سر 'النصر'
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“نعم. وأظنّ أنّ موت والدي بعد ذلك بعام يعود جزئيًا إلى ميدير.” ابتسم الملك نوڤين.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ارتبك تاليس.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“نوابغٌ في عائلة جيدستار؟” سأل تاليس بحدّة، “مَن أيضًا؟”
Arisu-san
ولم يبقَ سوى ظلَّين اثنين، أحدهما أكبر من الآخر، يجلسان جنبًا إلى جنب على درجاتٍ في جانب القاعة.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
“وفي النهاية، تراجع الملكان خطوة، ووقّعا أول معاهدة بين المملكتين، متعهّدَين بحكم الشمال والجنوب كلٌّ في مجاله، دون أن يعيق أحدهما توسّع الآخر.
الفصل 154: سر ‘النصر’
“كان موت ميدير مأساة… لطالما تساءلتُ: أيّ ملك كان سيصبح؟” تنهد الملك، ثم نظر مباشرة إلى تاليس. “غير أنّ الأمر ما زال ممكنًا بالنسبة إليك… واحتماله عظيم.”
….
(لا يعقل…) لم يدر تاليس ما الذي ينبغي أن تبدو عليه ملامحه، ولا ما آل إليه وجهه أصلًا. كل ما استطاع فعله هو التحديق بالملك.
غادر الجميع قاعة الاجتماع.
ربما كان السبب أنّ نوڤين قتل أحدهم بيديه قبل قليل، أو لأنّ هذا الملك العجوز لا يمكن التنبؤ به—فقد فقد جميع أقربائه ويعيش عزلة كاملة. وربما أيضًا لأن—
ولم يبقَ سوى ظلَّين اثنين، أحدهما أكبر من الآخر، يجلسان جنبًا إلى جنب على درجاتٍ في جانب القاعة.
“بعض الإشارات في الوقت المناسب…” هزّ الملك نوڤين رأسه بلا مبالاة. “يبدو أنّها كانت فعّالة للغاية.”
شعر تاليس ببعض القلق. (ما نيّة هذا الشيخ حين استبقاني هنا؟ أيمكن حقًّا أن يكون كل ما يريده هو «أن يحتسي شرابًا»؟)
ضحك الملك نوڤين ضحكة خافتة، وبدت على وجهه لمسة حنين.
ورغم عباءة القطن الثقيلة فوق كتفيه، كان الملك نوڤين يُظهر بوضوح ملامح عضلاته تحتها، وإن كان جلده قد تجعّد. وبوجهٍ متجهم، رمق الضمادات الملفوفة على جسده، ورفع كأس الخمر.
حدّق في الخاتم مذهولًا. سالت إلى ذهنه فكرة مُفزعة. ثم جاءت كلمات الملك لتثلج ظهره برعب بارد.
“لقد شخت.” ارتشف الملك نوڤين جرعة من الشراب، وحرّك ذراعه اليسرى بانقباضٍ مؤلم. “في الماضي، كنت أستطيع الصمود في معركةٍ بهذه الحِدّة يومًا وليلة، أمّا الآن…”
دهش تاليس للحظة. (البيغاسوس… العائلة الإمبراطورية؟ كارلوس؟)
زفر الملك العجوز ببرودٍ ساخر، وشرب ما بقي في الكأس. ولم ينطق تاليس بكلمة، إذ كان يجاهد لتهدئة أنفاسه.
“نوابغٌ في عائلة جيدستار؟” سأل تاليس بحدّة، “مَن أيضًا؟”
لم يكن ذلك لكونه لم يجلس قط منفردًا مع حاكم مملكة؛ ففي الحقيقة، كان والده بالاسم، ملك الكوكبة كيسل، يمارس عليه ضغطًا أشدّ حين يكون معه وحيدًا. غير أنّ تاليس شعر بعدم ارتياحٍ غريب وهو يجلس إلى جانب الملك نوڤين، لا سيما مع ذلك العطر… مزيجٌ من الدواء والدم.
“هل نسيتُ أن أخبرك؟ لقب مؤسس الإمبراطورية الأخيرة، كيسل السادس، كان…”
ربما كان السبب أنّ نوڤين قتل أحدهم بيديه قبل قليل، أو لأنّ هذا الملك العجوز لا يمكن التنبؤ به—فقد فقد جميع أقربائه ويعيش عزلة كاملة. وربما أيضًا لأن—
“لنفترض أن متبارِيَينِ بلغا حدّ الجمود…”
“خطتك شديدة المجازفة.” قطع الملك نوڤين سلسلة أفكار تاليس. ملأ كأسًا آخر من برميل الخمر، وبصوته العتيق قال ببطء: “لو كان الجاني—لو كان بوفريت حاضرًا وواجه هذا الموقف، لبقي ساكنًا، لا يُظهر أدنى ردّة فعل. ماذا كنتَ ستفعل عندها؟”
وانقضت ثوانٍ قليلة.
زفر تاليس. (وماذا الآن؟)
“قبل أكثر من ستّمئة عام، حين تأسّست إكستيدت والكوكبة لأول مرة، وبسبب الأساليب الوحشية التي اتّبعها الملك تورموند تجاه بقايا نبلاء الإمبراطورية القديمة أثناء توسّع مملكته، اندلع أول صدام بين إكستيدت والكوكبة.” ارتفع صوت الملك نوڤين آتيًا من بُعدٍ سحيق.
“ما زال هناك مخرج.” حاول أمير الكوكبة أن يرسم ابتسامةً دافئة. “ستحتاج إلى إعلانٍ للآرشيدوقات بأنك تنوي اصطحابهم لمقابلة تشابمان لامبارد بصدق وصراحة، وأنك تعتزم دفن العداوة معه. أعتقد أنّ الجاني لن يرغب بفعل ذلك؛ فهو يعلم أنّك حين تجمع معلوماتك مع لامبارد، سيكون ذلك كافيًا لدفعه إلى الزاوية.”
“هل نسيتُ أن أخبرك؟ لقب مؤسس الإمبراطورية الأخيرة، كيسل السادس، كان…”
أدار الملك نوڤين الكأس بين أصابعه، يستمع صامتًا.
استعاد تاليس مواقف غيلبرت والسيدة جينيس تجاه الابن الأكبر للملك الراحل، ذلك الأمير الحكيم الذي تغنّى الجميع بفضله. وفي الوقت ذاته، تذكّر كلمات دوق الإقليم الشمالي، آروند، في قصر النهضة عن ميدير.
“بالطبع، لم نكن مضطرين للمخاطرة. كان بوسعنا نصب فخٍ بطيء، وتمرير هاتين المعلومتين إلى الآرشيدوقات شيئًا فشيئًا.” هزّ تاليس كتفيه. “لكن لم يكن لدينا خيار. الماركيز شيلس بامرا أبلغني أنّ اثنين من الآرشيدوقات سيغادرون صباحًا. لا نملك سوى ليلة واحدة، ويجب أن نخطط لما سنفعله أثناء المأدبة—”
هزّ تاليس رأسه. (الإمبراطور الذي استعاد عاصمة النصر. مؤسس الإمبراطورية الأخيرة. إذن لهذا سُمّي الخاتم بالنصر.)
وفي تلك اللحظة، انفجر الملك نوڤين ضاحكًا فجأة. استمر في الضحك بضع ثوانٍ طويلة. صدى ضحكته الغامضة أفزع تاليس وقطع كلامه.
وفي تلك اللحظة، انفجر الملك نوڤين ضاحكًا فجأة. استمر في الضحك بضع ثوانٍ طويلة. صدى ضحكته الغامضة أفزع تاليس وقطع كلامه.
وفجأةً، ومضةٌ عبرت ذهنه. (لا يمكن…)
أمال الملك رأسه، ونظر إلى تاليس نظرة متفحّصة. كانت عيناه الخضراوان الداكنتان تخفيان برودة خالية من العاطفة، فارتجف ظهر تاليس.
“انتظر، لا تقل لي إنّك…” بدا الذهول ممتزجًا بالسخط على وجه تاليس وهو يحدّق بالملك نوڤين.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
أمال الملك رأسه، ونظر إلى تاليس نظرة متفحّصة. كانت عيناه الخضراوان الداكنتان تخفيان برودة خالية من العاطفة، فارتجف ظهر تاليس.
“لِم هذا الذهول؟”
فهم تاليس.
مدّ الملك نوڤين يده اليمنى ببطء وأبرز الخاتم الأسود في خنصره. “أتدري ما هذا؟”
“لا أحد من الآرشيدوقات كان سيغادر، أليس كذلك؟” أغمض عينيه وزفر تنهيدة ممتلئة بالسخط. “كانت تلك معلومات كاذبة دسستها لنا عمدًا.”
كبَت تاليس رغبته في الاعتراض، وانتزع ابتسامةً قسرية. ثم رمق مركز القاعة بطرف عينه—هناك بالتحديد لُوي عنق بوفريت قبل برهة.
(بصفتهم آرشيدوقات مرموقين، لن يشدّوا رحالهم هنا فقط لإلقاء نظرة عليّ ثم يغادرون.)
تلكّأ تاليس، ثم هزّ رأسه. ازدادت ملامح الملك غموضًا، مما زاد تاليس اضطرابًا.
“بعض الإشارات في الوقت المناسب…” هزّ الملك نوڤين رأسه بلا مبالاة. “يبدو أنّها كانت فعّالة للغاية.”
(قطعًا يتحدّث الملك عن المعاهدة التي حوت توقيعي تورموند ورايكارو. “السنة الحادية عشرة، تقويم الإبادة: معاهدة حدود إكستيدت-الكوكبة”. لا شك أنها ذاتها.)
(إشارات في الوقت المناسب؟ فعّالة للغاية؟)
لهاث بوفريت الثقيل… وعجزه عن إصابة هدفه معظم الوقت… وانفلاته الهستيري في النهاية…
استعاد تاليس رهبة اليوم وقلقه وارتباكه، وقمع رغبته في إطلاق تعليقٍ لاذع. التقط أنفاسه. ففي قصر الروح البطولية، يبقى أمير الكوكبة ضيفًا لا يملك شيئًا من السلطة.
تجمّد تاليس قليلًا. واصل الملك نوڤين النظر إليه بثبات.
“لكن لا بد أن أعترف أنّك… أدّيت عملًا حسنًا.” وضع الملك نوڤين كأسه، وحدّق بثبات في تاليس. كان في عينيه شعور معقد. فتجمّد تاليس قليلًا.
لم يُجب تاليس وقد شعر بالارتباك.
حوّل تاليس بصره، وزفر ساخرًا. “شكرًا، لكن… بيوتراي، نائبي الدبلوماسي ومعلمي، هو من ابتكر الخطة. هو من نبّهني إلى أن بإمكاني استخدام لامبارد كورقة—”
“كان موت ميدير مأساة… لطالما تساءلتُ: أيّ ملك كان سيصبح؟” تنهد الملك، ثم نظر مباشرة إلى تاليس. “غير أنّ الأمر ما زال ممكنًا بالنسبة إليك… واحتماله عظيم.”
“ومع ذلك، أنت من نفّذها.” قاطعه الملك نوڤين بنظرة حادّة. “تستحق هذا المديح. من المعجزات بحق أن يملك شخصٌ في عمرك هذه القدرة.”
استعاد تاليس نظرة كوايد قبل موته، والشعور الذي انتابه حين اخترق خنجره اللحم والدم. وتذكّر ذلك القاتل النفسي الفتيّ القادر على إطلاق ذلك الصفير السحري الحاد، وقلبه الرطب الدافئ المترفّ بالنبض…
ابتسم تاليس ابتسامة مصطنعة متعكرة. لم يكن يرغب بأن يبدو كوحش—لكن هذا العالم أرغمه على ذلك.
شخص تاليس مذهولًا، والملك يجيبه بابتسامةٍ ذات مغزى.
“ربما كانت عائلة جيدستار دومًا مليئة بهؤلاء النوابغ.” أطلق الملك نوڤين تنهيدة طويلة.
“ولا يعلم أحد من الغرباء أصله ولا حكايته، كما أنه لم يكن يحمل اسمًا. لكن جميع الآرشيدوقات السابقين أطلقوا عليه ’النصر‘.” خفَّ صوت الملك، وبدت نظراته شاردة.
ارتجف بصر تاليس.
“هذا هو النصر‘.” ابتسم الملك ابتسامةً غامضة. “وهو أيضًا أحد الرموز التي شهدت ولادة هاتين العائلتين العظيمتين.”
“نوابغٌ في عائلة جيدستار؟” سأل تاليس بحدّة، “مَن أيضًا؟”
“لقد شخت.” ارتشف الملك نوڤين جرعة من الشراب، وحرّك ذراعه اليسرى بانقباضٍ مؤلم. “في الماضي، كنت أستطيع الصمود في معركةٍ بهذه الحِدّة يومًا وليلة، أمّا الآن…”
ضحك الملك نوڤين ضحكة خافتة، وبدت على وجهه لمسة حنين.
زفر الملك العجوز ببرودٍ ساخر، وشرب ما بقي في الكأس. ولم ينطق تاليس بكلمة، إذ كان يجاهد لتهدئة أنفاسه.
“أخو والدك، وابن جدّك الأكبر، ميدير جيدستار.” قال الملك بصوتٍ هادئ. “كان هو الآخر عبقريًا ناضجًا قبل أوانه.”
أضاءت عينا تاليس. (ميدير جيدستار.)
أدار الملك نوڤين الكأس بين أصابعه، يستمع صامتًا.
استعاد تاليس مواقف غيلبرت والسيدة جينيس تجاه الابن الأكبر للملك الراحل، ذلك الأمير الحكيم الذي تغنّى الجميع بفضله. وفي الوقت ذاته، تذكّر كلمات دوق الإقليم الشمالي، آروند، في قصر النهضة عن ميدير.
وضع الملك نوڤين كأسه جانبًا وسأل ببطء: “هل لديك رأي في المبارزة التي جرت قبل قليل؟”
“أخي الأكبر المتشائم.”
“يمكن للخاتم أن يُخفِي داخله ثلاثة أنواع مختلفة من الرغوة السامة، ونوعين من الغاز، وحتى إبرةً مسمومة.”
“حين كان في الثالثة عشرة، قدم إلى هنا برسالة اعتماده ليُصلح النزاع حول نطاق الصيد في غابات الصنوبر. كان النزاع بين إقليم أوركيد المرموقة، وإقليم الرمال السوداء، ومدينة المراقبة التابعة لمملكتكم. وكان ذلك قبل عامٍ من تتويجي.
حدّق الملك المنتخب لإكستيدت، أرفع حاكمٍ بين أهل الشمال، نوڤين والتون السابع، في تاليس بنظرة عميقة: “أكنتَ تظن حقًا أنّ شيخًا يناهز السبعين… يستطيع بسهولةٍ أن يهزم رجلًا في ذروة عمره، مكتمل ردّاته وقوّته وسرعته، مدرَّبًا على فنون الشمال سنين طوالًا؟”
“وفي هذه القاعة، التقى والدي—آرشيدوق أوركيد المرموقة، وآرشيدوق الرمال السوداء.” رمق الملك نوڤين قاعة الأبطال المتلألئة بضوء النار، وقال ببطء: “رأيتُ أولسيوس العجوز، الآرشيدوق السابق لأوركيد المرموقة، يُعجزه طفلٌ أمام الجميع.”
شخص تاليس مذهولًا، والملك يجيبه بابتسامةٍ ذات مغزى.
“أفهم.” هزّ تاليس رأسه في حرج. (لا عجب أن أولسيوس… صاحب اللحية الكاملة، قد كرهني من النظرة الأولى. على ما يبدو أنّ عداءنا «متوارث عبر الأجيال».)
(لا يمكن… ما هذا؟ ما الذي يسعى إليه هذا الرجل؟)
“نعم. وأظنّ أنّ موت والدي بعد ذلك بعام يعود جزئيًا إلى ميدير.” ابتسم الملك نوڤين.
“وفي هذه القاعة، التقى والدي—آرشيدوق أوركيد المرموقة، وآرشيدوق الرمال السوداء.” رمق الملك نوڤين قاعة الأبطال المتلألئة بضوء النار، وقال ببطء: “رأيتُ أولسيوس العجوز، الآرشيدوق السابق لأوركيد المرموقة، يُعجزه طفلٌ أمام الجميع.”
لم يُجب تاليس وقد شعر بالارتباك.
اضطربت أفكار تاليس. راح يعيد شريط المبارزة في ذهنه، يلتقط الشذرات التي تنطبق تمامًا على الوصف.
شدّ الملك العجوز عباءته مجددًا. وكان في نظرته ما لا يُفهم. “هل كنت تعلم أنّني—في الماضي—كنت سأمقت أمثالكم من النوابغ المزعومين، لا سيما وأنت الوريث الأول… لا، الوريث الوحيد لعرش الكوكبة.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
عقد تاليس حاجبيه قليلًا. كانت نظرات نوڤين تُقلقه.
تجمّد تاليس قليلًا. واصل الملك نوڤين النظر إليه بثبات.
“كان موت ميدير مأساة… لطالما تساءلتُ: أيّ ملك كان سيصبح؟” تنهد الملك، ثم نظر مباشرة إلى تاليس. “غير أنّ الأمر ما زال ممكنًا بالنسبة إليك… واحتماله عظيم.”
“يمكن للخاتم أن يُخفِي داخله ثلاثة أنواع مختلفة من الرغوة السامة، ونوعين من الغاز، وحتى إبرةً مسمومة.”
“أؤمن أنّ لحظة تتويجك ستشهد ولادةً جديدة للكوكبة.” اشتدّ بصر نوڤين فجأة. “وستواجه إكستيدت خصمًا مُخيفًا.”
“لكن لا بد أن أعترف أنّك… أدّيت عملًا حسنًا.” وضع الملك نوڤين كأسه، وحدّق بثبات في تاليس. كان في عينيه شعور معقد. فتجمّد تاليس قليلًا.
كان تاليس قد بدأ يشعر ببعض الاسترخاء، فإذا بالقلق يعود ويشتعل بقوة. ارتجف جسده.
بادل الملك تاليس النظر.
(لا يمكن… ما هذا؟ ما الذي يسعى إليه هذا الرجل؟)
“تلك كانت أول مرة تتلاقى فيها إكستيدت والكوكبة.” زفر الملك نوڤين زفرة طويلة.
لم يكن قادرًا على فهم نيات الملك نوڤين. وأثناء احتماله لنظرات الملك، حاول قدر استطاعته ضبط أنفاسه المتسارعة.
وضع الملك نوڤين كأسه جانبًا وسأل ببطء: “هل لديك رأي في المبارزة التي جرت قبل قليل؟”
وفجأة، أطلق الملك نوڤين ضحكة غريبة.
كبَت تاليس رغبته في الاعتراض، وانتزع ابتسامةً قسرية. ثم رمق مركز القاعة بطرف عينه—هناك بالتحديد لُوي عنق بوفريت قبل برهة.
تكلّم بلهجةٍ رتيبة، غير أنّ نبرته كانت مشبعةً بما لا يتأتّى إلّا للملوك من سلطان: “لستَ مضطرًا إلى كل هذا القلق. لستُ وحشًا يلتهم البشر.”
“لِم هذا الذهول؟”
كبَت تاليس رغبته في الاعتراض، وانتزع ابتسامةً قسرية. ثم رمق مركز القاعة بطرف عينه—هناك بالتحديد لُوي عنق بوفريت قبل برهة.
عقد تاليس حاجبيه، ثم هزّ رأسه بصدق.
لاحظ الملك نوڤين نظرة تاليس، فانفجر ضاحكًا.
ورغم عباءة القطن الثقيلة فوق كتفيه، كان الملك نوڤين يُظهر بوضوح ملامح عضلاته تحتها، وإن كان جلده قد تجعّد. وبوجهٍ متجهم، رمق الضمادات الملفوفة على جسده، ورفع كأس الخمر.
“بصفتك وريثًا للعرش، فلا بدّ لك من رؤية الدم عاجلًا أم آجلًا.” جرع الملك رشفةً من الخمر، وحدّ بصره. “هذا سيعود عليك بالفائدة.”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
قطّب تاليس حاجبيه. (رؤية الدم…)
“وفي النهاية، تراجع الملكان خطوة، ووقّعا أول معاهدة بين المملكتين، متعهّدَين بحكم الشمال والجنوب كلٌّ في مجاله، دون أن يعيق أحدهما توسّع الآخر.
استعاد تاليس نظرة كوايد قبل موته، والشعور الذي انتابه حين اخترق خنجره اللحم والدم. وتذكّر ذلك القاتل النفسي الفتيّ القادر على إطلاق ذلك الصفير السحري الحاد، وقلبه الرطب الدافئ المترفّ بالنبض…
قطّب تاليس حاجبيه. (رؤية الدم…)
تملّكه نفورٌ جارح، فأجبر نفسه على كتمانه.
ابتسم الملك نوڤين، وانسدل الغموض على محيّاه.
وضع الملك نوڤين كأسه جانبًا وسأل ببطء: “هل لديك رأي في المبارزة التي جرت قبل قليل؟”
“كان موت ميدير مأساة… لطالما تساءلتُ: أيّ ملك كان سيصبح؟” تنهد الملك، ثم نظر مباشرة إلى تاليس. “غير أنّ الأمر ما زال ممكنًا بالنسبة إليك… واحتماله عظيم.”
“كانت لا تُنسى.” أجاب تاليس القَلِق بصدق. “خصوصًا كيف تمكّن مُخضرمٌ مسنّ من إسقاط شاب يافع قوي.”
“هل نسيتُ أن أخبرك؟ لقب مؤسس الإمبراطورية الأخيرة، كيسل السادس، كان…”
أطلق الملك نوڤين ضحكةً ساخرة.
تملّكه نفورٌ جارح، فأجبر نفسه على كتمانه.
انتقى تاليس كلماته بحذر: “كما أنّ العُرف البطولي الشمالي في المبارزات كان تجربة فريدة بالنسبة إليّ. وبطبيعة الحال… شجاعتك حين خطوت بثباتٍ إلى الميدان وأنت حاكم مملكة.”
هزّ تاليس رأسه. (الإمبراطور الذي استعاد عاصمة النصر. مؤسس الإمبراطورية الأخيرة. إذن لهذا سُمّي الخاتم بالنصر.)
“همف. حين أعلنتُ المبارزة، رأيتُ ملامحك.” حدّق الملك نوڤين بتعمّق في وجه تاليس. “كنتَ مستنكرًا لهذا كثيرًا، أليس كذلك؟”
(قطعًا يتحدّث الملك عن المعاهدة التي حوت توقيعي تورموند ورايكارو. “السنة الحادية عشرة، تقويم الإبادة: معاهدة حدود إكستيدت-الكوكبة”. لا شك أنها ذاتها.)
تجمّد تاليس قليلًا. واصل الملك نوڤين النظر إليه بثبات.
“أخي الأكبر المتشائم.”
“حسنًا.” قال تاليس بحرج، وهو يأخذ نفسًا عميقًا. “كما تعلم… بالنظر إلى سنّك—ولأن الأمر يمس مملكةً بأسرها—ماذا لو وقع مكروه؟”
“بالطبع، لم نكن مضطرين للمخاطرة. كان بوسعنا نصب فخٍ بطيء، وتمرير هاتين المعلومتين إلى الآرشيدوقات شيئًا فشيئًا.” هزّ تاليس كتفيه. “لكن لم يكن لدينا خيار. الماركيز شيلس بامرا أبلغني أنّ اثنين من الآرشيدوقات سيغادرون صباحًا. لا نملك سوى ليلة واحدة، ويجب أن نخطط لما سنفعله أثناء المأدبة—”
وانقضت ثوانٍ قليلة.
ورغم عباءة القطن الثقيلة فوق كتفيه، كان الملك نوڤين يُظهر بوضوح ملامح عضلاته تحتها، وإن كان جلده قد تجعّد. وبوجهٍ متجهم، رمق الضمادات الملفوفة على جسده، ورفع كأس الخمر.
وتحت نظرات تاليس المتوتّرة، قال الملك نوڤين شيئًا لا يمتّ للموضوع بصلة: “تعلم أن الصلة بين عائلة والتون وعائلة جيدستار بدأت منذ زمن بعيد.”
“السموّ والانشراح؟” لم يتمالك الملك نوڤين نفسه من الضحك. ثم راح يمرّر إصبعه على الخاتم وقد اشتدّ بريق عينيه: “قلتُ لك إنه كان إرثًا لعهد النهضة الذي خلّفه تورموند. وقد جاء من أول أباطرة الإمبراطورية الأخيرة—وهو أيضًا أحد أسلافك…
ارتبك تاليس.
عقد تاليس حاجبيه، ثم هزّ رأسه بصدق.
مدّ الملك نوڤين يده اليمنى ببطء وأبرز الخاتم الأسود في خنصره. “أتدري ما هذا؟”
“السموّ والانشراح؟” لم يتمالك الملك نوڤين نفسه من الضحك. ثم راح يمرّر إصبعه على الخاتم وقد اشتدّ بريق عينيه: “قلتُ لك إنه كان إرثًا لعهد النهضة الذي خلّفه تورموند. وقد جاء من أول أباطرة الإمبراطورية الأخيرة—وهو أيضًا أحد أسلافك…
عقد تاليس حاجبيه، ثم هزّ رأسه بصدق.
“ما لم تدوّنه كتب التاريخ هو أن الملكين تبادلا إرثًا عائليًا على انفراد بوصفه عهدًا للتحالف.” أعاد الملك نوڤين ارتداء الخاتم. “هذا الخاتم هو الإرث الذي منحه تورموند لرايكارو.”
“هذا هو النصر‘.” ابتسم الملك ابتسامةً غامضة. “وهو أيضًا أحد الرموز التي شهدت ولادة هاتين العائلتين العظيمتين.”
ولم يبقَ سوى ظلَّين اثنين، أحدهما أكبر من الآخر، يجلسان جنبًا إلى جنب على درجاتٍ في جانب القاعة.
ردده تاليس رغماً عنه. (النصر؟)
(فقدان القوّة… خَدَر العضلات… نزقٌ وعنف…) تيبّس وليّ العهد الثاني. ثم استدار إلى الملك نوڤين بعينين يتّسع فيهما الذهول.
راح الملك نوڤين ينزع الخاتم ويقلبه ليُريه الجانب الداخلي. ضيّق تاليس عينيه… بدا له نقشٌ محفورٌ داخل الحلقة. شيء يشبه… حصانًا مجنّحًا؟
(النصر.) ضمّ تاليس حاجبيه قليلًا.
“هذا هو شعار البيغاسوس.” قال الملك نوڤين ببرود. “لقد كان شعار العائلة الإمبراطورية الكارلوسية منذ أن أسّس الإمبراطور العظيم كاميلوت الإمبراطورية.”
“حين كان في الثالثة عشرة، قدم إلى هنا برسالة اعتماده ليُصلح النزاع حول نطاق الصيد في غابات الصنوبر. كان النزاع بين إقليم أوركيد المرموقة، وإقليم الرمال السوداء، ومدينة المراقبة التابعة لمملكتكم. وكان ذلك قبل عامٍ من تتويجي.
دهش تاليس للحظة. (البيغاسوس… العائلة الإمبراطورية؟ كارلوس؟)
“هذا هو شعار البيغاسوس.” قال الملك نوڤين ببرود. “لقد كان شعار العائلة الإمبراطورية الكارلوسية منذ أن أسّس الإمبراطور العظيم كاميلوت الإمبراطورية.”
“قبل أكثر من ستّمئة عام، حين تأسّست إكستيدت والكوكبة لأول مرة، وبسبب الأساليب الوحشية التي اتّبعها الملك تورموند تجاه بقايا نبلاء الإمبراطورية القديمة أثناء توسّع مملكته، اندلع أول صدام بين إكستيدت والكوكبة.” ارتفع صوت الملك نوڤين آتيًا من بُعدٍ سحيق.
“قبل أكثر من ستّمئة عام، حين تأسّست إكستيدت والكوكبة لأول مرة، وبسبب الأساليب الوحشية التي اتّبعها الملك تورموند تجاه بقايا نبلاء الإمبراطورية القديمة أثناء توسّع مملكته، اندلع أول صدام بين إكستيدت والكوكبة.” ارتفع صوت الملك نوڤين آتيًا من بُعدٍ سحيق.
استعاد تاليس شيئًا ما في ذهنه. (أساليب تورموند الوحشية…)
ثم أقرّ الملك العجوز شكوك تاليس بابتسامةٍ يغلّفها الريبة:
“رايكارو وتورموند؛ ملك فرسان التنّين وملك النهضة؛ شماليٌّ وابنُ الإمبراطورية، قادا جنودهما النخبة—بمن بقي منهم من معركة الإبادة—والتَقيا عند أطراف القلعة الباردة.
ارتجف تاليس، وقد شلّته الدهشة. (له… استخدامات كثيرة؟)
“وفي النهاية، تراجع الملكان خطوة، ووقّعا أول معاهدة بين المملكتين، متعهّدَين بحكم الشمال والجنوب كلٌّ في مجاله، دون أن يعيق أحدهما توسّع الآخر.
Arisu-san
“تلك كانت أول مرة تتلاقى فيها إكستيدت والكوكبة.” زفر الملك نوڤين زفرة طويلة.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ضيّق تاليس عينيه. تذكّر ما رآه وسمعه في مكتبة الأمس.
ارتجف تاليس، وقد شلّته الدهشة. (له… استخدامات كثيرة؟)
(قطعًا يتحدّث الملك عن المعاهدة التي حوت توقيعي تورموند ورايكارو. “السنة الحادية عشرة، تقويم الإبادة: معاهدة حدود إكستيدت-الكوكبة”. لا شك أنها ذاتها.)
ثم أقرّ الملك العجوز شكوك تاليس بابتسامةٍ يغلّفها الريبة:
“ما لم تدوّنه كتب التاريخ هو أن الملكين تبادلا إرثًا عائليًا على انفراد بوصفه عهدًا للتحالف.” أعاد الملك نوڤين ارتداء الخاتم. “هذا الخاتم هو الإرث الذي منحه تورموند لرايكارو.”
تلكّأ تاليس، ثم هزّ رأسه. ازدادت ملامح الملك غموضًا، مما زاد تاليس اضطرابًا.
تنفّس الملك نوڤين بعمق وقال لتاليس: “ثم أورثه رايكارو لابن أخيه من عائلة والتون. وورثه جميع آل والتون من الآرشيدوقات جيلاً بعد جيل، رمزًا لمرتبتهم.”
“كيسل كارلوس السادس.”
“ولا يعلم أحد من الغرباء أصله ولا حكايته، كما أنه لم يكن يحمل اسمًا. لكن جميع الآرشيدوقات السابقين أطلقوا عليه ’النصر‘.” خفَّ صوت الملك، وبدت نظراته شاردة.
ولم يبقَ سوى ظلَّين اثنين، أحدهما أكبر من الآخر، يجلسان جنبًا إلى جنب على درجاتٍ في جانب القاعة.
(النصر.) ضمّ تاليس حاجبيه قليلًا.
ابتسم الملك نوڤين، وانسدل الغموض على محيّاه.
قال بحذر: “إنه اسم حسن… ذو وقعٍ باعث على السموّ والانشراح.”
ثم أقرّ الملك العجوز شكوك تاليس بابتسامةٍ يغلّفها الريبة:
“السموّ والانشراح؟” لم يتمالك الملك نوڤين نفسه من الضحك. ثم راح يمرّر إصبعه على الخاتم وقد اشتدّ بريق عينيه: “قلتُ لك إنه كان إرثًا لعهد النهضة الذي خلّفه تورموند. وقد جاء من أول أباطرة الإمبراطورية الأخيرة—وهو أيضًا أحد أسلافك…
“أخي الأكبر المتشائم.”
“كيسل كارلوس السادس.”
وفي تلك اللحظة، انفجر الملك نوڤين ضاحكًا فجأة. استمر في الضحك بضع ثوانٍ طويلة. صدى ضحكته الغامضة أفزع تاليس وقطع كلامه.
ارتعشت أنظار تاليس. (كيسل؟ إمبراطور يحمل الاسم نفسه الذي يحمله والدي؟)
“وفي النهاية، تراجع الملكان خطوة، ووقّعا أول معاهدة بين المملكتين، متعهّدَين بحكم الشمال والجنوب كلٌّ في مجاله، دون أن يعيق أحدهما توسّع الآخر.
رفع الملك نوڤين عينيه. “كان الخاتم يومًا للإمبراطور الشهير كيسل السادس، ثم آل إلى تورموند. ومن ثمّ أهداه تورموند لرايكارو عهدًا بينهما.
….
“لم تكن سمعة كيسل السادس حسنة. ولم يطل عمره كثيرًا ولا قصر، بل كان مضطربًا. وخلال عهده، سقط خصومٌ كثرٌ ضحية مكائده وتدابيره.” استنشق الملك نفسًا، واتشح صوته بالوقار.
“قبل أكثر من ستّمئة عام، حين تأسّست إكستيدت والكوكبة لأول مرة، وبسبب الأساليب الوحشية التي اتّبعها الملك تورموند تجاه بقايا نبلاء الإمبراطورية القديمة أثناء توسّع مملكته، اندلع أول صدام بين إكستيدت والكوكبة.” ارتفع صوت الملك نوڤين آتيًا من بُعدٍ سحيق.
“وأعظم مناقبه إحياءُ هيبة العائلة الإمبراطورية الكارلوسية في الفوضى التي أعقبت سقوط الإمبراطورية القديمة. فقد استعاد عاصمة النصر من أيدي المتمرّدين والأتباع. ومن هناك وُلدت الإمبراطورية الأخيرة التي دامت ثلاثمئة عام.”
(إبرة… مسمومة؟)
هزّ تاليس رأسه. (الإمبراطور الذي استعاد عاصمة النصر. مؤسس الإمبراطورية الأخيرة. إذن لهذا سُمّي الخاتم بالنصر.)
(إشارات في الوقت المناسب؟ فعّالة للغاية؟)
“أتعرف ما لقب هذا الإمبراطور؟” رفع الملك نوڤين رأسه فجأة ونظر إلى تاليس متأمّلًا.
“لا أحد من الآرشيدوقات كان سيغادر، أليس كذلك؟” أغمض عينيه وزفر تنهيدة ممتلئة بالسخط. “كانت تلك معلومات كاذبة دسستها لنا عمدًا.”
تلكّأ تاليس، ثم هزّ رأسه. ازدادت ملامح الملك غموضًا، مما زاد تاليس اضطرابًا.
ارتعشت أنظار تاليس. (كيسل؟ إمبراطور يحمل الاسم نفسه الذي يحمله والدي؟)
تنهّد الملك نوڤين وهو يدير الخاتم ببطء: “هذا الخاتم صغير… لكن استخداماته كثيرة.”
دهش تاليس للحظة. (البيغاسوس… العائلة الإمبراطورية؟ كارلوس؟)
ارتجف تاليس، وقد شلّته الدهشة. (له… استخدامات كثيرة؟)
“هذا هو شعار البيغاسوس.” قال الملك نوڤين ببرود. “لقد كان شعار العائلة الإمبراطورية الكارلوسية منذ أن أسّس الإمبراطور العظيم كاميلوت الإمبراطورية.”
حدّق في الخاتم مذهولًا. سالت إلى ذهنه فكرة مُفزعة. ثم جاءت كلمات الملك لتثلج ظهره برعب بارد.
أضاءت عينا تاليس. (ميدير جيدستار.)
“يمكن للخاتم أن يُخفِي داخله ثلاثة أنواع مختلفة من الرغوة السامة، ونوعين من الغاز، وحتى إبرةً مسمومة.”
“لِم هذا الذهول؟”
(إبرة… مسمومة؟)
ردده تاليس رغماً عنه. (النصر؟)
كاد تاليس ينسى أن يتنفّس وهو يصغي لكلمات الملك المسنّ، لكن نوڤين واصل الكلام.
ابتسم الملك نوڤين، وانسدل الغموض على محيّاه.
“لنفترض أن متبارِيَينِ بلغا حدّ الجمود…”
“إمبراطور السم.”
ارتجّ تاليس بعنف.
(فقدان القوّة… خَدَر العضلات… نزقٌ وعنف…) تيبّس وليّ العهد الثاني. ثم استدار إلى الملك نوڤين بعينين يتّسع فيهما الذهول.
“… ما عليك إلا إدارة الترس ببطء. وسيفرج ’النصر‘ عن الغاز السام المُعَدّ، عشب السِّحر، على مسافة قريبة.” في تلك اللحظة، تجمّدت نظرات الملك نوڤين حتى صارت كحدّ السيف. وخرج صوته في غاية الفظاعة.
تكلّم بلهجةٍ رتيبة، غير أنّ نبرته كانت مشبعةً بما لا يتأتّى إلّا للملوك من سلطان: “لستَ مضطرًا إلى كل هذا القلق. لستُ وحشًا يلتهم البشر.”
“إن استخلاصه وتنقيته مكلفان، لكنه يخدّر عضلات الضحية ووعيها دون أن يشعر. وأثناء الجهد العنيف ينتشر السمّ في دمك. فيفقد الجسد قوّته، وتتخدّر العضلات، ويشتدّ الاضطراب والنزق.”
تجمّد تاليس قليلًا. واصل الملك نوڤين النظر إليه بثبات.
(فقدان القوّة… خَدَر العضلات… نزقٌ وعنف…) تيبّس وليّ العهد الثاني. ثم استدار إلى الملك نوڤين بعينين يتّسع فيهما الذهول.
(إبرة… مسمومة؟)
بادل الملك تاليس النظر.
“انتظر، لا تقل لي إنّك…” بدا الذهول ممتزجًا بالسخط على وجه تاليس وهو يحدّق بالملك نوڤين.
ثم أقرّ الملك العجوز شكوك تاليس بابتسامةٍ يغلّفها الريبة:
زفر الملك العجوز ببرودٍ ساخر، وشرب ما بقي في الكأس. ولم ينطق تاليس بكلمة، إذ كان يجاهد لتهدئة أنفاسه.
“لِم هذا الذهول؟”
كاد تاليس ينسى أن يتنفّس وهو يصغي لكلمات الملك المسنّ، لكن نوڤين واصل الكلام.
حدّق الملك المنتخب لإكستيدت، أرفع حاكمٍ بين أهل الشمال، نوڤين والتون السابع، في تاليس بنظرة عميقة: “أكنتَ تظن حقًا أنّ شيخًا يناهز السبعين… يستطيع بسهولةٍ أن يهزم رجلًا في ذروة عمره، مكتمل ردّاته وقوّته وسرعته، مدرَّبًا على فنون الشمال سنين طوالًا؟”
“لا أحد من الآرشيدوقات كان سيغادر، أليس كذلك؟” أغمض عينيه وزفر تنهيدة ممتلئة بالسخط. “كانت تلك معلومات كاذبة دسستها لنا عمدًا.”
شخص تاليس مذهولًا، والملك يجيبه بابتسامةٍ ذات مغزى.
وفجأةً، ومضةٌ عبرت ذهنه. (لا يمكن…)
اضطربت أفكار تاليس. راح يعيد شريط المبارزة في ذهنه، يلتقط الشذرات التي تنطبق تمامًا على الوصف.
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
لهاث بوفريت الثقيل… وعجزه عن إصابة هدفه معظم الوقت… وانفلاته الهستيري في النهاية…
زفر تاليس. (وماذا الآن؟)
(لا يعقل…) لم يدر تاليس ما الذي ينبغي أن تبدو عليه ملامحه، ولا ما آل إليه وجهه أصلًا. كل ما استطاع فعله هو التحديق بالملك.
راح الملك نوڤين ينزع الخاتم ويقلبه ليُريه الجانب الداخلي. ضيّق تاليس عينيه… بدا له نقشٌ محفورٌ داخل الحلقة. شيء يشبه… حصانًا مجنّحًا؟
“هل نسيتُ أن أخبرك؟ لقب مؤسس الإمبراطورية الأخيرة، كيسل السادس، كان…”
ضيّق تاليس عينيه. تذكّر ما رآه وسمعه في مكتبة الأمس.
ابتسم الملك نوڤين، وانسدل الغموض على محيّاه.
شعر تاليس ببعض القلق. (ما نيّة هذا الشيخ حين استبقاني هنا؟ أيمكن حقًّا أن يكون كل ما يريده هو «أن يحتسي شرابًا»؟)
“إمبراطور السم.”
“كانت لا تُنسى.” أجاب تاليس القَلِق بصدق. “خصوصًا كيف تمكّن مُخضرمٌ مسنّ من إسقاط شاب يافع قوي.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
وفي تلك اللحظة، انفجر الملك نوڤين ضاحكًا فجأة. استمر في الضحك بضع ثوانٍ طويلة. صدى ضحكته الغامضة أفزع تاليس وقطع كلامه.
انتقى تاليس كلماته بحذر: “كما أنّ العُرف البطولي الشمالي في المبارزات كان تجربة فريدة بالنسبة إليّ. وبطبيعة الحال… شجاعتك حين خطوت بثباتٍ إلى الميدان وأنت حاكم مملكة.”
