الإقصاء
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
بووم!
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“هل تخالفني الرأي؟”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
“أكثر من نصف حرّاس النصل الأبيض هنا، وقصر الروح البطولية لم يعد أكثر أمنًا من هذا المكان الآن.”
Arisu-san
“رمح قاتل الأرواح، السلاح المهيب للملك رايكارو. كل الحياة في هذا العالم—من التنانين إلى النمل، من الشياطين إلى النبات—ما إن يُطعَن أحدهم بهذا الرمح،”—حدّق غليوارد في رأس الرمح، واشتعلت عيناه—”حتى تختفي كل حياة من جسده بالكامل.”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
الفصل 172: الإقصاء
قطّب نوڤين السابع حاجبيه وهو يراقب أحد حرّاس النصل الأبيض يطأ مجسا مرتعشًا ويقطعه من بعيد. وانسابت دماء قرمزية من جسده.
…
رفع الملك نوڤين يده فجأة وأوقف تقرير تابعه. وتلألأت عيناه بالغضب… وبالعزم.
تحت سماء الليل، في الخرائب المقفرة من مقاطعة الدرع، استدارت صوفية الدم ببطء وهي تُداعب كيليكا حالكة السواد. وفي اللحظة التالية، بدأ الغلاف الكثيف المحيط بجسد كيليكا الشبيه بالعنكبوت يتمزّق ويتشوّه ويتمدّد. واسودادها تحوّل إلى حمرة، فيما اندفعت من جسدها عشرات المجسات القرمزية المصنوعة من أطراف بشرية مشوّهة، تزداد طولًا وضخامة.
نهضت جيزا من الأرض، وقطّبت حاجبيها قليلًا.
كبرت كيليكا أكثر فأكثر حتى تحوّلت إلى الهيدرا الدموية التي رآها تاليس سابقًا. هزّت مجساتها كسلطعونٍ عملاق بارتفاع عشرات الأمتار، وأطلقت صرخة غريبة.
هدّة! هدّة! هدّة!
“ابحثي عن الطفل.”
ومن بعيد، بدا وكأنه يمدّ سيفه في اتجاهات عديدة في آن واحد.
اختفى جنون جيزا وهوسها الذي ظهر قبل لحظات، واختفت معه البقع الأرجوانية على وجهها.
“لقد اختبرنا هذا. المعدات المضادة للصوفيين العادية لا تضمن سوى قدرتهم على الحركة الأساسية أثناء الاشتباك مع هذه الأشياء.” لاحظ نيكولاس نظرة الملك ولوّح بالنصل الغريب في يده قائلاً ببطء: “فقط المعدات الأسطورية المضادة للصوفيين مثل النصل قاطع الأرواح يمكنها القضاء على هذه المخلوقات البغيضة وحماية مستخدمها في الوقت ذاته.”
كانت في تلك اللحظة هادئة ووديعة، كأنها فتاة نقية عادية. لامست الصوفية كيليكا برفق، وكانت كلماتها بسيطة وناعمة: “أنتِ تعرفين رائحته، وتدركين حضوره، وألفتِ دمه.”
أومأ نيكولاس بحزم ونهض لإصدار أوامره.
زفرت جيزا بخفة، وعلى وجهها تعبير غريب. “دم ذلك الفتى… الفتى الذي ترغبين في التهامه حتى في أحلامك.”
في عدة مقاطعات مجاورة لمقاطعة الدرع، اندفعت عشرات المجسات القرمزية مجددًا من سطح الأرض.
ارتجّت الهيدرا مع أكثر من عشرة من مجساتها العملاقة في آن واحد، وتعالت من داخلها أصوات لحم ودم ينضغطان ويتخدّشان بعضهما بعضًا.
Arisu-san
هدّة!
“أليس كذلك، يا كارثة؟”
هبطت المجسات بقوة تصمّ الآذان، فشقّت عشرات الأخاديد العميقة في الخرائب. وارتفع الغبار والدخان في الهواء.
أبعد الملك نوڤين يده عن كتفه وابتسم علنًا. “هيا، يا شجعاني. اليوم، على أرض موطننا، سندخل معركة بين البشر وغير البشر.”
ابتسمت جيزا. ونظرت إلى كيليكا المرعبة بنظرة مفعمة بالمودة، كأنها تنظر إلى كلبها الغاضب وهو يهزّ ذيله.
“آه… لا! كيليكا، ذاكـ—” صرخت جيزا من الألم، وارتجف جسدها بالكامل، وازداد وجهها شحوبًا كأنها تتعذّب.
“هيا، ابحثي عنه.”
كان الرجل الأعرج في الثلاثين أو الأربعين من عمره. ملامحه مسطّحة أغلبها، إلا أن أنفه مرتفع. ولحيته الخفيفة على ذقنه منحته مظهرًا خشنًا.
توقّفت جيزا التي بدت كفتاة من الجوار لثانية، ثم فتحت شفتيها ببطء وزفرت. “قبل أن يصبح صوفيًّا…”
“هيا، ابحثي عنه.”
“اقتليه.”
ركل نيكولاس مجسا ضخمًا يابسًا أسود ذابلًا. ولوّح بنصل قاطع الأرواح. “وإذا واجهتم شيئًا بهذا الحجم، فأرسلوا إشارة تبلغونني فيها!”
(حتى لو عنى ذلك تدمير مدينة سحب التنين. حتى لو عنى ذلك فضح أمري. حتى لو…)
وأخيرًا، جاء صوت أجشّ من خلف الستار الدخاني.
عاد ذلك الصوت اللزج المقلق ينبعث مرة أخرى من جسد كيليكا الضخم. وفي اللحظة التالية، غرست عشرات المجسات القرمزية نفسها في الأرض في كل الاتجاهات.
تلألأت عينا الملك نوڤين، “أن تحاصر الجرذ في قفصه، وتقطع عنه كل قوّته وكل طريق يمكنه أن يهرب عبره!”
هدّة! هدّة! هدّة!
“قالت كالشّان إن تلك الكارثة كلما واجهت عددًا أكبر من الناس ازدادت قوة، لذا لن يكون لكم أي تعزيزات.” مد الملك يده اليمنى ووضعها بقوة على كتف نيكولاس الأيمن. وكانت عيناه تنظران إلى الأمام مباشرة. “لا الدوريات ولا المجندون يملكون معدات مضادة للصوفيين. إرسالهم سيكون إرسالهم الى حتفهم عبثًا.”
بدت أنسجتها كأنها تتكاثر بلا نهاية، وهي تمد مجساتها وتحفر عميقًا في الأرض.
ركل الأرض بساقه السليمة ركلة مزلزلة، وانطلق جسده القوي المليء بالندوب بقوة مذهلة نحو جيزا الشاحبة.
فجأة، ضيّقت جيزا عينيها واستدارت بملامح جادة. ظهر شخص بشري فجأة من وسط الدخان الذي أثارته كيليكا. وتقدّم ببطء نحو الصوفية.
جرّ الرجل الرمح بثقل بيده اليمنى، ولما دار جسده، بدا نصفه الأيسر. رأت جيزا بوضوح أبرز ملامحه: هذا الرجل بلا أذن يسرى. لم يبقى سوى ثُقب مستدير—كما لو قُطعت من الجذور.
تنهدت جيزا تنهيدة خفيفة.
كبرت كيليكا أكثر فأكثر حتى تحوّلت إلى الهيدرا الدموية التي رآها تاليس سابقًا. هزّت مجساتها كسلطعونٍ عملاق بارتفاع عشرات الأمتار، وأطلقت صرخة غريبة.
(كما هو متوقّع… لا يزال الكثير من الوقت قد ضاع.)
سوش!
خطوة بعد خطوة، اقترب ذلك الشخص من بين الضباب ببطء.
اندفع مجس متوسّط الحجم من تحت الأرض بجانب تلك الهيئة مباشرة. وفي خضم الدخان، اندفعت المزيد من المجسات نحو الضيف غير المرحّب به.
أغمضت صوفية الدم عينيها وهزّت رأسها برفق. “حسنًا، يبدو أن الناس في المقاطعات المجاورة قد أُجلوا… أحفاد رايكارو ليسوا عديمي النفع تمامًا.”
زخمٌ لا يُقهر، كأنه يهجم في قلب معركة.
وفي تلك اللحظة تمامًا—
وبدأ المجس يذبل ويسودّ… حتى تحوّل بالكامل إلى رماد يتلاشى.
هدّة!
كان القادم إنسانًا طويل القامة، لكن خطواته كانت غريبة—كلما خطا، جرّ ساقه اليمنى خلفه.
اندفع مجس متوسّط الحجم من تحت الأرض بجانب تلك الهيئة مباشرة. وفي خضم الدخان، اندفعت المزيد من المجسات نحو الضيف غير المرحّب به.
أطلق الرجل نفخة ساخرة.
غير أنّ ذلك الشخص في الضباب لم يتحرّك إلا قليلًا.
لم تتكلم جيزا، فرفع غليوارد رأسه ونطق كل كلمة ببرود، “هذه لمسة الموت. كل حياتك ستغادر جسدك بلمسة واحدة.”
شِقّ!
بدورة خاطفة من ذراعي الرجل، اندفع الرمح ليُحدث هبّة هواء. توجه رأس الرمح الأسود نحو جيزا، واهتزّ اهتزازًا خفيفًا.
ارتفع صوت يُشبه اختراق السلاح للحم.
(حتى لو عنى ذلك تدمير مدينة سحب التنين. حتى لو عنى ذلك فضح أمري. حتى لو…)
وفي اللحظة التالية، تغيّر تعبير جيزا بسرعة، وركعت على ركبتيها.
اختفى جنون جيزا وهوسها الذي ظهر قبل لحظات، واختفت معه البقع الأرجوانية على وجهها.
“آه! آااه! آاااه!!!” صرخت صوفية الدم ألمًا.
نهضت جيزا من الأرض، وقطّبت حاجبيها قليلًا.
…..
“آمالُنا معلّقة على غليوارد وعليك، وعلى رمح قاتل الأرواح ونصل قاطع الأرواح.
قصف!
بووم!
في عدة مقاطعات مجاورة لمقاطعة الدرع، اندفعت عشرات المجسات القرمزية مجددًا من سطح الأرض.
شق! سواش! قَطع!
وفي إحدى المقاطعات النبيلة إلى الشمال، دمّر مجس عملاق مماثل بيتًا حجريًا كاملًا في قمة مقاطعة السيف. شقّ الحجر والصخور، وانفجر نحو السماء.
وتردّد من بعيد صوت انهيار تراب وصخور.
ما إن ظهر، حتى بدأت المجسات المخيفة المؤلفة من أطراف بشرية مشوّهة تتفجّر من جذورها. وانشقّت إلى مجسات صغيرة لا تُحصى. توقّفت تلك الصغيرة في الهواء، وبدأت تدور ببطء في المكان، ترتجف أحيانًا.
صررر…
وكأنها كانت… تشمشم.
هدّة!
ولم يطل الأمر حتى ارتجّت المجسات دفعة واحدة، لتكبر وتتفرّع وتمتد في كل الاتجاهات.
توقّفت جيزا التي بدت كفتاة من الجوار لثانية، ثم فتحت شفتيها ببطء وزفرت. “قبل أن يصبح صوفيًّا…”
وفي تلك اللحظة، ظهر شخص نحيل بعباءة بيضاء من أحد الزوايا، وهبط أمام جذور المجسات. حينها، شعرت المجسات بوجود لحمٍ قريب.
(حتى لو عنى ذلك تدمير مدينة سحب التنين. حتى لو عنى ذلك فضح أمري. حتى لو…)
وفي لحظة واحدة، هاجمت المجسات المتعددة ذلك الشخص كوحوش مسعورة من كل الجهات.
تردّدت الضربات معًا كأنها من رجل واحد. كانت مهيبة وصادمة.
حرك الرجل جسده قليلًا، واستل نصلًا ذا قبضة بيضاء مميزة.
“غليوارد يبحث عن تلك الكارثة بالفعل. لا شيء يتفوّق على رمح قاتل الأرواح في مواجهتها، وما عليك فعله الآن هو…”
لمع النصل.
“في إكستيدت العظيمة، في قصر الروح البطولية، في مجد الشمال المشرّف، كنا نكافح لنلتقط أنفاسنا كرجال يحتضرون. كنا أكثر شمالية من أشد رجال الشمال.”
قَطع!
نفخ غليوارد بلطف على رأس الرمح. “كارثة الدم، عدوّة الحياة. سلاح أسطوري صيغ خصيصًا لكِ—أنتِ، التي لا يمكن ختمها بالطرق المعتادة.”
تحت هجوم المجسات التي لا تُعد، راوغ الرجل باستمرار، حتى بدا كأن له ظلالًا لاحقة!
قَطع!
ومن بعيد، بدا وكأنه يمدّ سيفه في اتجاهات عديدة في آن واحد.
نظرت حولها إلى الخراب في الشوارع، وهزت رأسها.
وخدش النصل الحاد كل مجس تقريبًا، مُخلِّفًا جروحًا متتابعة.
تحت سماء الليل، في الخرائب المقفرة من مقاطعة الدرع، استدارت صوفية الدم ببطء وهي تُداعب كيليكا حالكة السواد. وفي اللحظة التالية، بدأ الغلاف الكثيف المحيط بجسد كيليكا الشبيه بالعنكبوت يتمزّق ويتشوّه ويتمدّد. واسودادها تحوّل إلى حمرة، فيما اندفعت من جسدها عشرات المجسات القرمزية المصنوعة من أطراف بشرية مشوّهة، تزداد طولًا وضخامة.
لكن ذلك لم يكن كل شيء. ففي اللحظة التالية، ارتجّت المجسات المقطوعة! ثم بدأت جروحها تكتسب لونًا داكنًا وتذبل على مساحات واسعة. وأخيرًا—كأنها احترقت—تحولت بالكامل إلى رماد يتناثر في الهواء.
“وفقًا لمعلومات السيدة كالشّان، لا يزال هناك ما لا يقل عن عشرٍ من هذه الأشياء في مقاطعة الدرع ومحيطها. من حسن الحظ أننا أجلينا السكان في الوقت المناسب، وإلا لكانوا علفًا للوحوش، جلالتكم.” قال قاتل النجوم بوقار.
امتزج الدم واللحم والرماد في كتلة واحدة لحظة.
ازداد تجعّد حاجبي جيزا. لقد وجدت مصدر الصوت: كان الرجل يجرّ خلفه رمحًا معدنيًا بطول مترين. رأس الرمح الأسود كان يحتكّ بالأرض ويصدر صريرًا مزعجًا. شُخّصت عينا الصوفية على الرمح، وامتلأ بصرها بألوان غريبة.
لوّح الرجل بعباءته من جديد، وغرس النصل الغريب في جذور المجسات—ذلك المجس العملاق القرمزي.
تلألأت عينا الملك نوڤين، “أن تحاصر الجرذ في قفصه، وتقطع عنه كل قوّته وكل طريق يمكنه أن يهرب عبره!”
اهتزّ المجس بعنف. وبدأت فقاعات وبخار كثيف يندفعان من موضع الطعنة.
“هذه هي القدرة الفريدة للسلاح الأسطوري المضاد للصوفيين: رمح قاتل الأرواح.” بصق السياف الثقيل ذو الندوب، وقال “الإقصاء.”
وبدأ المجس يذبل ويسودّ… حتى تحوّل بالكامل إلى رماد يتلاشى.
كأنه… أعرج.
وحين انفصلت المجسات الصغيرة عن جذورها، بدا أنها أدركت شيئًا. فبدأت تهتزّ بجنون وتزحف مبتعدة في كل الاتجاهات—هربًا من ذلك الرجل المرعب.
(حتى لو عنى ذلك تدمير مدينة سحب التنين. حتى لو عنى ذلك فضح أمري. حتى لو…)
عندها ارتفعت أصوات خطوات متسارعة.
وخدش النصل الحاد كل مجس تقريبًا، مُخلِّفًا جروحًا متتابعة.
ظهر عشرات الرجال المقنّعين بملابس رمادية عند زاوية الشارع!
(حتى لو عنى ذلك تدمير مدينة سحب التنين. حتى لو عنى ذلك فضح أمري. حتى لو…)
كانت تجهيزاتهم مميزة: دروع ذراع، ونشاب خفيف، وسيوف ذات قبضات بيضاء. وبخطوات سريعة مدرّبة، قطعوا على المجسات كل مسار للهروب.
توقّف الرجل عند جيزا. استدار ونظر إلى الخرائب. كانت يد طفلٍ مقطوعة ملقاة هناك بصمت.
كانت حركاتهم خفيفة، وأجسادهم رشيقة. وكانوا هادئين.
هممم…
ثم رفعوا أذرعهم وهوت سيوفهم.
ارتجّت الهيدرا مع أكثر من عشرة من مجساتها العملاقة في آن واحد، وتعالت من داخلها أصوات لحم ودم ينضغطان ويتخدّشان بعضهما بعضًا.
شق! سواش! قَطع!
رفع الرجل الأعرج ذو الأذن الواحدة رمحه ونظر إلى جيزا بعينين باردتين.
هذه المرة، لم تتحول المجسات المقطوعة إلى رماد، بل نزفت دمًا قرمزيًا كأطراف بشرية عادية مصابة. إلا أن حياتها لم تكن بقوة جذورها، فبعد أن فقدت الكثير من الدم، سقطت وذبلت ببطء.
أومأ الملك، ووجهه مكفهر. “غليوارد انطلق بالفعل برمح قاتل الأرواح. تلك الكارثة لن تستمر في العبث طويلًا.”
الرجل الذي ظهر أولًا—قاتل النجوم، نيكولاس—نزع عباءته. وبوجهٍ مهيب، تقدّم نحو زاوية الشارع غير مكترث لرجاله المنهمكين في القضاء على المجسات. هناك، كان المزيد من حرّاس النصل الأبيض يرافقون رجلًا مسنًّا ذا هيبة.
هدّة!
“وفقًا لمعلومات السيدة كالشّان، لا يزال هناك ما لا يقل عن عشرٍ من هذه الأشياء في مقاطعة الدرع ومحيطها. من حسن الحظ أننا أجلينا السكان في الوقت المناسب، وإلا لكانوا علفًا للوحوش، جلالتكم.” قال قاتل النجوم بوقار.
رفع الملك العجوز رأسه نحو جرف السماء، حيث يقف تمثال الجندي الحامل للرمح.
قطّب نوڤين السابع حاجبيه وهو يراقب أحد حرّاس النصل الأبيض يطأ مجسا مرتعشًا ويقطعه من بعيد. وانسابت دماء قرمزية من جسده.
وتردّد من بعيد صوت انهيار تراب وصخور.
“لقد اختبرنا هذا. المعدات المضادة للصوفيين العادية لا تضمن سوى قدرتهم على الحركة الأساسية أثناء الاشتباك مع هذه الأشياء.” لاحظ نيكولاس نظرة الملك ولوّح بالنصل الغريب في يده قائلاً ببطء: “فقط المعدات الأسطورية المضادة للصوفيين مثل النصل قاطع الأرواح يمكنها القضاء على هذه المخلوقات البغيضة وحماية مستخدمها في الوقت ذاته.”
وفي تلك اللحظة، لم يتردد أي من حرّاس النصل الأبيض، بل استقاموا جميعًا وضربوا صدورهم بقبضات أيديهم اليمنى.
أومأ الملك، ووجهه مكفهر. “غليوارد انطلق بالفعل برمح قاتل الأرواح. تلك الكارثة لن تستمر في العبث طويلًا.”
كان يرتجف باستمرار، كأنه يمرّ بأبشع أنواع العذاب الوحشي.
“لكن هذه الأشياء لا تزال تنتشر. إنها تبحث عن مزيد من الناس كغذاء.” قال موظف ذو مظهر عسكري خلف الملك بقلق: “لقد ظهرت حتى هنا. وستنتشر خارج مقاطعة الدرع في النهاية، لتلحق بالسكان الذين أجليناهم إلى المقاطعات الأخرى، بل وحتى أولئك خارج المدينة.
خطوة بعد خطوة، اقترب ذلك الشخص من بين الضباب ببطء.
“وبالامتصاص، يمكنها أن تزداد قوة بلا توقف؛ وإذا استمر الحال هكذا، فإن مدينة سحب التنين بأكملها…”
كأن الرمح يحيا.
رفع الملك نوڤين يده فجأة وأوقف تقرير تابعه. وتلألأت عيناه بالغضب… وبالعزم.
هممم…
وبعد قليل، كانت المجسات في هذه المقاطعة قد أُزيلت تقريبًا بالكامل.
هممم…
قبض الملك نوڤين يديه بقوة، ورفع بصره ليتفحّص المحاربين حوله. وصاح بأعلى صوته: “حرّاس النصل الأبيض!”
بووم!
استدار جميع حرّاس النصل الأبيض مع نيكولاس معًا وهتفوا: “سيدي!”
بدت أنسجتها كأنها تتكاثر بلا نهاية، وهي تمد مجساتها وتحفر عميقًا في الأرض.
والتقت نظراتهم الحادّة بنظرة ملك الشمال.
وبعد قليل، كانت المجسات في هذه المقاطعة قد أُزيلت تقريبًا بالكامل.
تقدّم الملك نوڤين خطوة ثقيلة. وكانت عيناه مشتعلة بالغضب وهو يحدّق في كل واحد من حرّاسه الشخصيين—حرّاس النصل الأبيض النخبة. حرس الإمبراطور. أقوى رجال إكستيدت.
كانت في تلك اللحظة هادئة ووديعة، كأنها فتاة نقية عادية. لامست الصوفية كيليكا برفق، وكانت كلماتها بسيطة وناعمة: “أنتِ تعرفين رائحته، وتدركين حضوره، وألفتِ دمه.”
وتردّد من بعيد صوت انهيار تراب وصخور.
وفي إحدى المقاطعات النبيلة إلى الشمال، دمّر مجس عملاق مماثل بيتًا حجريًا كاملًا في قمة مقاطعة السيف. شقّ الحجر والصخور، وانفجر نحو السماء.
أخذ الملك نوڤين نفسًا عميقًا، وتأجّجت النار في عينيه.
تجمّد نيكولاس دهشة؛ وفي تلك اللحظة لم ينطق بكلمة، بل شدّ أسنانه وهزّ رأسه بوقار.
وانطلقت من الملك العجوز كلمات ثابتة صلبة، دوت في آذان الجميع: “قولوا لي يا شباب! حين تحتاج إكستيدت حمايتكم… وحين يحتاج الشمال هجومكم الجسور… أو يحتاج إلى أن تُضحّوا بأرواحكم… وأن تُريقوا دماءكم…”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
استدار الملك نوڤين. ونظر إلى الهيدرا القرمزية الضخمة وظلّها الهائل الباهت. وزأر في غضب:
بدأ جسد كيليكا يلتوي بشكل خارج عن السيطرة فجأة.
“هل ستترددون؟ أجيبوني!”
نظرت حولها إلى الخراب في الشوارع، وهزت رأسها.
وفي تلك اللحظة، لم يتردد أي من حرّاس النصل الأبيض، بل استقاموا جميعًا وضربوا صدورهم بقبضات أيديهم اليمنى.
“أليس كذلك، يا كارثة؟”
دمدمة!
غير أنّ ذلك الشخص في الضباب لم يتحرّك إلا قليلًا.
تردّدت الضربات معًا كأنها من رجل واحد. كانت مهيبة وصادمة.
“ما حدث قبل قليل كان مجرد تحية. أنتِ تعلمين أصل هذا السلاح.” نقر غليوارد على الرمح المخيف في يده وقال بنعومة، “عندما استلمته قبل عشر سنوات، كاد ميرك أن يُسقِط أذني الأخرى من كثرة التذمّر.”
وأطلق المحاربون النخبة زئيرًا مدويًا: “لن نتردد، يا مولاي!”
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
استدار الملك نوڤين وسلّ سيفه.
صررر…
شينغ!
“اقضوا عليهم جميعًا!”
وملأ وجهه الوقار، فأومأ لحرسه الشخصيين. “حسنًا! نيكولاس، أنت مسؤول عن الانتشار!”
وتردّد من بعيد صوت انهيار تراب وصخور.
جثا قاتل النجوم على ركبة واحدة. وكان وجهه مهيبًا وممتلئًا بالاحترام وهو يضرب صدره بقبضته.
اندفع رمح قاتل الأرواح بنصلٍ قاتل لا يُردّ.
“على جميع حرّاس النصل الأبيض أن يُجهّزوا بمعدات مضادة للصوفيين. تحركوا على طول حدود مقاطعة الدرع.” قال الملك نوڤين بثبات لقائد حرّاسه: “سواء كان التأخير أو الاعتراض أو القتل—أبقوا تلك الأشياء محصورة داخل مقاطعة الدرع! لا يحق لها حتى أن تُفكّر في لمس أحد أبناء الشمال!”
“هيا، ابحثي عنه.”
أومأ نيكولاس بحزم ونهض لإصدار أوامره.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“تقسيم إلى ثمانية فِرَق لا يقل عدد كل منها عن ثلاثين. اختبروا المعدات المضادة للصوفيين، واجلبوا سهام الإشارة، وأطلقوها وفق بروتوكولات الحرب.” قال قاتل النجوم ببرود وهو ينظر إلى رجاله: “تشكيل دوائر من خمسة رجال كُلِّية، والتركيز على مواجهة تلك الأشياء. القطع والتمزيق هما الأسلوبان الأكثر فعالية. انتبهوا لخطواتكم، لا تدعوا أنفسكم تُحاصرون.”
ارتفع صوت يُشبه اختراق السلاح للحم.
ركل نيكولاس مجسا ضخمًا يابسًا أسود ذابلًا. ولوّح بنصل قاطع الأرواح. “وإذا واجهتم شيئًا بهذا الحجم، فأرسلوا إشارة تبلغونني فيها!”
لكن الملك نوڤين هزّ رأسه. “سأذهب معكم.”
تنهد الملك نوڤين.
بعد بضع ثوانٍ، قالت جيزا أخيرًا بفتور وهي تربّت على كيليكا وتلهث، “بعد أكثر من ستمئة عام… حامل رمح قاتل الأرواح… يصبح رجلاً أعرج مثلك؟”
“قالت كالشّان إن تلك الكارثة كلما واجهت عددًا أكبر من الناس ازدادت قوة، لذا لن يكون لكم أي تعزيزات.” مد الملك يده اليمنى ووضعها بقوة على كتف نيكولاس الأيمن. وكانت عيناه تنظران إلى الأمام مباشرة. “لا الدوريات ولا المجندون يملكون معدات مضادة للصوفيين. إرسالهم سيكون إرسالهم الى حتفهم عبثًا.”
قصف!
“آمالُنا معلّقة على غليوارد وعليك، وعلى رمح قاتل الأرواح ونصل قاطع الأرواح.
امتدت نحو كيليكا… ثم نحو جيزا.
“غليوارد يبحث عن تلك الكارثة بالفعل. لا شيء يتفوّق على رمح قاتل الأرواح في مواجهتها، وما عليك فعله الآن هو…”
“هذه هي منطقة الدرع، المكان القذر الذي تهبط عليه الثلوج السوداء.” قال الرجل الأعرج ببرود. مسح ببصره على الحطام من حوله، وارتسمت لمحة ألم في عينيه.
تلألأت عينا الملك نوڤين، “أن تحاصر الجرذ في قفصه، وتقطع عنه كل قوّته وكل طريق يمكنه أن يهرب عبره!”
تقدّم الملك نوڤين خطوة ثقيلة. وكانت عيناه مشتعلة بالغضب وهو يحدّق في كل واحد من حرّاسه الشخصيين—حرّاس النصل الأبيض النخبة. حرس الإمبراطور. أقوى رجال إكستيدت.
تبادل نيكولاس نظرة ذات معنى مع الملك، ثم هزّ رأسه بقوة واحترام. “لن نواجه أي مشكلة يا جلالتكم.”
التفت نوڤين السابع نحو الهيدرا في الأفق. أخذ نفسًا عميقًا وقال ببطء، “المجرمون المجانين الذين اكتسبوا ديون الدم في شمالنا، سواء قبل ستمئة عام أو الآن.”
“انتظروا في القصر خبر انتصارنا وعودتنا.”
“منطقة الدرع مكانٌ يبعث على الأسى.” ومع انقشاع الضباب تدريجيًا، انكشف رجل قوي وجسور. “يخفي أحلك، وأكثر ألوان مدينة سحب التنين غموضًا، تحت مظهر أهل الشمال الواسع المتسامح.”
لكن الملك نوڤين هزّ رأسه. “سأذهب معكم.”
كانت عينا الملك نوڤين تحملان مهابة لا تقبل الجدل. “ولم أتردّد يومًا في هذا. أينما وُجد حرّاس النصل الأبيض، فذلك أأمن مكان في العالم.
في تلك اللحظة، اتّسعت عينا نيكولاس.
شِقّ!
“يا جلالتكم، المقدّمة ليست آمنة…”
الرجل الذي ظهر أولًا—قاتل النجوم، نيكولاس—نزع عباءته. وبوجهٍ مهيب، تقدّم نحو زاوية الشارع غير مكترث لرجاله المنهمكين في القضاء على المجسات. هناك، كان المزيد من حرّاس النصل الأبيض يرافقون رجلًا مسنًّا ذا هيبة.
بصرامة، رفع الملك نوڤين يده وأوقفه.
بدورة خاطفة من ذراعي الرجل، اندفع الرمح ليُحدث هبّة هواء. توجه رأس الرمح الأسود نحو جيزا، واهتزّ اهتزازًا خفيفًا.
“أكثر من نصف حرّاس النصل الأبيض هنا، وقصر الروح البطولية لم يعد أكثر أمنًا من هذا المكان الآن.”
“ما حدث قبل قليل كان مجرد تحية. أنتِ تعلمين أصل هذا السلاح.” نقر غليوارد على الرمح المخيف في يده وقال بنعومة، “عندما استلمته قبل عشر سنوات، كاد ميرك أن يُسقِط أذني الأخرى من كثرة التذمّر.”
كانت عينا الملك نوڤين تحملان مهابة لا تقبل الجدل. “ولم أتردّد يومًا في هذا. أينما وُجد حرّاس النصل الأبيض، فذلك أأمن مكان في العالم.
بصرامة، رفع الملك نوڤين يده وأوقفه.
“هل تخالفني الرأي؟”
وبعد قليل، كانت المجسات في هذه المقاطعة قد أُزيلت تقريبًا بالكامل.
تجمّد نيكولاس دهشة؛ وفي تلك اللحظة لم ينطق بكلمة، بل شدّ أسنانه وهزّ رأسه بوقار.
وفي تلك اللحظة، ظهر شخص نحيل بعباءة بيضاء من أحد الزوايا، وهبط أمام جذور المجسات. حينها، شعرت المجسات بوجود لحمٍ قريب.
أبعد الملك نوڤين يده عن كتفه وابتسم علنًا. “هيا، يا شجعاني. اليوم، على أرض موطننا، سندخل معركة بين البشر وغير البشر.”
“كل سلاح أسطوري مضاد للصوفيين خُلق لمواجهة واحد أو أكثر منهم، وهذا الرمح صُنع خصيصًا لمواجهتكِ.”
رفع الملك العجوز رأسه نحو جرف السماء، حيث يقف تمثال الجندي الحامل للرمح.
عندها ارتفعت أصوات خطوات متسارعة.
“اليوم، سنسير على خطى رايكارو… لنقتل هذه الكارثة الأسطورية.”
ثم رفعوا أذرعهم وهوت سيوفهم.
ساد الصمت بين حرّاس النصل الأبيض. ضاقت حدقتا نيكولاس وهو يشدّ قبضته على سلاحه.
“آمالُنا معلّقة على غليوارد وعليك، وعلى رمح قاتل الأرواح ونصل قاطع الأرواح.
التفت نوڤين السابع نحو الهيدرا في الأفق. أخذ نفسًا عميقًا وقال ببطء، “المجرمون المجانين الذين اكتسبوا ديون الدم في شمالنا، سواء قبل ستمئة عام أو الآن.”
في تلك اللحظة، كان يمكن القول إن جيزا ستريلمان بدت بائسة، وعلى ملامحها ارتجاف محموم.
“الوحوش العبثية التي جلبت الكوارث، وقتلت لآلاف السنين. الأشرار الذين يقتاتون على المجازر والدماء. الحثالة الذين يروننا كأننا حشرات.”
“ما حدث قبل قليل كان مجرد تحية. أنتِ تعلمين أصل هذا السلاح.” نقر غليوارد على الرمح المخيف في يده وقال بنعومة، “عندما استلمته قبل عشر سنوات، كاد ميرك أن يُسقِط أذني الأخرى من كثرة التذمّر.”
قبض الملك نوڤين قبضتيه، وتلألأت عيناه بوحشية.
هدّة!
“اقضوا عليهم جميعًا!”
“انتظروا في القصر خبر انتصارنا وعودتنا.”
…..
“وفقًا لمعلومات السيدة كالشّان، لا يزال هناك ما لا يقل عن عشرٍ من هذه الأشياء في مقاطعة الدرع ومحيطها. من حسن الحظ أننا أجلينا السكان في الوقت المناسب، وإلا لكانوا علفًا للوحوش، جلالتكم.” قال قاتل النجوم بوقار.
انهارت جيزا فجأة على الأرض. وجهها الذي كان محمرًّا صار شاحبًا ومنكمشًا دفعة واحدة، بل إن السواد القاتم على بشرتها أخذ يزداد قتامة!
وبدأ المجس يذبل ويسودّ… حتى تحوّل بالكامل إلى رماد يتلاشى.
خلف جيزا، ارتجفت الهيدرا، كيليكا، ارتجافًا هستيريًا بعدما شعرت بحالة سيّدتها. وبحركة كيليكا، اندفعت عدة مجسّات أخرى من حول ذلك الرجل وسط الدخان، متجهة نحو الضيف غير المرحّب به.
بدأ جسد كيليكا يلتوي بشكل خارج عن السيطرة فجأة.
شقّ! شِك!
تجمّد نيكولاس دهشة؛ وفي تلك اللحظة لم ينطق بكلمة، بل شدّ أسنانه وهزّ رأسه بوقار.
دوّى صوتان لاختراق لحم بسلاح من وسط السديم.
“درو غليوارد، سياف ثقيل من مدينة سحب التنين. حاضر للخدمة.” قال بصوت منخفض. وهو يمسك رمح قاتل الأرواح، قال غليوارد الأعرج ببرود، “فقط لأقول… إن منطقة الدرع كلّها تحت حمايتي.”
“آه… لا! كيليكا، ذاكـ—” صرخت جيزا من الألم، وارتجف جسدها بالكامل، وازداد وجهها شحوبًا كأنها تتعذّب.
(كما هو متوقّع… لا يزال الكثير من الوقت قد ضاع.)
بدأ جسد كيليكا يلتوي بشكل خارج عن السيطرة فجأة.
“لقد اختبرنا هذا. المعدات المضادة للصوفيين العادية لا تضمن سوى قدرتهم على الحركة الأساسية أثناء الاشتباك مع هذه الأشياء.” لاحظ نيكولاس نظرة الملك ولوّح بالنصل الغريب في يده قائلاً ببطء: “فقط المعدات الأسطورية المضادة للصوفيين مثل النصل قاطع الأرواح يمكنها القضاء على هذه المخلوقات البغيضة وحماية مستخدمها في الوقت ذاته.”
كرك!
في تلك اللحظة، تغيّرت هيبة الرجل الأعرج ذو الأذن الواحدة، كأنه عاد إلى ساحة حرب مدمّرة.
انشقّت الأرض بين الصوفية وبين الرجل، وامتدّ ذلك المجسّ الأحمر العملاق المنبثق من كيليكا ملتويًا في صراع يائس للخروج من الأرض.
ارتجّت الهيدرا مع أكثر من عشرة من مجساتها العملاقة في آن واحد، وتعالت من داخلها أصوات لحم ودم ينضغطان ويتخدّشان بعضهما بعضًا.
كان يرتجف باستمرار، كأنه يمرّ بأبشع أنواع العذاب الوحشي.
جرّ الرجل الرمح بثقل بيده اليمنى، ولما دار جسده، بدا نصفه الأيسر. رأت جيزا بوضوح أبرز ملامحه: هذا الرجل بلا أذن يسرى. لم يبقى سوى ثُقب مستدير—كما لو قُطعت من الجذور.
ابتداءً من الرجل وسط الضباب، بدأ ذلك المجسّ المكوّن من أطراف بشرية ممزّقة يتسوّد ويتيبّس بسرعة.
نهضت جيزا من الأرض، وقطّبت حاجبيها قليلًا.
كقطعة قماش نُقعت في الحبر، راحت البقع السوداء المتصلّبة تنتشر على طول جذعه.
صررر…
امتدت نحو كيليكا… ثم نحو جيزا.
هدّة!
رفعت صوفية الدم وجهها المتسوّد المنكمش، وعضّت أسنانها وقالت بغضب عارم: “لا تحلمي بذلك!”
زخمٌ لا يُقهر، كأنه يهجم في قلب معركة.
وفي اللحظة التالية، قبل أن يصل المجسّ المتسود والمتقلّص إلى كيليكا بتلك الوتيرة المرعبة…
بصرامة، رفع الملك نوڤين يده وأوقفه.
انتفخ من قاعدته وانفجر فجأة!
“اليوم، سنسير على خطى رايكارو… لنقتل هذه الكارثة الأسطورية.”
بووم!
اندفع سيلٌ هائل من الدماء.
ركل الأرض بساقه السليمة ركلة مزلزلة، وانطلق جسده القوي المليء بالندوب بقوة مذهلة نحو جيزا الشاحبة.
في تلك اللحظة، كان يمكن القول إن جيزا ستريلمان بدت بائسة، وعلى ملامحها ارتجاف محموم.
“لكن مهما كانوا، لم يكن أمامهم خيار سوى الاعتماد على غيرهم من أجل لقمة واحدة في هذا المكان الرديء المسمّى منطقة الدرع، الحيّ الذي لا يملك حتى جدارًا كاملًا يصدّ الرياح والثلوج.”
كما لو أنّ سحليةً تخلّت عن ذيلها لتعيش. ولو تأخرت لحظة واحدة، لتعرّضت لضرر لا يمكن إصلاحه.
كانت الفتاة التي دائمًا ما تبتسم تنظر الآن إلى الرمح بلا تعبير، بعينين ثابتتين، كأنها تذكرت شيئًا.
وبعد أن بلغت البقع السوداء المنكمشة نقطة الانفجار فلم يعد بإمكانها التقدّم، تحوّل المجسّ العملاق بالكامل إلى غصن يابس عديم الفائدة.
ساد الصمت بين حرّاس النصل الأبيض. ضاقت حدقتا نيكولاس وهو يشدّ قبضته على سلاحه.
لم يبقَ في الجو إلا صوت أنفاس جيزا اللاهثة وهي ملقاة على الأرض. وبدأ لون وجهها يستعيد احمراره أخيرًا. رفعت رأسها، وعضّت أسنانها، وحدّقت أمامها.
لوّح الرجل بعباءته من جديد، وغرس النصل الغريب في جذور المجسات—ذلك المجس العملاق القرمزي.
حدّقت صوب الرجل الذي كان يشقّ طريقه نحوها عبر الدخان، مقتربًا ببطء… تصحبه صرخة مزعجة.
خلف جيزا، ارتجفت الهيدرا، كيليكا، ارتجافًا هستيريًا بعدما شعرت بحالة سيّدتها. وبحركة كيليكا، اندفعت عدة مجسّات أخرى من حول ذلك الرجل وسط الدخان، متجهة نحو الضيف غير المرحّب به.
صررر…
وفي اللحظة التالية، قبل أن يصل المجسّ المتسود والمتقلّص إلى كيليكا بتلك الوتيرة المرعبة…
نهضت جيزا من الأرض، وقطّبت حاجبيها قليلًا.
صررر…
كان القادم إنسانًا طويل القامة، لكن خطواته كانت غريبة—كلما خطا، جرّ ساقه اليمنى خلفه.
اندفع مجس متوسّط الحجم من تحت الأرض بجانب تلك الهيئة مباشرة. وفي خضم الدخان، اندفعت المزيد من المجسات نحو الضيف غير المرحّب به.
كأنه… أعرج.
“في إكستيدت العظيمة، في قصر الروح البطولية، في مجد الشمال المشرّف، كنا نكافح لنلتقط أنفاسنا كرجال يحتضرون. كنا أكثر شمالية من أشد رجال الشمال.”
صررر…
ساد الصمت بين حرّاس النصل الأبيض. ضاقت حدقتا نيكولاس وهو يشدّ قبضته على سلاحه.
ظلّ الصوت المزعج في الجو، كأن أدوات معدنية مصقولة تُسحب على أرض خشنة.
ركل الأرض بساقه السليمة ركلة مزلزلة، وانطلق جسده القوي المليء بالندوب بقوة مذهلة نحو جيزا الشاحبة.
وأخيرًا، جاء صوت أجشّ من خلف الستار الدخاني.
“رمح قاتل الأرواح، السلاح المهيب للملك رايكارو. كل الحياة في هذا العالم—من التنانين إلى النمل، من الشياطين إلى النبات—ما إن يُطعَن أحدهم بهذا الرمح،”—حدّق غليوارد في رأس الرمح، واشتعلت عيناه—”حتى تختفي كل حياة من جسده بالكامل.”
“منطقة الدرع مكانٌ يبعث على الأسى.” ومع انقشاع الضباب تدريجيًا، انكشف رجل قوي وجسور. “يخفي أحلك، وأكثر ألوان مدينة سحب التنين غموضًا، تحت مظهر أهل الشمال الواسع المتسامح.”
وانطلقت من الملك العجوز كلمات ثابتة صلبة، دوت في آذان الجميع: “قولوا لي يا شباب! حين تحتاج إكستيدت حمايتكم… وحين يحتاج الشمال هجومكم الجسور… أو يحتاج إلى أن تُضحّوا بأرواحكم… وأن تُريقوا دماءكم…”
صررر…
“هل ستترددون؟ أجيبوني!”
استمرّ الصوت.
قالت جيزا بازدراء، “كيف صار في هذا العصر… شخص من الفئة الفائقة فقط… قادرًا على التحكم بسلاح أسطوري مضاد للصوفيين؟”
كان الرجل الأعرج في الثلاثين أو الأربعين من عمره. ملامحه مسطّحة أغلبها، إلا أن أنفه مرتفع. ولحيته الخفيفة على ذقنه منحته مظهرًا خشنًا.
جثا قاتل النجوم على ركبة واحدة. وكان وجهه مهيبًا وممتلئًا بالاحترام وهو يضرب صدره بقبضته.
“بعض الناس وُلدوا في هذا المكان البائس، ولم يرثوا من آبائهم سوى الفقر والمشقّة. وما اكتسبوه كان الصلابة والصبر.”
“انتظروا في القصر خبر انتصارنا وعودتنا.”
تابع الرجل عرجه، وصوته مفعم بالحزن.
كان الرجل الأعرج في الثلاثين أو الأربعين من عمره. ملامحه مسطّحة أغلبها، إلا أن أنفه مرتفع. ولحيته الخفيفة على ذقنه منحته مظهرًا خشنًا.
صررر…
جرّ الرجل الرمح بثقل بيده اليمنى، ولما دار جسده، بدا نصفه الأيسر. رأت جيزا بوضوح أبرز ملامحه: هذا الرجل بلا أذن يسرى. لم يبقى سوى ثُقب مستدير—كما لو قُطعت من الجذور.
ازداد تجعّد حاجبي جيزا. لقد وجدت مصدر الصوت: كان الرجل يجرّ خلفه رمحًا معدنيًا بطول مترين. رأس الرمح الأسود كان يحتكّ بالأرض ويصدر صريرًا مزعجًا. شُخّصت عينا الصوفية على الرمح، وامتلأ بصرها بألوان غريبة.
زخمٌ لا يُقهر، كأنه يهجم في قلب معركة.
“بعضهم أراد أن يرتقي، فعبروا الأرض والماء ليصلوا إلى هنا. تبادلوا حاضرهم—أثمن ما يملكون—بمستقبل مجهول، فقط ليتركوا شيئًا يستحق التذكّر، لأنفسهم، ولعائلاتهم، وللأجيال القادمة.”
لكن ذلك لم يكن كل شيء. ففي اللحظة التالية، ارتجّت المجسات المقطوعة! ثم بدأت جروحها تكتسب لونًا داكنًا وتذبل على مساحات واسعة. وأخيرًا—كأنها احترقت—تحولت بالكامل إلى رماد يتناثر في الهواء.
جرّ الرجل الرمح بثقل بيده اليمنى، ولما دار جسده، بدا نصفه الأيسر. رأت جيزا بوضوح أبرز ملامحه: هذا الرجل بلا أذن يسرى. لم يبقى سوى ثُقب مستدير—كما لو قُطعت من الجذور.
“لا يملكون قوة لا تُقهر، ولا إنجازات عظيمة، ولا مجدًا مشرّفًا، ولا ألقابًا نبيلة، لكنهم مع ذلك يشدّون أسنانهم، ويبتلعون غصّتهم، ويبكون، ويشدّون عضلاتهم، ويكافحون ليعيشوا.”
“لكن مهما كانوا، لم يكن أمامهم خيار سوى الاعتماد على غيرهم من أجل لقمة واحدة في هذا المكان الرديء المسمّى منطقة الدرع، الحيّ الذي لا يملك حتى جدارًا كاملًا يصدّ الرياح والثلوج.”
ولم يطل الأمر حتى ارتجّت المجسات دفعة واحدة، لتكبر وتتفرّع وتمتد في كل الاتجاهات.
“في هذا المكان، هناك من يتعجّل الشهرة ويضيق على الناس، وهناك من يعيش أمّيًا مرتجفًا في الخوف، وهناك من يقضي عمره وحيدًا يأسًا مثقّلًا بالجروح، وهناك من يسلك الطريق الأحمق الغاضب.”
اندفع سيلٌ هائل من الدماء.
صررر…
ولم يطل الأمر حتى ارتجّت المجسات دفعة واحدة، لتكبر وتتفرّع وتمتد في كل الاتجاهات.
تابع الرجل تقدمه بعرجه، وملامحه غارقة في الكآبة، وصوته غائم.
وفي اللحظة التالية، تغيّر تعبير جيزا بسرعة، وركعت على ركبتيها.
“كانوا مجرد بشر عاديين، لكنهم أيضًا مساكين. ومع ذلك، ما زالوا يعملون لأقوى رجال إكستيدت، ويؤدّون أقذر الأعمال بقلوب راضية وابتسامات ثابتة، وهي سمة فريدة في أهل الشمال. يأخذون أقل الأجور، ويعيشون بأضعف الآمال، ويصارعون أقسى حياة.”
“بعض الناس وُلدوا في هذا المكان البائس، ولم يرثوا من آبائهم سوى الفقر والمشقّة. وما اكتسبوه كان الصلابة والصبر.”
“لا يملكون قوة لا تُقهر، ولا إنجازات عظيمة، ولا مجدًا مشرّفًا، ولا ألقابًا نبيلة، لكنهم مع ذلك يشدّون أسنانهم، ويبتلعون غصّتهم، ويبكون، ويشدّون عضلاتهم، ويكافحون ليعيشوا.”
أومأ نيكولاس بحزم ونهض لإصدار أوامره.
توقّف الرجل عند جيزا. استدار ونظر إلى الخرائب. كانت يد طفلٍ مقطوعة ملقاة هناك بصمت.
“غليوارد يبحث عن تلك الكارثة بالفعل. لا شيء يتفوّق على رمح قاتل الأرواح في مواجهتها، وما عليك فعله الآن هو…”
ثم استدار نحوها ثانية. وهذه المرّة، ثبت بصره عليها مباشرة. في عينيه خليط من اللامبالاة، والوحدة، والخذلان، والألم، والبغض… وسكون قاتل.
انهارت جيزا فجأة على الأرض. وجهها الذي كان محمرًّا صار شاحبًا ومنكمشًا دفعة واحدة، بل إن السواد القاتم على بشرتها أخذ يزداد قتامة!
“هذه هي منطقة الدرع، المكان القذر الذي تهبط عليه الثلوج السوداء.” قال الرجل الأعرج ببرود. مسح ببصره على الحطام من حوله، وارتسمت لمحة ألم في عينيه.
(كما هو متوقّع… لا يزال الكثير من الوقت قد ضاع.)
“في إكستيدت العظيمة، في قصر الروح البطولية، في مجد الشمال المشرّف، كنا نكافح لنلتقط أنفاسنا كرجال يحتضرون. كنا أكثر شمالية من أشد رجال الشمال.”
“لكن مهما كانوا، لم يكن أمامهم خيار سوى الاعتماد على غيرهم من أجل لقمة واحدة في هذا المكان الرديء المسمّى منطقة الدرع، الحيّ الذي لا يملك حتى جدارًا كاملًا يصدّ الرياح والثلوج.”
رفع الرجل الأعرج ذو الأذن الواحدة رمحه ونظر إلى جيزا بعينين باردتين.
“وأنتِ… تريدين انتزاع هذه الفرصة البائسة منا—الفرصة التي نشدّ فيها أسناننا، ونصارع لنحيي الأمل.”
“وأنتِ… تريدين انتزاع هذه الفرصة البائسة منا—الفرصة التي نشدّ فيها أسناننا، ونصارع لنحيي الأمل.”
“الوحوش العبثية التي جلبت الكوارث، وقتلت لآلاف السنين. الأشرار الذين يقتاتون على المجازر والدماء. الحثالة الذين يروننا كأننا حشرات.”
أغمض الرجل عينيه برفق، وشدّ قبضته على الرمح. خرج كلامه متفجّرًا بالألم. “في نظرك، نحن… مجرد حشرات… تدوسين عليها وتعبثين بها كما تشائين.”
عندها ارتفعت أصوات خطوات متسارعة.
“أليس كذلك، يا كارثة؟”
اختفى جنون جيزا وهوسها الذي ظهر قبل لحظات، واختفت معه البقع الأرجوانية على وجهها.
زفرت صوفية الدم طويلًا، وغدت عيناها مثقلتين. لم تردّ على كلامه، كأنها لا تريد أن تهدر وقتًا. ثبّتت نظرها على الرمح فقط.
“كل سلاح أسطوري مضاد للصوفيين خُلق لمواجهة واحد أو أكثر منهم، وهذا الرمح صُنع خصيصًا لمواجهتكِ.”
بعد بضع ثوانٍ، قالت جيزا أخيرًا بفتور وهي تربّت على كيليكا وتلهث، “بعد أكثر من ستمئة عام… حامل رمح قاتل الأرواح… يصبح رجلاً أعرج مثلك؟”
وأطلق المحاربون النخبة زئيرًا مدويًا: “لن نتردد، يا مولاي!”
أطلق الرجل نفخة ساخرة.
تجمّد نيكولاس دهشة؛ وفي تلك اللحظة لم ينطق بكلمة، بل شدّ أسنانه وهزّ رأسه بوقار.
رفعت صوفية الدم رأسها نحو جرف السماء، نحو تمثال رايكارو إكستيدت البطل البشري، ثم نظرت إلى الرجل الأعرج ذو الأذن الواحدة. قطّبت.
زفرت جيزا بخفة، وعلى وجهها تعبير غريب. “دم ذلك الفتى… الفتى الذي ترغبين في التهامه حتى في أحلامك.”
كأنها تقارن.
ساد الصمت بين حرّاس النصل الأبيض. ضاقت حدقتا نيكولاس وهو يشدّ قبضته على سلاحه.
بعد لحظات، تنهدت جيزا تنهيدة طويلة.
اندفع رمح قاتل الأرواح بنصلٍ قاتل لا يُردّ.
“أليس الاختلاف مهوولًا؟”
انهارت جيزا فجأة على الأرض. وجهها الذي كان محمرًّا صار شاحبًا ومنكمشًا دفعة واحدة، بل إن السواد القاتم على بشرتها أخذ يزداد قتامة!
حدّق الرجل إليها دون أن ينطق.
كانت تجهيزاتهم مميزة: دروع ذراع، ونشاب خفيف، وسيوف ذات قبضات بيضاء. وبخطوات سريعة مدرّبة، قطعوا على المجسات كل مسار للهروب.
قالت جيزا بازدراء، “كيف صار في هذا العصر… شخص من الفئة الفائقة فقط… قادرًا على التحكم بسلاح أسطوري مضاد للصوفيين؟”
“تقسيم إلى ثمانية فِرَق لا يقل عدد كل منها عن ثلاثين. اختبروا المعدات المضادة للصوفيين، واجلبوا سهام الإشارة، وأطلقوها وفق بروتوكولات الحرب.” قال قاتل النجوم ببرود وهو ينظر إلى رجاله: “تشكيل دوائر من خمسة رجال كُلِّية، والتركيز على مواجهة تلك الأشياء. القطع والتمزيق هما الأسلوبان الأكثر فعالية. انتبهوا لخطواتكم، لا تدعوا أنفسكم تُحاصرون.”
سوش!
هبطت المجسات بقوة تصمّ الآذان، فشقّت عشرات الأخاديد العميقة في الخرائب. وارتفع الغبار والدخان في الهواء.
بدورة خاطفة من ذراعي الرجل، اندفع الرمح ليُحدث هبّة هواء. توجه رأس الرمح الأسود نحو جيزا، واهتزّ اهتزازًا خفيفًا.
عندها ارتفعت أصوات خطوات متسارعة.
هممم…
الرجل الذي ظهر أولًا—قاتل النجوم، نيكولاس—نزع عباءته. وبوجهٍ مهيب، تقدّم نحو زاوية الشارع غير مكترث لرجاله المنهمكين في القضاء على المجسات. هناك، كان المزيد من حرّاس النصل الأبيض يرافقون رجلًا مسنًّا ذا هيبة.
كأن الرمح يحيا.
“أكثر من نصف حرّاس النصل الأبيض هنا، وقصر الروح البطولية لم يعد أكثر أمنًا من هذا المكان الآن.”
“درو غليوارد، سياف ثقيل من مدينة سحب التنين. حاضر للخدمة.” قال بصوت منخفض. وهو يمسك رمح قاتل الأرواح، قال غليوارد الأعرج ببرود، “فقط لأقول… إن منطقة الدرع كلّها تحت حمايتي.”
كانت في تلك اللحظة هادئة ووديعة، كأنها فتاة نقية عادية. لامست الصوفية كيليكا برفق، وكانت كلماتها بسيطة وناعمة: “أنتِ تعرفين رائحته، وتدركين حضوره، وألفتِ دمه.”
“أه؟” تجلّد وجه جيزا بالبرودة. عضّت على أسنانها، لكن ابتسامتها المعتادة لم تظهر. “إذًا عليك شكري.”
ركل الأرض بساقه السليمة ركلة مزلزلة، وانطلق جسده القوي المليء بالندوب بقوة مذهلة نحو جيزا الشاحبة.
نظرت حولها إلى الخراب في الشوارع، وهزت رأسها.
ومن بعيد، بدا وكأنه يمدّ سيفه في اتجاهات عديدة في آن واحد.
“رتّبتُ منزلك جيّدًا.”
ولم يطل الأمر حتى ارتجّت المجسات دفعة واحدة، لتكبر وتتفرّع وتمتد في كل الاتجاهات.
لم ينفعل غليوارد بكلامها. فقط جرّ ساقه العرجاء، وأخذ خطوة بطيئة نحوها.
أخذ الملك نوڤين نفسًا عميقًا، وتأجّجت النار في عينيه.
“ما حدث قبل قليل كان مجرد تحية. أنتِ تعلمين أصل هذا السلاح.” نقر غليوارد على الرمح المخيف في يده وقال بنعومة، “عندما استلمته قبل عشر سنوات، كاد ميرك أن يُسقِط أذني الأخرى من كثرة التذمّر.”
استمرّ الصوت.
بدأت نظرات الرجل تزداد صفاء.
انهارت جيزا فجأة على الأرض. وجهها الذي كان محمرًّا صار شاحبًا ومنكمشًا دفعة واحدة، بل إن السواد القاتم على بشرتها أخذ يزداد قتامة!
“رمح قاتل الأرواح، السلاح المهيب للملك رايكارو. كل الحياة في هذا العالم—من التنانين إلى النمل، من الشياطين إلى النبات—ما إن يُطعَن أحدهم بهذا الرمح،”—حدّق غليوارد في رأس الرمح، واشتعلت عيناه—”حتى تختفي كل حياة من جسده بالكامل.”
“لا يملكون قوة لا تُقهر، ولا إنجازات عظيمة، ولا مجدًا مشرّفًا، ولا ألقابًا نبيلة، لكنهم مع ذلك يشدّون أسنانهم، ويبتلعون غصّتهم، ويبكون، ويشدّون عضلاتهم، ويكافحون ليعيشوا.”
في تلك اللحظة، تغيّرت هيبة الرجل الأعرج ذو الأذن الواحدة، كأنه عاد إلى ساحة حرب مدمّرة.
لم تتكلم جيزا، فرفع غليوارد رأسه ونطق كل كلمة ببرود، “هذه لمسة الموت. كل حياتك ستغادر جسدك بلمسة واحدة.”
لم تتكلم جيزا، فرفع غليوارد رأسه ونطق كل كلمة ببرود، “هذه لمسة الموت. كل حياتك ستغادر جسدك بلمسة واحدة.”
“هل تخالفني الرأي؟”
كانت الفتاة التي دائمًا ما تبتسم تنظر الآن إلى الرمح بلا تعبير، بعينين ثابتتين، كأنها تذكرت شيئًا.
هممم…
“هذه هي القدرة الفريدة للسلاح الأسطوري المضاد للصوفيين: رمح قاتل الأرواح.” بصق السياف الثقيل ذو الندوب، وقال “الإقصاء.”
اندفع مجس متوسّط الحجم من تحت الأرض بجانب تلك الهيئة مباشرة. وفي خضم الدخان، اندفعت المزيد من المجسات نحو الضيف غير المرحّب به.
سحب غليوارد الرمح، وراح يفحص خصمه.
وخدش النصل الحاد كل مجس تقريبًا، مُخلِّفًا جروحًا متتابعة.
“كل سلاح أسطوري مضاد للصوفيين خُلق لمواجهة واحد أو أكثر منهم، وهذا الرمح صُنع خصيصًا لمواجهتكِ.”
كانت في تلك اللحظة هادئة ووديعة، كأنها فتاة نقية عادية. لامست الصوفية كيليكا برفق، وكانت كلماتها بسيطة وناعمة: “أنتِ تعرفين رائحته، وتدركين حضوره، وألفتِ دمه.”
نفخ غليوارد بلطف على رأس الرمح. “كارثة الدم، عدوّة الحياة. سلاح أسطوري صيغ خصيصًا لكِ—أنتِ، التي لا يمكن ختمها بالطرق المعتادة.”
“تقسيم إلى ثمانية فِرَق لا يقل عدد كل منها عن ثلاثين. اختبروا المعدات المضادة للصوفيين، واجلبوا سهام الإشارة، وأطلقوها وفق بروتوكولات الحرب.” قال قاتل النجوم ببرود وهو ينظر إلى رجاله: “تشكيل دوائر من خمسة رجال كُلِّية، والتركيز على مواجهة تلك الأشياء. القطع والتمزيق هما الأسلوبان الأكثر فعالية. انتبهوا لخطواتكم، لا تدعوا أنفسكم تُحاصرون.”
في اللحظة التالية، اشرقت عينا غليوارد ببرودة خاطفة.
“آمالُنا معلّقة على غليوارد وعليك، وعلى رمح قاتل الأرواح ونصل قاطع الأرواح.
بووم!
“غليوارد يبحث عن تلك الكارثة بالفعل. لا شيء يتفوّق على رمح قاتل الأرواح في مواجهتها، وما عليك فعله الآن هو…”
ركل الأرض بساقه السليمة ركلة مزلزلة، وانطلق جسده القوي المليء بالندوب بقوة مذهلة نحو جيزا الشاحبة.
توقّف الرجل عند جيزا. استدار ونظر إلى الخرائب. كانت يد طفلٍ مقطوعة ملقاة هناك بصمت.
زخمٌ لا يُقهر، كأنه يهجم في قلب معركة.
“هل تخالفني الرأي؟”
اندفع رمح قاتل الأرواح بنصلٍ قاتل لا يُردّ.
كانت حركاتهم خفيفة، وأجسادهم رشيقة. وكانوا هادئين.
هممم…
تابع الرجل عرجه، وصوته مفعم بالحزن.
في الهواء، أطلق رأس الرمح الأسود اهتزازات فرِحة. راحت الاهتزازات تتسارع… كأن الرمح يتوق…
قطّب نوڤين السابع حاجبيه وهو يراقب أحد حرّاس النصل الأبيض يطأ مجسا مرتعشًا ويقطعه من بعيد. وانسابت دماء قرمزية من جسده.
… لإطلاق لمسة الموت.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
بووم!
“أليس كذلك، يا كارثة؟”
