يدين مخدَّرتين
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
تنينغ! تينغ!
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
هزّت ميراندا رأسها قبولًا باعترافه.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
وفي تلك اللحظة، ارتفعت أصوات عناصر الدورية من خارج الزقاق: “إنه قريب… يُشتبه بوجود قتال مسلّح غير قانوني، وأنّ أولئك الأشخاص يطارد بعضهم بعضًا بلا سبب. ما كان ذلك الصوت؟”
Arisu-san
وبدأ بصرها يتعتّم.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
واندفع بطعنته نحو ميراندا الجريحة.
الفصل 138: يدين مخدَّرتين
واندفع بطعنته نحو ميراندا الجريحة.
…
“أراكِ لاحقًا، أيتها السيدة المخدَّرة.” انحنى كلاين قليلًا.
(البرد قاسٍ إلى حدّ لا يُحتمل… أين أمّي؟ وأين الخالة فينا؟ ستعودان إليّ، أليس كذلك؟)
(وتنشأ عندها ثغرات يمكنني التحكّم بها وكسر حركته).
جالت هذه الأفكار في ذهنها وهي ترتجف فوق الأرض المغطّاة بالثلج. كانت الريح تعصف بوجنتيها وعنقها، وتلسع بشرتها بوخزٍ يشبه حدَّ السكين.
(أهذا… هو ذاك النوع من قوّة الإبادة المتوحّشة المنفلتة الذي تحدّث عنه كوهين؟)
حتى أطرافها أخذت تفقد إحساسها بسرعة.
“كانت يداكِ أول من لامس ‘لمسة الجشع’.” ضيّق الرجل متوسط العمر عينيه وهو يتفرّس في خصمه. “لكن لم يظهر أي ردّ فعل… أهو بسبب تلك القفازات؟”
(وأين أخي وأختي الصغيران؟ وماذا عن العمّ إنزو؟)
تغيّر شكل السيفين المتشابكين قليلًا تحت الضغط، وتعالى صوت احتكاك الحديد حادًّا.
وخطر لها أنها تشتاق إلى فطائر تالِيا الساخنة، رغم أنّها كانت تكره الثوم الذي تفوح رائحته منها.
أعادت ميراندا سيفها إلى غمده وردّت التحية بوجه خالٍ من الانفعال.
ومرّت بجانب رجلٍ مستلقٍ فوق الثلج. كان غارقًا في نومٍ عميق، وجسده ملتفّ على نفسه دون أن يتحرك، وعلى وجهه ابتسامةٌ وادعة.
لم تعره اهتمامًا؛ كان وعيها يخبو رويدًا.
كان حاجباه وشعره مغطيين بطبقةٍ من الصقيع، دون أن يشعر بذلك.
“والمريب أنّ سيفك كان يرتجف قليلًا حين يلتقي بسيفي، حتى أثّر ذلك في حرفتك. وذلك خطأٌ يُرتكب في بدايات التعلّم.”
(هذا “شخص مبتسم”) هكذا قالت لنفسها.
(البرد قاسٍ إلى حدّ لا يُحتمل… أين أمّي؟ وأين الخالة فينا؟ ستعودان إليّ، أليس كذلك؟)
في الأمس، حين حاولت مسح الجليد عن وجوههم، ابتسم العمّ إنزو وأخبرها أنّ هؤلاء يسمَّون “المبتسمين”. إنهم ينامون في العراء شتاءً وهم يبتسمون، ولا يستيقظون إلا حين يأتي الربيع. والفتاة الصالحة لا ينبغي لها إزعاجهم، بل الأفضل أن تبقى بعيدة عنهم.
“لا، ليست القفازات.” زفرت ميراندا بهدوء ورفعت رأسها وقالت الحقيقة مباشرة: “إنّها يداي فحسب.”
فأطاعت وواصلت السير.
لم تتكلم ميراندا. لم تفعل سوى أن حدّقت في يديها المغلّفتين بالقفازات، بذهول.
كان فستانها ممزقًا في موضعٍ ما، فأحزنها ذلك؛ فقد أهدتها إيّاه الخالة ليسيا قبل أن تغادر إلى العاصمة.
“إنّها «مجد النجوم»، أليس كذلك؟”
ثمّ مرّت بجوار “مبتسمٍ” ثانٍ: امرأة في عمر تالِيا تقريبًا، ترتدي ثيابًا قليلة، مستندة إلى صخرة، وعلى شفتيها انحناءة ابتسامة خفيفة. وفي حضنها طفلٌ صغير.
لم يبقَ للسيف إلا بوصة واحدة ليغوص في جسدها ويسفك دمها.
لكنّ الطفل لم يكن مبتسمًا؛ كانت عيناه وشفاهه منطبقة بإحكام، دون أي حركة.
…
فشعرت بالضيق.
حدّق الرجل متوسط العمر بيديها الممسكتين بالسيف بذهول.
(لماذا لا يبتسم الطفل؟ أليس أهل الإقليم الشمالي يُفترض أن يبتسموا جميعًا؟) هكذا قال لها العمّ نولانور ذات مرة.
تذكّرته عند اسطبلات القلعة الباردة، حين ضحك بصوتٍ عالٍ قبل رحيله مع أعمامها، واحتضنها كعادته، ثم حكّ ذقنه الخشنة على خدّيها رغم احتجاجها.
“لا، ليست القفازات.” زفرت ميراندا بهدوء ورفعت رأسها وقالت الحقيقة مباشرة: “إنّها يداي فحسب.”
(حسنًا يا نولانور…) ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ ضعيفة وهي تستعيد صورته.
فأطاعت وواصلت السير.
(لو تظهر الآن… سأعفو لك عن لحيتك.)
عَضّت على أسنانها، وحبست أنفاسها، فلا الألم الجسديّ ولا الخوف النفسيّ يُسمح لهما بأن يربكاها.
واصلت السير، فمرّت بثالثٍ ورابع وخامس وسادس… كثيرين، بلا عدد، من “المبتسمين”.
تقطّب جبين الرجل متوسط العمر.
ثمّ رأت شخصًا ليس واحدًا منهم.
لكن الأمر لم ينتهِ بعد.
رفعت رأسها بعينين مطفأتين، فرأت صبيًا غريبًا عنها.
فمجرّد رؤية هذا الشخص… جعلته لا يرغب في الاهتمام بأي شيء آخر.
كان يرتدي ثيابًا ممزقة، منحنيًا فوق أحد “المبتسمين”، يبحث عن شيءٍ ما. وما إن شعر بها تقترب، حتى رفع رأسه كوحشٍ مفترس.
(تبا.)
كانت عيناه الحمراوان الداكنتان مرعبتين.
تجمّدت ملامح سَيّاف الكارثة الذي أمامها.
“ابتعدي!”
استدار كلاين وضرب الجدار بجانبه.
قبض الصبيّ بشراسةٍ على ما يحمله في صدره، وحدّق فيها بنظرةٍ وحشية: “لقد وجدته أولًا! الطعام، والثياب، وكل شيء… لي!
استقام الاثنان. وظهر سيفاهما من جديد قربهما.
“اذهبي الآن! ابتعدي! اذهبي وابحثي في جثةٍ أخرى!”
(يجب أن نبتسم… أليس أهل الإقليم الشمالي جميعًا يبتسمون؟)
شهقت بضعف، وقد آلمتها الريح القاسية على وجنتيها.
“اذهبي الآن! ابتعدي! اذهبي وابحثي في جثةٍ أخرى!”
(يا له من فظّ…) فكّرت في نفسها، وبصرها يتشوّش شيئًا فشيئًا.
“ومهما كان الألم الذي تسبّبه قوّتك مرعبًا، فإنّ يديّ لا تشعران به.”
اندفع الهواء المثلّج إلى رئتيها، فاضطرب قلبها ارتجافًا.
“منذ أن بدأتُ هجومي، كانت حركاتك طبيعية تمامًا، واستطعتِ أن تلوّحي بسيفك بانسياب. صدَدتِ ضربتي من دون تردّد. وهذا يعني أنّ…”
ومع ذلك، تقدّمت نحوه.
طنين! صفير!
“أيتها الحقيرة الصغيرة، لو خطوتِ خطوةً أخرى…” زمجر الصبيّ، كاشفًا أسنانه المرتجفة، “سأمزّقك بأسناني!”
قبضت ميرندا على مقبض سيفها بقبضتين مكسوّتين بقفازين أسودين، بلا تراجع، وعرقٌ بارد يتصبّب من جبينها من الألم والخوف.
لم تعره اهتمامًا؛ كان وعيها يخبو رويدًا.
اندفع الهواء المثلّج إلى رئتيها، فاضطرب قلبها ارتجافًا.
وبدأ بصرها يتعتّم.
“أنتِ… أنتِ لا تتأثرين بـ‘لمسة الجشع’ إطلاقًا!”
ومع هذا، تابعت السير فوق الثلج بخطواتٍ متهاوية. كانت تعتمد على بصرها لتعرف موضع قدميها، إذ لم تعد تشعر بأطرافها منذ مدة.
وتراجع كلاهما خطوة واحدة في اللحظة نفسها.
انحنى الصبيّ فوق الأرض، مطلقًا صوتًا خافتًا يشبه هدير الحيوان، كأنه يستعدّ للهجوم. لمّا رأت ملامحه المشوّهة بالغضب، تنفّست بعمق فاهتزّت رئتاها من ألَم البرد.
“لا أقدر على تدريب أو استعمال تلك الأساليب البديعة الغامضة للسيف. في البداية… لم أكن أقوى حتى على رفع فِنجان شاي.”
لكنّها لم تتوقف.
فتح عينيه وحدّق بالقادم الجديد في ذهول.
وتحوّل وجه الصبي من الحذر إلى البغض، ثم إلى القسوة. مد ذراعه اليمنى من خلف ظهره، ممسكًا بمِخرزٍ صدئ.
لم تنطق ميراندا لبضع ثوانٍ.
(قالت أمّي: إن صادفنا غريبًا…)
لم يبقَ للسيف إلا بوصة واحدة ليغوص في جسدها ويسفك دمها.
انقضّ الصبيّ عليها فجأة، وطرحها فوق الثلج.
فبحسب الخطة الأصلية، كان يفترض لقوّته المتوحّشة أن تغزو جسدها بلا قدرة لها على صدّها، وأن تمزّق أحشاءها وتشوّش حركتها، بل وأن تلتهم قوّة إبادة ميراندا نفسها كضارٍ يتغذّى على فريسته.
(حين نلتقي غريبًا…)
فشعرت بالضيق.
قرصت خدّها المتجمّد محاولةً استعادة وعيها.
“ولقد لاحظتُ أمرًا آخر أيضًا.” رمقت ميراندا خصمها وهي تتراجع خطوة. وقالت بنبرة خافتة: “هذه التي تسمّيها ‘لمسة الجشع’… تلك الوحشية المتواصلة…”
ثمّ رأته يرفع المِخرز عاليًا، وهو يحدّق في وجهها بنظرةٍ متوحّشة، بينما هي تحاول أن ترسم ابتسامةً باهتة.
قبضت ميرندا على مقبض سيفها بقبضتين مكسوّتين بقفازين أسودين، بلا تراجع، وعرقٌ بارد يتصبّب من جبينها من الألم والخوف.
(يجب أن نبتسم… أليس أهل الإقليم الشمالي جميعًا يبتسمون؟)
حدّقت ميراندا فيه مصدومة.
وفي اللحظة التالية، فتحت “ميراندا أروندي”، البذرة الأولى بين سَيّافي الإبادة، عينيها فجأة في أحد أزقّة مدينة سحب التنين.
كان سيفٌ أخدود محفورٍ في نصله قد اخترق درعها، وغاص بوصةً في جلدها عند يسار صدرها. وتوقّف قبل قلبها الذي ينبض بلا انقطاع.
تاهت ميراندا بين الذهول والشك.
تجمّدت ملامح سَيّاف الكارثة الذي أمامها.
تجمّدت ملامح سَيّاف الكارثة الذي أمامها.
كان يحدّق في طرف سيف ميرندا المغروس في مجرى سيفه الغريب الممتدّ من رأس النصل إلى منتصفه—ذلك المجرى الذي منعه من اختراق قلبها.
“لا تفسير سوى واحد.”
قبل لحظات، وفي لحظةٍ فارقة، دفعت ميراندا سيفها بقوة، لتُدخله داخل ذلك المجرى، تمامًا كما يدقّ النجار الوتد في شقّ الخشب.
“ولكن… لقد كنتِ على شفير الموت منذ البداية…” غمغم، ثم دفع السيف المغروس في صدرها بقوة أكبر.
قبضت ميرندا على مقبض سيفها بقبضتين مكسوّتين بقفازين أسودين، بلا تراجع، وعرقٌ بارد يتصبّب من جبينها من الألم والخوف.
بعدها، كان سيهوي بسيفه بسرعة مرعبة، محركًا دمها كلّه، وفي أجزاء من الثانية ستندفع الدماء الشريانية القانية من صدر “سيّافة الإبادة” حتى اللحظة التي تفارق فيها الحياة.
(يتحرك بسيفه بسرعة جنونية… وذلك الإحساس بأن الهرب مستحيل—أهو من قوة الإبادة لديه؟)
“وحين تعافيت، فُقد معظم الإحساس والوجع.” قالت ذلك ببرود، كأن الأمر لا يمتّ لها بصلة.
قال الرجل متوسط العمر، بصوتٍ ملؤه الإعجاب المكتوم: “أحسنتِ. ردود فعلك، وحِدّة ملاحظتك، ورباطة جأشك… كلها ممتازة. وأنتِ صغيرة السن، وهذا نادر. تلميذي ذكي، لكنه يفتقر للخبرة. سيحتاج خمس سنوات ليبلغ مستواك.”
“إنّها يداكِ… أليس كذلك؟”
“ولكن… لقد كنتِ على شفير الموت منذ البداية…” غمغم، ثم دفع السيف المغروس في صدرها بقوة أكبر.
Arisu-san
تغيّر شكل السيفين المتشابكين قليلًا تحت الضغط، وتعالى صوت احتكاك الحديد حادًّا.
(نسخة مطوّرة من… مجد النجوم؟ أهو يشير إلى تلك الوحشية؟)
اندفع الألم في صدرها كالسهم، فاحتقنت تقاسيم وجهها.
ابتلع كوهين ريقه بصعوبة وسأل بأكثر نبرةٍ صادمةٍ ومندهشة: “ما الذي أتى بك إلى هنا؟”
لم يبقَ للسيف إلا بوصة واحدة ليغوص في جسدها ويسفك دمها.
قال الرجل بهدوء، “لقد هاجمتُك بسيفي ثماني مرّات للتو. لم تستطيعي صدّي سوى مرّتين، وقد أصبتُك مرّة.”
عَضّت على أسنانها، وحبست أنفاسها، فلا الألم الجسديّ ولا الخوف النفسيّ يُسمح لهما بأن يربكاها.
رفعت رأسها بعينين مطفأتين، فرأت صبيًا غريبًا عنها.
أرهفت حواسها لإيقاع حركة خصمها، وأجبرت نفسها على الدخول في أقصى درجات التركيز.
ثمّ ارتسمت على وجه الرجل متوسط العمر ملامح ألم واضطراب.
كانت في وضعٍ قاتل منذ الضربة الأولى. كان عليها أن تجد ثغرة تقلب بها الموقف.
(حسنًا يا نولانور…) ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ ضعيفة وهي تستعيد صورته.
وبكل ما أوتيت من قوّة، قاومت سيفه، وفتحت عينيها على اتساعهما، تراقب خصمها تحت وهج الغروب.
ومع هذا، تابعت السير فوق الثلج بخطواتٍ متهاوية. كانت تعتمد على بصرها لتعرف موضع قدميها، إذ لم تعد تشعر بأطرافها منذ مدة.
أطلق الرجل متوسط العمر تنهيدةً عميقة. “لم أرد هذا. لكن… كما يبدو الآن، فإن السيف والسرعة وحدهما لا يكفيان لإسقاطك بضربة واحدة، ودوريات الحرس ستصل خلال أربع دقائق.”
استقام الاثنان. وظهر سيفاهما من جديد قربهما.
ثمّ ارتسمت على وجه الرجل متوسط العمر ملامح ألم واضطراب.
“أو…”
اندفعت قوّة الإبادة العنيفة من عضلات ذراعه وتسرّبت إلى السيفين المتشابكين!
وتحوّل وجه الصبي من الحذر إلى البغض، ثم إلى القسوة. مد ذراعه اليمنى من خلف ظهره، ممسكًا بمِخرزٍ صدئ.
تغيّر وجه ميراندا.
فشعرت بالضيق.
(أهذا… هو ذاك النوع من قوّة الإبادة المتوحّشة المنفلتة الذي تحدّث عنه كوهين؟)
“أقضي عليكم جميعًا؟”
ومع ارتجاف ذراع الرجل متوسط العمر، تفجّرت من سيفه طاقة هادرة، كأنّ وحشًا ضاريًا مفترسًا قد أُطلق من عقاله.
“والمريب أنّ سيفك كان يرتجف قليلًا حين يلتقي بسيفي، حتى أثّر ذلك في حرفتك. وذلك خطأٌ يُرتكب في بدايات التعلّم.”
واهتزّ السيفان بسرعة متزايدة، مُطلقَين أصواتًا تشبه أنين مرضى عاجزين عن احتمال أوجاعهم.
انحنى الصبيّ فوق الأرض، مطلقًا صوتًا خافتًا يشبه هدير الحيوان، كأنه يستعدّ للهجوم. لمّا رأت ملامحه المشوّهة بالغضب، تنفّست بعمق فاهتزّت رئتاها من ألَم البرد.
شعرت ميراندا بطرف السيف المغروز في جسدها يهتزّ ويتقدّم نحو قلبها!
“فأمام هاتين اليدين المخدَّرتين منذ سنين، ماذا بوسع قوّة إبادةٍ متوغّلةٍ أن تفعل؟” رفعت ميراندا سيفها ببطء. وكان الرجفان في يديها ظاهرًا للعين المجرّدة.
(تبا.)
طنين!
وفي اللحظة التالية…
عضّت ميراندا على أسنانها وركضت نحوه. “انتظر!”
تمزّق!
لكن الأمر لم ينتهِ بعد.
تناثر الدم في كل اتجاه.
لكنّها لم تتوقف.
وضعت ميراندا يدها اليسرى على صدرها متألّمة.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
لكن الأمر لم ينتهِ بعد.
انكمش بؤبؤا كوهين. لقد عرف ذاك السيف. بل كان مألوفًا لديه إلى حدٍّ يفوق المألوف.
طنين!
خطا خارج ظلّ الزقاق.
ارتطم السيفان ببعضهما فتطاير الشرر، وانفصلا عن بعضهما في الهواء.
وفي اللحظة التالية…
اختفى سيف الرجل متوسط العمر… ثمّ ظهر فجأة من جديد، كنجمة توهجت في ليلٍ دامس!
قطّب الرجل حاجبيه بإحكام.
واندفع بطعنته نحو ميراندا الجريحة.
لم يبقَ للسيف إلا بوصة واحدة ليغوص في جسدها ويسفك دمها.
رفعت السيّافة سيفها بيدين مرتجفتين ولوّحت به بلا وعي.
“احترم فيك مهارتك في الملاحظة، لكن الأمر ليس كذلك فحسب.” هزّ كلاين رأسه وضحك بخفوت. “‘لمسة الجشع’ ليست ‘مجد النجوم’.”
تنينغ! تينغ!
“إنّها «مجد النجوم»، أليس كذلك؟”
لم يمضِ على انفصال السيفين سوى أقل من ثانية حتى اصطدما مجددًا في الهواء!
شهقت بضعف، وقد آلمتها الريح القاسية على وجنتيها.
أوقفت ميراندا هجوم خصمها مرّتين.
“أقضي عليكم جميعًا؟”
وتراجع كلاهما خطوة واحدة في اللحظة نفسها.
وبرز في ذهنها مشهدٌ قديم في البراري.
شاحبة الوجه، أسندت ميراندا ظهرها إلى الجدار خلفها وحدّقت بالرجل متوسط العمر بعينين متسعتين.
“لكن، من بين الهجمات الثماني التي شننتُها عليكِ، استطعتِ تفادي أكثر خمس ضربات قاتلة بدقّة، إمّا بالابتعاد أو بالمرور بمحاذاتها.”
قال الرجل متوسط العمر، وهو يزفر ويقذف الدم عن سيفه، “آمل أن تحظَي بموتٍ هادئ، أيتها السيّافة.”
ثمّ، حين تعجز عن الحركة أو تئنّ تحت الألم، كان سيدفع نصله بقوّة الإبادة إلى داخل جسدها، مخترقًا قلبها مباشرة. وربما لن يغوص السيف بعمقٍ كبير، لكنّه كان سيغوص بما يكفي لينزف دمها بغزارة.
لكن تعابيره تجمّدت فجأة. فقد لاحظ الدم على سيفه… ولم يكن عليه سوى قطرات قليلة.
تاهت ميراندا بين الذهول والشك.
(كيف يكون هذا ممكنًا؟ لقد اخترقتُ قلبها يقينًا… لكنها…)
تنينغ! تينغ!
(هل قلبها في الجهة اليمنى؟ أم أنّ لديها حماية قادرة على صدّ قوى الإبادة؟ درع الكريستال المصقول عند الأقزام؟ درع الفضة الرفيعة لدى عائلة الجان الملكية؟ أم هلام السيليكا؟)
حلّ الصمت.
رفع الرجل رأسه غير مصدّق، وحدّق بذهول في ميراندا التي استندت إلى الجدار واهنة.
فبحسب الخطة الأصلية، كان يفترض لقوّته المتوحّشة أن تغزو جسدها بلا قدرة لها على صدّها، وأن تمزّق أحشاءها وتشوّش حركتها، بل وأن تلتهم قوّة إبادة ميراندا نفسها كضارٍ يتغذّى على فريسته.
“لم تنفع قوّة الإبادة الغريبة تلك، أليس كذلك؟”
“‘لمسة الجشع’؟ هذا اسم قوّة الإبادة خاصتك؟ اسم دنيء كهذا.” قالت ميراندا ببرودة.
شهقت السيّافة بعمق ورفعت يدها اليسرى عن صدرها.
وتحوّل وجه الصبي من الحذر إلى البغض، ثم إلى القسوة. مد ذراعه اليمنى من خلف ظهره، ممسكًا بمِخرزٍ صدئ.
كان جرحٌ طويل يمتدّ من صدرها إلى كتفها، لم يزد على خدش اخترق درعها الخفيف، وسال منه دمٌ يسير فقط.
(يجب أن نبتسم… أليس أهل الإقليم الشمالي جميعًا يبتسمون؟)
ساد الذهول وجه الرجل متوسط العمر.
“أنا ساراندي كلاين، سيّاف إبادة من خارج برج الإبادة. لقد كان شرفًا حقيقيًا أن أقاتلكِ وجهًا لوجه.”
فبحسب الخطة الأصلية، كان يفترض لقوّته المتوحّشة أن تغزو جسدها بلا قدرة لها على صدّها، وأن تمزّق أحشاءها وتشوّش حركتها، بل وأن تلتهم قوّة إبادة ميراندا نفسها كضارٍ يتغذّى على فريسته.
الفصل 138: يدين مخدَّرتين
ثمّ، حين تعجز عن الحركة أو تئنّ تحت الألم، كان سيدفع نصله بقوّة الإبادة إلى داخل جسدها، مخترقًا قلبها مباشرة. وربما لن يغوص السيف بعمقٍ كبير، لكنّه كان سيغوص بما يكفي لينزف دمها بغزارة.
(هل قلبها في الجهة اليمنى؟ أم أنّ لديها حماية قادرة على صدّ قوى الإبادة؟ درع الكريستال المصقول عند الأقزام؟ درع الفضة الرفيعة لدى عائلة الجان الملكية؟ أم هلام السيليكا؟)
بعدها، كان سيهوي بسيفه بسرعة مرعبة، محركًا دمها كلّه، وفي أجزاء من الثانية ستندفع الدماء الشريانية القانية من صدر “سيّافة الإبادة” حتى اللحظة التي تفارق فيها الحياة.
وامتلأ نظره بالشفقـة…
لكن خلافًا لكل توقّعاته… استطاعت أن تصدّ الهجمة التي كانت لتثقب صدرها ثقبًا مباشرًا…
…..
حدّق الرجل متوسط العمر بالفتاة مذهولاً.
(البرد قاسٍ إلى حدّ لا يُحتمل… أين أمّي؟ وأين الخالة فينا؟ ستعودان إليّ، أليس كذلك؟)
“منذ أن بدأتُ هجومي، كانت حركاتك طبيعية تمامًا، واستطعتِ أن تلوّحي بسيفك بانسياب. صدَدتِ ضربتي من دون تردّد. وهذا يعني أنّ…”
انكمش بؤبؤا كوهين. لقد عرف ذاك السيف. بل كان مألوفًا لديه إلى حدٍّ يفوق المألوف.
وبعد ثوانٍ قليلة، بدا وكأنّه أدرك شيئًا، واتّسعت عيناه بدهشة: “مستحيل…”
زفرت ميراندا في سرّها. (لقد اكتشف الأمر).
قطّب الرجل حاجبيه بإحكام.
“لقد تركتِ أثرًا لا يُنسى.” ابتعد كلاين وهو يزفر. “مع الوقت… يمكنكِ بلا شكّ بلوغ الفئة الفائقة.”
“أنتِ… أنتِ لا تتأثرين بـ‘لمسة الجشع’ إطلاقًا!”
(هل قلبها في الجهة اليمنى؟ أم أنّ لديها حماية قادرة على صدّ قوى الإبادة؟ درع الكريستال المصقول عند الأقزام؟ درع الفضة الرفيعة لدى عائلة الجان الملكية؟ أم هلام السيليكا؟)
استنشقت ميراندا بعمق وعدّلت وضع سيفها.
وانتشر في ذاكرة ميراندا منظرُ حقول الثلج البيضاء.
“‘لمسة الجشع’؟ هذا اسم قوّة الإبادة خاصتك؟ اسم دنيء كهذا.” قالت ميراندا ببرودة.
اندفع الألم في صدرها كالسهم، فاحتقنت تقاسيم وجهها.
“لقد أخبرني رفيقي عن ذلك الشعور من قبل. قوّة إبادة منفلتة، متوحشة، هدفها التوغّل والفتك والتدمير.” رفعت سيفها وأشارت به إلى خصمها. “سيّافٌ عادي من سيّافي الإبادة سيجد نفسه عاجزًا أمام قوّةٍ مرعبة كهذه.”
ثمّ رأت شخصًا ليس واحدًا منهم.
“لكن حين تظهر حالة لا تعمل فيها هذه القوّة… ماذا تفعلون عندئذٍ؟”
تلاقى بصرهما لحظة.
لم ينطق الرجل متوسط العمر كلمة. بل رفع سيفه بسرعة خاطفة.
لم تنطق ميراندا لبضع ثوانٍ.
صفّر السيف ذو الأخدود وهو يشق الهواء، مُصوِّبًا نحو حنجرة السيّافة.
“لقد تركتِ أثرًا لا يُنسى.” ابتعد كلاين وهو يزفر. “مع الوقت… يمكنكِ بلا شكّ بلوغ الفئة الفائقة.”
مستعدّة تمامًا، أظهرت ميراندا صرامة في ملامحها، وأدارت معصمها. اندفعت قوّة الإبادة في جسدها مع الحركة، معزّزةً قوّة يدها وهي تصوّب سيفها نحو خصمها.
“إنكِ تمارسين واحدة من القوى الأربع الأصلية للإبادة — اغنية بيغاسوس. وهي مشهورة بدقّة التوقيت وسيطرة الإيقاع.” أطلق الرجل متوسط العمر زفرة طويلة. “لقد مرّ زمن طويل منذ رأيتُ هذا الميراث من داخل برج الإبادة… وهو أيضًا السبب في أنّكِ لا تخافين من ‘لمسة الجشع’.” رفع رأسه. كان نظره ضاغطًا. “وأظنني قد خمّنت السبب كذلك.”
طنين! صفير!
“ولقد لاحظتُ أمرًا آخر أيضًا.” رمقت ميراندا خصمها وهي تتراجع خطوة. وقالت بنبرة خافتة: “هذه التي تسمّيها ‘لمسة الجشع’… تلك الوحشية المتواصلة…”
اندلعت شرارتان من شدّة التصادم. وفي لمح البصر التحم السيفان مرّتين. تحرّك الجسدان بسرعة، وبعد اصطدامٍ أخير بين السيفين، تراجعا فورًا، فاصطنعا مسافة خمسة خطوات بينهما.
لكن تعابيره تجمّدت فجأة. فقد لاحظ الدم على سيفه… ولم يكن عليه سوى قطرات قليلة.
تراجعت ميراندا، شاعرةً بالارتجاف في سيفها العريض، وتفكّرت بهدوء في خصائص عدوّها.
“ابتعدي!”
قال الرجل بهدوء، “لقد هاجمتُك بسيفي ثماني مرّات للتو. لم تستطيعي صدّي سوى مرّتين، وقد أصبتُك مرّة.”
(لو تظهر الآن… سأعفو لك عن لحيتك.)
ثم نظر إلى ساقها اليسرى المشقوقة وأردف، “أسلوبك في السيف مهلهل وعادي، ولا يمكنكِ اللحاق بسرعتي. جسدك خفيف، نعم، لكنكِ لستِ رشيقة حقًا. بل تعثرين أحيانًا وأنتِ تتفادين ضرباتي.”
كان جرحٌ طويل يمتدّ من صدرها إلى كتفها، لم يزد على خدش اخترق درعها الخفيف، وسال منه دمٌ يسير فقط.
“والمريب أنّ سيفك كان يرتجف قليلًا حين يلتقي بسيفي، حتى أثّر ذلك في حرفتك. وذلك خطأٌ يُرتكب في بدايات التعلّم.”
وتحت نظرة الدهشة في عيني كلاين، تابعت ميراندا بثقة: “عذرًا… لكن هذه قوّة إبادة… أعرفها جيّدًا.”
“ما عدا تلك الصدّة المذهلة في البداية… فحرفتك بالسيف تكاد تكون عديمة الجدوى.” هزّ الرجل رأسه. “بقدرتك هذه على حمل السيف، كان ينبغي أن تموتي عشرة آلاف مرة. كيف عشتِ حتى الآن؟”
وكان ثقب دائري محفورًا في واقية القبضة، يسمح لحامل السيف أن يمرّر سبّابته من خلاله.
لم تجبه ميراندا. بل راحت تتفحّص الرجل متوسط العمر بعناية.
“وهاجمتِني في اللحظة الأدق.”
ثمّ انفرجت شفتاه عن ابتسامة مفاجئة.
“والمريب أنّ سيفك كان يرتجف قليلًا حين يلتقي بسيفي، حتى أثّر ذلك في حرفتك. وذلك خطأٌ يُرتكب في بدايات التعلّم.”
“لكن، من بين الهجمات الثماني التي شننتُها عليكِ، استطعتِ تفادي أكثر خمس ضربات قاتلة بدقّة، إمّا بالابتعاد أو بالمرور بمحاذاتها.”
“إنّها «مجد النجوم»، أليس كذلك؟”
“وهاجمتِني في اللحظة الأدق.”
شاحبة الوجه، أسندت ميراندا ظهرها إلى الجدار خلفها وحدّقت بالرجل متوسط العمر بعينين متسعتين.
ونظر إلى ذراعه اليسرى المشقوقة وقال بدهشة، “وقد أصبتِني فعلًا.”
“لم تنفع قوّة الإبادة الغريبة تلك، أليس كذلك؟”
تقلّصت ملامح ميراندا بعبوس.
(لماذا لا يبتسم الطفل؟ أليس أهل الإقليم الشمالي يُفترض أن يبتسموا جميعًا؟) هكذا قال لها العمّ نولانور ذات مرة.
“لا تفسير سوى واحد.”
“اغرب عن وجهي!” قال القادم الجديد بصوتٍ صافٍ موجّهٍ إلى سيّاف الكارثة الشاب. “اذهب وابحث عن معلّمك.”
قال الرجل متوسط العمر وهو يخطو ببطء، فانتقل سيف ميراندا معه، يراقب تحرّكه خطوةً بخطوة.
عَضّت على أسنانها، وحبست أنفاسها، فلا الألم الجسديّ ولا الخوف النفسيّ يُسمح لهما بأن يربكاها.
“أنتِ لا تعتمدين على حركات سيفٍ بارعة ولا على خُطا رشيقة عند القتال. بل تعتمدين على مهارتكِ في الملاحظة وحِسّكِ الدقيق.” انكمش بؤبؤا الرجل متوسط العمر قليلًا. “تُميّزين أنماط العدو وتوقيت ضرباته. وحتى بأسلوبٍ واهنٍ وحركاتٍ أقل شأنًا، إن ظهر المرء في الموضع الأنسب في اللحظة الأنسب، أمكنه توجيه أبرع الهجمات.”
قطّب الرجل حاجبيه بإحكام.
زفرت ميراندا في سرّها. (لقد اكتشف الأمر).
استدار كلاين وضرب الجدار بجانبه.
“إنكِ تمارسين واحدة من القوى الأربع الأصلية للإبادة — اغنية بيغاسوس. وهي مشهورة بدقّة التوقيت وسيطرة الإيقاع.” أطلق الرجل متوسط العمر زفرة طويلة. “لقد مرّ زمن طويل منذ رأيتُ هذا الميراث من داخل برج الإبادة… وهو أيضًا السبب في أنّكِ لا تخافين من ‘لمسة الجشع’.” رفع رأسه. كان نظره ضاغطًا. “وأظنني قد خمّنت السبب كذلك.”
حدّق الرجل متوسط العمر بيديها الممسكتين بالسيف بذهول.
توقف ذهن ميراندا لحظة دهشة.
“أنا ساراندي كلاين، سيّاف إبادة من خارج برج الإبادة. لقد كان شرفًا حقيقيًا أن أقاتلكِ وجهًا لوجه.”
وثب بصر الرجل متوسط العمر إلى يديها المكسوّتين بالقفّازين الأسودين.
لكن خلافًا لكل توقّعاته… استطاعت أن تصدّ الهجمة التي كانت لتثقب صدرها ثقبًا مباشرًا…
“إنّها يداكِ… أليس كذلك؟”
ثمّ رأته يرفع المِخرز عاليًا، وهو يحدّق في وجهها بنظرةٍ متوحّشة، بينما هي تحاول أن ترسم ابتسامةً باهتة.
حدّقت فيه ميراندا غير مصدّقة.
لم تنطق ميراندا لبضع ثوانٍ.
(دَعْك من اغنية بيغاسوس… لكن ليدرك حتى… هذا؟)
ونظر إلى ذراعه اليسرى المشقوقة وقال بدهشة، “وقد أصبتِني فعلًا.”
قبضت ميراندا على سيفها بقوّة.
“لقد تركتِ أثرًا لا يُنسى.” ابتعد كلاين وهو يزفر. “مع الوقت… يمكنكِ بلا شكّ بلوغ الفئة الفائقة.”
“كانت يداكِ أول من لامس ‘لمسة الجشع’.” ضيّق الرجل متوسط العمر عينيه وهو يتفرّس في خصمه. “لكن لم يظهر أي ردّ فعل… أهو بسبب تلك القفازات؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لم تنطق ميراندا لبضع ثوانٍ.
تلاقى بصرهما لحظة.
وبرز في ذهنها مشهدٌ قديم في البراري.
(أهذا… هو ذاك النوع من قوّة الإبادة المتوحّشة المنفلتة الذي تحدّث عنه كوهين؟)
ذلك البرد الذي ينهش العظم…
“ولكن… لقد كنتِ على شفير الموت منذ البداية…” غمغم، ثم دفع السيف المغروس في صدرها بقوة أكبر.
“لا، ليست القفازات.” زفرت ميراندا بهدوء ورفعت رأسها وقالت الحقيقة مباشرة: “إنّها يداي فحسب.”
ثم نظر إلى ساقها اليسرى المشقوقة وأردف، “أسلوبك في السيف مهلهل وعادي، ولا يمكنكِ اللحاق بسرعتي. جسدك خفيف، نعم، لكنكِ لستِ رشيقة حقًا. بل تعثرين أحيانًا وأنتِ تتفادين ضرباتي.”
تقطّب جبين الرجل متوسط العمر.
اختفى سيف الرجل متوسط العمر… ثمّ ظهر فجأة من جديد، كنجمة توهجت في ليلٍ دامس!
“منذ زمن بعيد… أصيبت يداي بقضمة صقيع شديدة.”
(تبا.)
وانتشر في ذاكرة ميراندا منظرُ حقول الثلج البيضاء.
كان الدم ينساب من خصر ميراندا ومن خلف أذنها. وأمّا كلاين، فقد كان ساعده الأيسر ينزف.
“وحين تعافيت، فُقد معظم الإحساس والوجع.” قالت ذلك ببرود، كأن الأمر لا يمتّ لها بصلة.
رفعت رأسها بعينين مطفأتين، فرأت صبيًا غريبًا عنها.
“لا أقدر على تدريب أو استعمال تلك الأساليب البديعة الغامضة للسيف. في البداية… لم أكن أقوى حتى على رفع فِنجان شاي.”
“اغرب عن وجهي!” قال القادم الجديد بصوتٍ صافٍ موجّهٍ إلى سيّاف الكارثة الشاب. “اذهب وابحث عن معلّمك.”
“ومهما كان الألم الذي تسبّبه قوّتك مرعبًا، فإنّ يديّ لا تشعران به.”
“إنّها «مجد النجوم»، أليس كذلك؟”
“فأمام هاتين اليدين المخدَّرتين منذ سنين، ماذا بوسع قوّة إبادةٍ متوغّلةٍ أن تفعل؟” رفعت ميراندا سيفها ببطء. وكان الرجفان في يديها ظاهرًا للعين المجرّدة.
“أراكِ لاحقًا، أيتها السيدة المخدَّرة.” انحنى كلاين قليلًا.
حلّ الصمت.
لكن الأمر لم ينتهِ بعد.
حدّق الرجل متوسط العمر بيديها الممسكتين بالسيف بذهول.
“فأمام هاتين اليدين المخدَّرتين منذ سنين، ماذا بوسع قوّة إبادةٍ متوغّلةٍ أن تفعل؟” رفعت ميراندا سيفها ببطء. وكان الرجفان في يديها ظاهرًا للعين المجرّدة.
(هاتان اليدان… اليدان اللتان تلوّحان بالسيف… لا تشعران بالألم، ولا بالإحساس أصلًا؟)
وامتلأ نظره بالشفقـة…
وامتلأ نظره بالشفقـة…
ذلك البرد الذي ينهش العظم…
والتقدير.
صفّر السيف ذو الأخدود وهو يشق الهواء، مُصوِّبًا نحو حنجرة السيّافة.
“أن تمسكي السيف بهاتين اليدين اللتين لا إحساس فيهما حقًا؟” قال ببطء وقد غصّ صوته بالإعجاب.
…..
(هذه الفتاة… لتتمكن يداها المنعدمتا الحس من قبض قبضة السيف، والتلويح به آلاف المرّات… فلا بد أنّها ذاقت عذابًا كثيرًا.)
تراجعت ميراندا، شاعرةً بالارتجاف في سيفها العريض، وتفكّرت بهدوء في خصائص عدوّها.
“لهذا نُقلت إليكِ «اغنية بيغاسوس». وهي بالفعل قُوّة الإبادة الأنسب لكِ.” أومأ الرجل متوسط العمر. وامتلأ نظره بإقرارٍ صريح واندفاع. “أن تتخلّي عمّا تستشعره يداكِ، وتعرضي عن الحركات المحدّدة، وتتبعي إيقاع المعركة بدلًا من ذلك… أن تعهدي بسيفك إلى الملاحظة والحدس والحكم. معلّمكِ… لا بد أنّه عبقري.”
“ولكن… لقد كنتِ على شفير الموت منذ البداية…” غمغم، ثم دفع السيف المغروس في صدرها بقوة أكبر.
لم تتكلم ميراندا. لم تفعل سوى أن حدّقت في يديها المغلّفتين بالقفازات، بذهول.
وكان ثقب دائري محفورًا في واقية القبضة، يسمح لحامل السيف أن يمرّر سبّابته من خلاله.
“رجاءً… انسَي قلّة احترامي السابقة.” وضع الرجل متوسط العمر سيفه خلف ظهره وانحنى أمامها باحترام بأسلوب السيافين القدماء. “أنتِ سيّافة تستحقّ الإعجاب…
“ابتعدي!”
“أنا ساراندي كلاين، سيّاف إبادة من خارج برج الإبادة. لقد كان شرفًا حقيقيًا أن أقاتلكِ وجهًا لوجه.”
“أنا ساراندي كلاين، سيّاف إبادة من خارج برج الإبادة. لقد كان شرفًا حقيقيًا أن أقاتلكِ وجهًا لوجه.”
أعادت ميراندا سيفها إلى غمده وردّت التحية بوجه خالٍ من الانفعال.
وبرز في ذهنها مشهدٌ قديم في البراري.
“ميراندا آروند، البذرة الرئيسة الرابعة والثلاثون بعد المئة في برج الإبادة… وبسبب شيءٍ ارتكبتموه بحق يد صديقتي اليمنى، فمن الصعب جدًا أن أقول: «كان شرفًا لي أنا أيضًا».”
شعرت ميراندا بطرف السيف المغروز في جسدها يهتزّ ويتقدّم نحو قلبها!
ابتسم كلاين قليلًا. “اليد اليمنى، إذن؟”
كان يرتدي ثيابًا ممزقة، منحنيًا فوق أحد “المبتسمين”، يبحث عن شيءٍ ما. وما إن شعر بها تقترب، حتى رفع رأسه كوحشٍ مفترس.
استقام الاثنان. وظهر سيفاهما من جديد قربهما.
(حسنًا يا نولانور…) ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ ضعيفة وهي تستعيد صورته.
وفي اللحظة التالية، اقتربا من بعضهما مجددًا!
“أنتِ لا تعتمدين على حركات سيفٍ بارعة ولا على خُطا رشيقة عند القتال. بل تعتمدين على مهارتكِ في الملاحظة وحِسّكِ الدقيق.” انكمش بؤبؤا الرجل متوسط العمر قليلًا. “تُميّزين أنماط العدو وتوقيت ضرباته. وحتى بأسلوبٍ واهنٍ وحركاتٍ أقل شأنًا، إن ظهر المرء في الموضع الأنسب في اللحظة الأنسب، أمكنه توجيه أبرع الهجمات.”
تنينغ! تينغ!
كان سيفٌ أخدود محفورٍ في نصله قد اخترق درعها، وغاص بوصةً في جلدها عند يسار صدرها. وتوقّف قبل قلبها الذي ينبض بلا انقطاع.
تراقصت حركات كلاين السريعة، وحركات ميراندا البديعة، في تلك المساحة الضيّقة.
لم تجبه ميراندا. بل راحت تتفحّص الرجل متوسط العمر بعناية.
وفي أقل من عشر ثوانٍ، تفادت ميراندا أربع ضربات قاتلة من عدوّها، وشنّت هجمة مضادة في اللحظة الأكثر حساسيّة.
كان جرحٌ طويل يمتدّ من صدرها إلى كتفها، لم يزد على خدش اخترق درعها الخفيف، وسال منه دمٌ يسير فقط.
كان الدم ينساب من خصر ميراندا ومن خلف أذنها. وأمّا كلاين، فقد كان ساعده الأيسر ينزف.
تفاجأ كلاين قليلًا.
“لقد تركتِ أثرًا لا يُنسى.” ابتعد كلاين وهو يزفر. “مع الوقت… يمكنكِ بلا شكّ بلوغ الفئة الفائقة.”
شهقت بضعف، وقد آلمتها الريح القاسية على وجنتيها.
هزّت ميراندا رأسها قبولًا باعترافه.
“أتساءل عمّا أفعل؟” أطلق القادم الجديد شخيرًا ساخرًا وتقدّم نحوه.
(مهما بلغت سرعتك…) فكّرت ميراندا، (لا يمكنك تجاوز لحظة سحب السيف. ومع اللحظة يأتي الإيقاع — حركةٌ وسكون، هبوطٌ وصعود.)
(وأين أخي وأختي الصغيران؟ وماذا عن العمّ إنزو؟)
(وتنشأ عندها ثغرات يمكنني التحكّم بها وكسر حركته).
فأطاعت وواصلت السير.
“ولقد لاحظتُ أمرًا آخر أيضًا.” رمقت ميراندا خصمها وهي تتراجع خطوة. وقالت بنبرة خافتة: “هذه التي تسمّيها ‘لمسة الجشع’… تلك الوحشية المتواصلة…”
“‘لمسة الجشع’؟ هذا اسم قوّة الإبادة خاصتك؟ اسم دنيء كهذا.” قالت ميراندا ببرودة.
تفاجأ كلاين قليلًا.
“إنّها «مجد النجوم»، أليس كذلك؟”
وثبتت نظرة ميراندا بثبات.
انقضّ الصبيّ عليها فجأة، وطرحها فوق الثلج.
“إنّها «مجد النجوم»، أليس كذلك؟”
طنين!
وتحت نظرة الدهشة في عيني كلاين، تابعت ميراندا بثقة: “عذرًا… لكن هذه قوّة إبادة… أعرفها جيّدًا.”
…
استعاد ذهنها مشهدًا من داخل برج الإبادة، حين كان كوهين يمسك ذراعه المنتفخة ويصرخ من الألم.
“أنتِ لا تعتمدين على حركات سيفٍ بارعة ولا على خُطا رشيقة عند القتال. بل تعتمدين على مهارتكِ في الملاحظة وحِسّكِ الدقيق.” انكمش بؤبؤا الرجل متوسط العمر قليلًا. “تُميّزين أنماط العدو وتوقيت ضرباته. وحتى بأسلوبٍ واهنٍ وحركاتٍ أقل شأنًا، إن ظهر المرء في الموضع الأنسب في اللحظة الأنسب، أمكنه توجيه أبرع الهجمات.”
تلاقى بصرهما لحظة.
لكن سلاح القادم الجديد هو الذي اجتذب انتباه كوهين كلّه.
“احترم فيك مهارتك في الملاحظة، لكن الأمر ليس كذلك فحسب.” هزّ كلاين رأسه وضحك بخفوت. “‘لمسة الجشع’ ليست ‘مجد النجوم’.”
والتقدير.
وبينما علت نظرة الحيرة وجه ميراندا، وضع كلاين سيفه بمحاذاة خصره. “إن أردتِ قول ذلك، فهي نسخة مطوّرة من ‘مجد النجوم’… من خارج البرج.”
تناثر الدم في كل اتجاه.
تاهت ميراندا بين الذهول والشك.
خطا خارج ظلّ الزقاق.
(نسخة مطوّرة من… مجد النجوم؟ أهو يشير إلى تلك الوحشية؟)
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
(إذن… قوى الإبادة لدى «سيف الكارثة» مشتقّة من الأصول…)
والتقدير.
“بقي ثلاثون ثانية.” زفر كلاين. “انسَي الأمر… لم يعد هناك وقت.”
“فأمام هاتين اليدين المخدَّرتين منذ سنين، ماذا بوسع قوّة إبادةٍ متوغّلةٍ أن تفعل؟” رفعت ميراندا سيفها ببطء. وكان الرجفان في يديها ظاهرًا للعين المجرّدة.
حدّقت ميراندا فيه مصدومة.
لم تتكلم ميراندا. لم تفعل سوى أن حدّقت في يديها المغلّفتين بالقفازات، بذهول.
“أراكِ لاحقًا، أيتها السيدة المخدَّرة.” انحنى كلاين قليلًا.
وبدأ بصرها يتعتّم.
عضّت ميراندا على أسنانها وركضت نحوه. “انتظر!”
شهقت السيّافة بعمق ورفعت يدها اليسرى عن صدرها.
استدار كلاين وضرب الجدار بجانبه.
أعادت ميراندا سيفها إلى غمده وردّت التحية بوجه خالٍ من الانفعال.
دوّي!
تقطّب جبين الرجل متوسط العمر.
وتحت ستار من الغبار، اختفى أثره من أمام ناظرَي ميراندا.
…
وفي تلك اللحظة، ارتفعت أصوات عناصر الدورية من خارج الزقاق: “إنه قريب… يُشتبه بوجود قتال مسلّح غير قانوني، وأنّ أولئك الأشخاص يطارد بعضهم بعضًا بلا سبب. ما كان ذلك الصوت؟”
وتراجع كلاهما خطوة واحدة في اللحظة نفسها.
تسعل ميراندا بلا انقطاع بسبب الغبار، وتحدّق بإصرار في الجهة التي غادر منها كلاين. وضربت الجدار بغيظ. ثمّ، ومع اقتراب خطوات رجال الدورية، أعادت سيفها إلى غمده وغادرت.
تنينغ!
…..
كان حاجباه وشعره مغطيين بطبقةٍ من الصقيع، دون أن يشعر بذلك.
تنينغ!
وخطر لها أنها تشتاق إلى فطائر تالِيا الساخنة، رغم أنّها كانت تكره الثوم الذي تفوح رائحته منها.
وبينما كان سيف كوهين على وشك أن يخترق حنجرة ذلك الشاب، ظهر سيف من العدم وردّ بقوة سيف الشرطي.
ابتلع كوهين ريقه بصعوبة وسأل بأكثر نبرةٍ صادمةٍ ومندهشة: “ما الذي أتى بك إلى هنا؟”
استدار كوهين بسرعة لمواجهة الوافد الجديد الذي كان جسده متجهًا نحو غروب الشمس.
“والمريب أنّ سيفك كان يرتجف قليلًا حين يلتقي بسيفي، حتى أثّر ذلك في حرفتك. وذلك خطأٌ يُرتكب في بدايات التعلّم.”
لكن سلاح القادم الجديد هو الذي اجتذب انتباه كوهين كلّه.
(تبا.)
كان سيفًا متوسط الطول، نصلُه بالغ الرقّة، وقبضته سوداء.
(البرد قاسٍ إلى حدّ لا يُحتمل… أين أمّي؟ وأين الخالة فينا؟ ستعودان إليّ، أليس كذلك؟)
وكان ثقب دائري محفورًا في واقية القبضة، يسمح لحامل السيف أن يمرّر سبّابته من خلاله.
الفصل 138: يدين مخدَّرتين
انكمش بؤبؤا كوهين. لقد عرف ذاك السيف. بل كان مألوفًا لديه إلى حدٍّ يفوق المألوف.
كان سيفًا متوسط الطول، نصلُه بالغ الرقّة، وقبضته سوداء.
ومألوفًا أكثر… بصاحبه.
حدّقت فيه ميراندا غير مصدّقة.
“اغرب عن وجهي!” قال القادم الجديد بصوتٍ صافٍ موجّهٍ إلى سيّاف الكارثة الشاب. “اذهب وابحث عن معلّمك.”
“لكن حين تظهر حالة لا تعمل فيها هذه القوّة… ماذا تفعلون عندئذٍ؟”
تخبّط الشاب الجريح محاولًا النهوض وابتعد مترنّحًا، لكن كوهين لم يلقِ له بالًا.
حدّقت فيه ميراندا غير مصدّقة.
فتح عينيه وحدّق بالقادم الجديد في ذهول.
“اذهبي الآن! ابتعدي! اذهبي وابحثي في جثةٍ أخرى!”
فمجرّد رؤية هذا الشخص… جعلته لا يرغب في الاهتمام بأي شيء آخر.
وضعت ميراندا يدها اليسرى على صدرها متألّمة.
ابتلع كوهين ريقه بصعوبة وسأل بأكثر نبرةٍ صادمةٍ ومندهشة: “ما الذي أتى بك إلى هنا؟”
حلّ الصمت.
“ولماذا… تفعل هذا الآن؟” حدّق في القادم الجديد وهو يعقد حاجبيه ويفكّهما مرارًا.
“ولماذا… تفعل هذا الآن؟” حدّق في القادم الجديد وهو يعقد حاجبيه ويفكّهما مرارًا.
“أتساءل عمّا أفعل؟” أطلق القادم الجديد شخيرًا ساخرًا وتقدّم نحوه.
وثبتت نظرة ميراندا بثبات.
“لأصل قبل أن تفسدوا كل شيء يا حمقى.” أظهر القادم الجديد عينين حمراوين داكنتين في العتمة وقال ببرود: “ولأوقفكم جميعًا.”
تنينغ!
“أو…”
“لا، ليست القفازات.” زفرت ميراندا بهدوء ورفعت رأسها وقالت الحقيقة مباشرة: “إنّها يداي فحسب.”
خطا خارج ظلّ الزقاق.
وبينما كان سيف كوهين على وشك أن يخترق حنجرة ذلك الشاب، ظهر سيف من العدم وردّ بقوة سيف الشرطي.
“أقضي عليكم جميعًا؟”
لكن تعابيره تجمّدت فجأة. فقد لاحظ الدم على سيفه… ولم يكن عليه سوى قطرات قليلة.
كان زميل كوهين السابق في برج الإبادة وعضو جهاز الاستخبارات السرّي للمملكة الحالي، رافاييل ليندبيرغ، يحمل سيفه بيده اليسرى. وبعينين حمراوين تومضان، نظر إلى صديقه القديم الشرطي، كوهين كارابيَان، مبتسمًا.
“لم تنفع قوّة الإبادة الغريبة تلك، أليس كذلك؟”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
عضّت ميراندا على أسنانها وركضت نحوه. “انتظر!”
