفض جنديّ إكستيدت رأسه بدهشة، وسقط الخنجر من يده.

رفع لامبارد رأسه وتنهد بخفوت. “نعم، غضب السماء المظلمة—قوة الإبادة التي وُلدت من أجل ساحة القتال.”

وفي الوقت ذاته، بذل الرماحان اللذان كانا يتصارعان مع آراكا كل ما في وسعهما، يحاولان اغتنام اللحظة لقتله.

قبض توليا على قبضته بإحكامٍ حول نصله، فيما تردّد صوت الآرشيدوق بنبرةٍ واهنة: “كلّما قاتل أكثر، ازدادت جراحه. وكلّما ازدادت جراحه، ازداد قوة.”

لكن يد ويلو ارتجفت فجأة، وامتلأ طرف رمحه ببريقٍ خاطف، فانطلق عمود الرمح من قبضته كالسهم!

…..

لكن قبل أن يُكمل صرخته، كان آراكا قد استدار في لحظةٍ واحدة، وصَدَّ ضربة السيف القادمة من الخلف بزئيرٍ غاضب ليمنعها من إصابة تاليس.

حين استعاد تاليس وعيه، حدّق بدهشةٍ وهو يرى آراكا يندفع بأقصى سرعته نحو السبعة أو الثمانية الذين أمامهم.

قبض توليا على قبضته بإحكامٍ حول نصله، فيما تردّد صوت الآرشيدوق بنبرةٍ واهنة: “كلّما قاتل أكثر، ازدادت جراحه. وكلّما ازدادت جراحه، ازداد قوة.”

من دون أي حمايةٍ على جانبيه، بدأ اختراقه من جديد. وعندما واجه سيوف خصومه، تحرّك جسد آراكا بحركةٍ غريبةٍ بدت كأنها تبعث تموّجاً في الهواء. أحسّ تاليس على ظهره بدوارٍ مفاجئ.

ارتجف جسده كوحشٍ جريحٍ وهو يطلق قوّةً مروّعةً من ذراعيه دفعةً واحدة، فدفع الفأس نحو الأمام بقوةٍ هائلة، فتعثّر ليروك وتراجع، ولولا أن أحد جنوده أمسكه من الخلف لسقط أرضًا.

اخترق سيفٌ درع صدر آراكا وخلف جرحاً عميقاً بين أضلعه. فيما مرّت مطرقةٌ متصلةٌ بسلسلةٍ قرب ساقه اليمنى المرفوعة وانتزعت قطعة لحمٍ منها. وتناثرت شراراتٌ لا تُحصى حين صدّت قفّازته اليمنى نصل سيفٍ آخر.

بذل آراكا قصارى جهده ليصدّ الضربة الموجهة إلى صدره، ثم أمسك بالسيف الآخر بإحكام ليمنعه من متابعة هجومه.

أما فأس ليروك العظيمة فقد مرّت بمحاذاة رأسه حين أدار آراكا رأسه فجأة، فمرّت الريح الناتجة عن حركتها على أذنه. وانزلقت رمحٌ طويلٍ على فخذه ببضعة سنتيمترات فقط. وأخيراً، غاص خنجرٌ في عضلة ذراعه اليسرى العارية، دون أن يخرج منها دمٌ كثير.

“اقتلوه!” صاح ليروك غاضباً وهو يسحب فأسه العظيمة.

بدت حركته بسيطة، وكأنّه انزاح قليلاً ليتفادى جميع الضربات المميتة في لحظةٍ واحدة، لكن تاليس أدرك أنّ تلك الحركة لم تكن بسيطةً البتّة.

انطلقت قوّته المنفجرة فجأة، ثم اندفعت نحو ليروك الذي لم يتمكن من سحب فأسه في الوقت المناسب!

لم يبدُ أنّ آراكا يهتمّ بعدد الجراح التي تراكمت على جسده. كلّ ما فعله أنّه اندفع للأمام بعينين محمومتين، يهاجم بجنون… حتى اقتحم صفوف أعدائه.

“ربما علينا الانسحاب والالتحاق بالحرس!” صاح تاليس بألمٍ من جراحٍ سابقةٍ في ظهره.

“اقتلوه!” صاح ليروك غاضباً وهو يسحب فأسه العظيمة.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

لكن من الواضح أنّ جنود إكستيدت المرتبكين لم يعودوا قادرين على مجاراة إيقاع آراكا.

تحرّك كلّ جندي من الكوكبة في جنون. حرّاس الغضب وقدامى محاربي الحصن سحبوا دروعهم من ظهورهم، وخصوصًا تلك التي تشعّ بلمعانٍ معدنيّ.

وفي اللحظة التالية، أطلق آراكا زئيراً هادراً هزّ السماء، وانفجرت حرارةٌ مدهشةٌ من قبضته اليمنى، ثم غرسها في وجه أحد السيّافين بصوتٍ واضحٍ لتحطّم العظام. فصرخ الجنديّ بجنونٍ وعذاب.

دارت هيئة غضب المملكة بسرعةٍ خاطفة ليتفادى رأس الرمح الذي اندفع نحوه في اللحظة نفسها، وفي أثناء دورانه رمى المطرقة الثقيلة التي في يده فاخترقت صدر السَيّاف الذي خلفه.

قهقه آراكا ضاحكاً حين انفجرت طاقة الإبادة من جسده بعنف. وبقوةٍ متّقدة، اصطدم بكتفه بدرع خصمه الذي يلوّح بمطرقةٍ متصلةٍ بسلسلة، فارتفع الأخير في الهواء صارخاً ألماً.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

التقط غضب المملكة المطرقة والسلسلة من يد خصمه بخفةٍ مذهلة، ثم استدار وضرب بها السيف الذي استهدف مؤخرة رأسه، مطيراً إياه في الهواء. ولم تتوقّف المطرقة الملتفّة بسلسلتها، بل تابعت دورتها لتصطدم بجماجم عدوٍّ آخر.

وفي لحظةٍ واحدة، وجد آراكا نفسه في المقدّمة وحيدًا، بلا من يدرأ عنه الضربات من الجانبين، وقد أحاط به سبعة أو ثمانية من مقاتلي إكستيدت بوجوهٍ شرسةٍ مفعمةٍ بالحقد.

تناثرت الدماء والأنسجة في كل اتجاه. دار آراكا مجدداً وأحكم السلسلة حول خنجرٍ معادٍ، ثم جذب خصمه نحوه، ليستخدم بطن ذلك الرجل كدرعٍ صدّ به سيفاً آخر كان يهوي نحوه فوراً.

“أرجوك، دعني أذهب، سموّك.” من خلف لامبارد، انحنى اللورد توليا قليلاً عن صهوة جواده وهو يحمل سيفاً ذا شكلٍ غريب. تلألأت في عينيه رغبةٌ لا حدّ لها في القتال. “سأستعيد من جثة مورخ القوس الذي يخصّ إكستيدت. إن لم نتمكن من إرسال قوّتنا الرئيسيّة… فأنا الوحيد القادر هنا على مواجهته.” حدّق توليا في الآرشيدوق بنظرةٍ متّقدة. “دع سيف الشّمس الصاعدة يواجه القوس الساكن.”

تجمّد السيّاف الذي قتل رفيقه بالخطأ لثانيةٍ واحدة، قبل أن يقبض آراكا على سترته ويسحبه نحوه ليفتت قصبته الهوائية.

“هم… منذ الماضي، والحاضر، والمستقبل، جميع أفراد الحرس الذين بذلوا أرواحهم… هُم الغضب الحقيقي للمملكة.”

سقط الجنود الخمسة من إكستيدت أرضاً في لحظةٍ واحدةٍ عند قدمي آراكا. زمجر ليروك غاضباً وأهوى بفأسه!

التقط غضب المملكة المطرقة والسلسلة من يد خصمه بخفةٍ مذهلة، ثم استدار وضرب بها السيف الذي استهدف مؤخرة رأسه، مطيراً إياه في الهواء. ولم تتوقّف المطرقة الملتفّة بسلسلتها، بل تابعت دورتها لتصطدم بجماجم عدوٍّ آخر.

تراجع آراكا بسرعةٍ مدهشة متفادياً قوس الضربة بدقة. كان تاليس قد فقد توازنه من المعركة التي تتقلّب فيها الأجساد والاتجاهات، حتى كاد يغيب عن وعيه حين تراجع آراكا.

كان وايا محاصرًا بين عدوّين، يعجز عن الفكاك بسرعةٍ بسبب جراحه. أمّا بيوتراي، الذي لا يملك مهاراتهما، فاستطاع ببرودةٍ أن يتخلّص من خصومه ليحمي آراكا.

لكن بعد ذلك، دوّى انفجارٌ هائل من جسد غضب المملكة!

كان جسد بيوتراي مغطّى بالدماء وهو يهرع إليهم من الخلف. قال بأنفاسٍ متقطّعة: “على الأقل، السيدة ساسيري لم تعد مضطرة للتردّد بينك وبين الحصن بعد الآن، يا سموّك.”

انطلقت قوّته المنفجرة فجأة، ثم اندفعت نحو ليروك الذي لم يتمكن من سحب فأسه في الوقت المناسب!

“هذه مجرّد مواجهة مع تشكيل من المشاة الخفيفة.” لهث آراكا بتعبٍ وأجاب بنفاد صبر: “اضطررتُ إلى استخدام هذه اللعبة حتى لهذا الحدّ… لو أنني كنتُ أصغر بعشر سنين… لا، بخمس فقط…”

تراقصت الأضواء أمام عيني تاليس وارتبكت رؤيته. رأى يدي آراكا تمسكان بمقبض الفأس الطويل.

تمزيق!

“يعجبني فأسك.”

اندفع الجندي كالمجنون نحو آراكا وتاليس وخنجره مرفوع، وارتجف تاليس وهو يقطع الحبل بسرعة.

سمع تاليس ضحكةً مجلجلةً من غضب المملكة، يعقبها عويل يائس من ليروك.

تراجع آراكا بسرعةٍ مدهشة متفادياً قوس الضربة بدقة. كان تاليس قد فقد توازنه من المعركة التي تتقلّب فيها الأجساد والاتجاهات، حتى كاد يغيب عن وعيه حين تراجع آراكا.

وحين رفع رأسه مجدداً، رأى آراكا يلوّح بفأس ليروك المزدوجة، ثم يهوي بها على وجه صاحبها.

غير أنّ فأس ليروك لم ينزل بعد.

تطاير الأخير بعيداً كطائرةٍ مقطوعة الخيط.

التفت تاليس بدوره وحدّق في الطريق الذي اخترقه آراكا. من هناك إلى هنا، امتدّ خطّ مستقيم تقريبًا من جثث حرّاس الغضب.

بوجهٍ ملطّخٍ بالدماء، لوّح آراكا بالفأس الضخمة وصاح في رفاقه من خلفه: “اتبعوني!”

لكن يد ويلو ارتجفت فجأة، وامتلأ طرف رمحه ببريقٍ خاطف، فانطلق عمود الرمح من قبضته كالسهم!

ثمّ اندفع بالفأس ذات الحدّين كوحشٍ مفترسٍ بين الجموع، شاقّاً طريقاً دموياً بين صفوفهم.

كانت يدا ويلو كين ترتجفان وهو يُمسك بالرمحين بكلّ ما أوتي من قوّة، مُقاومًا ثقل الفأس وضغط الجاذبية، مُخففًا العبء عن آراكا.

حيثما مرّ، تطايرت الدماء والأشلاء في كلّ اتجاه. ارتبك جنود إكستيدت من هول مقتل قائدهم وهيجان غضب المملكة الجارف.

“هاه؟ أنا فقط فضولي بعد قراءة هذا المنشور… هيه- أنتَ- لا تأخذ فأرتي منّي!”

لكن في اللحظة التالية… اهتزّ جسد غضب المملكة فجأة.

“دان، لوسا، جيليان، بيرلاند!” صرخ آراكا بأسماءٍ واحدًا تلو الآخر بأسنانٍ مشدودة. “لولاهم… لكنت ميتًا عشرة آلاف مرة!”

غرس فأسه في الأرض وحدّق في الإكستيدتيان أمامه وهو يلهث، فيما ظلّ الإكستيدتيون واقفين في صفوفهم المنظّمة تتنازعهم الحيرة.

أظلم وجه تاليس، وشعر بجسد آراكا يرتجف وهو يحمله على ظهره.

اندهش تاليس كثيرًا.

كان آراكا يعتمد اعتمادًا كبيرًا على تضحية الحرس المحيطين به وحمايتهم له ليحافظ على تفوّقه المطلق في الخطوط الأمامية، ليقاتل دون خوفٍ من الهجمات الجانبية. أمّا الآن، فلو قتل عشرة رجالٍ فحسب، فسيتباطأ إيقاعه ويُحاصر مجددًا في ذلك الطوق الحديديّ الذي لا يُكسر.

“أيها البارون مورخ، هل لا تزال تملك القوة لتصمد؟”

قطّب آراكا حاجبيه وتسارعت أنفاسه. “هذه هي الحُجّة… لم أكن يومًا ‘غضب المملكة’، بل كان هناك فقط حرّاس الغضب وتضحياتهم.”

“هذه مجرّد مواجهة مع تشكيل من المشاة الخفيفة.” لهث آراكا بتعبٍ وأجاب بنفاد صبر: “اضطررتُ إلى استخدام هذه اللعبة حتى لهذا الحدّ… لو أنني كنتُ أصغر بعشر سنين… لا، بخمس فقط…”

وفي اللحظة التالية، أطلق آراكا زئيراً هادراً هزّ السماء، وانفجرت حرارةٌ مدهشةٌ من قبضته اليمنى، ثم غرسها في وجه أحد السيّافين بصوتٍ واضحٍ لتحطّم العظام. فصرخ الجنديّ بجنونٍ وعذاب.

تجمّد تاليس للحظة.

وبتزامنٍ مع كلمات آراكا، بدأ القوس العظيم الفضيّ الأسود الذي لامس جلد تاليس بالاهتزاز. فارتعش الصبيّ.

وفي تلك اللحظة بالذات، أحسّ بإحساسٍ معدنيٍّ باردٍ… برودةٍ لم يسبق أن اختبر مثلها، تتسلّل إلى حواسه.

“أيها البارون مورخ، هل لا تزال تملك القوة لتصمد؟”

كان القوس. القوس الذي يحمله آراكا على ظهره!

يا للأسف. من صاحب الفكرة التي جعلتهم يتجهون شمالاً بدلاً من صوب الحصن، ليهاجموا في الاتجاه المعاكس… لا أحد يعلم.” هزّ الآرشيدوق رأسه بأسفٍ بالغ.

وبتزامنٍ مع كلمات آراكا، بدأ القوس العظيم الفضيّ الأسود الذي لامس جلد تاليس بالاهتزاز. فارتعش الصبيّ.

“تحكمك الدقيق يجعلك لا تهدر ذرةَ طاقة… أليس كذلك، يا غضب المملكة صاحب الفئة الفائقة؟ رغم أننا هجمنا في الوقت نفسه، قتلتَ ثلاثةً منا!” قال ليروك.

وفي تلك اللحظة، شعر تاليس بحرارةٍ تندفع من أعماقه — تمامًا كالقوس العظيم الذي بدا وكأن تيارًا كهربائيًّا خفيفًا يجري عبره — كما لو أنه يرفض لمسه.

“لكن هذه ساحةُ حرب!” ضحك قائد العدو ضحكةً لئيمة وهو يلوّح بفأسه في قوسٍ واسعٍ قاتل، “المعركة لم تكن يومًا مواجهةً فردية! حتى النخبة من الفئة الفائقة… لها حدودها!”

وفي اللحظة التالية، أخذ آراكا المنهك نفسًا عميقًا، وبدأ جسده كله بالارتجاف.

عمّ الاضطراب بين الناجين من الكوكبة؛ فاجأهم المشهد جميعًا.

حدّق جنود إكستيدت بدهشةٍ في غضب المملكة وهو يقف ببطء، يلوّح بالفأس الضخم بخفةٍ، وكأن طاقته قد تجدّدت من جديد.

“أوه، أوه، أوه! السيّد تشيرين — الذي لا يفكر سوى في دراسة الكتب الأربعة والخمسة الكلاسيكية [1] — سيدخل عالم الأنمي أيضًا؟! تعال، عندي عملٌ مذهل أريد أن أُريك إياه بسبب ما قلته الآن… إنّه حكاية علاقة الحبّ والكراهية بين معلمٍ وتابعه [2]…”

“دعهم يستعيدون ذكريات الأيام الخوالي.” أطلق آراكا ابتسامةً مرعبة وهو يحدّق في أعدائه الذين امتلأت وجوههم بالمشاعر المتناقضة.

“ما هذا؟!” قطّب جينارد حاجبيه وأجاب بعصبية، “عبّارو نهر الجحيم!”

اختفى الشعور المزعج الذي يشبه الصدمة الكهربائية تدريجيًا من جسد تاليس. قاوم الصبيّ الإحساس غير المريح الذي سبّبه القوس العظيم وسأل: “ما هذا؟”

“اقتلوه!” صاح ليروك غاضباً وهو يسحب فأسه العظيمة.

حرّك آراكا عنقه، وانبعثت من جسده روح القتال من جديد.

من أحد جوانب معسكر إكستيدت، خرجت وحدة من الجنود — قليلة العدد، لكنهم مدججون بالسلاح — يسيرون بانتظامٍ أمامهم. رفع الجميع رؤوسهم ليروا ما يحدث.

“إنه أعجب سلاحٍ في العالم كلّه.” ابتسم بخبث وقال: “كل سلاحٍ يمنح مستخدمه قوّةً تناسبه.”

اهتزّ جسد آراكا قليلًا، لكنه مع ذلك اخترق الصفّ الأخير من الأعداء دون أن يلتفت.

تفاجأ تاليس، ثم أمعن النظر في ذلك القوس العظيم المعدني الفضيّ الأسود من جديد.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“المعدّات الأسطورية المضادّة للصوفيين؟” أدرك فجأة أن هذا القوس لم يكن له وتر.

وفي اللحظة التالية، أطلق آراكا زئيراً هادراً هزّ السماء، وانفجرت حرارةٌ مدهشةٌ من قبضته اليمنى، ثم غرسها في وجه أحد السيّافين بصوتٍ واضحٍ لتحطّم العظام. فصرخ الجنديّ بجنونٍ وعذاب.

“صحيح.” أومأ غضب المملكة. “إنه القوس الساكن.”

ثم هاجمه رمحٌ آخر من حيث لا يدري، فاستثار قوته الماحقة في لحظةٍ واحدة، وتفادى الرمح ليُسقطه تحت قدمه بحركةٍ عنيفةٍ قاسية.

“إذن… ما هي قدرته؟” سأل تاليس بحيرة، رغم أنه كان يعلم الجواب في قرارة نفسه وهو يرى قوّة آراكا الجسدية تعود إليه كالعنقاء التي تبعث من رمادها.

سمع تاليس ضحكةً مجلجلةً من غضب المملكة، يعقبها عويل يائس من ليروك.

لم يسمع سوى آراكا وهو يزفر بازدراء: “الحركة الدائمة.”

“نعم، رغم أني رأيته في خطرٍ قاتلٍ أكثر من مرة، إلا أن حظّه كان حسنًا في كل مرة.” قال بيوتراي معتذرًا.

تجمّد تاليس قليلًا، وما إن فهم معنى الكلمة حتى تبدّل وجهه فجأة.

وفي اللحظة التالية، أخذ آراكا المنهك نفسًا عميقًا، وبدأ جسده كله بالارتجاف.

(الحركة الدائمة؟ إن كان المعنى حرفيًّا… فهذا جنون!)

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تدفّقت إلى ذهنه ذكرياتٌ من الماضي…

ضيّق تاليس عينيه، وأدرك فجأة أنّ أولئك الجنود يحملون عصيًا طويلةً ثقيلةً وغريبة الشكل. وضعوا يدًا في المقدّمة وأخرى في المؤخرة، ووجّهوا طرفها نحوهما.

“الرامون يموتون دائمًا؟ مهلاً، ما معنى ذلك؟”

“إن لم تستطع المشاة الخفيفة تطويقه ومنعه…” تلألأت عينا الكونت ليفان وقال بنبرةٍ جادّة: “لكنّه ما زال يحمل عبئاً، ولا يستطيع دخول ساحة المعركة والخروج منها كما يشاء! دعوا المشاة الخفيفة يواصلون صدّ الآخرين، وانقلوا القوّة الرئيسيّة المخصّصة للهجوم على الحصن إلى هنا. سواء كان هجوم المرتزقة المزدوجون أو اندفاع الفرسان الثقال البعيد المدى، فكلاهما قادرٌ على قتلهم جميعاً بسهولة… بما في ذلك مورخ.”

“أوه، أوه، أوه! السيّد تشيرين — الذي لا يفكر سوى في دراسة الكتب الأربعة والخمسة الكلاسيكية [1] — سيدخل عالم الأنمي أيضًا؟! تعال، عندي عملٌ مذهل أريد أن أُريك إياه بسبب ما قلته الآن… إنّه حكاية علاقة الحبّ والكراهية بين معلمٍ وتابعه [2]…”

لكنّه… لم يكن وحيدًا.

“هاه؟ أنا فقط فضولي بعد قراءة هذا المنشور… هيه- أنتَ- لا تأخذ فأرتي منّي!”

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

هزّ تاليس رأسه بقوة، وقمع الذكريات المتلألئة والغثيان الذي تسبّب به رائحة الدم في ساحة المعركة داخل صدره.

ورغم أنّ هذا التشكيل يعود إلى تقاليد مشاة الإمبراطورية القديمة، إلا أنّ ترتيب الصفوف هذه المرّة كان مختلفًا تمامًا. كانت الصفوف مركّزةً على نحوٍ غير معتاد، لا تتجاوز صفًا واحدًا من الجاثين والواقفين المتلاصقين، يواجهون مباشرة تلك الوحدة الغريبة من جنود إكستيدت.

أنهى جينارد خصمه وسحب ويلو المنهك، ووقف الاثنان على جانبي آراكا، بينما تبعه رالف بوجهٍ مفعمٍ بالتعقيد.

اختفى الشعور المزعج الذي يشبه الصدمة الكهربائية تدريجيًا من جسد تاليس. قاوم الصبيّ الإحساس غير المريح الذي سبّبه القوس العظيم وسأل: “ما هذا؟”

موت ليروك جلب الفوضى على صفوف الإكستيدتيان، كما أنّ حرّاس الغضب تمكنوا أخيرًا من التحرّر من تشابك المشاة.

ولم يكد يلتقط أنفاسه حتى خفَض خصره واستدار بسرعةٍ خاطفة، فجرح سيفٌ عريض كتفه فقط من الخلف.

“أيها الفتى ذو الرمحين المزدوجين.” التفت آراكا فجأة إلى ويلو.

على صهوة جواده، حدّق الآرشيدوق لامبارد في المعركة البعيدة وتنهد. “إن حاولوا اختراق الخط في اتجاه الحصن، فسيكون وقع الصدمة النفسيّة على الحصن أقوى… وحينها سترتفع احتمالات نجاح خطّتنا في استدراج ساسيري. عندها لن تتوقّف معنويات الحصن على ما إذا كانت ساسيري سترسل جيوشها أم لا.

ارتجف ويلو بغتة. قبل ثلاثة أيام فقط، كان هذا الرجل يريد أن يرسله إلى المشنقة.

كان آراكا يلهث، والدم يتدفّق من جرحه ليبلّل كتف تاليس بثقله الدافئ.

“يبدو أنّك لستَ فارًّا من الجيش حقًا.” زمجر آراكا بخفة.

عقد ليروك حاجبيه وهو يحدّق في البريق الأحمر الضعيف المنبعث من عيني آراكا، فيما تقلّصت عضلات كتفه الجريح وانكمشت لتسدّ الجرح وتمنع النزيف.

اغتبط وجه ويلو فرحًا.

وفي لحظةٍ واحدة، وجد آراكا نفسه في المقدّمة وحيدًا، بلا من يدرأ عنه الضربات من الجانبين، وقد أحاط به سبعة أو ثمانية من مقاتلي إكستيدت بوجوهٍ شرسةٍ مفعمةٍ بالحقد.

“لكن مهارتك في استعمال الرمحين معًا رديئة.”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

تجمّد تعبير ويلو.

هبت الريح فجأة، وعبر رالف الهواء نحوهم، يتفادى أسلحة الإكستيدتيون بصعوبةٍ كبيرة، ومعه جنديان من الكوكبة يرتدون زيّ الحصن، هاجموا رجال ليروك الذين كانوا يتهيؤون للدخول إلى المعركة.

“لا تكترث لذلك.” ابتسم تاليس من خلف آراكا. “تلك طريقته في قول ‘شكرًا’.”

“من الأفضل أن تكون محقًّا، أيها الأمير الصغير.” خرج صوته مبحوحًا مرتعشًا، “لأن كل هذا… من أجلك وحدك…”

أصدر آراكا أنفاسًا باردة وهو يلوّح بالفأس العظيم ويتقدّم بخطًى واسعة وسريعة.

“لا تُفاجأ.” تقدَّم الفيكونت كينتفيدا من جانبه، ووضع يده فوق يد الكونت وتنهد. “لقد كنَّا نتطلَّع منذ زمنٍ طويلٍ لمواجهة غضب المملكة. حتى حرّاس النصل الأبيض لم يتمكنوا من صدّ هجماته الوحشية وجهاً لوجه.”

“في المرة القادمة استخدم رمحًا طويلًا وآخر قصيرًا.” جاء صوته من الأمام. “الرمحان المتساويان في الطول… حماقة كبيرة.”

(هذا… ليس جيدًا.)

بُهت ويلو لحظة، لكنّ ابتسامةً سرعان ما ارتسمت على وجهه، وسارع للحاق بهم.

هزّ ويلو رأسه مذهولًا.

كانت صفوف الإكستيدتيان أمامهم قد بدأت تتباعد.

صرخ جنديٌّ من إكستيدت كان رمحه عالقًا بين ذراع آراكا اليسرى وجذعه، ثم ألقى رمحه أرضًا وسحب خنجرًا صغيرًا من ظهره وانقضّ على آراكا المتجمد في مكانه.

لم يعد معسكر لامبارد بعيدًا.

كان يلهث قليلًا وهو يُحدّق في الميدان أمامه.

…..

التفت تاليس بدوره وحدّق في الطريق الذي اخترقه آراكا. من هناك إلى هنا، امتدّ خطّ مستقيم تقريبًا من جثث حرّاس الغضب.

زمجر أحد حرّاس الغضب وهو يغرس سيفه في جسد أحد جنود إكستيدت إلى جانب آراكا، وفي اللحظة نفسها سحب فأسًا من بطنه السفلي. لهث مرتين قبل أن يحدّق في آراكا بعجز، ثم سقط أرضًا.

“خلفك!” صرخ تاليس بقلقٍ بالغ.

اهتزّ جسد آراكا قليلًا، لكنه مع ذلك اخترق الصفّ الأخير من الأعداء دون أن يلتفت.

تمزيق!

وأخيرًا، شقّ الناجون من حرّاس الغضب وأعضاء البعثة الدبلوماسية طريقهم خارج الحصار.

وسط ضجيج المعركة، استدار جنديٌّ شابٌّ ومُحاربٌ مُخضرم يحمل سيفًا ودرعًا فجأةً معًا.

وكأنّ المشاة خلفهم تلقّوا أمرًا، فلم يطاردوهم بعد أن نجحوا في كسر الطوق.

طَنِين!

أصبح بإمكانهم رؤية كتلة جيش عائلة لامبارد تلوح أمامهم. رفع تاليس رأسه وهو لم يزل مبهوتًا.

شاهد تاليس بذهولٍ الموجات المتفجرة في جسد آراكا تتفاعل كحممٍ بركانيةٍ تغلي، تتوهّج وتشتعل من الداخل!

رمى آراكا فأس ليروك من يده، وقطع الحبل المثبّت حول جسد تاليس وهو يسأله بهدوء: “هل أنت متأكد أن هذه فرصتنا؟”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

“علينا أن نُغامر.” نزل تاليس إلى الأرض وشعر باختلال توازنه، فتقيّأ قليلًا. “نُغامر على أن لامبارد لن يجرؤ على قتلي. والرهان… هو حياتي.”

“إذن… ما هي قدرته؟” سأل تاليس بحيرة، رغم أنه كان يعلم الجواب في قرارة نفسه وهو يرى قوّة آراكا الجسدية تعود إليه كالعنقاء التي تبعث من رمادها.

لكن آراكا التقطه مجددًا ووضعه على ظهره، ثم واصل التقدّم.

ضيّق تاليس عينيه، وأدرك فجأة أنّ أولئك الجنود يحملون عصيًا طويلةً ثقيلةً وغريبة الشكل. وضعوا يدًا في المقدّمة وأخرى في المؤخرة، ووجّهوا طرفها نحوهما.

كان جسد بيوتراي مغطّى بالدماء وهو يهرع إليهم من الخلف. قال بأنفاسٍ متقطّعة: “على الأقل، السيدة ساسيري لم تعد مضطرة للتردّد بينك وبين الحصن بعد الآن، يا سموّك.”

ضيّق تاليس عينيه، وأدرك فجأة أنّ أولئك الجنود يحملون عصيًا طويلةً ثقيلةً وغريبة الشكل. وضعوا يدًا في المقدّمة وأخرى في المؤخرة، ووجّهوا طرفها نحوهما.

قبض تاليس على كتفي آراكا وأومأ. التفت خلفه فجأة، فرأى رامون الذي ما زال بين صفوفهم.

في الجهة الأخرى، كان الكونت ليفان يُحدّق في رسول الجيش بدهشةٍ عارمة، وقد تلوّنت ملامحه بعدم التصديق.

“أهو حيّ؟” عبس تاليس.

رفع لامبارد رأسه وتنهد بخفوت. “نعم، غضب السماء المظلمة—قوة الإبادة التي وُلدت من أجل ساحة القتال.”

“نعم، رغم أني رأيته في خطرٍ قاتلٍ أكثر من مرة، إلا أن حظّه كان حسنًا في كل مرة.” قال بيوتراي معتذرًا.

وجّه ليروك فأسه العظيم بقوّة نحو مطرقة المسامير التي انتزعها آراكا حديثًا! فأطلق الأخير زئيرًا وحشيًّا مكتومًا، حتى إن تاليس شعر بالرهبة من الضغط في الجوّ.

زفر تاليس وهو يحدّق في رامون الذي بدا على وجهه أثر الرعب من أهوال المعركة.

قبض تاليس على كتفي آراكا وأومأ. التفت خلفه فجأة، فرأى رامون الذي ما زال بين صفوفهم.

(كنت أعلم ذلك.)

وأخيرًا، شقّ الناجون من حرّاس الغضب وأعضاء البعثة الدبلوماسية طريقهم خارج الحصار.

واصل بيوتراي كلامه: “لكن حرّاس الغضب تعرّضوا لخسائر جسيمة، وقد ضحّى نصف المخضرمين من البعثة تقريبًا…”

وبعد ثلاثة أيام، لن يعودوا أبدًا.

أظلم وجه تاليس، وشعر بجسد آراكا يرتجف وهو يحمله على ظهره.

قبض تاليس على كتفي آراكا وأومأ. التفت خلفه فجأة، فرأى رامون الذي ما زال بين صفوفهم.

“من الأفضل أن تكون محقًّا، أيها الأمير الصغير.” خرج صوته مبحوحًا مرتعشًا، “لأن كل هذا… من أجلك وحدك…”

لكن من الواضح أنّ جنود إكستيدت المرتبكين لم يعودوا قادرين على مجاراة إيقاع آراكا.

التفت بوجهٍ متألّم إلى الجنود الملطّخين بالجراح، والجثث الكثيرة التي خلفهم.

أصبح بإمكانهم رؤية كتلة جيش عائلة لامبارد تلوح أمامهم. رفع تاليس رأسه وهو لم يزل مبهوتًا.

التفت تاليس بدوره وحدّق في الطريق الذي اخترقه آراكا. من هناك إلى هنا، امتدّ خطّ مستقيم تقريبًا من جثث حرّاس الغضب.

لكن يد ويلو ارتجفت فجأة، وامتلأ طرف رمحه ببريقٍ خاطف، فانطلق عمود الرمح من قبضته كالسهم!

قبل ثلاثة أيام فقط، كانوا يقبضون على مقابض سيوفهم بوجوهٍ صارمة في مواجهةٍ متوترة مع سونيا وفصيلها في الحصن.

بدت حركته بسيطة، وكأنّه انزاح قليلاً ليتفادى جميع الضربات المميتة في لحظةٍ واحدة، لكن تاليس أدرك أنّ تلك الحركة لم تكن بسيطةً البتّة.

وبعد ثلاثة أيام، لن يعودوا أبدًا.

إنه جينارد، المحارب من “لواء ضوء النجوم”. أمسك بعدوّه الهائج وكلاهما يُمسك بيد الآخر التي تحمل السيف، يتصارعان بقوّتهما وصبرهما ليغرس أحدهما نصل سيفه في مقتل خصمه قبل الآخر.

“أردتَ أن أُثبت لك أنني أشجع مقاتلي الكوكبة؟” قال آراكا بصوتٍ خفيض، فتجمّد تاليس.

“الجنود الذين يحملون عتاد حرس الغضب قد احتُجزوا جميعًا!” صاح بيوتراي وهو يواجه هجومًا عنيفًا من أحد المشاة، “وواضحٌ أن بعثتنا الدبلوماسية، ومن ضمنهم أنت، لم يشاركوا في حربٍ من قبل—لا قدرة لنا على الاختراق!”

قطّب آراكا حاجبيه وتسارعت أنفاسه. “هذه هي الحُجّة… لم أكن يومًا ‘غضب المملكة’، بل كان هناك فقط حرّاس الغضب وتضحياتهم.”

صرخ ليروك بعينين محمرّتين وهو يُفجّر طاقته الماحقة: “أيها اللعين!” ثم بدأ يضغط ببطءٍ على مقبض فأسه ليغرسه أعمق فأعمق.

ثم واصل التقدّم حاملاً تاليس المذهول. لم يبق سوى مسافةٍ قصيرة عن راية القبضة الحديدية.

تجمّد تاليس قليلًا، وما إن فهم معنى الكلمة حتى تبدّل وجهه فجأة.

“دان، لوسا، جيليان، بيرلاند!” صرخ آراكا بأسماءٍ واحدًا تلو الآخر بأسنانٍ مشدودة. “لولاهم… لكنت ميتًا عشرة آلاف مرة!”

Arisu-san

“هم… منذ الماضي، والحاضر، والمستقبل، جميع أفراد الحرس الذين بذلوا أرواحهم… هُم الغضب الحقيقي للمملكة.”

اهتزّ جسد آراكا قليلًا، لكنه مع ذلك اخترق الصفّ الأخير من الأعداء دون أن يلتفت.

خفض تاليس رأسه بوجهٍ معقّد. وفي تلك اللحظة بالذات—

وفي الوقت ذاته، بذل الرماحان اللذان كانا يتصارعان مع آراكا كل ما في وسعهما، يحاولان اغتنام اللحظة لقتله.

“انتظر!” صرخ آراكا فجأة!

كان آراكا يعتمد اعتمادًا كبيرًا على تضحية الحرس المحيطين به وحمايتهم له ليحافظ على تفوّقه المطلق في الخطوط الأمامية، ليقاتل دون خوفٍ من الهجمات الجانبية. أمّا الآن، فلو قتل عشرة رجالٍ فحسب، فسيتباطأ إيقاعه ويُحاصر مجددًا في ذلك الطوق الحديديّ الذي لا يُكسر.

ارتعد تاليس ورفع رأسه على الفور.

“لكن مهارتك في استعمال الرمحين معًا رديئة.”

من أحد جوانب معسكر إكستيدت، خرجت وحدة من الجنود — قليلة العدد، لكنهم مدججون بالسلاح — يسيرون بانتظامٍ أمامهم. رفع الجميع رؤوسهم ليروا ما يحدث.

تناثرت الدماء والأنسجة في كل اتجاه. دار آراكا مجدداً وأحكم السلسلة حول خنجرٍ معادٍ، ثم جذب خصمه نحوه، ليستخدم بطن ذلك الرجل كدرعٍ صدّ به سيفاً آخر كان يهوي نحوه فوراً.

عمّ الاضطراب بين الناجين من الكوكبة؛ فاجأهم المشهد جميعًا.

كان آراكا يلهث بألمٍ شديد، وعيناه محدِقتان بويلو بنظرةٍ معقّدة.

“اللعنة!” ضربت آيدا قبضتها على كتف بيوتراي وقالت بغضب: “ما الذي فعلته بالضبط؟!”

تدفّقت إلى ذهنه ذكرياتٌ من الماضي…

“أنا؟ لا شيء.” حدّق بيوتراي في الوحدة بدهشة. “كل ما حدث اليوم… ليس كما ينبغي! هذا ليس ما كان يجب أن يكون عليه الأمر!”

واصل بيوتراي كلامه: “لكن حرّاس الغضب تعرّضوا لخسائر جسيمة، وقد ضحّى نصف المخضرمين من البعثة تقريبًا…”

صرخ رامون وهو يرتمي أرضًا. “كنت أعلم ذلك! اتباع هذا الأمير… ضربٌ من الجنون!”

وفي لحظةٍ واحدة، وجد آراكا نفسه في المقدّمة وحيدًا، بلا من يدرأ عنه الضربات من الجانبين، وقد أحاط به سبعة أو ثمانية من مقاتلي إكستيدت بوجوهٍ شرسةٍ مفعمةٍ بالحقد.

أصاب الذعر وايا، فاندفع نحو تاليس. “سموك، ابحث عن غطاءٍ حالًا!”

“صحيح.” أومأ غضب المملكة. “إنه القوس الساكن.”

ارتبك رالف وراح يهزّ رأسه بلا توقف.

مرةً أخرى، شعر تاليس بانفجار قوّةٍ جديدةٍ من جسد الرجل الذي يحمله.

وفي الحشد، وخز ويلو جينارد إلى جانبه بوجهٍ حائر، “ما هذا؟”

“أربع دقائق؟! ذلك الرجل تقدّم في الصفوف وحده… واستغرق أربع دقائق فقط لاختراق تشكيلنا القتالي؟!” أمسك الكونت بتلابيب الرسول بعنفٍ وصاح، “مستحيل! تلك ستّ وحداتٍ عسكرية! يقارب عددهم ألفين وخمسمئة رجل! يُطوّقونه من جميع الجهات!”

“ما هذا؟!” قطّب جينارد حاجبيه وأجاب بعصبية، “عبّارو نهر الجحيم!”

وفي اللحظة التالية، أطلق آراكا زئيراً هادراً هزّ السماء، وانفجرت حرارةٌ مدهشةٌ من قبضته اليمنى، ثم غرسها في وجه أحد السيّافين بصوتٍ واضحٍ لتحطّم العظام. فصرخ الجنديّ بجنونٍ وعذاب.

هزّ ويلو رأسه مذهولًا.

لكنّه… لم يكن وحيدًا.

أما تاليس، فكان يرمقهم بوجهٍ تملؤه الحيرة. (ما الذي يجري؟ تلك الوحدة الصغيرة من الجنود…)

“صحيح.” أومأ غضب المملكة. “إنه القوس الساكن.”

“درع القوس الضوئي!” صرخ آراكا وهو يضع تاليس أرضًا، “اصطفّوا فورًا! اضبطوا زاوية الانحراف!”

الفصل 106: الرهان الفاشل

تحرّك كلّ جندي من الكوكبة في جنون. حرّاس الغضب وقدامى محاربي الحصن سحبوا دروعهم من ظهورهم، وخصوصًا تلك التي تشعّ بلمعانٍ معدنيّ.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

اصطفّ الجنود في تشكيلٍ حربيّ ذي طبقاتٍ متفاوتة، ثم رفعوا دروعهم أمامهم.

وحين رفع رأسه مجدداً، رأى آراكا يلوّح بفأس ليروك المزدوجة، ثم يهوي بها على وجه صاحبها.

ورغم أنّ هذا التشكيل يعود إلى تقاليد مشاة الإمبراطورية القديمة، إلا أنّ ترتيب الصفوف هذه المرّة كان مختلفًا تمامًا. كانت الصفوف مركّزةً على نحوٍ غير معتاد، لا تتجاوز صفًا واحدًا من الجاثين والواقفين المتلاصقين، يواجهون مباشرة تلك الوحدة الغريبة من جنود إكستيدت.

كان آراكا يلهث بألمٍ شديد، وعيناه محدِقتان بويلو بنظرةٍ معقّدة.

وأثناء مراقبته للوضع، سأل تاليس بصوتٍ مرتفع لأنه لم يفهم بعد: “ما الذي يحدث؟ من هم هؤلاء الجنود؟”

“تحكمك الدقيق يجعلك لا تهدر ذرةَ طاقة… أليس كذلك، يا غضب المملكة صاحب الفئة الفائقة؟ رغم أننا هجمنا في الوقت نفسه، قتلتَ ثلاثةً منا!” قال ليروك.

عمّ الصمت فجأة.

سمع تاليس ضحكةً مجلجلةً من غضب المملكة، يعقبها عويل يائس من ليروك.

قطع آراكا الصمت وهو يزمّ أسنانه: “قلتَ إنك تراهن على أنّ لامبارد لن يجرؤ على قتلك؟”

اهتزّ جسد آراكا قليلًا، لكنه مع ذلك اخترق الصفّ الأخير من الأعداء دون أن يلتفت.

نظر تاليس إليه بحيرة.

أرخى آراكا ذراعه اليسرى وأمسك بمقبض فأس ليروك بكلتا يديه، والنار تشتعل في عينيه.

“يبدو أن هذا رهانٌ خاسر.” تكلّم آراكا بوجهٍ محتقنٍ غضبًا وهو يشير إلى كتيبة الجنود في البعيد. “أترى أولئك الذين جاؤوا لاستقبالنا؟”

كانت يدا ويلو كين ترتجفان وهو يُمسك بالرمحين بكلّ ما أوتي من قوّة، مُقاومًا ثقل الفأس وضغط الجاذبية، مُخففًا العبء عن آراكا.

ضيّق تاليس عينيه، وأدرك فجأة أنّ أولئك الجنود يحملون عصيًا طويلةً ثقيلةً وغريبة الشكل. وضعوا يدًا في المقدّمة وأخرى في المؤخرة، ووجّهوا طرفها نحوهما.

لم يعد رمح ويلو في قبضته، إذ كان رأسه قد استقرّ عميقًا في عنق الجندي.

(هذا الوضع…) ارتجف قلبه!

“هل بقي أحد؟!” صاح تاليس بقلقٍ وهو يجرّ خنجره بصعوبة، متردّدًا إن كان عليه قطع الحبل الذي يُقيّده خلف ظهر آراكا.

سمع زمجرة آراكا وهو يكبح غضبه بصعوبة.

“صحيح.” أومأ غضب المملكة. “إنه القوس الساكن.”

“إنهم… وحدة البنادق الصوفية.”

عمّ الاضطراب بين الناجين من الكوكبة؛ فاجأهم المشهد جميعًا.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

اندفع الجندي كالمجنون نحو آراكا وتاليس وخنجره مرفوع، وارتجف تاليس وهو يقطع الحبل بسرعة.

“هاه؟ أنا فقط فضولي بعد قراءة هذا المنشور… هيه- أنتَ- لا تأخذ فأرتي منّي!”

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط