نصل التطهير
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
صرخت صوفية الدم بألم، وهذه المرّة كانت صرخاتها أعلى من قبل. وامتدّت كتلة سوداء مرئية للعين من ذراعها اليسرى نحو كامل جسدها.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“إرسال آلاف آخرين إلى فم تلك الكارثة؟” قاطعهم الملك ساخطًا. “أبلغوهم: إنّ عائلة والتون تُقدّر ولاءهم، لكنّ هذه ليست معركة عادية. جيش ضخم لن يزيد الأمر إلا سوءًا!”
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
وبينما صرخت الصغيرة الشقية، تصاعدت التموجات الغريبة من جديد في جسد تاليس. أحسّ تاليس وكأنّ الزمن يبطؤ.
Arisu-san
(اللعنة!) شتم تاليس في نفسه، وهو يرى المجسّ يطير نحوه. (لا يمكن التملّص منه هذه المرة!)
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
في أطراف منطقة الدرع الخارجية، حوّل نيكولاس مجسًّا عملاقًا إلى رماد بضربة سريعة.
الفصل 173: نصل التطهير
اندفع نصل الرمح قرب خدّها الأيسر. وارتفع صوت احتراق، وبدأ خدّها يذوب.
….
كان الصوت صوت شيخٍ من مكان سحيق، كأنه يعبر طبقات من الألواح الخشبية.
توارى القمر في جهة الغرب.
وتحت سماء الليل، حدّقت العيون الثلاث المذعورة بعضها ببعض، وكلٌّ يحمل في وجهه تعبيرًا مختلفًا.
بانغ!
بانغ!
دَوّى انفجارٌ عالٍ من مركز منطقة الدرع. لقد غاصت الهيدرا المخيفة سابقًا، كيليكا، في الأرض مرة أخرى واختفت.
ومع تضحية الوحش بنفسه، تلاشى الألم عن وجه جيزا قليلًا. لكن في اللحظة التالية، كان غليوارد قد ظهر أمامها دون أن يغيّر ملامحه أو يكشف عن نيّة قتله. وغرس رمحه بقسوة.
وسط سحابة الغبار الماثلة، جرّ رجلٌ بأذنٍ واحدةٍ رمحًا معدنيًا طويلًا معه، يترنّح بعَرَج، لكن بخطى سريعة على نحوٍ مريب، صاعدًا فوق تلٍّ من الحطام.
لهثت جيزا الضعيفة. وارتعشت البقع القرمزية على وجنتَيها. حدّقت في نصل الرمح أمامها بنظرة غامضة، تحمل ما يشبه نصف ابتسامة.
ألقى غليوارد نظرةً حوله. وبطرف عينه لمحَ بعض المجسّات القرمزية وهي تحفر في الأرض بجنون.
“لا بدّ لي من أن أحمل قاطع الأرواح… لأنقذ غليوارد!”
رفع قائد منطقة الدرع رمحَ “قاتل الأرواح”، وقلب نصل الرمح.
هزّ الملك نوڤين رأسه وأومأ بإشارة صرف. “دعوا ليسبان يتولّى أمر هؤلاء النبلاء، بمن فيهم الآرشيدوقات. قولوا: ’الملك في رحلة صيد.’ وفي وقت كهذا، من الأفضل أن يحجموا عن تقديم ’نصائح’.”
بدأ رمح قاتل الأرواح يهتزّ حين أشار نحو يساره.
أدار غليوارد الرمح برباطة جأش. كان يعلم أن قدرة “الإقصاء” في السلاح قد أظهرت قوّتها الحقيقية.
هممم…
(شقيق… دمي؟)
لم يتردّد غليوارد أكثر، فاندفع بخطوات واسعة نحو الاتجاه المقصود.
انتشرت في جسده كلّه، تحرقه كاللهيب.
سويش!
وما إن خطرت له الفكرة، حتى اقشعرّ بدنه. لقد أدرك ماهية ذلك الشيء الدافئ اللزج الذي يُدلّك جسر أنفه بلا توقف.
بسرعة تفوق ما يقدر عليه البشر، اخترق نصلُ رمحه سحابة الغبار.
“الحزام الجلدي الكبير من حرّاس الجليد؟!”
بانغ!
طخ!
انفجرت خرائبٌ مهدّمة. وتجسّدت فتاةٌ رثة المظهر وسط الخرائب المتفجّرة، فتجنّبت نصل الرمح، وانطلقت مبتعدة بخفّة.
ومن داخل سحابة الغبار، اندفع مخلوق عملاق يلوّح بمجسّاته التي لا تُعدّ في قلب منطقة الدرع.
لم يُبطئ غليوارد. طارد جيزا بلا هوادة مستهدفًا رأسها.
صامدةً أمام الألم، رفعت صوفية الدم يدها اليسرى، نحو الوحش المحتضر، وهي تعضّ على أسنانها.
اندفع نصل الرمح قرب خدّها الأيسر. وارتفع صوت احتراق، وبدأ خدّها يذوب.
استلقى تاليس على الأرض، يلهث، مذهولًا ومصدومًا. وكانت يده اليمنى تؤلمه من فرط الإجهاد.
“اللعنة.”
“انتبه!” صرخ السيف الأسود.
وبينما كانت صوفية الدم تتمتم بالشتائم لنفسها، خرج عددٌ من المجسّات من تحت حاشية فستانها، دافعةً إيّاها بعيدًا عن رمح غليوارد.
ارتجف تاليس خوفًا.
“جيّد جدًا.” توقّف غليوارد عن التقدّم، وامتلأت عيناه بالعداء. قال بهدوء: “تابعي المراوغة… تابعي الهرب… تابعي الاختباء… فهذا ما كان يجب أن تفعليه، أيتها الكارثة.”
بدأ يسمع أصواتًا غريبة. أولها كان يشبه خفقان الدم في عروقه، ثم تشوّهت الأصوات وتحولت إلى هدير أمواج، ثم إلى انفجار بركان، ثم عواصف.
عاضّةً على أسنانها، حدّقت جيزا في غليوارد بنظرة حالكة، حتى انقضّ عليها مرة أخرى.
بانطلاقٍ حاد، انحرف نصل رمح قاتل الأرواح الأسود في الهواء كأنه امتلك وعيًا فجأة، وانثنى بزاوية محيّرة، وطعن يد جيزا اليسرى.
انخفضت وانطلقت عبر أنقاض مبنى. وتحرّكت المجسّات تحت تنّورتها بسرعة، مانحةً إياها سرعةً كالريح. بينما طاردها غليوارد بلا توقف.
(نصل… نصل التطهير؟)
بووم!
ارتبك بقية حرّاس النصل الأبيض.
فجأة، اندفع من الأرض قرب قدمي غليوارد وحشٌ قرمزيّ بأربع مجسّات ومخلبين شبيهين بمخالب السلطعون.
ارتجف تاليس، ثم أدرك أنهما لا ينظران إليه. فنظر إلى يده اليمنى وحدّق.
ثَمب!
عاضّةً على أسنانها، حدّقت جيزا في غليوارد بنظرة حالكة، حتى انقضّ عليها مرة أخرى.
توقّف الرجل الأعرج، داس على صخرة ضخمة ليكبح الاندفاع، ونجح في تفادي ضربة لم تكد تبعد عن أنفه.
لم يُبطئ غليوارد. طارد جيزا بلا هوادة مستهدفًا رأسها.
كان مخلوقًا مقززًا، شاذّ الشكل، مكوّنًا من عشرات الأطراف المبتورة اللزجة، باستثناء الجزء الذي بدا كأنه الرأس، إذ كان عينًا دوّارةً ضخمة.
رفع تاليس ذلك الشيء الغريب، فانطلقت حرارة من داخله—من قلبه نحو يده اليمنى—تتدفّق بسرعة!
قطّب غليوارد حاجبيه. “هذا هو ’مقاتلكِ‘؟”
ومع ذلك، لم يعد يهتم بالمجسّ المقزّز الذي يقيّده؛ إذ لم يشعر إلا بالاحتراق.
لم تُجِب جيزا، واكتفت بالتحديق إليه ببرود.
تلوّى المجسّ بعنف، لكنه لم يقدر على الإفلات.
تمدّد الوحش، ثم اتّخذ حجمًا وارتفاعًا يعادلان عدّة رجال مكتملين، وانقضّ على غليوارد من ستة اتجاهات مختلفة.
وكانت… العين… ترتجّ أسرع فأسرع؟
امتدت المجسّات نحو أطرافه. أحد المخلبين انقضّ على منطقة حوضه، والآخر استهدف رأسه. وبرغم هذه الهجمات القاتلة الوشيكة، بقي غليوارد ثابتًا لا يتحرّك، دون أي نية للمراوغة.
شعر بالألم والحرارة والتقلّصات تغزو كل جزء من بدنه، ظاهرًا وباطنًا، في كل نسيج، وكل خلية!
كانت عيناه مثبتتين على الصوفيّة.
توقّف الرجل الأعرج، داس على صخرة ضخمة ليكبح الاندفاع، ونجح في تفادي ضربة لم تكد تبعد عن أنفه.
“إنه قرار سيئ.” قال غليوارد ببرودٍ وهو على حاله، يراقب خصمه عن كثب.
وما إن قال ذلك حتى انطلق سهم الإشارة الرابع.
بعد ثانية، حوّل الأعرج نظره، ثم قذف رمح قاتل الأرواح في قوس. وفي اللحظة التي كانت ضربة العدوّ القاتلة ستلامس جسده، قطع الرمحُ مجسّ الوحش.
تمدّد الوحش، ثم اتّخذ حجمًا وارتفاعًا يعادلان عدّة رجال مكتملين، وانقضّ على غليوارد من ستة اتجاهات مختلفة.
شيك!
قبل أن يتحوّل تمامًا إلى رماد أسود، انفجر الوحش، وتناثرت الدماء في كل اتجاه.
ارتعش الوحش. واهتزّت مجسّاته ومخالبه التي كانت مدمّرة قبل لحظات، بلا سيطرة.
في أطراف منطقة الدرع الخارجية، حوّل نيكولاس مجسًّا عملاقًا إلى رماد بضربة سريعة.
عندما رأت جيزا ذلك، تشوّه وجهها وبدأ جسدها يرتجف.
“إشارات متعددة في الوقت نفسه. هناك تفسير واحد فقط، جلالتكم!” قال وهو يلهث، “هناك وحوش جديدة تشقّ طريقها خارج الأرض. ولذلك، فبالإضافة إلى الوحدة الأولى والخامسة، فقد اصطدمت بقية الوحدات أيضًا—”
وفي تلك الأثناء، اندفع غليوارد بسرعة إلى أسفل التلّ. خلفه، ارتعش الوحش، والتوى، ثم انشقّ مثل جمرة محترقة يابسة، وانهار.
رفع قائد منطقة الدرع رمحَ “قاتل الأرواح”، وقلب نصل الرمح.
“آآآاااه!!”
Arisu-san
على بُعد خمسة أمتار، لم تستطع جيزا منع نفسها من إطلاق صرخة أخرى. ارتجفت وهي تغطي وجهها الذي أخذ يسودّ تدريجيًا من شدة الألم.
وما إن خطرت له الفكرة، حتى اقشعرّ بدنه. لقد أدرك ماهية ذلك الشيء الدافئ اللزج الذي يُدلّك جسر أنفه بلا توقف.
“كيف هو الشعور؟” سأل غليوارد بصوت عميق. تقدّم بخطوات سريعة هادئة نحو خصمته غير البشرية. “كيليكا، أو الوحوش الأخرى التي صنعتِها، هي في جوهرها أنتِ، أليس كذلك؟”
(صحيح! ما يزال عندي…)
صامدةً أمام الألم، رفعت صوفية الدم يدها اليسرى، نحو الوحش المحتضر، وهي تعضّ على أسنانها.
كان المقذوف قويًّا ومحكمًا. ثبّت المجسّ على اللوح، مشلًّا حركته في الحال. وما يزال مقبض السيف الأحمر الصغير يرتجف.
سبلورش!
عندما رأت جيزا ذلك، تشوّه وجهها وبدأ جسدها يرتجف.
قبل أن يتحوّل تمامًا إلى رماد أسود، انفجر الوحش، وتناثرت الدماء في كل اتجاه.
اجتاحه الغثيان، وتعافى من هذيانه على الفور.
ومع تضحية الوحش بنفسه، تلاشى الألم عن وجه جيزا قليلًا. لكن في اللحظة التالية، كان غليوارد قد ظهر أمامها دون أن يغيّر ملامحه أو يكشف عن نيّة قتله. وغرس رمحه بقسوة.
(ما الذي أفعله؟!)
صرخت جيزا وتراجعت بسرعة بوجه عابس. لكن الأوان كان قد فات.
وبينما صرخت الصغيرة الشقية، تصاعدت التموجات الغريبة من جديد في جسد تاليس. أحسّ تاليس وكأنّ الزمن يبطؤ.
اندفعت قدرة الإبادة عبر جسد غليوارد كما يشاء، وتسارعت هجماته.
لكن تاليس هذه المرة لم يتمكّن من الردّ بسرعة؛ إذ انقضّ عليه المجسّ وأطبَقَه.
هس!
وبينما كانت صوفية الدم تتمتم بالشتائم لنفسها، خرج عددٌ من المجسّات من تحت حاشية فستانها، دافعةً إيّاها بعيدًا عن رمح غليوارد.
بانطلاقٍ حاد، انحرف نصل رمح قاتل الأرواح الأسود في الهواء كأنه امتلك وعيًا فجأة، وانثنى بزاوية محيّرة، وطعن يد جيزا اليسرى.
وقف ذلك الجسد بين جيزا وغليوارد.
“آاااااه!!!”
في أطراف منطقة الدرع الخارجية، حوّل نيكولاس مجسًّا عملاقًا إلى رماد بضربة سريعة.
صرخت صوفية الدم بألم، وهذه المرّة كانت صرخاتها أعلى من قبل. وامتدّت كتلة سوداء مرئية للعين من ذراعها اليسرى نحو كامل جسدها.
في ناحية أخرى من منطقة الدرع، دوّى صراخ السيف الأسود: “انحنِ!”
أدار غليوارد الرمح برباطة جأش. كان يعلم أن قدرة “الإقصاء” في السلاح قد أظهرت قوّتها الحقيقية.
اندفعت قدرة الإبادة عبر جسد غليوارد كما يشاء، وتسارعت هجماته.
وفي اللحظة التي لمس فيها رمح قاتل الأرواح جسدها، حوّلت جيزا دون تردّد يدها اليمنى إلى شفرة قرمزية.
ارتجف تاليس خوفًا.
كا-شاك!
لهثت جيزا الضعيفة. وارتعشت البقع القرمزية على وجنتَيها. حدّقت في نصل الرمح أمامها بنظرة غامضة، تحمل ما يشبه نصف ابتسامة.
وقبل أن يمتد السواد إلى جذعها، قطعت صوفية الدم، بوجهٍ صارم، ذراعها اليسرى.
لم تُجِب جيزا، واكتفت بالتحديق إليه ببرود.
سقطت الذراع على الأرض، ثم تورّمت وانفجرت، قبل أن تتحوّل إلى قطع فحم ورماد. قبضت جيزا على بقية ذراعها المبتورة، واتخذت خطوة إلى الخلف يائسةً من الألم.
انطلق صوت ارتطام معدني بدلًا من الطعنة التي توقّعها غليوارد. ممسكًا بالرمح بكلتا يديه، قطّب حاجبيه.
“أحسنتِ. هل تشعرين بالألم أصلًا؟” أبدى غليوارد استحسانه، لكنه لم ينوِ التخفيف عنها. كانت هيئة الفتاة ونصل الرمح المتفحّم السابح نحوها منعكسة في عينيه القاتمتين.
وفي تلك اللحظة، خمدت حرارة صدره ويده اليمنى تدريجيًا.
اندفع نصل الرمح نحو جيزا الرثة بووش!، وكاد يطعن وجهها—
وظهرت خطوط من عروقٍ قرمزية متشعّبة على وجنتَي جيزا.
غطّت جيزا جذع ذراعها المبتورة، وعضّت على أسنانها. كان بريق اليأس مشتعلًا في نظرتها الموجّهة لغليوارد.
انفجرت خرائبٌ مهدّمة. وتجسّدت فتاةٌ رثة المظهر وسط الخرائب المتفجّرة، فتجنّبت نصل الرمح، وانطلقت مبتعدة بخفّة.
وفي تلك اللحظة، ارتسمت على وجه غليوارد ابتسامة راضية.
وهكذا وقع الحادث.
وظهرت خطوط من عروقٍ قرمزية متشعّبة على وجنتَي جيزا.
“إشارات متعددة في الوقت نفسه. هناك تفسير واحد فقط، جلالتكم!” قال وهو يلهث، “هناك وحوش جديدة تشقّ طريقها خارج الأرض. ولذلك، فبالإضافة إلى الوحدة الأولى والخامسة، فقد اصطدمت بقية الوحدات أيضًا—”
وواصل الرمح تقدّمه الذي لا يمكن إيقافه.
قطّب قاتل النجوم حاجبيه وابتعد عن ساحة القتال.
وفجأة، اندفع جسدٌ من وسط الأنقاض.
بانغ!
بووم!
قطّب قاتل النجوم حاجبيه وابتعد عن ساحة القتال.
وقف ذلك الجسد بين جيزا وغليوارد.
اتّخذ قاتل النجوم هيئة صارمة، وحدّت عيناه. “جلالتكم، لقد قمنا بقمعها!”
ثَمب!
“إنه أنت! أنت…” حدّق غليوارد في الرجل الشاحب الواقف أمامه، وناداه بلقبٍ شهير.
انطلق صوت ارتطام معدني بدلًا من الطعنة التي توقّعها غليوارد. ممسكًا بالرمح بكلتا يديه، قطّب حاجبيه.
بانطلاقٍ حاد، انحرف نصل رمح قاتل الأرواح الأسود في الهواء كأنه امتلك وعيًا فجأة، وانثنى بزاوية محيّرة، وطعن يد جيزا اليسرى.
توقّف طرف رمح قاتل الأرواح أمام جيزا، على بُعد نصف بوصة فقط من مقدّمة أنفها. وكان السلاح ممسوكًا بإحكام في ذراعي رجل قصيرٍ عريض الجسد، خدشته حدّة النصل، مع أن يدَيه كانتا تنزفان أصلًا وهو يحاول التشبث بالرمح.
أمّا غليوارد فقد شحب لونه.
لهثت جيزا الضعيفة. وارتعشت البقع القرمزية على وجنتَيها. حدّقت في نصل الرمح أمامها بنظرة غامضة، تحمل ما يشبه نصف ابتسامة.
كا-شاك!
أمّا غليوارد فقد شحب لونه.
انتشرت في جسده كلّه، تحرقه كاللهيب.
“ما…” حدّق غليوارد بذهول في ذلك الرجل القصير القوي، الممسك بعنادٍ برمحه—رجل بدا في مظهره ولباسه كشماليٍّ عاديّ تمامًا.
….
“إنه أنت! أنت…” حدّق غليوارد في الرجل الشاحب الواقف أمامه، وناداه بلقبٍ شهير.
ومع تضحية الوحش بنفسه، تلاشى الألم عن وجه جيزا قليلًا. لكن في اللحظة التالية، كان غليوارد قد ظهر أمامها دون أن يغيّر ملامحه أو يكشف عن نيّة قتله. وغرس رمحه بقسوة.
“الحزام الجلدي الكبير من حرّاس الجليد؟!”
وواصل الرمح تقدّمه الذي لا يمكن إيقافه.
عند رؤية رد فعل غليوارد، أشرق وجه جيزا للمرة الأولى منذ فترة.
ومع ذلك، لم يعد يهتم بالمجسّ المقزّز الذي يقيّده؛ إذ لم يشعر إلا بالاحتراق.
…..
“كيف يحدث هذا؟” عضّ الملك نوڤين على أسنانه، محدّقًا في ذلك الكابوس الذي عاد للظهور. استنشق عميقًا، ناظرًا إلى المحاربين حوله. “إنّه… بالنظر إلى ضخامة الهدف، أليس من المفترض أن يخشى رمح قاتل الأرواح؟ غليوارد—”
في أطراف منطقة الدرع الخارجية، حوّل نيكولاس مجسًّا عملاقًا إلى رماد بضربة سريعة.
طخ!
وخلفه، دوّت أصوات الشقّ والطعن. كان محاربو النخبة من حرّاس النصل الأبيض يؤدّون واجبهم في إبادة المجسّات الصغيرة العديدة.
ولم يكن ذلك وحده الغريب.
قطّب قاتل النجوم حاجبيه وابتعد عن ساحة القتال.
ارتبك بقية حرّاس النصل الأبيض.
وعلى بُعد أقدام قليلة، كان الملك نوڤين، محاطًا بعدد من حرّاس النصل الأبيض الشخصيين، يحدّق في قائد حرّاسه.
“الحزام الجلدي الكبير من حرّاس الجليد؟!”
“جلالتكم!” جاءت أصوات حوافر الخيل من البعيد، تلتها رسالة الفرسان. “وردَ بيان من الغرفة السرّية: كيليكا قد اختفى!”
“لا!” صاحت الصغيرة الشقية.
“رائع!” أشرق وجه الملك نوڤين. وهزّ رأسه وقال لنبيل خلفه: “هذا يثبت أنّ استراتيجيتنا ناجحة. تلك الكارثة… لا تجرؤ على مواجهة رمح قاتل الأرواح!”
“اللعنة.”
تقدّم نيكولاس، الذي كان قد قضى لتوّه على أحد المجسّات. “نحن نستخدم أفضل الخطط—نواجه كارثة الدم بفرق صغيرة نخبوية مزوّدة بتجهيزات مضادّة للصوفيين، بينما تُحكم الفرق الأخرى الطوق عليها وتقطع عنها مصادر طاقتها.”
تلوّى المجسّ بعنف، لكنه لم يقدر على الإفلات.
اتّخذ قاتل النجوم هيئة صارمة، وحدّت عيناه. “جلالتكم، لقد قمنا بقمعها!”
أخطأ المجسّ القرمزي هدفه واصطدم بلوحٍ خشبي وسط الخرائب. ولم تَتَح له أي فرصة أخرى، لأنّ سيفًا صغيرًا أحمر شقّ الهواء في اللحظة التالية، مندفعًا نحوه وهو يدور.
هزّ الملك نوڤين رأسه موافقًا بإحكام.
استدار الملك نوڤين وهو يقطّب حاجبيه. فكّر قليلًا ثم أصدر أمره: “أبلغوا السيدة كالشـان أن تراقب ذلك الشيء، وأن يظلّ الجميع على اتصال! وأبلغوا قائد الحامية أن يرسل كل فرق الدورية المتاحة إلى الشوارع لتهدئة المواطنين. قولوا لهم، باسم الملك، إنّنا سنسيطر على الوضع في وقت قصير. القوات العادية التي بلا تجهيزات مضادّة للصوفيين لن تكون ذات فائدة تُذكر. ومن الآن فصاعدًا، يُمنع أي شكل من أشكال التجنيد!”
وخلف الملك، وصل فريق صغير من جنود الشمال على صهوة خيولهم، برفقة عدد من الضباط والنبلاء الذين جاؤوا لإيصال رسائلهم. “جلالتكم، لا نزال بلا أي خبر عن أمير الكوكبة وحفيدتكم.”
ثم اندفع فجأة، وانطلق نحو تاليس بصافرة حادة. وكان بطول رجل ناضج تقريبًا.
لم يتغيّر تعبير الملك نوڤين، كأنّ مسألة نجاة حفيدته لا تعنيه.
“اسمي…”
“وأيضًا، فإنّ النبلاء والمواطنين في المقاطعات الأخرى يتداولون الأمر بحماسة. والأحاديث متزايدة خصوصًا بين المواطنين الذين قمتم بإجلائهم. كثيرون رأوا ذلك الوحش، والثرثرة حول الكارثة التي اقتحمت المدينة لا تهدأ. العديد من الميليشيات المتطوّعة يطلبون تسليحهم فورًا لينضمّوا إلى المعركة. الوضع مضطرب قليلًا. فرق الدورية تجد صعوبة في السيطرة على الموقف.”
وسط سحابة الغبار الماثلة، جرّ رجلٌ بأذنٍ واحدةٍ رمحًا معدنيًا طويلًا معه، يترنّح بعَرَج، لكن بخطى سريعة على نحوٍ مريب، صاعدًا فوق تلٍّ من الحطام.
استدار الملك نوڤين وهو يقطّب حاجبيه. فكّر قليلًا ثم أصدر أمره: “أبلغوا السيدة كالشـان أن تراقب ذلك الشيء، وأن يظلّ الجميع على اتصال! وأبلغوا قائد الحامية أن يرسل كل فرق الدورية المتاحة إلى الشوارع لتهدئة المواطنين. قولوا لهم، باسم الملك، إنّنا سنسيطر على الوضع في وقت قصير. القوات العادية التي بلا تجهيزات مضادّة للصوفيين لن تكون ذات فائدة تُذكر. ومن الآن فصاعدًا، يُمنع أي شكل من أشكال التجنيد!”
سسووش!
أومأ عدد من الكتبة والاداريين، وتابع أحدهم: “وأثناء إجلاء الناس في منطقة الدرع، وصلتنا أيضًا أنباء من خارج المدينة. ستّة من الكونتات ومعهم أتباعهم أرسلوا مبعوثيهم وثلاث دفعات من الغربان الزاجلة، يرجون السماح لهم بإرسال قواتهم كتعزيزات—”
لم يُكمل جملته.
“إرسال آلاف آخرين إلى فم تلك الكارثة؟” قاطعهم الملك ساخطًا. “أبلغوهم: إنّ عائلة والتون تُقدّر ولاءهم، لكنّ هذه ليست معركة عادية. جيش ضخم لن يزيد الأمر إلا سوءًا!”
رفع نظره إلى السيف الأسود والصغيرة الشقية، اللذين كانا ينظران إليه فحسب.
كان كاتب يُسجّل خطاب الملك. وقال آخر بقلق، “من ناحية أخرى، فإنّ الآرشيدوقات الأربعة يتوسّلون إليكم أن تضعوا سلامتكم أولًا، وأن تعودوا إلى قصر الروح البطولية، وربما توضحون—”
أومأ عدد من الكتبة والاداريين، وتابع أحدهم: “وأثناء إجلاء الناس في منطقة الدرع، وصلتنا أيضًا أنباء من خارج المدينة. ستّة من الكونتات ومعهم أتباعهم أرسلوا مبعوثيهم وثلاث دفعات من الغربان الزاجلة، يرجون السماح لهم بإرسال قواتهم كتعزيزات—”
هزّ الملك نوڤين رأسه وأومأ بإشارة صرف. “دعوا ليسبان يتولّى أمر هؤلاء النبلاء، بمن فيهم الآرشيدوقات. قولوا: ’الملك في رحلة صيد.’ وفي وقت كهذا، من الأفضل أن يحجموا عن تقديم ’نصائح’.”
قطّب غليوارد حاجبيه. “هذا هو ’مقاتلكِ‘؟”
وما إن تلقّى الرسل أوامرهم حتى انطلقوا بخيولهم.
“جلالتكم، أنتم تعلمون أنهم على حق؛ ينبغي أن تبقوا في القصر”، قال قاتل النجوم بهدوء.
فكّر تاليس وهو شبه فاقد للوعي: (هذا الإحساس… يشبه وضع كفٍّ على الجفن والشعور بالعين ترتجف أسفلها…)
هزّ الملك رأسه نافيًا.
امتدّت يده اليمنى نحو أسفل خصره، باحثًا عن خنجر «ج.ت» الذي أعطته إيّاه جالا.
“معظم حرّاس النصل الأبيض خرجوا في مهمّات. ولا نستطيع استدعاء قوات إلى المدينة. تريدني أن أبقى في قصر يكاد يكون خاليًا، برفقة أربعة آرشيدوقات أصحاب نوايا مريبة، ومعهم حرسهم الشخصي؟” أطلق الملك نوڤين نفخة ساخرة. “ملككم ذبح أحد الآرشيدوقات قبل مدة قصيرة… وأنا أفكّر أي الخيارين أكثر أمانًا.”
اندفع نصل الرمح نحو جيزا الرثة بووش!، وكاد يطعن وجهها—
أومأ نيكولاس، ونفح الدم عن نصل قاطع الأرواح’.
ساد الصمت لثوانٍ، إلى أن أعاد نيكولاس نصل ’قاطع الأرواح’ إلى غمده، وجثا ببطء، وشدّ رباط حذائه، وأومأ بوقار.
في تلك اللحظة.
وخلف الملك، وصل فريق صغير من جنود الشمال على صهوة خيولهم، برفقة عدد من الضباط والنبلاء الذين جاؤوا لإيصال رسائلهم. “جلالتكم، لا نزال بلا أي خبر عن أمير الكوكبة وحفيدتكم.”
“جلالتكم! يا رئيس! انظروا!” صرخ أحد حرّاس النصل الأبيض، مشيرًا إلى السماء.
(تبا!)
في سماء الليل، ارتفع وميض مضيء فوق منطقة الدرع، تبعه طرقة حادّة.
بووم!
ارتبك بقية حرّاس النصل الأبيض.
صرخت صوفية الدم بألم، وهذه المرّة كانت صرخاتها أعلى من قبل. وامتدّت كتلة سوداء مرئية للعين من ذراعها اليسرى نحو كامل جسدها.
“سهم الإشارة!”
تكلّم قاتل النجوم بصوت خافت هادئ: “علينا أن نؤجّل عمليات التطهير الآن.
“هذا يعني…” حدّ نيكولاس نظره. “إنّه الوحدة الأولى في الجهة الشرقية. لقد وجدوا وغدًا مزعج! علينا التحرّك فورًا…”
وواصل الرمح تقدّمه الذي لا يمكن إيقافه.
وفي أثناء ذلك، فوق ناحية أخرى في الجهة المقابلة من المنطقة، انطلق بريق آخر في الهواء مع صفير حاد.
فجأة، اندفع من الأرض قرب قدمي غليوارد وحشٌ قرمزيّ بأربع مجسّات ومخلبين شبيهين بمخالب السلطعون.
قطّب الملك نوڤين حاجبيه. “موقعان؟”
كان تاليس يلهث بعنف، يصارع ليجلس وهو يلتقط أنفاسه بعد تلك التجربة التي قاربت موته.
ثم ارتفع سهم الإشارة الثالث من البعيد.
بانغ!
“انتشار متزامن؟ ثمة خطب ما.” حدّق الملك نوڤين في الوميض وعقد حاجبيه. “لقد وزّعنا المسارات بدقة، وقسّمنا القوات لتطويق منطقة الدرع تدريجيًا من الشرق والغرب. وبينما تقوم الوحدة الأولى والخامسة بتطهير الطرق كطلائع، يستحيل أن تلتقي الوحدات الخلفية بذلك الوحش.”
كان المقذوف قويًّا ومحكمًا. ثبّت المجسّ على اللوح، مشلًّا حركته في الحال. وما يزال مقبض السيف الأحمر الصغير يرتجف.
وما إن قال ذلك حتى انطلق سهم الإشارة الرابع.
في سماء الليل، ارتفع وميض مضيء فوق منطقة الدرع، تبعه طرقة حادّة.
شحب وجه نيكولاس.
“إشارات متعددة في الوقت نفسه. هناك تفسير واحد فقط، جلالتكم!” قال وهو يلهث، “هناك وحوش جديدة تشقّ طريقها خارج الأرض. ولذلك، فبالإضافة إلى الوحدة الأولى والخامسة، فقد اصطدمت بقية الوحدات أيضًا—”
حدّق تاليس في السيف الأحمر الصغير كدمية جامدة. رأى طرفه الأصلي الباهت بلا لمعان. ثم أخذ الضوء الأحمر يخفت، ثم يقوى، ثم يكتسب لونًا مماثلًا للحدّ، حتى بدا وكأنه قد شُحِذ للتو.
لم يُكمل جملته.
عند رؤية رد فعل غليوارد، أشرق وجه جيزا للمرة الأولى منذ فترة.
بووم!
“اسمي…”
دوّى انفجار مرعب.
سويش!
ومن داخل سحابة الغبار، اندفع مخلوق عملاق يلوّح بمجسّاته التي لا تُعدّ في قلب منطقة الدرع.
عندها شقّ جسمٌ حادٌّ راحة يده اليمنى وهو يتحسّس حوله. وخز الألم أعاد إليه ذرة وعي. حشد ما تبقّى من قوته، وتشبّث بذلك الشيء الغريب الشبيه بالعصا، وانتزعه، ورفعه قرب رأسه.
شهق كل من في المكان أمام ذلك الوحش: الهيدرا، كيليكا.
خفق قلبه بقوّة. سمع دمه يندفع ويقرع شرايينه. كاد يختنق، وظلّ يتهاوى نحو اللاوعي.
“كيف يحدث هذا؟” عضّ الملك نوڤين على أسنانه، محدّقًا في ذلك الكابوس الذي عاد للظهور. استنشق عميقًا، ناظرًا إلى المحاربين حوله. “إنّه… بالنظر إلى ضخامة الهدف، أليس من المفترض أن يخشى رمح قاتل الأرواح؟ غليوارد—”
شعر بالألم والحرارة والتقلّصات تغزو كل جزء من بدنه، ظاهرًا وباطنًا، في كل نسيج، وكل خلية!
وتوقّف الملك نوڤين عن الكلام. تقطّب وجهه العجوز، وقد أدرك شيئًا واضحًا.
(اللعنة!) شتم تاليس في نفسه، وهو يرى المجسّ يطير نحوه. (لا يمكن التملّص منه هذه المرة!)
ساد الصمت لثوانٍ، إلى أن أعاد نيكولاس نصل ’قاطع الأرواح’ إلى غمده، وجثا ببطء، وشدّ رباط حذائه، وأومأ بوقار.
غطّت جيزا جذع ذراعها المبتورة، وعضّت على أسنانها. كان بريق اليأس مشتعلًا في نظرتها الموجّهة لغليوارد.
“جلالتكم، أطلب الإذن بالمغادرة فورًا.”
ولم يكن ذلك وحده الغريب.
تكلّم قاتل النجوم بصوت خافت هادئ: “علينا أن نؤجّل عمليات التطهير الآن.
شيك!
“لا بدّ لي من أن أحمل قاطع الأرواح… لأنقذ غليوارد!”
….
…..
ورأى زوجين من العيون المذهولة.
في ناحية أخرى من منطقة الدرع، دوّى صراخ السيف الأسود: “انحنِ!”
طخ!
حملق تاليس في المجسّ الدموي الذي اندفع نحوهما، وعضّ على أسنانه، وفرّ مع الصغيرة الشقية.
“لا!” صاحت الصغيرة الشقية.
لكن سرعتهما لم تكن كافية.
كانت عيناه مثبتتين على الصوفيّة.
كان المجسّ الزاحف على الأرض سريعًا كالريح. وفي لحظة، وجداه أمامهما.
(الخنجر… الخنجر!)
ثم اندفع فجأة، وانطلق نحو تاليس بصافرة حادة. وكان بطول رجل ناضج تقريبًا.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
سسووش!
فجأة، اندفع من الأرض قرب قدمي غليوارد وحشٌ قرمزيّ بأربع مجسّات ومخلبين شبيهين بمخالب السلطعون.
(اللعنة!) شتم تاليس في نفسه، وهو يرى المجسّ يطير نحوه. (لا يمكن التملّص منه هذه المرة!)
إذ انطلقت الكلمات الأخيرة وسط هدير الأمواج.
وبينما صرخت الصغيرة الشقية، تصاعدت التموجات الغريبة من جديد في جسد تاليس. أحسّ تاليس وكأنّ الزمن يبطؤ.
إنه… عين أحدهم.
ومع تهادي الثواني، استطاع أن يميّز ما الذي يُكوّن ذلك المجسّ المنقضّ عليه: أجزاء بشرية متعدّدة، من الجلد إلى العضلات، والعروق، والعظام.
كان المقذوف قويًّا ومحكمًا. ثبّت المجسّ على اللوح، مشلًّا حركته في الحال. وما يزال مقبض السيف الأحمر الصغير يرتجف.
وفي الهواء، بدأ المجسّ ينشقّ، كاشفًا عن صفّ من الأسنان الحادّة بداخله، حتى بدا كأفعى غريبة جائعة.
لم يدري تاليس ماهيّة اللغة، لكنه فهم الكلمات.
ساد الغثيان على معدة تاليس. (ما هذا الشيء بحقّ الجحيم؟!)
وما إن قال ذلك حتى انطلق سهم الإشارة الرابع.
وفي تلك الأثناء، تصاعدت طاقة جديدة داخل جسده.
بووم!
أحسّ تاليس بالقوة التي دبّت في جسده وهو يحاول استباق مكان سقوط المجسّ. ثم دفع الصغيرة الشقية بعيدًا، وانطلق في الجهة المعاكسة. مرّ المجسّ محتًّا يد تاليس اليمنى ومنزلقًا قرب نظّارة الصغيرة الشقية. تدحرج الطفلان بعيدًا عن طريقه، وارتطما بالأرض.
“وأيضًا، فإنّ النبلاء والمواطنين في المقاطعات الأخرى يتداولون الأمر بحماسة. والأحاديث متزايدة خصوصًا بين المواطنين الذين قمتم بإجلائهم. كثيرون رأوا ذلك الوحش، والثرثرة حول الكارثة التي اقتحمت المدينة لا تهدأ. العديد من الميليشيات المتطوّعة يطلبون تسليحهم فورًا لينضمّوا إلى المعركة. الوضع مضطرب قليلًا. فرق الدورية تجد صعوبة في السيطرة على الموقف.”
باانغ!
فتح تاليس فمه ليصرخ، فلم يخرج شيء إلا طعمٌ مالحٌ كريه، وطرف عضوٍ مقزّزٍ مشكّل من أجزاء مجهولة من جسد إنسان ينزلق فوق لسانه.
أخطأ المجسّ القرمزي هدفه واصطدم بلوحٍ خشبي وسط الخرائب. ولم تَتَح له أي فرصة أخرى، لأنّ سيفًا صغيرًا أحمر شقّ الهواء في اللحظة التالية، مندفعًا نحوه وهو يدور.
“ماذا فعلت؟” تمتم السيف الأسود وهو يقطّب حاجبيه، محدّقًا في السيف الصغير. “أيمكن أن يكون هذا… الأسطورة…”
طخ!
أدار غليوارد الرمح برباطة جأش. كان يعلم أن قدرة “الإقصاء” في السلاح قد أظهرت قوّتها الحقيقية.
كان المقذوف قويًّا ومحكمًا. ثبّت المجسّ على اللوح، مشلًّا حركته في الحال. وما يزال مقبض السيف الأحمر الصغير يرتجف.
وفي الهواء، بدأ المجسّ ينشقّ، كاشفًا عن صفّ من الأسنان الحادّة بداخله، حتى بدا كأفعى غريبة جائعة.
تلوّى المجسّ بعنف، لكنه لم يقدر على الإفلات.
توارى القمر في جهة الغرب.
استلقى تاليس على الأرض، يلهث، مذهولًا ومصدومًا. وكانت يده اليمنى تؤلمه من فرط الإجهاد.
دوّى انفجار مرعب.
أدار رأسه، وألقى نظرة على السيف الأسود الملقى على الأرض مغطّى بالجراح. وكانت يده اليمنى معلّقة في الهواء، متجمّدة في الوضع الذي قذف فيه سيفه قبل لحظات.
بدأ رمح قاتل الأرواح يهتزّ حين أشار نحو يساره.
أطلقت الصغيرة الشقية صرخة متأخّرة ملؤها الاشمئزاز. دفعَت نفسها للخلف بساقيها وهي تتفادى النظر إلى المجسّ. جلس تاليس وراح يحدّق ببلاهة في المجسّ المتلوّي عند قدميه.
كانت في يد تاليس نفس السيف الأحمر الصغير الذي قذفه إليه السيف الأسود سابقًا. إلا أنّ طرفه المعتم الآن يشعُّ بوهجٍ أحمر ساطع.
“حركة موفّقة، يا فتى.” تنفّس السيف الأسود بضعف، ثم أسند رأسه إلى الأرض. “ردود فعلك—”
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
لكن قبل أن يُكمل السيف الأسود كلمته، انشقّت المجسّات من الموضع الذي ثُبّت فيه النصل على اللوح، وانفلتت في لحظة.
(اللعنة. ماذا أفعل؟)
ارتبك تاليس.
باانغ!
(اللعنة.)
توقّف طرف رمح قاتل الأرواح أمام جيزا، على بُعد نصف بوصة فقط من مقدّمة أنفها. وكان السلاح ممسوكًا بإحكام في ذراعي رجل قصيرٍ عريض الجسد، خدشته حدّة النصل، مع أن يدَيه كانتا تنزفان أصلًا وهو يحاول التشبث بالرمح.
“انتبه!” صرخ السيف الأسود.
حاول تاليس جاهدًا تخفيف الضغط، لكن بلا جدوى. اشتدّ تنفّسه وتشوّشت رؤيته.
لكن تاليس هذه المرة لم يتمكّن من الردّ بسرعة؛ إذ انقضّ عليه المجسّ وأطبَقَه.
بووم!
ابتلع المجسّ ساقه اليسرى، وخصره، وصدره، ورأسه. غطّى عينيه، وانتزع منه رؤية العالم.
“معظم حرّاس النصل الأبيض خرجوا في مهمّات. ولا نستطيع استدعاء قوات إلى المدينة. تريدني أن أبقى في قصر يكاد يكون خاليًا، برفقة أربعة آرشيدوقات أصحاب نوايا مريبة، ومعهم حرسهم الشخصي؟” أطلق الملك نوڤين نفخة ساخرة. “ملككم ذبح أحد الآرشيدوقات قبل مدة قصيرة… وأنا أفكّر أي الخيارين أكثر أمانًا.”
“لا!” صاحت الصغيرة الشقية.
ألقى غليوارد نظرةً حوله. وبطرف عينه لمحَ بعض المجسّات القرمزية وهي تحفر في الأرض بجنون.
ارتجف تاليس. كان المجسّ لزجًا، دهنيًّا، دافئًا، يرتجّ وينقبض مرارًا… بل كان يبعث شعورًا… بالدوار.
“جلالتكم! يا رئيس! انظروا!” صرخ أحد حرّاس النصل الأبيض، مشيرًا إلى السماء.
أحسّ براحةٍ غريبة، قبل أن يتدحرج جسمٌ دائريٌّ دافئٌ رطبٌ لزجٌ فوق وجنته اليسرى، ويتوقّف عند منتصف جبهته. وبدأ ذلك الجسم الدائري يرتجف، كما لو كان يمنحه تدليكًا لوجهه.
وما إن خطرت له الفكرة، حتى اقشعرّ بدنه. لقد أدرك ماهية ذلك الشيء الدافئ اللزج الذي يُدلّك جسر أنفه بلا توقف.
فكّر تاليس وهو شبه فاقد للوعي: (هذا الإحساس… يشبه وضع كفٍّ على الجفن والشعور بالعين ترتجف أسفلها…)
في سماء الليل، ارتفع وميض مضيء فوق منطقة الدرع، تبعه طرقة حادّة.
وما إن خطرت له الفكرة، حتى اقشعرّ بدنه. لقد أدرك ماهية ذلك الشيء الدافئ اللزج الذي يُدلّك جسر أنفه بلا توقف.
“أحسنتِ. هل تشعرين بالألم أصلًا؟” أبدى غليوارد استحسانه، لكنه لم ينوِ التخفيف عنها. كانت هيئة الفتاة ونصل الرمح المتفحّم السابح نحوها منعكسة في عينيه القاتمتين.
إنه… عين أحدهم.
ومع ذلك، لم يعد يهتم بالمجسّ المقزّز الذي يقيّده؛ إذ لم يشعر إلا بالاحتراق.
(تبا! تبا! تبا! تبا!)
قبل أن يتحوّل تمامًا إلى رماد أسود، انفجر الوحش، وتناثرت الدماء في كل اتجاه.
اجتاحه الغثيان، وتعافى من هذيانه على الفور.
انتشرت في جسده كلّه، تحرقه كاللهيب.
ومنهارًا تحت وطأة الرعب والاشمئزاز، راح تاليس يلوّح بيأسٍ بذراعه اليمنى—التي تُركَت وحدها بلا قيد—محاولًا انتزاع نفسه من ذلك الشيء النجس.
(تبا! تبا! تبا! تبا!)
فشدّ المجسّ قبضته عليه.
بووم!
حاول تاليس جاهدًا تخفيف الضغط، لكن بلا جدوى. اشتدّ تنفّسه وتشوّشت رؤيته.
“انتبه!” صرخ السيف الأسود.
وصلته أصوات الصغيرة الشقية والسيف الأسود القلقة، لكنها بدت له غير حقيقية.
“اللعنة.”
وكانت… العين… ترتجّ أسرع فأسرع؟
وفي أثناء ذلك، فوق ناحية أخرى في الجهة المقابلة من المنطقة، انطلق بريق آخر في الهواء مع صفير حاد.
(تبا!)
استدار الملك نوڤين وهو يقطّب حاجبيه. فكّر قليلًا ثم أصدر أمره: “أبلغوا السيدة كالشـان أن تراقب ذلك الشيء، وأن يظلّ الجميع على اتصال! وأبلغوا قائد الحامية أن يرسل كل فرق الدورية المتاحة إلى الشوارع لتهدئة المواطنين. قولوا لهم، باسم الملك، إنّنا سنسيطر على الوضع في وقت قصير. القوات العادية التي بلا تجهيزات مضادّة للصوفيين لن تكون ذات فائدة تُذكر. ومن الآن فصاعدًا، يُمنع أي شكل من أشكال التجنيد!”
خفق قلبه بقوّة. سمع دمه يندفع ويقرع شرايينه. كاد يختنق، وظلّ يتهاوى نحو اللاوعي.
(تبا!)
(ما الذي أفعله؟!)
ساد الصمت لثوانٍ، إلى أن أعاد نيكولاس نصل ’قاطع الأرواح’ إلى غمده، وجثا ببطء، وشدّ رباط حذائه، وأومأ بوقار.
خطر له خاطر.
بعد ثانية، حوّل الأعرج نظره، ثم قذف رمح قاتل الأرواح في قوس. وفي اللحظة التي كانت ضربة العدوّ القاتلة ستلامس جسده، قطع الرمحُ مجسّ الوحش.
(صحيح! ما يزال عندي…)
صرخت جيزا وتراجعت بسرعة بوجه عابس. لكن الأوان كان قد فات.
امتدّت يده اليمنى نحو أسفل خصره، باحثًا عن خنجر «ج.ت» الذي أعطته إيّاه جالا.
“جلالتكم! يا رئيس! انظروا!” صرخ أحد حرّاس النصل الأبيض، مشيرًا إلى السماء.
(الخنجر… الخنجر!)
فالجزء من المجسّ الذي ردّه السيف الصغير بدأ يتغيّر.
لكن ما إن لمس خصره حتى وجد الدفء واللزوجة فقط. لقد التفّ المجسّ حول خصره أيضًا.
لم تُجِب جيزا، واكتفت بالتحديق إليه ببرود.
في تلك اللحظة، أحسّ تاليس بقلبه يبرد. غمر اليأس صدره.
Arisu-san
(اللعنة. ماذا أفعل؟)
وقبل أن يتمكّن تاليس من فهم الأمر، دوّى في أذنيه صوتٌ كهدير الموج، كأنه يتردّد في عروقه.
ظلّت يده اليمنى تتحسّس أسفل ظهره، فلم تجد شيئًا.
اندفع نصل الرمح نحو جيزا الرثة بووش!، وكاد يطعن وجهها—
(ماذا أفعل؟!!)
وكانت… العين… ترتجّ أسرع فأسرع؟
عندها شقّ جسمٌ حادٌّ راحة يده اليمنى وهو يتحسّس حوله. وخز الألم أعاد إليه ذرة وعي. حشد ما تبقّى من قوته، وتشبّث بذلك الشيء الغريب الشبيه بالعصا، وانتزعه، ورفعه قرب رأسه.
ومع تهادي الثواني، استطاع أن يميّز ما الذي يُكوّن ذلك المجسّ المنقضّ عليه: أجزاء بشرية متعدّدة، من الجلد إلى العضلات، والعروق، والعظام.
وهكذا وقع الحادث.
وقد رأى تاليس هذا المشهد من قبل، في غابة أشجار البتولا، حين قاتلت زهرة الحصن صوفية الدم.
رفع تاليس ذلك الشيء الغريب، فانطلقت حرارة من داخله—من قلبه نحو يده اليمنى—تتدفّق بسرعة!
وصلته أصوات الصغيرة الشقية والسيف الأسود القلقة، لكنها بدت له غير حقيقية.
انتشرت في جسده كلّه، تحرقه كاللهيب.
تقدّم نيكولاس، الذي كان قد قضى لتوّه على أحد المجسّات. “نحن نستخدم أفضل الخطط—نواجه كارثة الدم بفرق صغيرة نخبوية مزوّدة بتجهيزات مضادّة للصوفيين، بينما تُحكم الفرق الأخرى الطوق عليها وتقطع عنها مصادر طاقتها.”
شعر بالألم والحرارة والتقلّصات تغزو كل جزء من بدنه، ظاهرًا وباطنًا، في كل نسيج، وكل خلية!
لم يتغيّر تعبير الملك نوڤين، كأنّ مسألة نجاة حفيدته لا تعنيه.
بدأ يسمع أصواتًا غريبة. أولها كان يشبه خفقان الدم في عروقه، ثم تشوّهت الأصوات وتحولت إلى هدير أمواج، ثم إلى انفجار بركان، ثم عواصف.
إنه… عين أحدهم.
فتح تاليس فمه ليصرخ، فلم يخرج شيء إلا طعمٌ مالحٌ كريه، وطرف عضوٍ مقزّزٍ مشكّل من أجزاء مجهولة من جسد إنسان ينزلق فوق لسانه.
تقدّم نيكولاس، الذي كان قد قضى لتوّه على أحد المجسّات. “نحن نستخدم أفضل الخطط—نواجه كارثة الدم بفرق صغيرة نخبوية مزوّدة بتجهيزات مضادّة للصوفيين، بينما تُحكم الفرق الأخرى الطوق عليها وتقطع عنها مصادر طاقتها.”
ومع ذلك، لم يعد يهتم بالمجسّ المقزّز الذي يقيّده؛ إذ لم يشعر إلا بالاحتراق.
حدّق تاليس بالسيف المتوهّج في يده، مذهولًا. همّ بالكلام حين بدأ الصوت الرتيب يتضح. تشكّلت كلمات وجُمل.
وفي الثانية التالية، ارتجّ تاليس حين شعر بالضغط من حوله يخفّ، ورؤيته تعود.
ذهل تاليس، لكن ذلك لم يكن أدهى ما سمعه.
عاد تنفّسه ينتظم. اختفى الثقل عن صدره ووجهه. كان المجسّ قد أطلق سراحه وانسحب بصمت.
وقبل أن يمتد السواد إلى جذعها، قطعت صوفية الدم، بوجهٍ صارم، ذراعها اليسرى.
وفي تلك اللحظة، خمدت حرارة صدره ويده اليمنى تدريجيًا.
ثم ارتفع سهم الإشارة الثالث من البعيد.
كان تاليس يلهث بعنف، يصارع ليجلس وهو يلتقط أنفاسه بعد تلك التجربة التي قاربت موته.
“سهم الإشارة!”
ورأى زوجين من العيون المذهولة.
سقطت الذراع على الأرض، ثم تورّمت وانفجرت، قبل أن تتحوّل إلى قطع فحم ورماد. قبضت جيزا على بقية ذراعها المبتورة، واتخذت خطوة إلى الخلف يائسةً من الألم.
كان السيف الأسود والصغيرة الشقية يحدّقان فيه بأفواه مفتوحة، كأنهما شهدا أمرًا لا يُصدّق.
“لا بدّ لي من أن أحمل قاطع الأرواح… لأنقذ غليوارد!”
ارتجف تاليس، ثم أدرك أنهما لا ينظران إليه. فنظر إلى يده اليمنى وحدّق.
بانطلاقٍ حاد، انحرف نصل رمح قاتل الأرواح الأسود في الهواء كأنه امتلك وعيًا فجأة، وانثنى بزاوية محيّرة، وطعن يد جيزا اليسرى.
كانت في يد تاليس نفس السيف الأحمر الصغير الذي قذفه إليه السيف الأسود سابقًا. إلا أنّ طرفه المعتم الآن يشعُّ بوهجٍ أحمر ساطع.
تلوّى المجسّ بعنف، لكنه لم يقدر على الإفلات.
“هذا…”
أدار غليوارد الرمح برباطة جأش. كان يعلم أن قدرة “الإقصاء” في السلاح قد أظهرت قوّتها الحقيقية.
حدّق تاليس في السيف الأحمر الصغير كدمية جامدة. رأى طرفه الأصلي الباهت بلا لمعان. ثم أخذ الضوء الأحمر يخفت، ثم يقوى، ثم يكتسب لونًا مماثلًا للحدّ، حتى بدا وكأنه قد شُحِذ للتو.
صرخت صوفية الدم بألم، وهذه المرّة كانت صرخاتها أعلى من قبل. وامتدّت كتلة سوداء مرئية للعين من ذراعها اليسرى نحو كامل جسدها.
ولم يكن ذلك وحده الغريب.
توقّف طرف رمح قاتل الأرواح أمام جيزا، على بُعد نصف بوصة فقط من مقدّمة أنفها. وكان السلاح ممسوكًا بإحكام في ذراعي رجل قصيرٍ عريض الجسد، خدشته حدّة النصل، مع أن يدَيه كانتا تنزفان أصلًا وهو يحاول التشبث بالرمح.
فالجزء من المجسّ الذي ردّه السيف الصغير بدأ يتغيّر.
لم تُجِب جيزا، واكتفت بالتحديق إليه ببرود.
وقد رأى تاليس هذا المشهد من قبل، في غابة أشجار البتولا، حين قاتلت زهرة الحصن صوفية الدم.
قبل أن يتحوّل تمامًا إلى رماد أسود، انفجر الوحش، وتناثرت الدماء في كل اتجاه.
بدأ المجسّ على جسد تاليس يذوب، ويذبل، ويسودّ، ثم يتحوّل إلى غبار يتلاشى في الهواء—كما لو أنه واجه عدوّه الطبيعي.
بدأ رمح قاتل الأرواح يهتزّ حين أشار نحو يساره.
وفي النهاية، لم يبقَ على تاليس سوى طبقة من الرماد الأسود.
وما إن قال ذلك حتى انطلق سهم الإشارة الرابع.
“ماذا فعلت؟” تمتم السيف الأسود وهو يقطّب حاجبيه، محدّقًا في السيف الصغير. “أيمكن أن يكون هذا… الأسطورة…”
ذهل تاليس، لكن ذلك لم يكن أدهى ما سمعه.
رمشت الصغيرة الشقية في حيرة.
وظهرت خطوط من عروقٍ قرمزية متشعّبة على وجنتَي جيزا.
وقبل أن يتمكّن تاليس من فهم الأمر، دوّى في أذنيه صوتٌ كهدير الموج، كأنه يتردّد في عروقه.
وهكذا وقع الحادث.
هسّس…
تَـــٰــرْجَــٰــمَــٰــة:
بدت وكأنها تأتي من مكان بعيد. وبعد لحظات، تحوّل هدير الأمواج إلى همهمة عميقة.
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
“اسمي…”
هزّ الملك نوڤين رأسه موافقًا بإحكام.
ارتجف تاليس خوفًا.
ساد الغثيان على معدة تاليس. (ما هذا الشيء بحقّ الجحيم؟!)
رفع نظره إلى السيف الأسود والصغيرة الشقية، اللذين كانا ينظران إليه فحسب.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كانت نظرات الأول تتنقّل بين وجه تاليس والسيف في يده بشكٍّ ظاهر، وكأنهما لم يسمعا الصوت إطلاقًا.
“إرسال آلاف آخرين إلى فم تلك الكارثة؟” قاطعهم الملك ساخطًا. “أبلغوهم: إنّ عائلة والتون تُقدّر ولاءهم، لكنّ هذه ليست معركة عادية. جيش ضخم لن يزيد الأمر إلا سوءًا!”
كان المشهد… مألوفًا على نحو مزعج.
“حركة موفّقة، يا فتى.” تنفّس السيف الأسود بضعف، ثم أسند رأسه إلى الأرض. “ردود فعلك—”
رمق تاليس ما حوله في هلع، ولم يرَ إلا الخرائب، وسماء الليل، وتوهّج السيف الصغير.
وواصل الرمح تقدّمه الذي لا يمكن إيقافه.
(ما هذا؟ ما الذي يحدث؟)
“هذا…”
حدّق تاليس بالسيف المتوهّج في يده، مذهولًا. همّ بالكلام حين بدأ الصوت الرتيب يتضح. تشكّلت كلمات وجُمل.
انتشرت في جسده كلّه، تحرقه كاللهيب.
“اسمي…”
وقف ذلك الجسد بين جيزا وغليوارد.
كان الصوت صوت شيخٍ من مكان سحيق، كأنه يعبر طبقات من الألواح الخشبية.
“اسمي… نصلُ التطهير.”
لم يدري تاليس ماهيّة اللغة، لكنه فهم الكلمات.
أطلقت الصغيرة الشقية صرخة متأخّرة ملؤها الاشمئزاز. دفعَت نفسها للخلف بساقيها وهي تتفادى النظر إلى المجسّ. جلس تاليس وراح يحدّق ببلاهة في المجسّ المتلوّي عند قدميه.
“اسمي… نصلُ التطهير.”
باانغ!
انفتح فم تاليس، يحدّق في السيف المتوهّج بين يديه.
وفي تلك الأثناء، تصاعدت طاقة جديدة داخل جسده.
(نصل… نصل التطهير؟)
تمدّد الوحش، ثم اتّخذ حجمًا وارتفاعًا يعادلان عدّة رجال مكتملين، وانقضّ على غليوارد من ستة اتجاهات مختلفة.
ذهل تاليس، لكن ذلك لم يكن أدهى ما سمعه.
وخلف الملك، وصل فريق صغير من جنود الشمال على صهوة خيولهم، برفقة عدد من الضباط والنبلاء الذين جاؤوا لإيصال رسائلهم. “جلالتكم، لا نزال بلا أي خبر عن أمير الكوكبة وحفيدتكم.”
إذ انطلقت الكلمات الأخيرة وسط هدير الأمواج.
باانغ!
“لقد مرّ زمن طويل”، قال الصوت ببطء، “يا… شقيق دمي.”
فالجزء من المجسّ الذي ردّه السيف الصغير بدأ يتغيّر.
ارتجف تاليس.
لكن سرعتهما لم تكن كافية.
(شقيق… دمي؟)
لم يدري تاليس ماهيّة اللغة، لكنه فهم الكلمات.
وفي اللحظة التالية، اختفى الصوت، وذوى توهّج السيف الصغير.
شيك!
تساقط الثلج البارد، كما لو أنّ شيئًا لم يكن، سوى تغيّرٍ واحدٍ في طرف السيف الصغير—إذ أصبح لونه من الأحمر القاتم الصدئ إلى الأحمر القاني اللامع، كلون الدم الطازج.
قبل أن يتحوّل تمامًا إلى رماد أسود، انفجر الوحش، وتناثرت الدماء في كل اتجاه.
وتحت سماء الليل، حدّقت العيون الثلاث المذعورة بعضها ببعض، وكلٌّ يحمل في وجهه تعبيرًا مختلفًا.
فتح تاليس فمه ليصرخ، فلم يخرج شيء إلا طعمٌ مالحٌ كريه، وطرف عضوٍ مقزّزٍ مشكّل من أجزاء مجهولة من جسد إنسان ينزلق فوق لسانه.
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
كان السيف الأسود والصغيرة الشقية يحدّقان فيه بأفواه مفتوحة، كأنهما شهدا أمرًا لا يُصدّق.
ومن داخل سحابة الغبار، اندفع مخلوق عملاق يلوّح بمجسّاته التي لا تُعدّ في قلب منطقة الدرع.
