Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 139

مأدبة ترحيب فريدة
PDF

مأدبة ترحيب فريدة

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“مساؤك بخير، أيها الأمير تاليس.” حدّقت فيه بعينيها الضيقتين. كان صوتها رقيقًا للغاية، وابتسامتها دافئةً تُسكّن القلوب. “اسمي كالشان.”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

كانت القاعة دائرية، علّقت على الجدران راية مثلثة تحمل شعار “رمح التنين”، ووُضعت المشاعل في الأركان حيث يلتقي الجدار بالأرض، بينما أضاءت مصابيح أبدية ساطعة السقف، (حمدًا لله، فقد كان تاليس يظن أن الضوء الوحيد في قصر الروح البطولية يأتي من المشاعل فقط). وكان الخدم يظهرون بين حين وآخر من الأبواب الجانبية أو المشربيات حاملين دفعات لا تنتهي من الطعام والنبيذ.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

نهض الملك نوڤين ببطء ورفع يده مُشِيرًا إلى قائد حرّاس النصل الأبيض، نيكولاس.

Arisu-san

“أولًا، إنّ يوم ما قبل الشتاء القارس يقترب. وباستثناء مجانين مثل لامبارد، يعيش كل الشماليين باقتصاد ويخزنون الطعام استعدادًا للشتاء. ثم…” ضيّق الآرشيدوق ترينتيدا—ذا التسريحة المستديرة—عينيه ونهض. وحدّق من بعيد بالأمير القَلِق تاليس.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

بقيادة مدير الملك، ميرك، ومعه بعض الخدم، سار تاليس إلى جانب بيوتراي، بينما تبعه رالف ووايا… أما آيدا، فاتفق الجميع على أنّ وجودها في مثل هذا الحدث غير مناسب.

الفصل 139: مأدبة ترحيب فريدة

غير أنّ الملك نوڤين لم يُبدِ أيّ ردّة فعل، بل حدّق ببرود في الفوضى التي أحدثها النبلاء.

وبعد أن أنهى الملك مشروبه، استدار وصفع كأسه على الطاولة الطويلة بوجهٍ يشتعل غضبًا.

“أأنت واثق أنّه ليس عليّ ارتداء هذا؟ لقد قالت السيدة جينيس إنّه في المآدب…” في الغرفة، سأل تاليس بيوتراي. كان يعقد حاجبيه وهو يرفع سترة صغيرة مزخرفة.

“اشربوا حتى تستلقوا، أو تتدحرجوا، أو تنبطحوا، أو تزحفوا، أو تُحملوا خارج قصري!

(وهذه أيضًا من الأمتعة التي عانى طاقم الدبلوماسيين كثيرًا ليجلبوها، مع الأعلام.)

وعند آخر درجة، بلغ تاليس ممرّ الطابق السادس من قصر الأرواح البطولية، حيث تعالت الأصوات الصاخبة.

“نحن في إكستيدت، في أرض الشمال.” نظر إليه بيوتراي، الأنيق الثياب، بنظرة ازدراء. “حتى في المآدب، هم يكرهون دمى الفتية المتأنّقين والرخويـن… إن رغبت حقًّا في ارتدائها، فأخشى أنك ستصبح المرشّح الأول للقب أكبر مهرّج في المأدبة.”

تنفّس الأمير الثاني بعمق. ورغم نظرات بيوتراي المتحيرة وعبوس وايا المشدود، رد تاليس بدوره:

أخرج تاليس لسانه ووضع السترة جانبًا.

الخدم يذهبون ويأتون بالأطباق، والنبلاء الفظّون يتجادلون بوجوه محتقنة، وبعض الضيوف يشربون حتى يحمرّوا. وكان ثمة نبلاء سكيرون يتحججون بالسكر ليلمسوا مؤخرات الخادمات، فتدوي القاعة بالهتاف.

وبقرب النافذة، استعادَت آيدا انتباهها وتنهدت بأسف ظاهر. “آه، أنتم تعلمون… المآدب من غير المهرّجين مملة.”

نهض الملك نوڤين ببطء ورفع يده مُشِيرًا إلى قائد حرّاس النصل الأبيض، نيكولاس.

بعد قرابة شهر من الضغوط، لم يعد لدى تاليس قوّة ليأبه لأي شيء آخر. من “المنازل المهجورة” و”سوق الشارع الأحمر”، إلى “قاعة مينديس” و”قصر النهضة”، ثم من “حصن التنين المحطّم” إلى “مدينة سحب التنين”، لم يحصل الأمير الثاني المتوَّج حديثًا على فرصة لينام في سريره كما ينبغي. لقد زُجّ به في عربة النبلاء، وحمل عبء كونه أميرًا، وواجه تحديات لم يعهدها من قبل.

“ولأسباب تعرفونها جميعًا، لا أستطيع أن أستقبله بقلبٍ سعيد.” قال الملك نوڤين وهو يجول بنظره، وصوته مفعم بصرامة باردة. “لكن… ما دام قد وصل إلى هنا…”

ولذلك، أدرك تاليس فجأة أنّه لا يملك أي تجربة في مآدب النبلاء، ولا معرفة بها، إلا بعدما جاء ميرك والخدم للتذكير بها.

تنفّس الأمير الثاني بعمق. ورغم نظرات بيوتراي المتحيرة وعبوس وايا المشدود، رد تاليس بدوره:

لم يفقد رباطة جأشه قط أمام الأسلحة، والجنود، وأفراد عشيرة الدم، والصوفيين، لكنه الآن أحسّ فجأة بشيء من التوتر.

عرف تاليس هذا الشعور. آخر مرة خَبِره كانت في مدينة النجم الأبدي، أثناء المؤتمر الوطني في قاعة النجوم.

“لا تقلق.” أشعل بيوتراي بلا مبالاة تبغَ الشمال الذي حصل عليه من الخدم. “مقارنةً بالكوكبة ودوقية آنلينزو، فإنّ مآدب إكستيدت ليست إلا نزهة عسكرية لجنود ذوي عقول بسيطة. إن مررتَ بمآدب هانبول وسلالة الفجر والظلام، يا إلهي… آدابُ مآدبهم عقوبات مقنّعة.”

“إن كنّا سنمضي في المعركة، فذلك لن يكون قبل الربيع…”

“البروتوكولات، الزخارف، الصيحات، الأنماط… الجهدُ المبذول لفصل البشر على أساس الهوية والمكانة والرتبة لا يتوقف أبدًا.” حاول تاليس أن يهدّئ نفسه بالكلام، ثم انحنى ليعدّل حذاءه أمام مرآة بسيطة خشنة. “بعد الليلة… لا بد أن أستحم.”

تجاهل تاليس ميرك. ومع تحمّله لنظرات القاعة بأسرها، قطّب حاجبيه وسأل بيوتراي بصوت خفيض: “أأتقدّم هكذا فحسب؟ أم أبقى في الخلف حتى يستدعيني أحد؟”

“فكّر أولًا في شؤون الليلة الرسمية.” بدا أنّ بيوتراي غير معتاد على تبغ الشمال الخشن، فقد قال بصعوبة وهو يسعل: “كح… كح… اللعنة، لقد جلبوا لي تبغًا رديئًا.”

“هيا! كلوا! اشربوا! قاتلوا! ناكحوا! افعلوا ما يحلو لكم!”

وبأعجوبة، جعلت كلمات بيوتراي تاليس ينسى توتره من أجل المأدبة المقبلة، وبدأ يركز على الوضع الراهن.

(يا لها من وليمة صاخبة… كأنها المشهد ذاته في قرية ممرّ الجبل حين يشرب أهل الشمال والجنود معًا.)

طرقٌ على الباب.

أومأ تاليس.

دخل رالف، متكئًا أكثر فأكثر على أطرافه المعدنية. بدا أن هذه أول مرة يحضر فيها مثل هذه المآدب. حتى مع القناع الفضي، كان الشحوب بادياً على وجهه.

“الواقفون عند آخر القاعة هم من أمثال نبلاء الطبقة الدنيا، تابعو الأسياد، الفرسان ذوي المناقب، والبيروقراطيين المدعوين.” همس بيوتراي بتذكير هادئ. “ذاك المتأنّق هناك على يسارك ليس سوى خادم مكلّف بتقديم الطعام. وذاك خلفك، على يمينك، الواقف في الزاوية، يبدو كعبد، لكنّه ضابط ’أوزّينغ’ المسؤول عن شوي اللحم. إنّه لقب شرفي عريق لا يُمنح إلا للتابعين المقربين الذين يأتمنهم أسيادهم.”

أما وايا، فكان أكثر هدوءًا، وكأنه مرّ بمثل هذه المناسبات من قبل.

“اهدأ، اهدأ. لقد بدأوا المأدبة باكرًا ولم يكلّفوا أنفسهم حتى ترتيب المقاعد. لا داعي لأن ترتبك أو تأخذ الأمر بجدية فائقة.” قال بيوتراي وهو يتنهّد أمام قلق الأمير. “لا يهمّ أيّ ملامح ترتدي. الآن، أنت لست سوى راية تُدعى ’الكوكبة’.”

أومأ مرافق تاليس بجدية. “يا صاحب السمو، كل شيء جاهز.”

بادلها تاليس ابتسامة لطيفة، وإن كان تائهًا تمامًا عمّا يحدث.

وبجانب وايا، وقّع رالف بيديه: “لقد وصلوا.”

“مساؤك بخير، أيها الأمير تاليس.” حدّقت فيه بعينيها الضيقتين. كان صوتها رقيقًا للغاية، وابتسامتها دافئةً تُسكّن القلوب. “اسمي كالشان.”

أومأ تاليس.

دحرج تاليس عينيه وتظاهر بالعجز: “لا حاجة لأن تذكرني… فقد تبيّن لي ذلك.”

تنفّس الأمير الثاني بعمق. ورغم نظرات بيوتراي المتحيرة وعبوس وايا المشدود، رد تاليس بدوره:

“إذًا، أوشكت على البدء.” خلفه، تمتم بيوتراي، عامدًا أو غير عامد.

“فلنذهب.”

طرقٌ على الباب.

…..

“نحن في إكستيدت، في أرض الشمال.” نظر إليه بيوتراي، الأنيق الثياب، بنظرة ازدراء. “حتى في المآدب، هم يكرهون دمى الفتية المتأنّقين والرخويـن… إن رغبت حقًّا في ارتدائها، فأخشى أنك ستصبح المرشّح الأول للقب أكبر مهرّج في المأدبة.”

بدأت مأدبة الترحيب في إكستيدت قبل أن تغيب الشمس تمامًا.

أومأ مرافق تاليس بجدية. “يا صاحب السمو، كل شيء جاهز.”

بقيادة مدير الملك، ميرك، ومعه بعض الخدم، سار تاليس إلى جانب بيوتراي، بينما تبعه رالف ووايا… أما آيدا، فاتفق الجميع على أنّ وجودها في مثل هذا الحدث غير مناسب.

“الضيف المكرَّم من الكوكبة، الأمير تاليس جيدستار!”

“يا صاحب السمو، لا أعلم مقدار معرفتك بمآدب الشمال. لكن يجب أن أذكّرك أنّ ضيوف الكوكبة قد لا يعتادون طريقة مآدبنا. وليلة اليوم ستكون فريدة قليلًا.” قال اللورد ميرك بوجه خالٍ من التعبير.

وبقرب النافذة، استعادَت آيدا انتباهها وتنهدت بأسف ظاهر. “آه، أنتم تعلمون… المآدب من غير المهرّجين مملة.”

ابتسم تاليس ابتسامة ودّية تنم عن تفهّم.

كان نبلاء الشمال مختلفين اختلافًا بالغًا عن نظرائهم في الكوكبة. ففي قاعة النجوم، كان النبلاء دائمًا ما يتصرّفون بأناقة، حتى نبلاء القرى الجالسون على الأطراف كانوا يحاولون جاهدين أن يظهروا بمظهر المتحضّر—سلوكًا ولباسًا. وهذا ما جعل عشائر الأقاليم الشمالية الثلاثة الكبرى، بقيادة آروند، وفريس، وزيمونتو، ومن معهم من نبلاء، يبدون واضحين تمام الوضوح بينهم.

وعلى أرضية قصر الروح البطولية الجافة، صعدوا درجات الحجر.

توقّف الجميع تقريبًا عن كل ما كانوا يفعلونه لينظروا إلى تاليس؛ سواء كانوا يشربون، أو يقطعون اللحم، أو يتسامرون، أو يتشاجرون، أو حتى يضايقون خادمات الطاولات.

قدّم ميرك بشرح محترم المكان الذي سيذهبون إليه. “قاعة المأدبة هي المكان الذي استقبل فيه الملك رايكارو الفرسان التسعة. ويُقال إن مأدبة بطل الشمال امتدت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، وقد التهموا فيها معظم ما غنموه في حملتهم المباركة. وهنا، وسط الهتاف داخل القصر وخارجه، انتُخب رايكارو إكستيدت ملكًا.”

تنفّس الأمير الثاني بعمق. ورغم نظرات بيوتراي المتحيرة وعبوس وايا المشدود، رد تاليس بدوره:

وعند آخر درجة، بلغ تاليس ممرّ الطابق السادس من قصر الأرواح البطولية، حيث تعالت الأصوات الصاخبة.

خلفه، تنهد بيوتراي. فهزّ تاليس كتفيه ومضى دون اكتراث إلى مقعده، وتَبِعه رالف ووايا عن كثب.

بلغ ارتفاع القاعة سبعة أو ثمانية أمتار، وامتلأت بالمشاعل النارية المثبّتة على حوامل على امتداد الممر، وكانت تتّقد فتضيء القصر كأنه نهار.

“هه، يا أميري. أتعلم أنه في تاريخ الإمبراطورية، كانت دوافع الاغتيال والتسميم تنبع من هذه الزوايا الهادئة حيث يُشوى اللحم؟” قال بيوتراي بصوت منخفض وهو يحافظ على رباطة جأشه.

وبخلاف ممرات الطوابق الأخرى المليئة بالغرف، لم يكن في هذا الطابق إلا زوج من الأبواب الخشبية السميكة في منتصف الممر. الخدم يتحركون جيئة وذهابًا بوجوه متهللة؛ بعضهم يحمل الأطباق، والآخر يحضر براميل الجِعَة.

“يا صاحب السمو، لا أعلم مقدار معرفتك بمآدب الشمال. لكن يجب أن أذكّرك أنّ ضيوف الكوكبة قد لا يعتادون طريقة مآدبنا. وليلة اليوم ستكون فريدة قليلًا.” قال اللورد ميرك بوجه خالٍ من التعبير.

تنفّس تاليس بعمق وتبادل نظرة مع مرافقيه، ثم خطا خلف ميرك إلى قاعة مأدبة قصر الروح البطولية.

(ساحرة… حمراء؟) حدّق تاليس في العجوز الطيبة مذهولًا. (ساحرة؟ ما هذا بحق…؟)

وتدفقت إلى سمعه أصوات النقاشات الصاخبة، وقرع كؤوس الشراب، وصليل السكاكين وهي تشق اللحم، وحتى صرخات العراك… كلّها غزت أذنيه وعذّبته.

مرورًا بالطاولات الطويلة، سمع همساتٍ خافتة، وكان لحسّه السمعي الجيّد فائدة جليّة في تلك اللحظة.

رفع تاليس رأسه ورأى المشهد واضحًا.

ولولا أنّ تاليس رفع بصره، ورأى نوڤين السابع يشرب بصمت على مائدة عريضة أعلى القاعة، محاطًا بخدمه المقربين وحرس النصل الأبيض، لنسي تمامًا أن بين كل هذه الضوضاء تختبئ ظلال السيوف.

كانت القاعة دائرية، علّقت على الجدران راية مثلثة تحمل شعار “رمح التنين”، ووُضعت المشاعل في الأركان حيث يلتقي الجدار بالأرض، بينما أضاءت مصابيح أبدية ساطعة السقف، (حمدًا لله، فقد كان تاليس يظن أن الضوء الوحيد في قصر الروح البطولية يأتي من المشاعل فقط). وكان الخدم يظهرون بين حين وآخر من الأبواب الجانبية أو المشربيات حاملين دفعات لا تنتهي من الطعام والنبيذ.

أطلق بيوتراي شخيرًا خافتًا يحمل عدم اكتراث. ثم بلغوا أخيرًا نهاية الطاولات الطويلة.

كانت القاعة تتسع لمئات الحاضرين، وقد ضمّت الآن ما لا يقل عن مئة أو مئتين يجلسون حول أكثر من عشرة موائد طويلة متوازية، موضوعة عموديًا على الباب الرئيسي، وعبر الوسط ممرّ واسع يسمح للخدم والضيوف بالحركة.

…لأنّ تاليس كان يعرف تمامًا ما يريدونه.

تجوّل نظر تاليس في القاعة بعبوس. وبسبب قصر قامته، لم يستطع رؤية آخر القاعة، فكان بيوتراي هو من شرح له بصوت منخفض ما يجري.

أومأ نيكولاس وتقدّم نحو تاليس. “تفضّل بالجلوس. مقعدك هو الأخير إلى يسار الملك نوڤين.”

كان الجو في القاعة صاخبًا نابضًا بالحياة.

“علينا أن نراعي عادات البلدان التي نزورها. منذ سنين طويلة، رأيت حتى أميرةً من إكستيدت تقف في الشوارع وتطلق كل صنوف السِّباب بألفاظ مثل ’نيـ…’ و’قـ…’.” هزّ بيوتراي رأسه. “ثمّ إنك—على الرغم من كونك أميرًا—تبدو معتادًا تمامًا على هذا النوع من الكلام.”

الخدم يذهبون ويأتون بالأطباق، والنبلاء الفظّون يتجادلون بوجوه محتقنة، وبعض الضيوف يشربون حتى يحمرّوا. وكان ثمة نبلاء سكيرون يتحججون بالسكر ليلمسوا مؤخرات الخادمات، فتدوي القاعة بالهتاف.

“بلغني أنه تاه خارج المملكة لسنوات عديدة…”

جلس الآرشيدوقات الخمسة على رؤوس الموائد الخمسة. آرشيدوق أولسيوس بلحيته الكثيفة بقي ثابت النظرة، يقلب كأسه بشرود، وأغلب من حوله من فرسان العائلة وسادة تابعين يحملون شعار دائرة داخل مثلث. أما آرشيدوق ترينتيدا ذو تسريحة الدائرة، فكان يضحك مع أتباعه بمهارة اجتماعية واضحة. والآرشيدوق الأصلع ليكّو جلس مع مركيز شيليس من اتحاد كاموس يستمعان لبعضهما ببطء. وأما آرشيدوق روكني الطويل الشعر، فبدا شديد الصرامة كعادته، يشعّ منه برد غريب؛ لم يجرؤ أحدٌ على الاقتراب منه، وخدمه يعيدون ملء طعامه وشرابه كل حين. وعلى المائدة الأخيرة جلس الآرشيدوق الشاب بوفريت، يرفع كأسه مبتسمًا لعدد من الدوقات والأتباع، الذين يهزون رؤوسهم مرارًا، ثم يشربون كؤوسهم دفعة واحدة.

استدار تاليس ونظر إلى المقعد في آخر الطاولة الطويلة، ذلك المقعد الذي لم يُعره أحد اهتمامًا.

(يا لها من وليمة صاخبة… كأنها المشهد ذاته في قرية ممرّ الجبل حين يشرب أهل الشمال والجنود معًا.)

وفي تلك اللحظة، تجمّد تاليس تمامًا.

ولولا أنّ تاليس رفع بصره، ورأى نوڤين السابع يشرب بصمت على مائدة عريضة أعلى القاعة، محاطًا بخدمه المقربين وحرس النصل الأبيض، لنسي تمامًا أن بين كل هذه الضوضاء تختبئ ظلال السيوف.

عقد تاليس حاجبيه. ممسكًا بالكأس المعدني الثقيل، أرغم نفسه على احتساء رشفة… تحت نظرات عددٍ غير قليلٍ من الواقفين خلفه.

وكاد ينسى أنّ المتآمر الذي تجرأ على محاولة اغتيال أميري المملكتين يجلس بين هؤلاء الآرشيدوقات الخمسة.

وتدفقت إلى سمعه أصوات النقاشات الصاخبة، وقرع كؤوس الشراب، وصليل السكاكين وهي تشق اللحم، وحتى صرخات العراك… كلّها غزت أذنيه وعذّبته.

استدار تاليس وقال باستسلام: “لم أكن أعلم أنّ المأدبة قد بدأت بالفعل.”

وتحوّلت وجوه النبلاء إلى مسحةٍ من الجديّة، وراحوا يشربون، وتعالت آنذاك أصوات الارتشاف والتنهّد في القاعة.

“أغلب النبلاء قد جلسوا في أماكنهم. الملك نوڤين ينتظر وصولك.” قال ميرك بهدوء.

…..

ضيّق تاليس عينيه، وتمكّن أخيرًا من إلقاء نظرة على نوڤين السابع القابع في أقصى القاعة. سجّل على وجهه تلك الملامح اللامبالية التي لم تتبدّل.

وبدا أنّ الملك لاحظ أنّ تاليس ينظر إليه، فمرّ بصره العتيق الحاد على تاليس مخترقًا اياه.

وبدا أنّ الملك لاحظ أنّ تاليس ينظر إليه، فمرّ بصره العتيق الحاد على تاليس مخترقًا اياه.

“اشربوا حتى تستلقوا، أو تتدحرجوا، أو تنبطحوا، أو تزحفوا، أو تُحملوا خارج قصري!

“إذًا، أوشكت على البدء.” خلفه، تمتم بيوتراي، عامدًا أو غير عامد.

“حتى لو تقاتلنا حتى الموت غدًا… فيجب أولًا أن نُكرم التقليد!”

تنفّس تاليس في قلبه تنهيدةً مكتومة.

فجأة، دوّى صوتٌ جهوري ساخر من طاولة طويلة أخرى، يردّ على أولسيوس.

وبعد بضع ثوانٍ، وعلى إشارة من ميرك، أعلن الخادم الواقف بقربهم هوية تاليس بصوت جهوري.

فاللامتوقّعون… مخيفون دائمًا.

“الضيف المكرَّم من الكوكبة، الأمير تاليس جيدستار!”

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

تردّد الصوت في أرجاء القاعة حتى بلغ كلّ ركن، فتوقّفت حركة المأدبة الصاخبة فجأة.

“الواقفون عند آخر القاعة هم من أمثال نبلاء الطبقة الدنيا، تابعو الأسياد، الفرسان ذوي المناقب، والبيروقراطيين المدعوين.” همس بيوتراي بتذكير هادئ. “ذاك المتأنّق هناك على يسارك ليس سوى خادم مكلّف بتقديم الطعام. وذاك خلفك، على يمينك، الواقف في الزاوية، يبدو كعبد، لكنّه ضابط ’أوزّينغ’ المسؤول عن شوي اللحم. إنّه لقب شرفي عريق لا يُمنح إلا للتابعين المقربين الذين يأتمنهم أسيادهم.”

توقّف الجميع تقريبًا عن كل ما كانوا يفعلونه لينظروا إلى تاليس؛ سواء كانوا يشربون، أو يقطعون اللحم، أو يتسامرون، أو يتشاجرون، أو حتى يضايقون خادمات الطاولات.

وبدا أنّ الملك لاحظ أنّ تاليس ينظر إليه، فمرّ بصره العتيق الحاد على تاليس مخترقًا اياه.

بل إنّ كثيرًا من الخدم والحراس المتمركزين، وحتى أفراد حرّاس النصل الأبيض، نظروا إليه.

ولذلك، أدرك تاليس فجأة أنّه لا يملك أي تجربة في مآدب النبلاء، ولا معرفة بها، إلا بعدما جاء ميرك والخدم للتذكير بها.

عرف تاليس هذا الشعور. آخر مرة خَبِره كانت في مدينة النجم الأبدي، أثناء المؤتمر الوطني في قاعة النجوم.

الشخص الوحيد الذي لم يستطع فهمه… هو هذا الملك العجوز الواقف على قمّة سلطة إكستيدت.

“(هل يجدر بي أن أبتسم الآن؟)” وبإحساسه بطرائقٍ شتّى من النظرات—من خبيثة وقاتلة، إلى فضولية وودّية—لم يغيّر تاليس ملامحه. حرّك شفتيه قليلًا وقال: “(أم أكون جامد الوجه؟ هل يلائم هذا كوني أمير المملكة العدوّة؟)”

“أولًا، إنّ يوم ما قبل الشتاء القارس يقترب. وباستثناء مجانين مثل لامبارد، يعيش كل الشماليين باقتصاد ويخزنون الطعام استعدادًا للشتاء. ثم…” ضيّق الآرشيدوق ترينتيدا—ذا التسريحة المستديرة—عينيه ونهض. وحدّق من بعيد بالأمير القَلِق تاليس.

“اهدأ، اهدأ. لقد بدأوا المأدبة باكرًا ولم يكلّفوا أنفسهم حتى ترتيب المقاعد. لا داعي لأن ترتبك أو تأخذ الأمر بجدية فائقة.” قال بيوتراي وهو يتنهّد أمام قلق الأمير. “لا يهمّ أيّ ملامح ترتدي. الآن، أنت لست سوى راية تُدعى ’الكوكبة’.”

تنفّس تاليس بعمق وتبادل نظرة مع مرافقيه، ثم خطا خلف ميرك إلى قاعة مأدبة قصر الروح البطولية.

أومأ ميرك الخالي من التعابير إلى تاليس، وبسط يده اليمنى بأدب، مشيرًا إليه أن يتقدّم.

كانت ملامح نوڤين السابع متّقدة بالحماسة. وبصوتٍ جهير مسنودٍ بلهجة شمالية، صرخ بكل القاعة باللغة المشتركة:

تجاهل تاليس ميرك. ومع تحمّله لنظرات القاعة بأسرها، قطّب حاجبيه وسأل بيوتراي بصوت خفيض: “أأتقدّم هكذا فحسب؟ أم أبقى في الخلف حتى يستدعيني أحد؟”

أطلق بيوتراي شخيرًا خافتًا يحمل عدم اكتراث. ثم بلغوا أخيرًا نهاية الطاولات الطويلة.

“لو كنت في الكوكبة الآن، لوجب عليك الانتظار حتى يرسل السيّد من يقودك إلى مقعدك. لكنّ هذه إكستيدت.” نظر بيوتراي إلى القاعة الفوضوية وهو يقطّب جبينه. بدا أنّ كثيرًا من الضيوف قد فقدوا فضولهم، وبعضهم عاد إلى التهام ما قُدّم أمامه. “لذا، لا تتوقّع الكثير من الرسميات. تقدّم إلى مقعدك دون أن تلتفت. أظنّ أنه سيكون ذاك الذي بجوار الملك نوڤين.”

استدار تاليس مذهولًا. وبجواره، بقي بيوتراي متماسكًا. وبخبرته الواسعة، ناول تاليس كأسًا معدنيًا من الجعة السوداء.

ارتسمت على وجه تاليس ابتسامة متواضعة وودّية كما تخيّلها مناسبة لأمير، ثم تقدّم إلى الأمام.

استدار تاليس مذهولًا. وبجواره، بقي بيوتراي متماسكًا. وبخبرته الواسعة، ناول تاليس كأسًا معدنيًا من الجعة السوداء.

وبالمقارنة مع الكوكبة التي تُعلي من شأن البروتوكولات والآداب في كل شيء، لم يكن في قاعة المأدبة هذه حتى سجّادة. وأثناء مشيه فوق البلاط غير المتساوي، شعر وكأنه عاد إلى “المنازل المهجورة”.

وللحظة، لاحظ تاليس أنّ وجه بيوتراي قد ازدادت حدّته، وجسده قد صار متخشّبًا وهو يحدّق بالعجوز أمامهم.

مرورًا بالطاولات الطويلة، سمع همساتٍ خافتة، وكان لحسّه السمعي الجيّد فائدة جليّة في تلك اللحظة.

ابتسمت الساحرة الحمراء كالشان بودّ.

“إذًا، هذا هو الأمير الذي لا يزال يشتمّ منه رائحة حليب أمّه؟”

وفي تلك اللحظة، تجمّد تاليس تمامًا.

“بلغني أنه تاه خارج المملكة لسنوات عديدة…”

وبُعيد ثانيةٍ واحدة، دوّت صرخة مماثلة متّقدة من كل ضيف في القاعة، كهدير موجٍ ينفجر داخل أرجاء المأدبة.

“سبعة أعوام؟ أهذه مزحة؟”

“(هل يجدر بي أن أبتسم الآن؟)” وبإحساسه بطرائقٍ شتّى من النظرات—من خبيثة وقاتلة، إلى فضولية وودّية—لم يغيّر تاليس ملامحه. حرّك شفتيه قليلًا وقال: “(أم أكون جامد الوجه؟ هل يلائم هذا كوني أمير المملكة العدوّة؟)”

“كان أهل الكوكبة يتحدثون عنه كما لو كان مقدسًا. يزعمون أنه عبقري… هه!”

لكن قبل أن يدير رأسه ليكلّم رفاقه، باغته زائر غير متوقّع وقف أمام مقعده، جاء لزيارة الأمير الثاني للكوكبة.

“ثم إنّ قواتنا لم تستطع التحرك من جرّاء هذا الطفل؟”

رفع الملك نوڤين رأسه وزأر تحت نظرات الجمع:

“عانى رجال اقليم الرمال السوداء عند الحدود… غضب المملكة…”

اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ

“لقد أرسل لامبارد جنودًا لاصطحابه إلى هنا…”

فجأة، دوّى صوتٌ جهوري ساخر من طاولة طويلة أخرى، يردّ على أولسيوس.

“إن كنّا سنمضي في المعركة، فذلك لن يكون قبل الربيع…”

بعد قرابة شهر من الضغوط، لم يعد لدى تاليس قوّة ليأبه لأي شيء آخر. من “المنازل المهجورة” و”سوق الشارع الأحمر”، إلى “قاعة مينديس” و”قصر النهضة”، ثم من “حصن التنين المحطّم” إلى “مدينة سحب التنين”، لم يحصل الأمير الثاني المتوَّج حديثًا على فرصة لينام في سريره كما ينبغي. لقد زُجّ به في عربة النبلاء، وحمل عبء كونه أميرًا، وواجه تحديات لم يعهدها من قبل.

تابع تاليس السير نحو نوڤين السابع دون أن يلتفت. كان الرجل يرمقه بنظرةٍ عصيّة على التفسير.

(ابنها؟)

وأخيرًا، انتهى معظم النبلاء من فضولهم. وتخلّوا عن فكرة تأمّل الأمير، وعادوا للانغماس في الوليمة.

“لو كنت في الكوكبة الآن، لوجب عليك الانتظار حتى يرسل السيّد من يقودك إلى مقعدك. لكنّ هذه إكستيدت.” نظر بيوتراي إلى القاعة الفوضوية وهو يقطّب جبينه. بدا أنّ كثيرًا من الضيوف قد فقدوا فضولهم، وبعضهم عاد إلى التهام ما قُدّم أمامه. “لذا، لا تتوقّع الكثير من الرسميات. تقدّم إلى مقعدك دون أن تلتفت. أظنّ أنه سيكون ذاك الذي بجوار الملك نوڤين.”

كان نبلاء الشمال مختلفين اختلافًا بالغًا عن نظرائهم في الكوكبة. ففي قاعة النجوم، كان النبلاء دائمًا ما يتصرّفون بأناقة، حتى نبلاء القرى الجالسون على الأطراف كانوا يحاولون جاهدين أن يظهروا بمظهر المتحضّر—سلوكًا ولباسًا. وهذا ما جعل عشائر الأقاليم الشمالية الثلاثة الكبرى، بقيادة آروند، وفريس، وزيمونتو، ومن معهم من نبلاء، يبدون واضحين تمام الوضوح بينهم.

وبقرب النافذة، استعادَت آيدا انتباهها وتنهدت بأسف ظاهر. “آه، أنتم تعلمون… المآدب من غير المهرّجين مملة.”

أمّا هنا، فعلى الرغم من اختلاف نبلاء الشمال في المكانة والطباع، إلّا أنّ كلّ واحد منهم كان يتصرّف كالأجلاف—من طريقة جلوسهم وأكلهم، إلى هيئاتهم وأزيائهم. وحتى أثناء الشراب، كانوا يُصدرون همهمات متعمّدة، ويسمحون لبضع قطرات أن تسيل على لحاهم، ويضربون كؤوسهم على الطاولة ضربًا. وبينما يشربون، يطلقون الانتقادات العالية على خصومهم، أو يتبادلون السباب الصاخب معهم.

“إذًا، هذا هو الأمير الذي لا يزال يشتمّ منه رائحة حليب أمّه؟”

وبينما كان تاليس يراقب هذه الطبائع في صمت، تابع السير بين صفَّي الطاولات. ولم يملك إلا أن يلاحظ أنه—باستثناء خادمات الخدمة—لم تكن هناك أيّ مدعوة تقريبًا في المأدبة.

“أيّ مأدبةٍ بحقّ الجحيم هذه؟”

“الواقفون عند آخر القاعة هم من أمثال نبلاء الطبقة الدنيا، تابعو الأسياد، الفرسان ذوي المناقب، والبيروقراطيين المدعوين.” همس بيوتراي بتذكير هادئ. “ذاك المتأنّق هناك على يسارك ليس سوى خادم مكلّف بتقديم الطعام. وذاك خلفك، على يمينك، الواقف في الزاوية، يبدو كعبد، لكنّه ضابط ’أوزّينغ’ المسؤول عن شوي اللحم. إنّه لقب شرفي عريق لا يُمنح إلا للتابعين المقربين الذين يأتمنهم أسيادهم.”

“ارفعوا كؤوسكم جميعًا!”

“(تكليف التابعين المقربين بشوي اللحم… ضابط أقدام الإوزّ؟ لماذا؟)” سأل تاليس دون أن يلتفت، مستغربًا. “(أليس هذا من عمل أهل المطابخ؟ أم أنّ في الأمر شرفًا من نوع ما؟)”

ولدهشة تاليس، ردد كثيرٌ من نبلاء الشمال صيحته دفعةً واحدة، واحتجّوا على الملك نوڤين.

“هه، يا أميري. أتعلم أنه في تاريخ الإمبراطورية، كانت دوافع الاغتيال والتسميم تنبع من هذه الزوايا الهادئة حيث يُشوى اللحم؟” قال بيوتراي بصوت منخفض وهو يحافظ على رباطة جأشه.

كان نبلاء الشمال مختلفين اختلافًا بالغًا عن نظرائهم في الكوكبة. ففي قاعة النجوم، كان النبلاء دائمًا ما يتصرّفون بأناقة، حتى نبلاء القرى الجالسون على الأطراف كانوا يحاولون جاهدين أن يظهروا بمظهر المتحضّر—سلوكًا ولباسًا. وهذا ما جعل عشائر الأقاليم الشمالية الثلاثة الكبرى، بقيادة آروند، وفريس، وزيمونتو، ومن معهم من نبلاء، يبدون واضحين تمام الوضوح بينهم.

لزم تاليس الصمت.

“بلغني أنه تاه خارج المملكة لسنوات عديدة…”

وحين تجاوزوا منتصف القاعة، لاحظ—كما توقّع—أن ’جودة’ نبلاء الشمال ترتفع كلّما علت مكانتهم. قلت الحركات الفظّة بدرجة كبيرة. لكنّ عدد المتبادلين للنظرات الصامتة، والمتماسّين بالهمسات الخفية، ارتفع ارتفاعًا هائلًا.

(ساحرة… حمراء؟) حدّق تاليس في العجوز الطيبة مذهولًا. (ساحرة؟ ما هذا بحق…؟)

“تلك البقعة الخالية في وسط القاعة… في الكوكبة أو دوقية آنلينزو، لكانت استُخدمت ساحةً للرقص أو منصّةً للعروض. أمّا في الشمال…” مرّ بيوتراي بمحاذاة بضعة ضيوف ذوي وجوهٍ متجهمة، متجاهلًا الشتائم الخافتة التي أطلقها نبيلٌ جَلِف بجانبه، ثم أشار إلى مساحةٍ دائرية خالية وسط القاعة، وقد ارتعشت عضلات وجهه. “بحسب خبرتي، حين يبلغ القوم ذروة السُّكر، فلن يكون مستغربًا أن يبدأ اثنان من الأجلاف هناك… بالن*ك بعنف.”

“لتختبره ريح الشمال، ولتُصقل عزيمته الثلوج!

عند سماعه بيوتراي يسب لأول مرة، عقد تاليس حاجبيه. “أترى من اللائق أن تُستعمل هذه الألفاظ أمام الأمير؟”

“نحن في إكستيدت، في أرض الشمال.” نظر إليه بيوتراي، الأنيق الثياب، بنظرة ازدراء. “حتى في المآدب، هم يكرهون دمى الفتية المتأنّقين والرخويـن… إن رغبت حقًّا في ارتدائها، فأخشى أنك ستصبح المرشّح الأول للقب أكبر مهرّج في المأدبة.”

“علينا أن نراعي عادات البلدان التي نزورها. منذ سنين طويلة، رأيت حتى أميرةً من إكستيدت تقف في الشوارع وتطلق كل صنوف السِّباب بألفاظ مثل ’نيـ…’ و’قـ…’.” هزّ بيوتراي رأسه. “ثمّ إنك—على الرغم من كونك أميرًا—تبدو معتادًا تمامًا على هذا النوع من الكلام.”

“إذًا، هذا هو الأمير الذي لا يزال يشتمّ منه رائحة حليب أمّه؟”

“آه، بوصفي أمير مملكتكم، تمامًا كما تصوّر الأغاني والأساطير أمراءها الموقّرين، فقد خبرتُ معاناة الشعب، فازدَدْتُ فضيلةً ورقّة.”

عرف تاليس هذا الشعور. آخر مرة خَبِره كانت في مدينة النجم الأبدي، أثناء المؤتمر الوطني في قاعة النجوم.

أطلق بيوتراي شخيرًا خافتًا يحمل عدم اكتراث. ثم بلغوا أخيرًا نهاية الطاولات الطويلة.

أخرج تاليس لسانه ووضع السترة جانبًا.

وكان أعلاهم رتبةً من الحاضرين حولهم هو الآرشيدوق أولسيوس.

وحين تجاوزوا منتصف القاعة، لاحظ—كما توقّع—أن ’جودة’ نبلاء الشمال ترتفع كلّما علت مكانتهم. قلت الحركات الفظّة بدرجة كبيرة. لكنّ عدد المتبادلين للنظرات الصامتة، والمتماسّين بالهمسات الخفية، ارتفع ارتفاعًا هائلًا.

“لا موسيقى ولا شعراء، لا مهرّجون ولا عروض هزلية، لا نساء جميلات، لا خادمات ممتلئات، لا خنازير تُشوى على النار، لا مبارزات بين الرجال الأقوياء، لا احتفال مع العامة في خيام تمتدّ خارج الأسوار.” تمتم الآرشيدوق أولسيوس بغضب وهو يخاطب الأسياد من حوله. ثمّ استدار وصاح باتجاه الملك نوڤين.

استدار تاليس ونظر إلى الملك نوڤين—الذي فقد ابنه للتو—وقد نهض من مقعده، رافعًا كأسه عاليًا، ثم خاطب الجمع بصوت جهوري:

“أيّ مأدبةٍ بحقّ الجحيم هذه؟”

تابع تاليس السير نحو نوڤين السابع دون أن يلتفت. كان الرجل يرمقه بنظرةٍ عصيّة على التفسير.

ولدهشة تاليس، ردد كثيرٌ من نبلاء الشمال صيحته دفعةً واحدة، واحتجّوا على الملك نوڤين.

شعر تاليس بالذهول مجددًا.

(هذا يبدو كالسوق الرطبة.) زفر تاليس. وتذكّر فجأة أنّه شعر بالأمر ذاته في المؤتمر الوطني، فبُهِت في يأس.

بلغ ارتفاع القاعة سبعة أو ثمانية أمتار، وامتلأت بالمشاعل النارية المثبّتة على حوامل على امتداد الممر، وكانت تتّقد فتضيء القصر كأنه نهار.

غير أنّ الملك نوڤين لم يُبدِ أيّ ردّة فعل، بل حدّق ببرود في الفوضى التي أحدثها النبلاء.

“آه، بوصفي أمير مملكتكم، تمامًا كما تصوّر الأغاني والأساطير أمراءها الموقّرين، فقد خبرتُ معاناة الشعب، فازدَدْتُ فضيلةً ورقّة.”

فجأة، دوّى صوتٌ جهوري ساخر من طاولة طويلة أخرى، يردّ على أولسيوس.

(ما اللعنة… ما هذا النخب؟)

“أولًا، إنّ يوم ما قبل الشتاء القارس يقترب. وباستثناء مجانين مثل لامبارد، يعيش كل الشماليين باقتصاد ويخزنون الطعام استعدادًا للشتاء. ثم…” ضيّق الآرشيدوق ترينتيدا—ذا التسريحة المستديرة—عينيه ونهض. وحدّق من بعيد بالأمير القَلِق تاليس.

بل إنّ نَفَس وايا قد انقطع وهو خلف تاليس.

“غرض هذه المأدبة هو الترحيب بالأمير غير المرحَّب به… أمير الكوكبة!”

ثبت الآرشيدوقات الخمسة أبصارهم عليه ورفعوا كؤوسهم… وكانت تعابيرهم شتى.

واحدًا تلو آخر، نهض النبلاء إلى جواره وأطلقوا صيحات استهجان نحو تاليس.

الخدم يذهبون ويأتون بالأطباق، والنبلاء الفظّون يتجادلون بوجوه محتقنة، وبعض الضيوف يشربون حتى يحمرّوا. وكان ثمة نبلاء سكيرون يتحججون بالسكر ليلمسوا مؤخرات الخادمات، فتدوي القاعة بالهتاف.

تجهم وجه تاليس وبقية وفد الكوكبة في اللحظة ذاتها.

وحين تجاوزوا منتصف القاعة، لاحظ—كما توقّع—أن ’جودة’ نبلاء الشمال ترتفع كلّما علت مكانتهم. قلت الحركات الفظّة بدرجة كبيرة. لكنّ عدد المتبادلين للنظرات الصامتة، والمتماسّين بالهمسات الخفية، ارتفع ارتفاعًا هائلًا.

“وأخيرًا، ريبيين أولسيوس، ما دمتَ تعيش في قصر غيرك، وتأكل وتشرب ممّا يملكون… هه، وربما حتى تضاجع ممّا يملكون”—ألقى الآرشيدوق ترينتيدا نظرة نحو خادمة ممتلئة الردفين وارتسم على شفتيه ابتسامٌ ذو مغزى—”فالأجدر بك ألا تنتقد ترتيبات المضيف.”

وفي تلك اللحظة، تجمّد تاليس تمامًا.

أطلق عدد من نبلاء الشمال ضحكات مبطّنة. وهزّ أولسيوس رأسه باحتقار وجلس مجددًا.

بلغ تاليس أخيرًا المكان الذي يجلس فيه الملك نوڤين. فانحنى قليلًا.

بلغ تاليس أخيرًا المكان الذي يجلس فيه الملك نوڤين. فانحنى قليلًا.

كانت أمامه… عجوز طيبة الملامح ترتدي رداءً أحمر.

حدّق الملك نوڤين مليًّا في تاليس. كانت عيناه الداكنتان الخضراوان ممتلئتين بانفعالات معقدة، ما جعل الاضطراب يدبّ في نفس تاليس.

عرف تاليس هذا الشعور. آخر مرة خَبِره كانت في مدينة النجم الأبدي، أثناء المؤتمر الوطني في قاعة النجوم.

فمنذ دخوله إكستيدت، كان كل سيّدٍ صادفه ليس بالشخص الهيّن—من الآرشيدوق لامبارد، إلى الفيكونت كينتفيدا، وحتى الآرشيدوقات الخمسة الحاضرين اليوم. ومع ذلك، وبعد ما خاضه من محن، استطاع تاليس أن يواجه عداوتهم، وترهيبهم، وضغطهم، وحتى نياتهم القاتلة…

“من أجل إكستيدت!”

…لأنّ تاليس كان يعرف تمامًا ما يريدونه.

أما وايا، فكان أكثر هدوءًا، وكأنه مرّ بمثل هذه المناسبات من قبل.

الشخص الوحيد الذي لم يستطع فهمه… هو هذا الملك العجوز الواقف على قمّة سلطة إكستيدت.

وللحظة، لاحظ تاليس أنّ وجه بيوتراي قد ازدادت حدّته، وجسده قد صار متخشّبًا وهو يحدّق بالعجوز أمامهم.

وعلى الرغم من قلّة الكلمات التي تبادلاها، لم يستطع تاليس منع القشعريرة التي سرَت في جسده من تلك الأحاسيس الغريبة التي كانت تُطلّ من عيني الملك، وكيف أجبره على المشاركة في انتقامه، وكيف تصرّف في قاعة الاجتماع.

تجوّل نظر تاليس في القاعة بعبوس. وبسبب قصر قامته، لم يستطع رؤية آخر القاعة، فكان بيوتراي هو من شرح له بصوت منخفض ما يجري.

فاللامتوقّعون… مخيفون دائمًا.

“الواقفون عند آخر القاعة هم من أمثال نبلاء الطبقة الدنيا، تابعو الأسياد، الفرسان ذوي المناقب، والبيروقراطيين المدعوين.” همس بيوتراي بتذكير هادئ. “ذاك المتأنّق هناك على يسارك ليس سوى خادم مكلّف بتقديم الطعام. وذاك خلفك، على يمينك، الواقف في الزاوية، يبدو كعبد، لكنّه ضابط ’أوزّينغ’ المسؤول عن شوي اللحم. إنّه لقب شرفي عريق لا يُمنح إلا للتابعين المقربين الذين يأتمنهم أسيادهم.”

نهض الملك نوڤين ببطء ورفع يده مُشِيرًا إلى قائد حرّاس النصل الأبيض، نيكولاس.

جلس الآرشيدوقات الخمسة على رؤوس الموائد الخمسة. آرشيدوق أولسيوس بلحيته الكثيفة بقي ثابت النظرة، يقلب كأسه بشرود، وأغلب من حوله من فرسان العائلة وسادة تابعين يحملون شعار دائرة داخل مثلث. أما آرشيدوق ترينتيدا ذو تسريحة الدائرة، فكان يضحك مع أتباعه بمهارة اجتماعية واضحة. والآرشيدوق الأصلع ليكّو جلس مع مركيز شيليس من اتحاد كاموس يستمعان لبعضهما ببطء. وأما آرشيدوق روكني الطويل الشعر، فبدا شديد الصرامة كعادته، يشعّ منه برد غريب؛ لم يجرؤ أحدٌ على الاقتراب منه، وخدمه يعيدون ملء طعامه وشرابه كل حين. وعلى المائدة الأخيرة جلس الآرشيدوق الشاب بوفريت، يرفع كأسه مبتسمًا لعدد من الدوقات والأتباع، الذين يهزون رؤوسهم مرارًا، ثم يشربون كؤوسهم دفعة واحدة.

أومأ نيكولاس وتقدّم نحو تاليس. “تفضّل بالجلوس. مقعدك هو الأخير إلى يسار الملك نوڤين.”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

استدار تاليس ونظر إلى المقعد في آخر الطاولة الطويلة، ذلك المقعد الذي لم يُعره أحد اهتمامًا.

تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:

(على الرغم من أنه في صف الملك… إلا أنه بعيد جدًا عنه. يكاد يكون في الزاوية.)

“إن كنّا سنمضي في المعركة، فذلك لن يكون قبل الربيع…”

خلفه، تنهد بيوتراي. فهزّ تاليس كتفيه ومضى دون اكتراث إلى مقعده، وتَبِعه رالف ووايا عن كثب.

“أغلب النبلاء قد جلسوا في أماكنهم. الملك نوڤين ينتظر وصولك.” قال ميرك بهدوء.

لكن قبل أن يتسنّى له الجلوس براحة، ارتفع في القاعة صوتٌ هرِم، غريبٌ ومألوف في آن.

“اهدأ، اهدأ. لقد بدأوا المأدبة باكرًا ولم يكلّفوا أنفسهم حتى ترتيب المقاعد. لا داعي لأن ترتبك أو تأخذ الأمر بجدية فائقة.” قال بيوتراي وهو يتنهّد أمام قلق الأمير. “لا يهمّ أيّ ملامح ترتدي. الآن، أنت لست سوى راية تُدعى ’الكوكبة’.”

“ارفعوا كؤوسكم جميعًا!”

دخل رالف، متكئًا أكثر فأكثر على أطرافه المعدنية. بدا أن هذه أول مرة يحضر فيها مثل هذه المآدب. حتى مع القناع الفضي، كان الشحوب بادياً على وجهه.

استدار تاليس مذهولًا. وبجواره، بقي بيوتراي متماسكًا. وبخبرته الواسعة، ناول تاليس كأسًا معدنيًا من الجعة السوداء.

ابتسم تاليس ابتسامة ودّية تنم عن تفهّم.

“نخبٌ…” قاله الدبلوماسي النحيل ببرود.

أما وايا، فكان أكثر هدوءًا، وكأنه مرّ بمثل هذه المناسبات من قبل.

استدار تاليس ونظر إلى الملك نوڤين—الذي فقد ابنه للتو—وقد نهض من مقعده، رافعًا كأسه عاليًا، ثم خاطب الجمع بصوت جهوري:

خلفه، تنهد بيوتراي. فهزّ تاليس كتفيه ومضى دون اكتراث إلى مقعده، وتَبِعه رالف ووايا عن كثب.

“لنرحّب جميعًا بضَيفنا… الأمير الثاني للكوكبة، تاليس جيدستار!”

بل إنّ كثيرًا من الخدم والحراس المتمركزين، وحتى أفراد حرّاس النصل الأبيض، نظروا إليه.

هدأت القاعة التي كانت تغلي قبل لحظات.

فاللامتوقّعون… مخيفون دائمًا.

وابتعد الملك عن مقعده وتقدّم نحو مقدّمة القاعة… كأسد يخرج من عرينه بخطى مهيبة إلى أرضٍ تتبع قطيعًا آخر.

واحدًا تلو آخر، نهض النبلاء إلى جواره وأطلقوا صيحات استهجان نحو تاليس.

ثبت الآرشيدوقات الخمسة أبصارهم عليه ورفعوا كؤوسهم… وكانت تعابيرهم شتى.

“أيّ مأدبةٍ بحقّ الجحيم هذه؟”

“لتختبره ريح الشمال، ولتُصقل عزيمته الثلوج!

“سبعة أعوام؟ أهذه مزحة؟”

“ولأسباب تعرفونها جميعًا، لا أستطيع أن أستقبله بقلبٍ سعيد.” قال الملك نوڤين وهو يجول بنظره، وصوته مفعم بصرامة باردة. “لكن… ما دام قد وصل إلى هنا…”

بادلها تاليس ابتسامة لطيفة، وإن كان تائهًا تمامًا عمّا يحدث.

أصغى النبلاء في هدوء لملكهم. وكان كثيرٌ منهم يحدّقون في تاليس.

خلفه، تنهد بيوتراي. فهزّ تاليس كتفيه ومضى دون اكتراث إلى مقعده، وتَبِعه رالف ووايا عن كثب.

“فلا ينبغي لأحد أن يشكّ في كرم الشماليين، ولا في صلابة الإكستيدتيين. حتى لو كان ذلك الشخص عدوّنا اللدود!” طرق الملك نوڤين على كأسه. وانعكس على وجهه المليء بالتجاعيد شيءٌ من الهيبة، بل وبعضٌ من شراسة شبابه الغابر.

“فلا ينبغي لأحد أن يشكّ في كرم الشماليين، ولا في صلابة الإكستيدتيين. حتى لو كان ذلك الشخص عدوّنا اللدود!” طرق الملك نوڤين على كأسه. وانعكس على وجهه المليء بالتجاعيد شيءٌ من الهيبة، بل وبعضٌ من شراسة شبابه الغابر.

“حتى لو تقاتلنا حتى الموت غدًا… فيجب أولًا أن نُكرم التقليد!”

تنفّس الأمير الثاني بعمق. ورغم نظرات بيوتراي المتحيرة وعبوس وايا المشدود، رد تاليس بدوره:

تعلّقت الأبصار به. ولوّح الملك بكأسه وزأر بغضب:

وابتعد الملك عن مقعده وتقدّم نحو مقدّمة القاعة… كأسد يخرج من عرينه بخطى مهيبة إلى أرضٍ تتبع قطيعًا آخر.

“من أجل إكستيدت!”

ابتسم تاليس ابتسامة ودّية تنم عن تفهّم.

وفي تلك اللحظة، رفع كل من في القاعة كؤوسهم وصاحوا بصوت واحد:

وقبل أن يُكمل بيوتراي كلامه، شحب وجهه، كما لو أنّ التنفّس صار عبئًا عليه، وتمتم: “سماحتكِ… أيتها الساحرة الحمراء؟”

“من أجل إكستيدت!”

“من أجل إكستيدت!”

رمقهم الملك بنظرة حادّة، ثم صرخ مجددًا:

لزم تاليس الصمت.

“من أجل الشمال!”

بعد قرابة شهر من الضغوط، لم يعد لدى تاليس قوّة ليأبه لأي شيء آخر. من “المنازل المهجورة” و”سوق الشارع الأحمر”، إلى “قاعة مينديس” و”قصر النهضة”، ثم من “حصن التنين المحطّم” إلى “مدينة سحب التنين”، لم يحصل الأمير الثاني المتوَّج حديثًا على فرصة لينام في سريره كما ينبغي. لقد زُجّ به في عربة النبلاء، وحمل عبء كونه أميرًا، وواجه تحديات لم يعهدها من قبل.

فانطلقت هتافات الجموع: “من أجل الشمال!”

دحرج تاليس عينيه وتظاهر بالعجز: “لا حاجة لأن تذكرني… فقد تبيّن لي ذلك.”

وترددت الصرخات الهادرة في القاعة كأمواجٍ لا تُرد. ثم شرب الملك جعته دفعة واحدة.

وفي تلك اللحظة، تجمّد تاليس تمامًا.

وتحوّلت وجوه النبلاء إلى مسحةٍ من الجديّة، وراحوا يشربون، وتعالت آنذاك أصوات الارتشاف والتنهّد في القاعة.

“لنرحّب جميعًا بضَيفنا… الأمير الثاني للكوكبة، تاليس جيدستار!”

عقد تاليس حاجبيه. ممسكًا بالكأس المعدني الثقيل، أرغم نفسه على احتساء رشفة… تحت نظرات عددٍ غير قليلٍ من الواقفين خلفه.

تجمّد قلب تاليس. فقد قرأ الرسالة خلف تلك النظرة. وعرف أنّ الملك نوڤين لم يرد له بأيّ حال أن يستمتع بالوليمة.

وبعد أن أنهى الملك مشروبه، استدار وصفع كأسه على الطاولة الطويلة بوجهٍ يشتعل غضبًا.

“لو كنت في الكوكبة الآن، لوجب عليك الانتظار حتى يرسل السيّد من يقودك إلى مقعدك. لكنّ هذه إكستيدت.” نظر بيوتراي إلى القاعة الفوضوية وهو يقطّب جبينه. بدا أنّ كثيرًا من الضيوف قد فقدوا فضولهم، وبعضهم عاد إلى التهام ما قُدّم أمامه. “لذا، لا تتوقّع الكثير من الرسميات. تقدّم إلى مقعدك دون أن تلتفت. أظنّ أنه سيكون ذاك الذي بجوار الملك نوڤين.”

دَقّ!

فمنذ دخوله إكستيدت، كان كل سيّدٍ صادفه ليس بالشخص الهيّن—من الآرشيدوق لامبارد، إلى الفيكونت كينتفيدا، وحتى الآرشيدوقات الخمسة الحاضرين اليوم. ومع ذلك، وبعد ما خاضه من محن، استطاع تاليس أن يواجه عداوتهم، وترهيبهم، وضغطهم، وحتى نياتهم القاتلة…

وفعل النبلاء الأمر ذاته دفعة واحدة.

أخرج تاليس لسانه ووضع السترة جانبًا.

دَق! دَق! دَق!

وللحظة، لاحظ تاليس أنّ وجه بيوتراي قد ازدادت حدّته، وجسده قد صار متخشّبًا وهو يحدّق بالعجوز أمامهم.

رفع الملك نوڤين رأسه وزأر تحت نظرات الجمع:

عند سماعه بيوتراي يسب لأول مرة، عقد تاليس حاجبيه. “أترى من اللائق أن تُستعمل هذه الألفاظ أمام الأمير؟”

“هيا! كلوا! اشربوا! قاتلوا! ناكحوا! افعلوا ما يحلو لكم!”

“غرض هذه المأدبة هو الترحيب بالأمير غير المرحَّب به… أمير الكوكبة!”

وفي تلك اللحظة، تجمّد تاليس تمامًا.

أطلق بيوتراي شخيرًا خافتًا يحمل عدم اكتراث. ثم بلغوا أخيرًا نهاية الطاولات الطويلة.

(ما اللعنة… ما هذا النخب؟)

وبأعجوبة، جعلت كلمات بيوتراي تاليس ينسى توتره من أجل المأدبة المقبلة، وبدأ يركز على الوضع الراهن.

كانت ملامح نوڤين السابع متّقدة بالحماسة. وبصوتٍ جهير مسنودٍ بلهجة شمالية، صرخ بكل القاعة باللغة المشتركة:

حدّق الملك نوڤين مليًّا في تاليس. كانت عيناه الداكنتان الخضراوان ممتلئتين بانفعالات معقدة، ما جعل الاضطراب يدبّ في نفس تاليس.

“اشربوا حتى تستلقوا، أو تتدحرجوا، أو تنبطحوا، أو تزحفوا، أو تُحملوا خارج قصري!

دحرج تاليس عينيه وتظاهر بالعجز: “لا حاجة لأن تذكرني… فقد تبيّن لي ذلك.”

“يا اولاد الزانية!”

كان نبلاء الشمال مختلفين اختلافًا بالغًا عن نظرائهم في الكوكبة. ففي قاعة النجوم، كان النبلاء دائمًا ما يتصرّفون بأناقة، حتى نبلاء القرى الجالسون على الأطراف كانوا يحاولون جاهدين أن يظهروا بمظهر المتحضّر—سلوكًا ولباسًا. وهذا ما جعل عشائر الأقاليم الشمالية الثلاثة الكبرى، بقيادة آروند، وفريس، وزيمونتو، ومن معهم من نبلاء، يبدون واضحين تمام الوضوح بينهم.

وبُعيد ثانيةٍ واحدة، دوّت صرخة مماثلة متّقدة من كل ضيف في القاعة، كهدير موجٍ ينفجر داخل أرجاء المأدبة.

الفصل 139: مأدبة ترحيب فريدة

ولوّح عددٌ كبير من رجال الشمال بقبضاتهم، وزأروا كالحيوانات الوحشية دعمًا لوليمة الملك.

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

عاد الضيوف إلى التناوُل والشراب، وفاض المكان بالسكر والتهليل.

وبالمقارنة مع الكوكبة التي تُعلي من شأن البروتوكولات والآداب في كل شيء، لم يكن في قاعة المأدبة هذه حتى سجّادة. وأثناء مشيه فوق البلاط غير المتساوي، شعر وكأنه عاد إلى “المنازل المهجورة”.

عاد الضجيج إلى القاعة، أعنف مما كان. وتعالت أصوات البشر حتى كادت تصمّ الآذان.

كانت ملامح نوڤين السابع متّقدة بالحماسة. وبصوتٍ جهير مسنودٍ بلهجة شمالية، صرخ بكل القاعة باللغة المشتركة:

همس بيوتراي قرب أذن تاليس: “نخبٌ فريد… هذه إحدى خصائص الشمال.”

وبدا أنّ الملك لاحظ أنّ تاليس ينظر إليه، فمرّ بصره العتيق الحاد على تاليس مخترقًا اياه.

دحرج تاليس عينيه وتظاهر بالعجز: “لا حاجة لأن تذكرني… فقد تبيّن لي ذلك.”

بدأت مأدبة الترحيب في إكستيدت قبل أن تغيب الشمس تمامًا.

وفي تلك اللحظة، استدار الملك نوڤين فجأة وهو عائد إلى مقعده، وألقى نظرةً عميقة على تاليس.

“أغلب النبلاء قد جلسوا في أماكنهم. الملك نوڤين ينتظر وصولك.” قال ميرك بهدوء.

تجمّد قلب تاليس. فقد قرأ الرسالة خلف تلك النظرة. وعرف أنّ الملك نوڤين لم يرد له بأيّ حال أن يستمتع بالوليمة.

مرورًا بالطاولات الطويلة، سمع همساتٍ خافتة، وكان لحسّه السمعي الجيّد فائدة جليّة في تلك اللحظة.

لكن قبل أن يدير رأسه ليكلّم رفاقه، باغته زائر غير متوقّع وقف أمام مقعده، جاء لزيارة الأمير الثاني للكوكبة.

“غرض هذه المأدبة هو الترحيب بالأمير غير المرحَّب به… أمير الكوكبة!”

حدّق تاليس مدهوشًا.

“نحن في إكستيدت، في أرض الشمال.” نظر إليه بيوتراي، الأنيق الثياب، بنظرة ازدراء. “حتى في المآدب، هم يكرهون دمى الفتية المتأنّقين والرخويـن… إن رغبت حقًّا في ارتدائها، فأخشى أنك ستصبح المرشّح الأول للقب أكبر مهرّج في المأدبة.”

كانت أمامه… عجوز طيبة الملامح ترتدي رداءً أحمر.

“من أجل إكستيدت!”

“مساؤك بخير، أيها الأمير تاليس.” حدّقت فيه بعينيها الضيقتين. كان صوتها رقيقًا للغاية، وابتسامتها دافئةً تُسكّن القلوب. “اسمي كالشان.”

جلس الآرشيدوقات الخمسة على رؤوس الموائد الخمسة. آرشيدوق أولسيوس بلحيته الكثيفة بقي ثابت النظرة، يقلب كأسه بشرود، وأغلب من حوله من فرسان العائلة وسادة تابعين يحملون شعار دائرة داخل مثلث. أما آرشيدوق ترينتيدا ذو تسريحة الدائرة، فكان يضحك مع أتباعه بمهارة اجتماعية واضحة. والآرشيدوق الأصلع ليكّو جلس مع مركيز شيليس من اتحاد كاموس يستمعان لبعضهما ببطء. وأما آرشيدوق روكني الطويل الشعر، فبدا شديد الصرامة كعادته، يشعّ منه برد غريب؛ لم يجرؤ أحدٌ على الاقتراب منه، وخدمه يعيدون ملء طعامه وشرابه كل حين. وعلى المائدة الأخيرة جلس الآرشيدوق الشاب بوفريت، يرفع كأسه مبتسمًا لعدد من الدوقات والأتباع، الذين يهزون رؤوسهم مرارًا، ثم يشربون كؤوسهم دفعة واحدة.

بادلها تاليس ابتسامة لطيفة، وإن كان تائهًا تمامًا عمّا يحدث.

“فكّر أولًا في شؤون الليلة الرسمية.” بدا أنّ بيوتراي غير معتاد على تبغ الشمال الخشن، فقد قال بصعوبة وهو يسعل: “كح… كح… اللعنة، لقد جلبوا لي تبغًا رديئًا.”

لكن قبل أن يجيب، تكلّم بيوتراي من جانبه: “أعذرينا يا سيدتي، هل لكِ مطلبٌ خاص عندنا؟”

“أغلب النبلاء قد جلسوا في أماكنهم. الملك نوڤين ينتظر وصولك.” قال ميرك بهدوء.

وللحظة، لاحظ تاليس أنّ وجه بيوتراي قد ازدادت حدّته، وجسده قد صار متخشّبًا وهو يحدّق بالعجوز أمامهم.

عرف تاليس هذا الشعور. آخر مرة خَبِره كانت في مدينة النجم الأبدي، أثناء المؤتمر الوطني في قاعة النجوم.

بل إنّ نَفَس وايا قد انقطع وهو خلف تاليس.

“فلا ينبغي لأحد أن يشكّ في كرم الشماليين، ولا في صلابة الإكستيدتيين. حتى لو كان ذلك الشخص عدوّنا اللدود!” طرق الملك نوڤين على كأسه. وانعكس على وجهه المليء بالتجاعيد شيءٌ من الهيبة، بل وبعضٌ من شراسة شبابه الغابر.

وقفز سؤال في ذهن تاليس: (يبدو أنّهما يعرفان… هذه العجوز—كالشان.)

وبخلاف ممرات الطوابق الأخرى المليئة بالغرف، لم يكن في هذا الطابق إلا زوج من الأبواب الخشبية السميكة في منتصف الممر. الخدم يتحركون جيئة وذهابًا بوجوه متهللة؛ بعضهم يحمل الأطباق، والآخر يحضر براميل الجِعَة.

وقبل أن يُكمل بيوتراي كلامه، شحب وجهه، كما لو أنّ التنفّس صار عبئًا عليه، وتمتم: “سماحتكِ… أيتها الساحرة الحمراء؟”

لم يفقد رباطة جأشه قط أمام الأسلحة، والجنود، وأفراد عشيرة الدم، والصوفيين، لكنه الآن أحسّ فجأة بشيء من التوتر.

(ساحرة… حمراء؟) حدّق تاليس في العجوز الطيبة مذهولًا. (ساحرة؟ ما هذا بحق…؟)

“هيا! كلوا! اشربوا! قاتلوا! ناكحوا! افعلوا ما يحلو لكم!”

“أوه، إنها بعض مشاعري فحسب. لقد جئت خصيصًا لأسألك سؤالًا يا صاحب السمو.” أضاقت كالشان عينَيها أكثر وهزّت رأسها قليلًا، كأنّها تشعر ببعض الإحراج. “كيف حال ابني مؤخرًا… في الكوكبة؟”

ابتسم تاليس ابتسامة ودّية تنم عن تفهّم.

(ابنها؟)

وللحظة، لاحظ تاليس أنّ وجه بيوتراي قد ازدادت حدّته، وجسده قد صار متخشّبًا وهو يحدّق بالعجوز أمامهم.

شعر تاليس بالذهول مجددًا.

وحين تجاوزوا منتصف القاعة، لاحظ—كما توقّع—أن ’جودة’ نبلاء الشمال ترتفع كلّما علت مكانتهم. قلت الحركات الفظّة بدرجة كبيرة. لكنّ عدد المتبادلين للنظرات الصامتة، والمتماسّين بالهمسات الخفية، ارتفع ارتفاعًا هائلًا.

“آه…” استخدم الأمير الثاني الابتسامة المثالية التي تعلّمها من ذاك الدوق الشاب، وقال بلطف: “لعلّني أعرف… مَن يكون ابنكِ؟”

هدأت القاعة التي كانت تغلي قبل لحظات.

ابتسمت الساحرة الحمراء كالشان بودّ.

“علينا أن نراعي عادات البلدان التي نزورها. منذ سنين طويلة، رأيت حتى أميرةً من إكستيدت تقف في الشوارع وتطلق كل صنوف السِّباب بألفاظ مثل ’نيـ…’ و’قـ…’.” هزّ بيوتراي رأسه. “ثمّ إنك—على الرغم من كونك أميرًا—تبدو معتادًا تمامًا على هذا النوع من الكلام.”

“آه! يا لي من ضعيفةّ الذاكرة. لقد نسيت تمامًا أن اقول اسمه. إنّ ابني معروف في الكوكبة باسم…”

الشخص الوحيد الذي لم يستطع فهمه… هو هذا الملك العجوز الواقف على قمّة سلطة إكستيدت.

وفي اللحظة التالية، وتحت نظرات تاليس الحائرة، بدأت العجوز كالشان تفرك يديها بلا توقف، كأنها ترتجف من البرد، ثم…

وبالمقارنة مع الكوكبة التي تُعلي من شأن البروتوكولات والآداب في كل شيء، لم يكن في قاعة المأدبة هذه حتى سجّادة. وأثناء مشيه فوق البلاط غير المتساوي، شعر وكأنه عاد إلى “المنازل المهجورة”.

نطقت اسمًا قلب ملامح تاليس رأسًا على عقب:

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“يودل… يودل كاتو.”

“إن كنّا سنمضي في المعركة، فذلك لن يكون قبل الربيع…”

▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬

“أوه، إنها بعض مشاعري فحسب. لقد جئت خصيصًا لأسألك سؤالًا يا صاحب السمو.” أضاقت كالشان عينَيها أكثر وهزّت رأسها قليلًا، كأنّها تشعر ببعض الإحراج. “كيف حال ابني مؤخرًا… في الكوكبة؟”

فصل غريب… جدا

أومأ مرافق تاليس بجدية. “يا صاحب السمو، كل شيء جاهز.”

أما وايا، فكان أكثر هدوءًا، وكأنه مرّ بمثل هذه المناسبات من قبل.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط