الطُعم
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“رافاييل.” أجاب الشاب بخفة. “أو، وفق عادة أهل الشرق الأقصى، يمكنك مناداتي بـ(را).”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
(السيف الأسود.)
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“أنت تعرف هذا أيضًا. فأنت من نقل إليه الخبر.” ضحك رافاييل. “المعلومة التي استخدمناها لاستدراجه ثمينة للغاية. ما دام هناك احتمال ولو ضئيل… فلن يفوّت السيف الأسود هذه الفرصة.”
Arisu-san
“أنت أشهر مما تظن، أيها الصغير.” جلس نيكولاس بثبات على صهوة حصانه، لكن حضوره كان موحشًا. “لقد عثرت الكوكبة على أميرها الوحيد ووارثها، وأعلنت وجودك على الملأ.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
أومأ بيوتراي. “على النقيض، ورثت الكوكبة وإكستيدت نظام الإمبراطورية في تصنيف النبلاء. فأعلى الطبقات الدوقات والآرشيدوقات ذوو الأصل المرموق، وهم حماة الحدود. يليهم الكونتات، سادة الإقطاعات، ثم الفيكونتات دونهم قليلًا، ثم البارونات المحليون الذين تورّث ألقابهم من جيل إلى جيل. وأخيرًا اللوردات الذين يملكون ثروةً دون حق في وراثة لقب.”
الفصل 120: الطُعم
ابتسم شيليس وانحنى قليلًا.
….
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
على بُعد قليل، ودّع بيوتراي الفيكونت كينتفيدا. وواصل الأخير قيادة جند إقليم الرمال السوداء إلى الأمام، بينما عاد الأول إلى جانب الأمير.
“… فحرس النصل الأبيض هم الحرس الشخصي للملك المنتخب، وجميعكم جئتم من مدينة سحب التنين.” تقلّص حاجباه، ونظر إلى شيليس. “وقد وصلتَ في الوقت نفسه تقريبًا مع حرس النصل الأبيض… لكنك لم تلتقِ بهم من قبل؟”
“آه، مركيز، هاه…” هزّ المركيز شيليس رأسه نحو بيوتراي العائد، وزفر. “مركيز… هيه…”
“أوه؟” تألّقت عينا رافاييل. “وماذا عن مكانه وحاله؟”
“في الحقيقة، مكاني داخل اتحاد كاموس لا يختلف كثيرًا عن مكانة الكونتات الذين يحكمون مدينة… حتى مدينة التدفق الطيب ليست تحت سلطتي الكاملة.” ابتسم المركيز شيليس ابتسامة خفيفة. “لكنني، كتاجر، أُضطر كثيرًا إلى زيارة الدوقات والملوك لبناء العلاقات، فلا بد أن يبدو مقامي لائقًا… فليس كل مملكة مثل الكوكبة وإكستيدت، ممن يملكون الجسارة لإرسال بارونات أو حتى لوردات كمبعوثين إلى ممالك أخرى…”
“ما الأمر يا لورد نيكولاس؟” قال بيوتراي بصرامة دون إساءة.
“أوه؟” حكّ تاليس رأسه وهو يشعر بحرج شديد وقال: “إذًا ليس من المعتاد في العالم إرسال بارونات ولوردات كمبعوثين، وإنما الأمر خاص بين إكستيدت والكوكبة؟”
تابع نيكولاس ببرود: “لقد بلغت أنباء وصولك إلى مدينة سحب التنين معظم ملوك ونبلاء إكستيدت عبر الغربان الزاجلة. زيارة أمير الكوكبة هي حدث العام الأهم. لذا، أرسل جلالته دعوات إلى الآرشيدوقات التسعة خارج المدينة. وقد استجاب خمسة منهم على الأقل. بعضهم وصل، وبعضهم في الطريق، بانتظار قدومك.”
امتطى بيوتراي صهوة جواده أمام الأمير، والتفت يهزّ رأسه قليلًا. “العلاقة بين الكوكبة والتنين حالة خاصة. باستثناء سلالة الفجر والظلام وهانبول، لن تجد مملكتين أُخريين تتبادلان البغضاء والكراهية بهذا القدر.”
قاطعهم صوت بارد: “الحديث عن الناس من خلفهم ليس سبيلًا حسنًا للتجارة يا صاحب السمو.”
“ولهذا، فبالنسبة لسيد صغير مثلي، الذي تتاخم أراضيه ممالك قوية شتّى، ليس أمامه إلا الإكثار من زيارتهم.” رمش المركيز شيليس وأطلق ابتسامة متواضعة يشوبها الأسى.
لم يعر تاليس إهانته اهتمامًا؛ كان نبضه يتسارع، وذهنه يعمل كدوّامة.
“لقد مرّ برلمان اتحاد كاموس المشترك بقرار يمنحنا لقب (مركيز فخري). يبدو أعلى قليلًا من الكونتات، لكنه لا يرقى إلى طبقة الدوقات والآرشيدوقات. وهذا يمنح المُستقبِلين شعورًا بأننا نعاملهم بقدر من الاحترام دون أن نُثقل عليهم بالمنزلة. وفي الحقيقة، لا فرق كبير بيننا وبين الكونتات العاديين.”
“إذًا، يا ماركيز شيليس من اتحاد كاموس…” قطّب تاليس جبينه وهو ينظر إلى الماركيز ذي الشعر الأشقر المربوط في ضفيرة. “لم يكن هدفك بسيطًا كزيارتي. لقد ذهبت إلى معسكر لامبارد حينها لغرض واحد فقط!”
أومأ بيوتراي. “على النقيض، ورثت الكوكبة وإكستيدت نظام الإمبراطورية في تصنيف النبلاء. فأعلى الطبقات الدوقات والآرشيدوقات ذوو الأصل المرموق، وهم حماة الحدود. يليهم الكونتات، سادة الإقطاعات، ثم الفيكونتات دونهم قليلًا، ثم البارونات المحليون الذين تورّث ألقابهم من جيل إلى جيل. وأخيرًا اللوردات الذين يملكون ثروةً دون حق في وراثة لقب.”
“لمنع حرس النصل الأبيض من افتعال صدام معنا، بصفتي مبعوثًا من دولة ثالثة!” رماه تاليس بنظرة حازمة.
قهقه شيليس بمرارة. “اتحاد كاموس وحده من يملك هذا اللقب الغريب: مركيز. إنه مجرد أثر من آثار الزمن. فلا تُعِره انتباهًا.”
ضرب غو سكين تقطيع العظم على المِفرمة بغضب. كان يكره هذا الإحساس. انتظر رافاييل ببرود ردّه.
أومأ تاليس. ثم استدار دون قصد، فإذا بشخص في عباءة بيضاء إلى يساره. كان ذلك قاتل النجوم، نيكولاس، ممثل الملك نوڤين.
تلفّت نحو جنود إقليم الرمال السوداء البعيدين قليلًا، وهم يتقدّمون بخطى متناسقة.
وما إن شعر بحدّة نظرة تاليس، حتى استدار فجأة. وانطلقت حدقتاه نحوه كحدّ السيف، كأنها تحذره. فانقبض جبين تاليس.
“لذلك قلت إن أهل كاموس يريدون أمرًا منك حتمًا.” قالت آيدا بازدراء. “فمن ذا الذي يقطع تلك المسافة الطويلة بلا سبب سوى زيارة طفل منحوس؟”
“اللورد نيكولاس… ليس من السهل التعامل معه، أليس كذلك؟” كان شيليس إلى جانب تاليس، وقد لمح نظرته، فابتسم بتفهّم. “أهل الشمال صريحون بسيطون، لكنهم إذا عاندوا كانوا من أسوأ ما يكون.”
“في الحقيقة، مكاني داخل اتحاد كاموس لا يختلف كثيرًا عن مكانة الكونتات الذين يحكمون مدينة… حتى مدينة التدفق الطيب ليست تحت سلطتي الكاملة.” ابتسم المركيز شيليس ابتسامة خفيفة. “لكنني، كتاجر، أُضطر كثيرًا إلى زيارة الدوقات والملوك لبناء العلاقات، فلا بد أن يبدو مقامي لائقًا… فليس كل مملكة مثل الكوكبة وإكستيدت، ممن يملكون الجسارة لإرسال بارونات أو حتى لوردات كمبعوثين إلى ممالك أخرى…”
التفت تاليس نحو النبيل القادم من مملكة أخرى؛ رجل غريب عنه.
قطّب غو جبينه.
قال بيوتراي بصوت خافت موجّهًا كلامه لشيليس: “يبدو أن خبراتك واسعة. أذكر أن مدينة التدفق الطيب تجاور مدينة الصلوات البعيدة غرب إكستيدت؟ هل تتواصل كثيرًا مع عائلة الدوق روني؟”
“لحظة.” اشتدّت الريبة في قلب تاليس. “إذا كنتَ جئت من مدينة سحب التنين…”
“صدقني، أعلم ما يعنيه أن تكون جارًا لأهل الشمال.” تنهد شيليس. “تعاملت معهم مرات كثيرة. تارةً تعجبك صراحتهم ونزاهتهم، وتارةً تكره عنادهم وجمودهم حتى الموت.”
“هؤلاء المتآمرون الطامحون يستطيعون أن يخلدوا إلى الراحة مطمئنين. لكنّ الملك نوڤين، بطبعه، لن يقف متفرّجًا بينما أعداؤه ينعمون بالسكينة بعد ارتكاب جريمة كهذه.” هزّ شيليس رأسه قليلًا وتنهد. “إن رغبة والتون في الانتقام أقوى وأصفى مما توقعت. ولا بدّ من شخص يتلقّى هذا الانتقام.”
قاطعهم صوت بارد: “الحديث عن الناس من خلفهم ليس سبيلًا حسنًا للتجارة يا صاحب السمو.”
تبادل نيكولاس وشيليس النظرات.
تفاجأ تاليس. كان نيكولاس قد صار بموازاة يساره دون أن يشعر.
“أوه؟” تألّقت عينا رافاييل. “وماذا عن مكانه وحاله؟”
“ما الأمر يا لورد نيكولاس؟” قال بيوتراي بصرامة دون إساءة.
ابتسم شيليس وقال: “ما دمنا قد بلغنا هذا الحد… لم لا تحزر يا صاحب السمو؟”
ولمّا تقدّم قاتل النجوم من حرس النصل الأبيض، أمسك وايا مقبض سيفه بيقظة وهو يمشي على يسار تاليس.
لم يعلّق نيكولاس، وظلّت عيناه عميقتين. أما شيليس فابتسم ابتسامة خفيفة وقال: “التقينا بضع مرات.”
“تراجع، يا قاتل النجوم.” سحب وايا نصف نصل سيفه بنفور. “بلغني ما سألت عنه، لكن سموه لا يحتاج إلى مرافقتك.”
لم يُجب نيكولاس.
لم يُعر نيكولاس ذلك اهتمامًا، وأطلق شخرة باردة.
(هذا ليس جيّدًا… هل صار ما قلته في المؤتمر الوطني مشهورًا إلى هذا الحد؟)
في المقابل، أسرع رالف خطواته حتى بلغ فرس تاليس، وعليه ملامح قلقة.
“طبعًا يستحيل.” أكمل بيوتراي كلمات الأمير وهو يومئ مستوعبًا. “نحن نتحدث عن حرس النصل الأبيض، القوة الشهيرة في شمال الأرض. ولا يكافئهم في إكستيدت إلا الحراس الجليديين. ورغم أن الطرفين دُمّرا وأُعيد بناؤهما مرارًا… يبقى من السهل جدًا عليهم رصد وحدة فرسان قريبة إلى هذا الحد.”
وعلى يمين تاليس، عقدت آيدا ذراعيها، واقتربت من نيكولاس قُربًا متعمّدًا أو غير متعمّد. “يا فتى، إن أردت القتال، فأنا جاهزة في أي وقت.”
“همف، ومن أين لك العلم؟” حاول غو جاهدًا محو شعوره بالذنب لخيانته صديقه القديم. قبض على يده بقوة واستعاد هيئة الرجل الذي عرفه. “السيف الأسود هو أقوى سيّاف رأيته في حياتي. ليس من السهل عليكم التلاعب به.”
رفع تاليس يده مضطرًا، مشيرًا لمجموعة الكوكبة أن يكفّوا ولا يقلقوا.
“ولهذا، فبالنسبة لسيد صغير مثلي، الذي تتاخم أراضيه ممالك قوية شتّى، ليس أمامه إلا الإكثار من زيارتهم.” رمش المركيز شيليس وأطلق ابتسامة متواضعة يشوبها الأسى.
“أتعرفان بعضكما؟” قطّب تاليس جبينه. “قائد حرس النصل الأبيض ومركيز مدينة من اتحاد كاموس؟”
(إذا لم يكن صدفة… فليلة أمس…)
لم يعلّق نيكولاس، وظلّت عيناه عميقتين. أما شيليس فابتسم ابتسامة خفيفة وقال: “التقينا بضع مرات.”
ثبّت تاليس نظره عليه.
هزّ تاليس رأسه. لكنه ما لبث أن رفعه ونظر إلى نيكولاس، ثم إلى شيليس المبتسم… فصعقته دهشة مباغتة.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“مركيز شيليس،” قال تاليس بفضول يسير، “ذكرت البارحة عند قدومك أنك هنا أيضًا في بعثة دبلوماسية؟”
“هؤلاء المتآمرون الطامحون يستطيعون أن يخلدوا إلى الراحة مطمئنين. لكنّ الملك نوڤين، بطبعه، لن يقف متفرّجًا بينما أعداؤه ينعمون بالسكينة بعد ارتكاب جريمة كهذه.” هزّ شيليس رأسه قليلًا وتنهد. “إن رغبة والتون في الانتقام أقوى وأصفى مما توقعت. ولا بدّ من شخص يتلقّى هذا الانتقام.”
“نعم، عقد خام البلورات بين مدينة التدفق الطيب ومدينة سحب التنين شارف على الانتهاء. وفي الوقت نفسه جئت لأبدأ ببعض الصفقات.” رمش شيليس بعمق. “في الحقيقة، قضيت ومجموعتي الدبلوماسية شهرًا في أطراف مدينة سحب التنين نفاوض عدة سادة إقطاعيين… ثم سمعت بوجود أمير الكوكبة في إقليم أوركيد المرموقة، فجئت لزيارته.”
قهقه شيليس بمرارة. “اتحاد كاموس وحده من يملك هذا اللقب الغريب: مركيز. إنه مجرد أثر من آثار الزمن. فلا تُعِره انتباهًا.”
(مدينة سحب التنين) خطر الخاطر في ذهن تاليس.
“لقد استدرجت السيف الأسود إلى مدينة سحب التنين كما طلبت.” قال غو وهو يغلق عينيه بأسى. “بفضل الأخبار التي زوّدتني بها.”
“قصدتَ إقليم أوركيد المرموقة من مدينة سحب التنين فقط لزيارتي؟” رسم تاليس في ذهنه خريطة إكستيدت التي شرحها له بيوتراي في الأيام الماضية. ثم قال دون أن يتيقّن من صدق شيليس: “لقد بذلت جهدًا كبيرًا، أليس كذلك؟ فالرحلة ليست سهلة كما أعلم.”
ابتسم شيليس وانحنى قليلًا.
“لذلك قلت إن أهل كاموس يريدون أمرًا منك حتمًا.” قالت آيدا بازدراء. “فمن ذا الذي يقطع تلك المسافة الطويلة بلا سبب سوى زيارة طفل منحوس؟”
تفاجأ تاليس. كان نيكولاس قد صار بموازاة يساره دون أن يشعر.
حكّ تاليس رأسه بحرج. واستعاد بيوتراي تركيزه، وأخذ يزن العلاقة بين الطرفين بتمعّن.
“لأكون صريحًا، حين وصلتُ وفق الخطة ورأيتُ الهدوء بينكم…” أومأ شيليس. “أحسست بغرابة الوضع. حتى أنني ظننت أنّ ساعتي متقدّمة، فوصلت مبكرًا.”
“هاها، هناك قولٌ شائع بين الجان: (الحب يستحق أن يُشقَّ المرء لأجله بين الأدغال والأحراج، والصداقة تستحق أن تُجتاز لأجلها الجبال والوديان).” رمش شيليس. “وجئت من أجل الصداقة. وبالطبع، من أجل الروابط المستقبلية.”
طَق.
“مقزّز.” كان هذا تعليق آيدا.
“لا عجب أن الملك نوڤين يريد دعوتي.” قال تاليس بامتعاض ظاهر. “يدبّر كل هذه المكائد، ولم يبقَ عليه سوى شيء واحد، أليس كذلك؟”
“لحظة.” اشتدّت الريبة في قلب تاليس. “إذا كنتَ جئت من مدينة سحب التنين…”
وكان كينتفيدا يتناقش مع أحد مساعديه حول خطوتهم التالية.
رفع رأسه ونظر إلى نيكولاس الذي أمامه. كان قاتل النجوم يحدّق فيه بلا أي تعبير.
ذكّر غو نفسه بصمت: (لكن إن كانوا من إدارة الاستخبارات السرية في المملكة… حتى صغار الأفعى…)
“… فحرس النصل الأبيض هم الحرس الشخصي للملك المنتخب، وجميعكم جئتم من مدينة سحب التنين.” تقلّص حاجباه، ونظر إلى شيليس. “وقد وصلتَ في الوقت نفسه تقريبًا مع حرس النصل الأبيض… لكنك لم تلتقِ بهم من قبل؟”
انبعث صوت مكتوم.
تبادل نيكولاس وشيليس نظرة صامتة. ثم ابتسم الأخير وقال: “ربما لم نلاحظ بعضنا بسبب الرياح والثلج؟”
….
“لا.” ضيّق تاليس عينيه. “إنهم نخبة النخبة في إكستيدت. يستحيل ألّا يلحظوكم.”
أطلقت آيدا شخيرًا باردًا.
“طبعًا يستحيل.” أكمل بيوتراي كلمات الأمير وهو يومئ مستوعبًا. “نحن نتحدث عن حرس النصل الأبيض، القوة الشهيرة في شمال الأرض. ولا يكافئهم في إكستيدت إلا الحراس الجليديين. ورغم أن الطرفين دُمّرا وأُعيد بناؤهما مرارًا… يبقى من السهل جدًا عليهم رصد وحدة فرسان قريبة إلى هذا الحد.”
“أكملا.” قال تاليس بجدية.
أطلق نيكولاس شخرة خافتة. أما شيليس فقهقه.
“اسم العائلة الأحادي في الشرق الأقصى لا يُستخدم بهذه الطريقة.” قال غو ببرود.
قال تاليس وهو يلقي كلماته ببطء: “وكلاكما ظهر في الوقت نفسه تقريبًا، الواحد بعد الآخر… هذا يبعث على الريبة قليلًا.”
“هاها، هناك قولٌ شائع بين الجان: (الحب يستحق أن يُشقَّ المرء لأجله بين الأدغال والأحراج، والصداقة تستحق أن تُجتاز لأجلها الجبال والوديان).” رمش شيليس. “وجئت من أجل الصداقة. وبالطبع، من أجل الروابط المستقبلية.”
رفع شيليس حاجبيه، وهزّ رأسه، ثم انفجر ضاحكًا. حدّق تاليس فيه مذهولًا، وتلاقى بصره مع بيوتراي.
(هذا ليس جيّدًا… هل صار ما قلته في المؤتمر الوطني مشهورًا إلى هذا الحد؟)
“يكفي، يا صاحب السمو.” قال نيكولاس بلهجة مباشرة. “حان الوقت لنُتمّ ما أوكله الينا جلالته.”
قاطعهم صوت بارد: “الحديث عن الناس من خلفهم ليس سبيلًا حسنًا للتجارة يا صاحب السمو.”
(ما أوكله إلينا جلالته؟)
(…سُمُّهم قاتل.)
ألقى تاليس نظرة على نيكولاس، ثم على شيليس، واتّضح له الشكّ الذي كان يختمر في صدره.
طَق.
“أنتما الاثنان تعملان معًا.”
“هؤلاء المتآمرون الطامحون يستطيعون أن يخلدوا إلى الراحة مطمئنين. لكنّ الملك نوڤين، بطبعه، لن يقف متفرّجًا بينما أعداؤه ينعمون بالسكينة بعد ارتكاب جريمة كهذه.” هزّ شيليس رأسه قليلًا وتنهد. “إن رغبة والتون في الانتقام أقوى وأصفى مما توقعت. ولا بدّ من شخص يتلقّى هذا الانتقام.”
أدرك تاليس الحقيقة.
“اللورد نيكولاس… ليس من السهل التعامل معه، أليس كذلك؟” كان شيليس إلى جانب تاليس، وقد لمح نظرته، فابتسم بتفهّم. “أهل الشمال صريحون بسيطون، لكنهم إذا عاندوا كانوا من أسوأ ما يكون.”
تلفّت نحو جنود إقليم الرمال السوداء البعيدين قليلًا، وهم يتقدّمون بخطى متناسقة.
“صدقني، أعلم ما يعنيه أن تكون جارًا لأهل الشمال.” تنهد شيليس. “تعاملت معهم مرات كثيرة. تارةً تعجبك صراحتهم ونزاهتهم، وتارةً تكره عنادهم وجمودهم حتى الموت.”
كان تولجا لا يزال يقود الكشّافين ليتحرّوا الطريق أمامهم.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وكان كينتفيدا يتناقش مع أحد مساعديه حول خطوتهم التالية.
استدار تاليس نحو نيكولاس وشيليس، غير أن كليهما لم ينطق كلمة، يحدّقان فيه: أحدهما بعينٍ ماكرة، والآخر بنظرة باردة ثاقبة.
أما جنود إقليم الرمال السوداء فكانوا يؤدّون واجب الحراسة حولهم.
“لذلك قلت إن أهل كاموس يريدون أمرًا منك حتمًا.” قالت آيدا بازدراء. “فمن ذا الذي يقطع تلك المسافة الطويلة بلا سبب سوى زيارة طفل منحوس؟”
التقط تاليس أنفاسه ببطء.
طَق.
قال بيوتراي، وقد فهم شيئًا ما، بلهجة هادئة: “يا صاحب السمو… يبدو أنّنا تورّطنا في ورطة جديدة.”
أومأ بيوتراي. “على النقيض، ورثت الكوكبة وإكستيدت نظام الإمبراطورية في تصنيف النبلاء. فأعلى الطبقات الدوقات والآرشيدوقات ذوو الأصل المرموق، وهم حماة الحدود. يليهم الكونتات، سادة الإقطاعات، ثم الفيكونتات دونهم قليلًا، ثم البارونات المحليون الذين تورّث ألقابهم من جيل إلى جيل. وأخيرًا اللوردات الذين يملكون ثروةً دون حق في وراثة لقب.”
“هاي…” زفر تاليس ورفع رأسه، يرمق الإكستيدتيون والكاميين أمامه بنظرة متّقدة. “كل هذا من رغبات الملك نوڤين، أليس كذلك؟”
ألقى تاليس نظرة على نيكولاس، ثم على شيليس، واتّضح له الشكّ الذي كان يختمر في صدره.
ابتسم شيليس وقال: “ما دمنا قد بلغنا هذا الحد… لم لا تحزر يا صاحب السمو؟”
وبعد بضع ثوانٍ، قال بهدوء: “اللورد نيكولاس، لم تصادف جيش آرشيدوق الرمال السوداء صدفة، ولا افتعلت شجارًا معنا صدفة.”
ثبّت تاليس نظره عليه.
“لكن ما علاقتك أنت بالأمر؟” ثبت بيوتراي نظره على شيليس. “كنتُ أظنّك مواطنًا من اتحاد كاموس.”
وبعد بضع ثوانٍ، قال بهدوء: “اللورد نيكولاس، لم تصادف جيش آرشيدوق الرمال السوداء صدفة، ولا افتعلت شجارًا معنا صدفة.”
“هل أستطيع الرفض؟” قطّب تاليس جبينه، ونظر إلى بيوتراي الذي ازدادت تعابيره تعقيدًا.
وقع بصره على نيكولاس، الذي ظل يحدّق إلى الأمام غير مكترث.
هزّ تاليس رأسه. لكنه ما لبث أن رفعه ونظر إلى نيكولاس، ثم إلى شيليس المبتسم… فصعقته دهشة مباغتة.
لكن بعد لحظة، وبخلاف بروده السابق، نطق قاتل النجوم ببطء.
وبعد بضع ثوانٍ، قال بهدوء: “اللورد نيكولاس، لم تصادف جيش آرشيدوق الرمال السوداء صدفة، ولا افتعلت شجارًا معنا صدفة.”
“بالطبع لا.” كان صوت نيكولاس باردًا. “إحدى أكثر الأمور التي أمقتها في حياتي هي الدخول إلى معسكر لامبارد. ثم…”
“ليس له وحده.” قال شيليس ببساطة، “بل لجواسيسه المنتشرين في جيشه.”
أدار قاتل النجوم رأسه، وحدّق بنظرة ثاقبة. “ولمَ أتفرّغ لخطف صبيّ لم تنبت أنيابه بعد؟”
اتّسعت عينا وایا.
لم يعر تاليس إهانته اهتمامًا؛ كان نبضه يتسارع، وذهنه يعمل كدوّامة.
رفع شيليس حاجبيه، وهزّ رأسه، ثم انفجر ضاحكًا. حدّق تاليس فيه مذهولًا، وتلاقى بصره مع بيوتراي.
(إذا لم يكن صدفة… فليلة أمس…)
تجمّد تاليس قليلًا. “أهكذا يقال عني؟”
“يبدو أنك لا تفعل أمورًا كهذه كثيرًا، يا صاحب السمو.” ابتسم تاليس بمرارة. “لا عجب أنني شعرت بأنّ ثمّة خللًا البارحة… كما توقّعت، مهاراتك في التمثيل جامدة للغاية.”
“أتعرفان بعضكما؟” قطّب تاليس جبينه. “قائد حرس النصل الأبيض ومركيز مدينة من اتحاد كاموس؟”
أخرج بيوتراي غليونه ببطء، وجبينه مكفهر.
زفر تاليس، وأغمض عينيه، ورفع وجهه نحو السماء، ونطق العبارة الأخيرة: “الطُّعْم.”
تبادل نيكولاس وشيليس النظرات.
“أهكذا؟ لا بأس، ليس مهمًا.” جلس رافاييل بلامبالاة على كرسي قربه. “لنبدأ العمل.”
“سمعتُ أنك أمير بارع في الكلام، حاذق في التفكير.” رمش الماركيز شيليس بمعنى خفي. “عبقريّ ألهب كلماتُه المستمعين في المؤتمر الوطني وهو في السابعة، يا أمير تاليس.”
أطلقت آيدا شخيرًا باردًا.
تجمّد تاليس قليلًا. “أهكذا يقال عني؟”
(إذا لم يكن صدفة… فليلة أمس…)
(هذا ليس جيّدًا… هل صار ما قلته في المؤتمر الوطني مشهورًا إلى هذا الحد؟)
استدار تاليس نحو نيكولاس وشيليس، غير أن كليهما لم ينطق كلمة، يحدّقان فيه: أحدهما بعينٍ ماكرة، والآخر بنظرة باردة ثاقبة.
“أنت أشهر مما تظن، أيها الصغير.” جلس نيكولاس بثبات على صهوة حصانه، لكن حضوره كان موحشًا. “لقد عثرت الكوكبة على أميرها الوحيد ووارثها، وأعلنت وجودك على الملأ.”
“هاها، هناك قولٌ شائع بين الجان: (الحب يستحق أن يُشقَّ المرء لأجله بين الأدغال والأحراج، والصداقة تستحق أن تُجتاز لأجلها الجبال والوديان).” رمش شيليس. “وجئت من أجل الصداقة. وبالطبع، من أجل الروابط المستقبلية.”
أومأ الماركيز شيليس مبتسمًا.
لم يعر تاليس إهانته اهتمامًا؛ كان نبضه يتسارع، وذهنه يعمل كدوّامة.
“إذًا، يا ماركيز شيليس من اتحاد كاموس…” قطّب تاليس جبينه وهو ينظر إلى الماركيز ذي الشعر الأشقر المربوط في ضفيرة. “لم يكن هدفك بسيطًا كزيارتي. لقد ذهبت إلى معسكر لامبارد حينها لغرض واحد فقط!”
“كنت أظن أنني المقصود.” قال تاليس بسخرية مُرّة. “أبٌ يعميه الغضب فيقتل ابن القاتل انتقامًا لابنه… أليس هذا منطقيًا جدًا؟”
ابتسم شيليس وانحنى قليلًا.
وما إن شعر بحدّة نظرة تاليس، حتى استدار فجأة. وانطلقت حدقتاه نحوه كحدّ السيف، كأنها تحذره. فانقبض جبين تاليس.
“لمنع حرس النصل الأبيض من افتعال صدام معنا، بصفتي مبعوثًا من دولة ثالثة!” رماه تاليس بنظرة حازمة.
(ما أوكله إلينا جلالته؟)
ثم التفت إلى نيكولاس: “وأنت يا لورد نيكولاس… بصفتك عدوّ العائلة الملكية جيدستار، أُرسلت خصيصًا لتثير غضبنا، أليس كذلك؟”
“هؤلاء المتآمرون الطامحون يستطيعون أن يخلدوا إلى الراحة مطمئنين. لكنّ الملك نوڤين، بطبعه، لن يقف متفرّجًا بينما أعداؤه ينعمون بالسكينة بعد ارتكاب جريمة كهذه.” هزّ شيليس رأسه قليلًا وتنهد. “إن رغبة والتون في الانتقام أقوى وأصفى مما توقعت. ولا بدّ من شخص يتلقّى هذا الانتقام.”
“كان من المفترض أن نتعارك.” قال نيكولاس ببرود. “وكان حرس النصل الأبيض سيسحقون رجالكم ويطرحونهم أرضًا.”
“لأكون صريحًا، حين وصلتُ وفق الخطة ورأيتُ الهدوء بينكم…” أومأ شيليس. “أحسست بغرابة الوضع. حتى أنني ظننت أنّ ساعتي متقدّمة، فوصلت مبكرًا.”
“وقبل أن تتفاقم الأمور، كنتُ سأظهر.” تابع شيليس بابتسامة غامضة. “وبفضل مكانة مبعوث اتحاد كاموس، كان حرس النصل الأبيض سيتراجعون. لكنّ الجميع في المعسكر كانوا سيلاحظون العلاقة المتوتّرة بين الأمير تاليس والملك نوڤين.”
“اللورد نيكولاس… ليس من السهل التعامل معه، أليس كذلك؟” كان شيليس إلى جانب تاليس، وقد لمح نظرته، فابتسم بتفهّم. “أهل الشمال صريحون بسيطون، لكنهم إذا عاندوا كانوا من أسوأ ما يكون.”
نظر وایا ورالف إلى تاليس بدهشة وارتباك، ثم إلى نيكولاس.
“استمرّوا في إظهار العداء، وایا ورالف.” قال بيوتراي وقد فهم الأمر. طرق على غليونه دون أن يغيّر تعابيره. “علينا أن نجعل رجال إقليم الرمال السوداء يرون أنّ علاقتنا باللورد نيكولاس سيئة… سيئة جدًّا.”
“استمرّوا في إظهار العداء، وایا ورالف.” قال بيوتراي وقد فهم الأمر. طرق على غليونه دون أن يغيّر تعابيره. “علينا أن نجعل رجال إقليم الرمال السوداء يرون أنّ علاقتنا باللورد نيكولاس سيئة… سيئة جدًّا.”
“ما الأمر يا لورد نيكولاس؟” قال بيوتراي بصرامة دون إساءة.
اتّسعت عينا وایا.
“ليس له وحده.” قال شيليس ببساطة، “بل لجواسيسه المنتشرين في جيشه.”
“يا لورد نيكولاس، كنتَ تخطّط منذ البداية أن تُظهر للآخرين موقف الملك نوڤين تجاهي عبر الاستفزاز والصدام.” خفَض تاليس رأسه وقال بصوت خافت: “لكن بسبب مطالبي غير المعقولة… بات من الصعب عليك التحرّك، أليس كذلك؟”
امتطى بيوتراي صهوة جواده أمام الأمير، والتفت يهزّ رأسه قليلًا. “العلاقة بين الكوكبة والتنين حالة خاصة. باستثناء سلالة الفجر والظلام وهانبول، لن تجد مملكتين أُخريين تتبادلان البغضاء والكراهية بهذا القدر.”
لم يُجب نيكولاس.
التفت تاليس نحو النبيل القادم من مملكة أخرى؛ رجل غريب عنه.
“لأكون صريحًا، حين وصلتُ وفق الخطة ورأيتُ الهدوء بينكم…” أومأ شيليس. “أحسست بغرابة الوضع. حتى أنني ظننت أنّ ساعتي متقدّمة، فوصلت مبكرًا.”
إكستيدت — مدينة سحب التنين — الطريق الغربي.
“ما الذي يحدث؟” قال تاليس بهدوء. “لماذا علينا تمثيل هذا المشهد في معسكر لامبارد؟ لمن؟ لامبارد؟”
“في الحقيقة، مكاني داخل اتحاد كاموس لا يختلف كثيرًا عن مكانة الكونتات الذين يحكمون مدينة… حتى مدينة التدفق الطيب ليست تحت سلطتي الكاملة.” ابتسم المركيز شيليس ابتسامة خفيفة. “لكنني، كتاجر، أُضطر كثيرًا إلى زيارة الدوقات والملوك لبناء العلاقات، فلا بد أن يبدو مقامي لائقًا… فليس كل مملكة مثل الكوكبة وإكستيدت، ممن يملكون الجسارة لإرسال بارونات أو حتى لوردات كمبعوثين إلى ممالك أخرى…”
“ليس له وحده.” قال شيليس ببساطة، “بل لجواسيسه المنتشرين في جيشه.”
أخرج بيوتراي غليونه ببطء، وجبينه مكفهر.
“أكملا.” قال تاليس بجدية.
قال بيوتراي بصوت خافت موجّهًا كلامه لشيليس: “يبدو أن خبراتك واسعة. أذكر أن مدينة التدفق الطيب تجاور مدينة الصلوات البعيدة غرب إكستيدت؟ هل تتواصل كثيرًا مع عائلة الدوق روني؟”
تابع نيكولاس ببرود: “لقد بلغت أنباء وصولك إلى مدينة سحب التنين معظم ملوك ونبلاء إكستيدت عبر الغربان الزاجلة. زيارة أمير الكوكبة هي حدث العام الأهم. لذا، أرسل جلالته دعوات إلى الآرشيدوقات التسعة خارج المدينة. وقد استجاب خمسة منهم على الأقل. بعضهم وصل، وبعضهم في الطريق، بانتظار قدومك.”
“لمنع حرس النصل الأبيض من افتعال صدام معنا، بصفتي مبعوثًا من دولة ثالثة!” رماه تاليس بنظرة حازمة.
“أتقصد أنّ… بسبب زيارتي…” رتّب تاليس أفكاره المضطربة ببطء. “تعمد الملك نوڤين دعوة هؤلاء الآرشيدوقات إلى مدينة سحب التنين؟ لماذا؟ وما علاقة هذا بجواسيس لامبارد؟”
أطرق تاليس رأسه.
شدّ نيكولاس عباءته البيضاء وقال: “آرشيدوق الرمال السوداء لم يكن الوحيد المتورّط في قتل الأمير موريا. فبفضل موقعه الجغرافي جوار الكوكبة، عقد تشابمان لامبارد حلفًا مع آروند خارج المملكة. لكن داخل المملكة… هناك قوى أخرى تآمرت معه، بل وقادت خطة اغتيال سموّ الأمير.”
تحدّد بصر رافاييل، ولمع بريق غريب في عينيه.
“الملك نوڤين الذي فقد وريثه الأخير…” اشتدّ تجعّد جبين تاليس. “… أعداؤه—وشركاء لامبارد—بين الآرشيدوقات المتوجهين إلى مدينة سحب التنين؟”
“ما الأمر يا لورد نيكولاس؟” قال بيوتراي بصرامة دون إساءة.
“هؤلاء المتآمرون الطامحون يستطيعون أن يخلدوا إلى الراحة مطمئنين. لكنّ الملك نوڤين، بطبعه، لن يقف متفرّجًا بينما أعداؤه ينعمون بالسكينة بعد ارتكاب جريمة كهذه.” هزّ شيليس رأسه قليلًا وتنهد. “إن رغبة والتون في الانتقام أقوى وأصفى مما توقعت. ولا بدّ من شخص يتلقّى هذا الانتقام.”
على بُعد قليل، ودّع بيوتراي الفيكونت كينتفيدا. وواصل الأخير قيادة جند إقليم الرمال السوداء إلى الأمام، بينما عاد الأول إلى جانب الأمير.
“إنه يريد الانتقام؟” قال بيوتراي ببطء. “الانتقام من الفاعلين الحقيقيين؟”
ثم التفت إلى نيكولاس: “وأنت يا لورد نيكولاس… بصفتك عدوّ العائلة الملكية جيدستار، أُرسلت خصيصًا لتثير غضبنا، أليس كذلك؟”
“كنت أظن أنني المقصود.” قال تاليس بسخرية مُرّة. “أبٌ يعميه الغضب فيقتل ابن القاتل انتقامًا لابنه… أليس هذا منطقيًا جدًا؟”
أرسل رجلٌ من أبناء الشرق الأقصى آخرَ زبائنه وأغلق باب متجره ببطء.
“هذا تمامًا ما يريده الأعداء، وكذلك الصورة التي نريد نحن إظهارها لهم.” رمش شيليس. “الملك نوڤين ملكٌ عاقل. يعلم من المسؤول حقًا عن الأمر، ويدرك أنه لو اندلعت حربٌ بين الكوكبة وإكستيدت الآن، فستكون هدية لهؤلاء المتآمرين الطامحين. وسيكون تصرّفًا أحمق للغاية.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“لكن ما علاقتك أنت بالأمر؟” ثبت بيوتراي نظره على شيليس. “كنتُ أظنّك مواطنًا من اتحاد كاموس.”
انبعث صوت مكتوم.
“قدّمت خدمة للملك نوڤين.” ابتسم الماركيز شيليس ابتسامة عريضة كاشفًا عن أسنانه البيضاء. “وفي المقابل، قدّم لي خدمة تتعلق بالتجارة بين مملكتينا.”
“لن يفعل.” ضحك رافاييل بخفة. “سيبقى طويلًا بما يكفي… حتى يعثر على غايته.”
أطلقت آيدا شخيرًا باردًا.
“لكن ما علاقتك أنت بالأمر؟” ثبت بيوتراي نظره على شيليس. “كنتُ أظنّك مواطنًا من اتحاد كاموس.”
في تلك اللحظة، ضحك نيكولاس ضحكة قاتمة.
(همف. ابن مورات اللقيط.)
“على أي حال، هذا ما طلب سموّه مني إيصاله إليك، أيها الأمير الثاني للكوكبة: من أجل مصلحتك المشتركة مع الملك نوڤين، فهو يدعوك لتشارك في انتقامه.” بدا كأن لهبًا يشتعل في عيني نيكولاس. “الصيّاد قد صقل سكاكينه، والفخّ والشرك نُصبا. الفريسة هالكة لا محالة.”
أومأ الماركيز شيليس مبتسمًا.
“هل أستطيع الرفض؟” قطّب تاليس جبينه، ونظر إلى بيوتراي الذي ازدادت تعابيره تعقيدًا.
“أظنني فهمت ما تقصدانه.” وبعد ثوانٍ، زفر بحزن. “الملك نوڤين هو الصيّاد، وحرس النصل الأبيض هم سلاحه. تمثيلية الأمس كانت الفخّ، واللقاء في مدينة سحب التنين سيكون الفخّ الأخير. شركاء لامبارد هم الفريسة.”
“أنت تعرف.” قال نيكولاس بعمق. “أن نار الانتقام لا بد لها من منفذ.”
“إذًا، يا ماركيز شيليس من اتحاد كاموس…” قطّب تاليس جبينه وهو ينظر إلى الماركيز ذي الشعر الأشقر المربوط في ضفيرة. “لم يكن هدفك بسيطًا كزيارتي. لقد ذهبت إلى معسكر لامبارد حينها لغرض واحد فقط!”
أطرق تاليس رأسه.
“همف، ومن أين لك العلم؟” حاول غو جاهدًا محو شعوره بالذنب لخيانته صديقه القديم. قبض على يده بقوة واستعاد هيئة الرجل الذي عرفه. “السيف الأسود هو أقوى سيّاف رأيته في حياتي. ليس من السهل عليكم التلاعب به.”
“أظنني فهمت ما تقصدانه.” وبعد ثوانٍ، زفر بحزن. “الملك نوڤين هو الصيّاد، وحرس النصل الأبيض هم سلاحه. تمثيلية الأمس كانت الفخّ، واللقاء في مدينة سحب التنين سيكون الفخّ الأخير. شركاء لامبارد هم الفريسة.”
“أوه؟” تألّقت عينا رافاييل. “وماذا عن مكانه وحاله؟”
“وماذا عنك أنت، يا صاحب السمو؟” التفت تاليس نحو شيليس بوجه خالٍ من الملامح. “المِعول الذي يحفر الحفرة؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
سعل شيليس على نحو محرج.
أرسل رجلٌ من أبناء الشرق الأقصى آخرَ زبائنه وأغلق باب متجره ببطء.
“لا عجب أن الملك نوڤين يريد دعوتي.” قال تاليس بامتعاض ظاهر. “يدبّر كل هذه المكائد، ولم يبقَ عليه سوى شيء واحد، أليس كذلك؟”
(السيف الأسود.)
استدار تاليس نحو نيكولاس وشيليس، غير أن كليهما لم ينطق كلمة، يحدّقان فيه: أحدهما بعينٍ ماكرة، والآخر بنظرة باردة ثاقبة.
“أنت تعرف هذا أيضًا. فأنت من نقل إليه الخبر.” ضحك رافاييل. “المعلومة التي استخدمناها لاستدراجه ثمينة للغاية. ما دام هناك احتمال ولو ضئيل… فلن يفوّت السيف الأسود هذه الفرصة.”
زفر تاليس، وأغمض عينيه، ورفع وجهه نحو السماء، ونطق العبارة الأخيرة: “الطُّعْم.”
ثم التفت إلى نيكولاس: “وأنت يا لورد نيكولاس… بصفتك عدوّ العائلة الملكية جيدستار، أُرسلت خصيصًا لتثير غضبنا، أليس كذلك؟”
…..
“طبعًا يستحيل.” أكمل بيوتراي كلمات الأمير وهو يومئ مستوعبًا. “نحن نتحدث عن حرس النصل الأبيض، القوة الشهيرة في شمال الأرض. ولا يكافئهم في إكستيدت إلا الحراس الجليديين. ورغم أن الطرفين دُمّرا وأُعيد بناؤهما مرارًا… يبقى من السهل جدًا عليهم رصد وحدة فرسان قريبة إلى هذا الحد.”
إكستيدت — مدينة سحب التنين — الطريق الغربي.
“هاي…” زفر تاليس ورفع رأسه، يرمق الإكستيدتيون والكاميين أمامه بنظرة متّقدة. “كل هذا من رغبات الملك نوڤين، أليس كذلك؟”
أرسل رجلٌ من أبناء الشرق الأقصى آخرَ زبائنه وأغلق باب متجره ببطء.
“هذا تمامًا ما يريده الأعداء، وكذلك الصورة التي نريد نحن إظهارها لهم.” رمش شيليس. “الملك نوڤين ملكٌ عاقل. يعلم من المسؤول حقًا عن الأمر، ويدرك أنه لو اندلعت حربٌ بين الكوكبة وإكستيدت الآن، فستكون هدية لهؤلاء المتآمرين الطامحين. وسيكون تصرّفًا أحمق للغاية.”
أدار رأسه ببطء، ونظر إلى الضيف غير المدعو الذي دخل متجره.
“يا لورد نيكولاس، كنتَ تخطّط منذ البداية أن تُظهر للآخرين موقف الملك نوڤين تجاهي عبر الاستفزاز والصدام.” خفَض تاليس رأسه وقال بصوت خافت: “لكن بسبب مطالبي غير المعقولة… بات من الصعب عليك التحرّك، أليس كذلك؟”
“لم أتوقع وصولك بهذه السرعة.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
في محلّ الجزّار الذي أُغلق للتو، حدّق غو بالرجل الشاب ذي الثياب البيضاء بنظرة قاتمة.
“استمرّوا في إظهار العداء، وایا ورالف.” قال بيوتراي وقد فهم الأمر. طرق على غليونه دون أن يغيّر تعابيره. “علينا أن نجعل رجال إقليم الرمال السوداء يرون أنّ علاقتنا باللورد نيكولاس سيئة… سيئة جدًّا.”
“أسافر بسرعة.” قال الشاب بلا مبالاة.
طَق.
“بماذا أناديك؟” خلع غو مئزره وحدّق في الرجل الشاب.
“مُــبْدِئُ الــْكُوارثِ وَالْــمَآسِي. مــصْدَرِ كُــلِّ شَــيْءٍ..”
“رافاييل.” أجاب الشاب بخفة. “أو، وفق عادة أهل الشرق الأقصى، يمكنك مناداتي بـ(را).”
“كنت أظن أنني المقصود.” قال تاليس بسخرية مُرّة. “أبٌ يعميه الغضب فيقتل ابن القاتل انتقامًا لابنه… أليس هذا منطقيًا جدًا؟”
“اسم العائلة الأحادي في الشرق الأقصى لا يُستخدم بهذه الطريقة.” قال غو ببرود.
قهقه شيليس بمرارة. “اتحاد كاموس وحده من يملك هذا اللقب الغريب: مركيز. إنه مجرد أثر من آثار الزمن. فلا تُعِره انتباهًا.”
(همف. ابن مورات اللقيط.)
ضرب غو سكين تقطيع العظم على المِفرمة بغضب. كان يكره هذا الإحساس. انتظر رافاييل ببرود ردّه.
ذكّر غو نفسه بصمت: (لكن إن كانوا من إدارة الاستخبارات السرية في المملكة… حتى صغار الأفعى…)
رفع تاليس يده مضطرًا، مشيرًا لمجموعة الكوكبة أن يكفّوا ولا يقلقوا.
(…سُمُّهم قاتل.)
(همف. ابن مورات اللقيط.)
“أهكذا؟ لا بأس، ليس مهمًا.” جلس رافاييل بلامبالاة على كرسي قربه. “لنبدأ العمل.”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
طَق.
أطرق تاليس رأسه.
انبعث صوت مكتوم.
قال بيوتراي بصوت خافت موجّهًا كلامه لشيليس: “يبدو أن خبراتك واسعة. أذكر أن مدينة التدفق الطيب تجاور مدينة الصلوات البعيدة غرب إكستيدت؟ هل تتواصل كثيرًا مع عائلة الدوق روني؟”
ضرب غو سكين تقطيع العظم على المِفرمة بغضب. كان يكره هذا الإحساس. انتظر رافاييل ببرود ردّه.
امتطى بيوتراي صهوة جواده أمام الأمير، والتفت يهزّ رأسه قليلًا. “العلاقة بين الكوكبة والتنين حالة خاصة. باستثناء سلالة الفجر والظلام وهانبول، لن تجد مملكتين أُخريين تتبادلان البغضاء والكراهية بهذا القدر.”
“لقد استدرجت السيف الأسود إلى مدينة سحب التنين كما طلبت.” قال غو وهو يغلق عينيه بأسى. “بفضل الأخبار التي زوّدتني بها.”
تجمّد تاليس قليلًا. “أهكذا يقال عني؟”
“أوه؟” تألّقت عينا رافاييل. “وماذا عن مكانه وحاله؟”
“لمنع حرس النصل الأبيض من افتعال صدام معنا، بصفتي مبعوثًا من دولة ثالثة!” رماه تاليس بنظرة حازمة.
“لا أعرف.” حاول غو كتم غضبه. “لكنه مرّ هنا البارحة. قال إنه يبحث عن طبيب، لكنني لا أعلم كم سيمكث… ربما سيغادر فور أن يعثر على الطبيب.”
امتطى بيوتراي صهوة جواده أمام الأمير، والتفت يهزّ رأسه قليلًا. “العلاقة بين الكوكبة والتنين حالة خاصة. باستثناء سلالة الفجر والظلام وهانبول، لن تجد مملكتين أُخريين تتبادلان البغضاء والكراهية بهذا القدر.”
“لن يفعل.” ضحك رافاييل بخفة. “سيبقى طويلًا بما يكفي… حتى يعثر على غايته.”
ألقى تاليس نظرة على نيكولاس، ثم على شيليس، واتّضح له الشكّ الذي كان يختمر في صدره.
“همف، ومن أين لك العلم؟” حاول غو جاهدًا محو شعوره بالذنب لخيانته صديقه القديم. قبض على يده بقوة واستعاد هيئة الرجل الذي عرفه. “السيف الأسود هو أقوى سيّاف رأيته في حياتي. ليس من السهل عليكم التلاعب به.”
انبعث صوت مكتوم.
“حتى الكائنات المخيفة لها نقاط ضعف.” نهض الشاب ذو الملابس البيضاء بنعومة.
أومأ تاليس. ثم استدار دون قصد، فإذا بشخص في عباءة بيضاء إلى يساره. كان ذلك قاتل النجوم، نيكولاس، ممثل الملك نوڤين.
قطّب غو جبينه.
قال تاليس وهو يلقي كلماته ببطء: “وكلاكما ظهر في الوقت نفسه تقريبًا، الواحد بعد الآخر… هذا يبعث على الريبة قليلًا.”
(السيف الأسود.)
“آه، مركيز، هاه…” هزّ المركيز شيليس رأسه نحو بيوتراي العائد، وزفر. “مركيز… هيه…”
“أنت تعرف هذا أيضًا. فأنت من نقل إليه الخبر.” ضحك رافاييل. “المعلومة التي استخدمناها لاستدراجه ثمينة للغاية. ما دام هناك احتمال ولو ضئيل… فلن يفوّت السيف الأسود هذه الفرصة.”
“أنت تعرف.” قال نيكولاس بعمق. “أن نار الانتقام لا بد لها من منفذ.”
تحدّد بصر رافاييل، ولمع بريق غريب في عينيه.
ذكّر غو نفسه بصمت: (لكن إن كانوا من إدارة الاستخبارات السرية في المملكة… حتى صغار الأفعى…)
“مُــبْدِئُ الــْكُوارثِ وَالْــمَآسِي. مــصْدَرِ كُــلِّ شَــيْءٍ..”
“إنه يريد الانتقام؟” قال بيوتراي ببطء. “الانتقام من الفاعلين الحقيقيين؟”
“الصـوفـي الحــسّي.”
“في الحقيقة، مكاني داخل اتحاد كاموس لا يختلف كثيرًا عن مكانة الكونتات الذين يحكمون مدينة… حتى مدينة التدفق الطيب ليست تحت سلطتي الكاملة.” ابتسم المركيز شيليس ابتسامة خفيفة. “لكنني، كتاجر، أُضطر كثيرًا إلى زيارة الدوقات والملوك لبناء العلاقات، فلا بد أن يبدو مقامي لائقًا… فليس كل مملكة مثل الكوكبة وإكستيدت، ممن يملكون الجسارة لإرسال بارونات أو حتى لوردات كمبعوثين إلى ممالك أخرى…”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
….
“ما الأمر يا لورد نيكولاس؟” قال بيوتراي بصرامة دون إساءة.
