Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 512

مجنون
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

مجنون

الفصل 512: مجنون

 

 

وحين تذكر ثاليس السجناء في سجن العظام، لم يستطع منع نفسه من الشعور بالصدمة.

«والتقيتَ بذلك الفتى أيضًا…»

ينفر من المسائل المعقدة والمزعجة.

 

ثم نظر دويل إليه بفخر، وتابع:

تنهد دويل بألم، ثم قال متحسرًا:

ابتسم أدريان وقال:

 

 

«يا إلهي، حين كنا في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من أعمارنا، لم نكن بهذه الدرجة من التعقيد. ألم يكن من المفترض أن نكون بسطاء، ساذجين، متهورين، ولا يشغل بالنا سوى النساء؟»

تبدلت ملامح ثاليس قليلًا.

 

 

نظر إلى غلوفر بامتعاض، متطلعًا إلى أن يوافقه الرأي.

 

 

 

«أليس من المفترض ألّا تكون هناك مشكلة يعجز المرء عن حلها بليلة واحدة في سوق الشارع الأحمر؟»

هز غلوفر كتفيه.

 

 

وعلى خلاف ما توقعه، رد غلوفر، الذي لم يكن من عادته أن يبادر بالكلام:

 

 

ضحك أدريان بخفة.

«هذا ينطبق عليك وحدك، لا علينا جميعًا.»

 

 

قال أدريان بنبرة مسترخية:

ثم أطلق الحارس الصامت من الطليعة شخيرًا ساخرًا، وأدار رأسه إلى الجانب الآخر.

 

 

«ليس في الاعتراف بإخفاقاتنا ما يدعو إلى الخجل.»

اختفت ابتسامة دويل في لحظة.

 

 

 

وفي تلك الأثناء، سُمع صوت آخر:

 

 

 

«هل كل شيء على ما يرام؟»

«لا، انتظر! كيف عرفت أنه هنا أصلًا؟»

 

كان ذلك رد دويل، الذي قرر أخيرًا أن يلزم الصمت.

انتفض دويل وغلوفر من الصدمة!

«والأمر ذاته ينطبق على الملك.»

 

 

وفي غضون لحظة، استقام كلاهما في وقفته، واستدارا نحو البوابة المعدنية.

 

 

 

وهناك، رأيا اللورد أدريان، قائد الحرس الأعلى وقائد الحرس الملكي، واقفًا عند البوابة المعدنية، يبتسم لهما بينما يرافقه اثنان من مساعديه.

كانت كلماته كافية لتصيب ثاليس بالذهول.

 

كانت كلماته كافية لتصيب ثاليس بالذهول.

بدا دويل وكأن صاعقة قد ضربته. حاول جاهدًا أن يرسم ابتسامة على وجهه، لكنه ما إن أدرك أن المقام لا يسمح بذلك حتى سارع إلى تعديل ملامحه واتخاذ هيئة جادة، ثم تمتم متلعثمًا:

«اللورد أدريان. هل لي أن أعرف إن كنت…»

 

ومع ذلك، كان أدريان أول من استعاد زمام الموقف وسط ذلك الصمت المحرج الذي لا يوصف، بفضل ما اكتسبه من خبرة طوال حياته.

«القائد… القائد… القائد أدريان؟ سيدي القائد!»

 

 

«أحم… كنا نقيّم الثغرات في دفاعات قاعة مينديس، حتى نتمكن من التخطيط لمهام الحراسة المستقبلية…»

أما غلوفر، فقد بدا مذهولًا هو الآخر، لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه وقال:

وفي تلك اللحظة، احمر وجه دي. دي بشدة.

 

 

«سيدي القائد.»

«لماذا… لماذا أنت هنا؟»

 

 

أومأ أدريان برأسه، ثم تقدم نحوهما مبتسمًا. وكان من حوله قد تعرفوا إليه بالفعل، فسارعوا إلى تحيته.

 

 

«لا شيء، الأمر فحسب…»

«الجميع منشغلون بأعمالهم، فما الذي تفعله هنا؟»

 

 

«أرجوكم أن تصدقوني حين أقول إن اللورد مالوس لم يقصد الإساءة إليكم، كما أنه ليس عنيدًا كما قد يبدو.»

تجمدت ابتسامة دويل.

 

 

بدا دويل وكأن صاعقة قد ضربته. حاول جاهدًا أن يرسم ابتسامة على وجهه، لكنه ما إن أدرك أن المقام لا يسمح بذلك حتى سارع إلى تعديل ملامحه واتخاذ هيئة جادة، ثم تمتم متلعثمًا:

فاستقام على الفور، ثم تقدم خطوة إلى الأمام.

 

 

«لا شيء، الأمر فحسب…»

«أحم… كنا نقيّم الثغرات في دفاعات قاعة مينديس، حتى نتمكن من التخطيط لمهام الحراسة المستقبلية…»

 

 

 

لكن غلوفر قاطعه بجمود، وطغى صوته على كلام دويل:

 

 

دعمكم للرواية يسرّع من عملية الوصول للراو

«نحن نتظاهر بالانشغال، سيدي القائد، حتى نتجنب استدعاءنا من قِبل قسم الإمدادات للعمل.»

«تبًّا لك! اذهب إلى الجحيم! لقد رُقّيت إلى مرتبة اللورد بفضل إسهاماتي للمملكة!»

 

«حقًا؟»

ما إن سمع قائد الحرس أدريان ذلك حتى تجمدت ابتسامته للحظة بدورها.

 

 

 

ترنح دويل في مكانه، ثم حدق في رفيقه غير مصدق.

ثلاث سنوات.

 

 

في تلك اللحظة، انتقل دويل من الصدمة إلى اليأس التام، بعدما تحطمت آماله كلها في لحظات. راودته رغبة في قتل غلوفر، ثم قتل نفسه بعده.

 

 

لم يبدُ أن ثاليس قد فهم ما يقصده.

ومع ذلك، كان أدريان أول من استعاد زمام الموقف وسط ذلك الصمت المحرج الذي لا يوصف، بفضل ما اكتسبه من خبرة طوال حياته.

 

 

«مُنحت لقب لورد؟ أتقصد أنك حصلت عليه بفضل علاقاتك القوية ونفوذ عائلتك ووالدك ذي المكانة الرفيعة، حتى تُمنح الألقاب لأبناء النبلاء عديمي الفائدة؟»

«آه، إذن أنتما… من رجال مالوس؟»

 

 

 

كان دويل غارقًا في الحزن، لكنه أدرك أن القائد لا ينوي محاسبتهما على ما بدر منهما، فسارع إلى تدارك الموقف قائلًا:

 

 

قال أدريان بنبرة مسترخية:

«أمم… آه… اللورد مالوس بالداخل. ويبدو أنه…»

 

 

 

وكعادته، جاء رد غلوفر مقتضبًا وبسيطًا:

 

 

 

«سأذهب لإبلاغه بحضورك.»

«إنه رجل صارم، لكنه جدير بالاحترام.»

 

 

لكن أدريان أوقفه.

 

 

 

«انتظر.»

وفي تلك اللحظة، تعالت جلبة من خارج البوابة المعدنية.

 

ثم أضاف، وكأن الكلمات أفلتت منه دون تفكير:

رفع القائد الأعلى للحرس الملكي كلتا يديه، ثم تقدم نحوه ببطء، وأخذ يتفحص بنيته الجسدية المتناسقة بعينين ضيقتين.

«إنه فحسب… يتعامل مع الأمور باستخفاف شديد»..»

 

«لا داعي إلى تكلف عناء السؤال، يا صاحب السمو. لقد جئت فحسب… لأسلّمكم مرسوم التعيين الرسمي دوقًا.»

«أأنت كاليب غلوفر، من فرقة الطليعة؟»

 

 

لكن غلوفر قاطعه بجمود، وطغى صوته على كلام دويل:

تبدلت ملامح غلوفر، واكتست بالجدية.

 

 

ألقى غلوفر نظرة عفوية على دويل.

«نعم.»

 

 

 

أومأ أدريان برأسه، وارتسمت في عينيه نظرة حنين إلى الماضي.

 

 

 

«جيد جدًا.»

 

 

«ستدرك، حين تعمل ضمن فريق، أنك ستجني فوائد أكبر إذا كنت شخصًا سهل المعشر.»

«أعرف جدك. فهو الذي اختارني ورقّاني إلى رتبة أحد أفراد الحرس قبل أربعين عامًا، حين كان يشغل منصب المراقب.»

 

 

«هذا ينطبق عليك وحدك، لا علينا جميعًا.»

تغيرت ملامح دويل، الذي كان واقفًا إلى الجانب.

 

 

 

وأصبحت نظرته إلى غلوفر مختلفة تمامًا.

 

 

 

تنهد أدريان وقال:

 

 

 

«إنه رجل صارم، لكنه جدير بالاحترام.»

«أرجو ألّا تسيئوا فهمي، يا صاحب السمو. حين أقول إنه عفوي، فلا أعني أنه مهمل أو مستهتر. فلا مجال للشك في قدرات اللورد مالوس.»

 

 

لمعت عينا غلوفر.

 

 

«القائد الأعلى، اللورد أدريان، يفوق جميع الحراس مكانةً، وهو شاهد على المجد والدمار.»

«نعم.»

«يتناقل النبلاء في العاصمة شائعات مفادها أن هذا الرجل… مجنون.»

 

انتفض دويل وغلوفر، ثم استدارا بسرعة.

قال أدريان بنبرة ودودة تنم عن حسن النية:

 

 

 

«آمل أن تسير على خطاه، وأن تحظى باحترام الآخرين مثله. لكن… ليس عليك أن تكون بصرامته نفسها.»

«يُقال إن القائد شهد العام الدموي بنفسه، وإنه الناجي الوحيد من بين أفراد الحرس الملكي الأسطوريين… إنه أحد رجال الحرس الذين خدموا في ذلك العهد.»

 

 

«ستدرك، حين تعمل ضمن فريق، أنك ستجني فوائد أكبر إذا كنت شخصًا سهل المعشر.»

 

 

 

ارتجف غلوفر قليلًا، وجاء رده مترددًا على نحو لم يعتده أحد منه.

أومأ أدريان برأسه، ثم التفت إلى دويل.

 

«بالطبع، أنا أحد أفراد الحرس الملكي… لا، لا، لا! دعني أسألك أولًا: ما الذي جاء بك إلى هنا؟»

«حـ… حاضر.»

وبدا أن أدريان قد غلب عليه الحنين إلى الماضي، إذ تنهد قائلًا:

 

ثم أطلق الحارس الصامت من الطليعة شخيرًا ساخرًا، وأدار رأسه إلى الجانب الآخر.

أومأ أدريان برأسه، ثم التفت إلى دويل.

قال دويل وهو يضحك ضحكة جافة:

 

«إسهاماتك؟ أتعني أنك ألقيت القبض على لص في الشارع؟»

كان دويل في تلك اللحظة أشبه بفأر ابتلع سمًّا، وقد تصلب جسده على نحو غير طبيعي.

«عليّ أن أنبّهكم إلى أمر، يا صاحب السمو.»

 

«واغتنمت الفرصة أيضًا لأتفقد استعداداتكم.»

ابتسم أدريان وقال:

 

 

«شخص يرشده إلى كيفية أداء عمله على نحو أفضل.»

«إذن، أنت… أمم… دي. دي؟»

«عليّ أن أنبّهكم إلى أمر، يا صاحب السمو.»

 

دفعت صرامة أدريان المفاجئة دويل إلى شد جسده تلقائيًا والوقوف باستقامة.

ارتعشت شفتا دويل، ورسم ابتسامة متكلفة على وجهه.

«لكن لحسن الحظ، لم تفُتني اللحظة التي أصبحت فيها دوقًا.»

 

«مهلًا لحظة، أنا أعرفه…»

«نعم، سيدي القائد… لكن هذا مجرد… لقب يتداوله الجميع على سبيل المزاح…»

 

 

لكن ملامح أدريان ازدادت صرامة.

أخذ صوته يخفت تدريجيًا، وتضاءلت ثقته بنفسه شيئًا فشيئًا.

 

 

 

قال أدريان بنبرة مسترخية:

ارتبك دويل حين رأى كوهين يلوّح بذراعيه بجنون، فسعل بحرج.

 

لكن أدريان رفع يده فجأة مقاطعًا إياه.

«لقد أخبرني بريدج عنك.»

«حـ… حاضر.»

 

ابتسم أدريان وقال:

«ماذا؟»

 

 

 

أشرقت عينا دويل، واختفى خجله وتردده قبل لحظات.

لم يكترث ثاليس بنظرات غلوفر الغريبة، بل قرر أن يتجاوزه، ثم نادى بصوت مرتفع لتنبيه دويل:

 

«سيدي القائد، هل ترغب في بعض الماء؟»

«حقًا؟»

 

 

 

ثم ارتسمت على وجهه مسحة من الأمل، وسأل:

وعلى خلاف ما توقعه، رد غلوفر، الذي لم يكن من عادته أن يبادر بالكلام:

 

 

«وماذا قال عني القائد؟…»

تجمد ثاليس في مكانه.

 

«مرحبًا! مرحبًا! مرحبًا، يا صاحب السمو! هل ما زلتم تتذكرونني؟ أنا ذلك الرجل… الرجل الذي أكل الكثير من الفاكهة وأكباد الحيوانات…»

أجابه أدريان بهدوء:

«هذا يعني…»

 

 

«قال إنك كنت ترغب في الانضمام إلى فرقة الطليعة في البداية، لكنك، بعدما أخفقت في اجتياز الاختيار، اضطررت إلى الانضمام إلى فرقة الدفاع التابعة له.»

نظر إلى غلوفر بامتعاض، متطلعًا إلى أن يوافقه الرأي.

 

 

ألقى غلوفر نظرة عفوية على دويل.

لكن أدريان تابع بجدية:

 

 

وفي تلك اللحظة، احمر وجه دي. دي بشدة.

«لكن لحسن الحظ، لم تفُتني اللحظة التي أصبحت فيها دوقًا.»

 

 

«سيدي القائد، أـ… أنا…»

«وماذا قال عني القائد؟…»

 

 

لكن ملامح أدريان ازدادت صرامة.

 

 

ظل ثاليس يحدق في الرجل الواقف خارج البوابة بشرود.

«ليس في الاعتراف بإخفاقاتنا ما يدعو إلى الخجل.»

قبل ثلاث سنوات.

 

 

ثم تابع ببطء:

لكن أدريان تابع بجدية:

 

 

«لن تتمكن من النجاح إلا حين تتقبل الفشل.»

 

 

 

«تمامًا كما يمكنك أن تصبح فردًا من الطليعة بعدما تؤدي عملك حارسًا على أكمل وجه.»

 

 

أومأ أدريان برأسه، وارتسمت في عينيه نظرة حنين إلى الماضي.

دفعت صرامة أدريان المفاجئة دويل إلى شد جسده تلقائيًا والوقوف باستقامة.

انحنى أدريان مرة أخرى، ثم استدار وغادر المكان.

 

«آه، الغراب الرسول لدى عائلتي سريع إلى حدٍّ ما… حسنًا، ابتعد الآن، ولا تقف في طريقي. أريد زيارته!»

«حاضر، سيدي القائد!»

 

 

«اللورد أدريان. هل لي أن أعرف إن كنت…»

أومأ أدريان برأسه، ثم أعاد تفحصهما بنظراته.

«حقًا؟»

 

 

«ما زال أمامكما الكثير، فأنتما لا تزالان في مقتبل العمر، وكلاكما من الرجال المهمين بالنسبة إلى مالوس. وأنتما أيضًا سيفان موثوقان للمملكة.»

 

 

«مرحبًا! مرحبًا! مرحبًا، يا صاحب السمو! هل ما زلتم تتذكرونني؟ أنا ذلك الرجل… الرجل الذي أكل الكثير من الفاكهة وأكباد الحيوانات…»

ثم عاد إلى نبرته الودودة التي تحدث بها قبل قليل، وقال:

أما غلوفر، فلم يفهم شيئًا، بل ازدادت الحيرة في ملامحه.

 

 

«ابذلا قصارى جهدكما.»

لم يبدُ أن ثاليس قد فهم ما يقصده.

 

 

«أمرك، سيدي!»

 

 

«أشكرك على اهتمامك.»

كان ذلك رد دويل، الذي قرر أخيرًا أن يلزم الصمت.

 

 

«أعرف جدك. فهو الذي اختارني ورقّاني إلى رتبة أحد أفراد الحرس قبل أربعين عامًا، حين كان يشغل منصب المراقب.»

أما غلوفر، الذي ظل متصلبًا كعادته، فاكتفى بقوله:

أجابه أدريان بهدوء:

 

 

«نعم.»

انحنى أدريان مرة أخرى، ثم استدار وغادر المكان.

 

 

ابتسم أدريان ابتسامة لطيفة.

 

 

كان دويل واقفًا أمام البوابة المعدنية، غارقًا في جدال لا ينتهي، لكنه ما إن تذكر واجباته حتى استدار على الفور، ورسم ابتسامة اعتذار على وجهه.

«وأيضًا، احرصا على ألّا يمسك بكما سيدكما وأنتما تتقاعسان عن أداء عملكما.»

 

 

 

وفي تلك اللحظة، أدار رأسه فجأة ونظر إلى البعيد.

«لا داعي إلى تكلف عناء السؤال، يا صاحب السمو. لقد جئت فحسب… لأسلّمكم مرسوم التعيين الرسمي دوقًا.»

 

 

«ولا سيما… حين يكون واقفًا خلفكما.»

«لماذا… لماذا أنت هنا؟»

 

 

انتفض دويل وغلوفر، ثم استدارا بسرعة.

 

 

 

أما ثاليس، الذي كان يختبئ خلف الشجرة، فقد صُدم حين اكتشف أمره.

«ولا سيما… حين يكون واقفًا خلفكما.»

 

 

ولم يجد بدًا من الخروج من خلف الشجرة تحت أنظار دي. دي وغلوفر الغريبتين، ثم تمالك نفسه سريعًا، ورسم ابتسامة مهذبة وهادئة على وجهه.

 

 

 

حيّاه أدريان بأدب.

وفجأة، ازدادت نظرات أدريان جدية على نحو لافت.

 

 

«سموكم.»

 

 

 

أومأ ثاليس برأسه محييًا إياه بدوره.

كان دويل غارقًا في الحزن، لكنه أدرك أن القائد لا ينوي محاسبتهما على ما بدر منهما، فسارع إلى تدارك الموقف قائلًا:

 

 

«اللورد أدريان. هل لي أن أعرف إن كنت…»

التفت دويل إليه بحماسة، مجيبًا عن تساؤلاته قبل أن يكمل كلامه.

 

 

ابتسم أدريان ابتسامة خفيفة وهز رأسه.

أما غلوفر، فقد بدا مذهولًا هو الآخر، لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه وقال:

 

«سأذهب لإبلاغه بحضورك.»

«لا داعي إلى تكلف عناء السؤال، يا صاحب السمو. لقد جئت فحسب… لأسلّمكم مرسوم التعيين الرسمي دوقًا.»

 

 

ضيّق دويل عينيه، وأمعن النظر في الرجل الذي يمنعه الجنود من التقدم.

ثم استدار، ومدّ لفافة ورقية نحو غلوفر. كان دويل قد همّ بالتقدم لتسلمها، لكن اللفافة انتهت في يد غلوفر قبل أن تصل إليه.

 

 

 

«واغتنمت الفرصة أيضًا لأتفقد استعداداتكم.»

«نعم.»

 

 

ابتسم قائد الحرس، الذي تجاوز الخمسين من عمره، وهو ينظر إلى دويل وغلوفر. فابتسم دويل بحرج، بينما ازداد غلوفر تصلبًا.

 

 

«شخص يرشده إلى كيفية أداء عمله على نحو أفضل.»

«ففي نهاية المطاف، هذه أول مرة نحشد فيها الحرس الملكي لتشكيل وحدة خاصة جديدة.»

 

 

وفي تلك الأثناء، سُمع صوت آخر:

ألقى ثاليس نظرة على مرسوم التعيين الذي استقر بين يدي غلوفر، ولم يكن لديه وقت للتكهن بما يرمي إليه أدريان من وراء كلماته.

«انتظر.»

 

وعلى خلاف ما توقعه، رد غلوفر، الذي لم يكن من عادته أن يبادر بالكلام:

«أشكرك على اهتمامك.»

 

 

ارتبك دويل حين رأى كوهين يلوّح بذراعيه بجنون، فسعل بحرج.

واصل قائد الحرس ابتسامته، ثم قال:

«قبل ست سنوات، حين أصبحت أميرًا لتوك، لم أتمكن من الحضور بسبب بعض الشؤون العائلية، ففاتتني أهم لحظة في حياتك.»

 

«أوه، لا. لن أذهب لرؤيته.»

«آمل ألّا يكون تورموند قد تسبب لكم في أي متاعب.»

 

 

 

تجمد ثاليس في مكانه.

 

 

«لا داعي إلى تكلف عناء السؤال، يا صاحب السمو. لقد جئت فحسب… لأسلّمكم مرسوم التعيين الرسمي دوقًا.»

«تور… من؟»

 

 

«تبًّا لك! اذهب إلى الجحيم! لقد رُقّيت إلى مرتبة اللورد بفضل إسهاماتي للمملكة!»

تورموند.

قال دي. دي بحماسة بالغة:

 

«حـ… حاضر.»

كان أول ما خطر بباله رسم ملك عصر النهضة المعلّق في قاعة مينديس.

 

 

 

لكن أدريان لم يفعل سوى أن تنهد.

 

 

ينفر من المسائل المعقدة والمزعجة.

«لقد سمعت من الكونت كاسو عن الخلاف الذي نشب بينكما خلال الرحلة، وأود أن أعتذر إليكم عما بدر منه.»

 

 

«آه، الغراب الرسول لدى عائلتي سريع إلى حدٍّ ما… حسنًا، ابتعد الآن، ولا تقف في طريقي. أريد زيارته!»

عندها أدرك ثاليس فجأة من يقصده أدريان…

 

 

 

لكن أدريان تابع بجدية:

 

 

«يا إلهي، حين كنا في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من أعمارنا، لم نكن بهذه الدرجة من التعقيد. ألم يكن من المفترض أن نكون بسطاء، ساذجين، متهورين، ولا يشغل بالنا سوى النساء؟»

«أرجوكم أن تصدقوني حين أقول إن اللورد مالوس لم يقصد الإساءة إليكم، كما أنه ليس عنيدًا كما قد يبدو.»

 

 

 

«إنه فحسب… يتعامل مع الأمور باستخفاف شديد»..»

 

 

ثم أطلق الحارس الصامت من الطليعة شخيرًا ساخرًا، وأدار رأسه إلى الجانب الآخر.

رمش ثاليس بعينيه.

 

 

«سموكم.»

«عفوي؟»

«يا لك من عديم الخبرة!»

 

«شخص يرشده إلى كيفية أداء عمله على نحو أفضل.»

أخذ نفسًا عميقًا، وتذكر كيف أخبره مالوس بأنه لن يكترث أحد لأمره، ثم قال بشك:

 

 

 

«قائد حرسي الشخصي؟ عفوي؟»

 

 

 

لم يجرؤ دويل وغلوفر حتى على التنفس بصوت مرتفع، لكنهما لم يستطيعا منع نفسيهما من إلقاء نظرات فضولية على الرجلين.

«ليس في الاعتراف بإخفاقاتنا ما يدعو إلى الخجل.»

 

 

ضحك أدريان بخفة.

 

 

 

«أرجو ألّا تسيئوا فهمي، يا صاحب السمو. حين أقول إنه عفوي، فلا أعني أنه مهمل أو مستهتر. فلا مجال للشك في قدرات اللورد مالوس.»

 

 

وفجأة، ازدادت نظرات أدريان جدية على نحو لافت.

ثم ألقى نظرة على قاعة مينديس، الواقعة عند الطرف الآخر من النافورة، وتنهد قائلًا:

 

 

استعاد دويل تلك الذكرى بحماسة.

«كل ما في الأمر أنه ينفر من المسائل المعقدة والمزعجة. فعندما يواجه مشكلة، يميل إلى اختيار الحل الذي يسهل تحقيقه. لكنني أفترض أن هذا يُعد ضربًا من… الغرور أيضًا، أليس كذلك؟»

 

 

«كل ما في الأمر أنه ينفر من المسائل المعقدة والمزعجة. فعندما يواجه مشكلة، يميل إلى اختيار الحل الذي يسهل تحقيقه. لكنني أفترض أن هذا يُعد ضربًا من… الغرور أيضًا، أليس كذلك؟»

ينفر من المسائل المعقدة والمزعجة.

 

 

«أعتذر يا صاحب السمو عن إزعاجكم… المعذرة، دعوني أعرّفكم إلى هذا الشخص. إنه…»

الغرور.

«آمل أن تسير على خطاه، وأن تحظى باحترام الآخرين مثله. لكن… ليس عليك أن تكون بصرامته نفسها.»

 

 

حين سمع ثاليس هذه الكلمات، أدرك فجأة أمرًا ما.

 

 

«يا صاحب السمو، يستطيع المحارب المتميز أن يتحمل شتى الصعاب والتحديات، بل لا بد له من تحملها.»

قال أدريان بنبرة تنم عن الاستسلام للأمر الواقع:

ومع ذلك، كان أدريان أول من استعاد زمام الموقف وسط ذلك الصمت المحرج الذي لا يوصف، بفضل ما اكتسبه من خبرة طوال حياته.

 

التفت دويل إليه بحماسة، مجيبًا عن تساؤلاته قبل أن يكمل كلامه.

«خذوا على سبيل المثال أن أسهل طريقة لحماية الأمير هي ألّا نسمح له بالخروج من الأساس. لكنه لا يدرك… أن ذلك قد يتسبب أحيانًا في مشكلات أكبر.»

 

 

 

أومأ ثاليس برأسه، ورد بابتسامة.

«هاه؟ بل أنا من ينبغي أن يسألك! دي. دي، ما الذي تفعله هنا؟»

 

لكن دي. دي تنهد وبسط ذراعيه قائلًا:

وبدا أن أدريان قد غلب عليه الحنين إلى الماضي، إذ تنهد قائلًا:

 

 

 

«ولهذا، فهو يحتاج دائمًا إلى شخص ما… يحثه على التقدم.»

ابتسم قائد الحرس، الذي تجاوز الخمسين من عمره، وهو ينظر إلى دويل وغلوفر. فابتسم دويل بحرج، بينما ازداد غلوفر تصلبًا.

 

«ستدرك، حين تعمل ضمن فريق، أنك ستجني فوائد أكبر إذا كنت شخصًا سهل المعشر.»

«شخص يرشده إلى كيفية أداء عمله على نحو أفضل.»

 

 

 

تبادل دويل وغلوفر النظرات.

 

 

 

«حقًا؟»

«نحن نتظاهر بالانشغال، سيدي القائد، حتى نتجنب استدعاءنا من قِبل قسم الإمدادات للعمل.»

 

ألقى ثاليس نظرة على مرسوم التعيين الذي استقر بين يدي غلوفر، ولم يكن لديه وقت للتكهن بما يرمي إليه أدريان من وراء كلماته.

أومأ ثاليس بأدب، ثم قال:

ثم تابع ببطء:

 

ويبدو أن الحوار دار على النحو التالي:

«سأولي الأمر مزيدًا من الاهتمام. وبالمناسبة، هل اللورد مالوس الآن…»

 

 

 

لكن أدريان رفع يده فجأة مقاطعًا إياه.

«ألا تتذكر أننا كنا المسؤولين عن إخلاء الطريق حين رافقتَ الأمير إلى هنا؟»

 

 

«أوه، لا. لن أذهب لرؤيته.»

 

 

 

ابتسم قائد الحرس وهو ينظر إلى ثاليس.

 

 

«لقد تذكرت نكتة يتداولها أهل الشمال: لماذا أنت هنا؟»

«يكفيني أن أراك أنت.»

تنهد دويل بألم، ثم قال متحسرًا:

 

لكن أدريان أوقفه.

«قبل ست سنوات، حين أصبحت أميرًا لتوك، لم أتمكن من الحضور بسبب بعض الشؤون العائلية، ففاتتني أهم لحظة في حياتك.»

كان لكل منهما شعوره الخاص، لكن ثاليس، الذي وقف إلى جوارهما، كان يفكر في أمر آخر تمامًا.

 

 

وفجأة، ازدادت نظرات أدريان جدية على نحو لافت.

 

 

«يا إلهي، حين كنا في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من أعمارنا، لم نكن بهذه الدرجة من التعقيد. ألم يكن من المفترض أن نكون بسطاء، ساذجين، متهورين، ولا يشغل بالنا سوى النساء؟»

«لكن لحسن الحظ، لم تفُتني اللحظة التي أصبحت فيها دوقًا.»

 

 

 

حدق ثاليس فيه بشرود، وقد شعر بما تنطوي عليه تلك النظرات من معانٍ.

 

 

واستمر الحوار المحيّر بين دويل والضيف غير المرغوب فيه خارج البوابة، بينما أخذ كلاهما يلوّح بيديه بحركات مبالغ فيها.

ظل أدريان يراقبه بهدوء، ثم قال له بصدق:

 

 

«إنه أنا!»

«يا صاحب السمو، يستطيع المحارب المتميز أن يتحمل شتى الصعاب والتحديات، بل لا بد له من تحملها.»

وحين تذكر ثاليس السجناء في سجن العظام، لم يستطع منع نفسه من الشعور بالصدمة.

 

 

«أما النبيل الجدير بهذا اللقب، فيستطيع حمل الأعباء الثقيلة، بل لا بد له من أن يحملها.»

«والتقيتَ بذلك الفتى أيضًا…»

 

قال دويل وهو يضحك ضحكة جافة:

قال قائد الحرس بصوت خافت:

 

 

 

«والأمر ذاته ينطبق على الملك.»

«بعد سبع سنوات ونصف من انضمامي إلى الحرس الملكي، هذه هي المرة الثانية التي ألتقي فيها بالقائد أدريان وجهًا لوجه وأجري معه حديثًا شخصيًا! أما المرة السابقة، فكانت قبل ثلاث سنوات!»

 

 

ثم أضاف، وكأن الكلمات أفلتت منه دون تفكير:

كان أول ما خطر بباله رسم ملك عصر النهضة المعلّق في قاعة مينديس.

 

 

«بل إن الملك ملزم بذلك.»

 

 

 

كانت كلماته كافية لتصيب ثاليس بالذهول.

لكن غلوفر قاطعه بجمود، وطغى صوته على كلام دويل:

 

«ماذا؟»

انحنى أدريان مرة أخرى، ثم استدار وغادر المكان.

«إذن، أنت… أمم… دي. دي؟»

 

 

وما إن اختفى قائد الحرس عن الأنظار حتى بدأ دويل يلتقط أنفاسه بعمق، وكأنه ظل يحبسها طوال الوقت.

 

 

مدّ دويل يده مشيرًا إلى الضيف غير المرغوب فيه خارج البوابة، ثم نطق بصعوبة بسلسلة طويلة من عبارات القرابة:

«واو، واو، واو… هذا لا يُصدَّق! لقد تحدث إليّ قائد الحرس!»

كان أول ما خطر بباله رسم ملك عصر النهضة المعلّق في قاعة مينديس.

 

انحنى أدريان مرة أخرى، ثم استدار وغادر المكان.

قال دي. دي بحماسة بالغة:

لم يتمالك ثاليس نفسه، وعاد إلى الضحك.

 

 

«بعد سبع سنوات ونصف من انضمامي إلى الحرس الملكي، هذه هي المرة الثانية التي ألتقي فيها بالقائد أدريان وجهًا لوجه وأجري معه حديثًا شخصيًا! أما المرة السابقة، فكانت قبل ثلاث سنوات!»

 

 

المكانة؟

قبل ثلاث سنوات.

 

 

«واغتنمت الفرصة أيضًا لأتفقد استعداداتكم.»

التقيته في غرفة المراقبة.

 

 

«واو، واو، واو… هذا لا يُصدَّق! لقد تحدث إليّ قائد الحرس!»

ويبدو أن الحوار دار على النحو التالي:

 

 

 

«سيدي القائد، هل ترغب في بعض الماء؟»

«حـ… حاضر.»

 

وفي تلك اللحظة، تعالت جلبة من خارج البوابة المعدنية.

«لا، شكرًا.»

«إسهاماتك؟ أتعني أنك ألقيت القبض على لص في الشارع؟»

 

 

استعاد دويل تلك الذكرى بحماسة.

«سأولي الأمر مزيدًا من الاهتمام. وبالمناسبة، هل اللورد مالوس الآن…»

 

 

أما غلوفر، فقد أطلق شخيرًا ساخرًا، ونظر إليه بازدراء، بملامح توحي بوضوح بأنه يقول:

«إسهاماتك؟ أتعني أنك ألقيت القبض على لص في الشارع؟»

 

أما أنا…

«يا لك من عديم الخبرة!»

 

 

قال أدريان بنبرة ودودة تنم عن حسن النية:

ثلاث سنوات.

 

 

 

إلى أي حد بلغ تهميش هذا الرجل، حتى أمضى ثلاث سنوات كاملة في قصر عصر النهضة دون أن يحظى بحديث منفرد مع القائد؟

 

 

 

أما أنا…

أما غلوفر، الذي ظل متصلبًا كعادته، فاكتفى بقوله:

 

 

همف!

لكن أدريان أوقفه.

 

 

استعاد غلوفر، بشيء من الاعتزاز الخافت، آخر محادثة أجراها مع قائد الحرس.

 

 

«والتقيتَ بذلك الفتى أيضًا…»

قبل بضع سنوات…

«إنه رجل صارم، لكنه جدير بالاحترام.»

 

 

غريب، لماذا لا أستطيع تذكرها؟

 

 

 

كان لكل منهما شعوره الخاص، لكن ثاليس، الذي وقف إلى جوارهما، كان يفكر في أمر آخر تمامًا.

«نعم.»

 

تورموند.

«هذا يعني…»

استرعت الجلبة انتباه الثلاثة، فتوجه دويل نحو البوابة المعدنية، وتبعه غلوفر مباشرة.

 

أومأ أدريان برأسه، ثم التفت إلى دويل.

التفت دويل إليه بحماسة، مجيبًا عن تساؤلاته قبل أن يكمل كلامه.

 

 

ثم أطلق الحارس الصامت من الطليعة شخيرًا ساخرًا، وأدار رأسه إلى الجانب الآخر.

«أوه، يبدو أنك لا تعرف عنه شيئًا بعد، أليس كذلك؟ إنه أروع رجل في الحرس الملكي!»

دفعت صرامة أدريان المفاجئة دويل إلى شد جسده تلقائيًا والوقوف باستقامة.

 

عندها أدرك ثاليس فجأة من يقصده أدريان…

ثم نظر دويل إليه بفخر، وتابع:

وفي تلك اللحظة، أدار رأسه فجأة ونظر إلى البعيد.

 

 

«القائد الأعلى، اللورد أدريان، يفوق جميع الحراس مكانةً، وهو شاهد على المجد والدمار.»

 

 

 

المكانة؟

 

 

«يا صاحب السمو، هذا الرجل يحاول اقتحام المكان… ويزعم أنه نبيل، وإلا لكنّا…»

المجد والدمار؟

«بعد سبع سنوات ونصف من انضمامي إلى الحرس الملكي، هذه هي المرة الثانية التي ألتقي فيها بالقائد أدريان وجهًا لوجه وأجري معه حديثًا شخصيًا! أما المرة السابقة، فكانت قبل ثلاث سنوات!»

 

«كوهين كارابيان.»

لم يبدُ أن ثاليس قد فهم ما يقصده.

«ليس في الاعتراف بإخفاقاتنا ما يدعو إلى الخجل.»

 

«أنا… حصلت على إجازة مسبقًا. وجئت خصيصًا لإلقاء نظرة على الأمير. أوه، أعني الدوق الآن… لقد سمعت أنه عاد…»

أومأ غلوفر برأسه، ونظر إلى الجهة التي غادر أدريان من ناحيتها، وقد اكتست ملامحه بالجدية.

الغرور.

 

«ما الذي يحدث؟»

«يُقال إن القائد شهد العام الدموي بنفسه، وإنه الناجي الوحيد من بين أفراد الحرس الملكي الأسطوريين… إنه أحد رجال الحرس الذين خدموا في ذلك العهد.»

«لا شيء، الأمر فحسب…»

 

 

شهد العام الدموي…

«لأنني… لأنني هنا ببساطة!»

 

 

تبدلت ملامح ثاليس قليلًا.

 

 

 

«أتعني أفراد الحرس الملكي في عهد جدي؟»

 

 

 

أخذ دويل نفسًا عميقًا، ثم أطرق برأسه وأومأ موافقًا.

 

 

«كل ما في الأمر أنه ينفر من المسائل المعقدة والمزعجة. فعندما يواجه مشكلة، يميل إلى اختيار الحل الذي يسهل تحقيقه. لكنني أفترض أن هذا يُعد ضربًا من… الغرور أيضًا، أليس كذلك؟»

وحين تذكر ثاليس السجناء في سجن العظام، لم يستطع منع نفسه من الشعور بالصدمة.

«لا، على النبلاء حجز موعد مسبقًا…»

 

«القبض على لص؟ هراء! لقد تطوعت بشجاعة قبل ست سنوات للمشاركة في حملة عسكرية، وأنقذت المملكة من حرب!»

«أأدريان… نجا من العام الدموي؟ كيف تمكن من فعل ذلك؟»

 

 

«ألا تتذكر أننا كنا المسؤولين عن إخلاء الطريق حين رافقتَ الأمير إلى هنا؟»

هز غلوفر كتفيه.

 

 

 

لكن دي. دي تنهد وبسط ذراعيه قائلًا:

ثم ارتسمت على وجهه مسحة من الأمل، وسأل:

 

استعاد دويل تلك الذكرى بحماسة.

«تهانينا يا صاحب السمو. لقد طرحت للتو السؤال الثالث ضمن الألغاز التي لم تُحل في تاريخ الحرس الملكي.»

 

 

«حاضر، سيدي القائد!»

عجز ثاليس عن الكلام.

 

 

ابتسم أدريان ابتسامة خفيفة وهز رأسه.

وفي تلك اللحظة، تعالت جلبة من خارج البوابة المعدنية.

 

 

«آمل أن تسير على خطاه، وأن تحظى باحترام الآخرين مثله. لكن… ليس عليك أن تكون بصرامته نفسها.»

«لا، لا، لا! المكان مغلق اليوم… حتى لو كنت نبيلًا، فلا يمكنك…»

 

 

«القائد… القائد… القائد أدريان؟ سيدي القائد!»

استرعت الجلبة انتباه الثلاثة، فتوجه دويل نحو البوابة المعدنية، وتبعه غلوفر مباشرة.

إلى أي حد بلغ تهميش هذا الرجل، حتى أمضى ثلاث سنوات كاملة في قصر عصر النهضة دون أن يحظى بحديث منفرد مع القائد؟

 

استعاد دويل تلك الذكرى بحماسة.

أما ثاليس، فقد أثار الأمر فضوله، وأراد اللحاق بهما، لكنه وجد نفسه مدفوعًا إلى الخلف خلف غلوفر، الذي وقف أمامه حاجزًا منيعًا.

 

 

 

«ما الذي يحدث؟»

 

 

 

نادَى دويل أحد جنود جاديستار الخاصين الواقفين خارج البوابة، بينما كانت البوابة المعدنية تفصل بينهما.

«هذا ينطبق عليك وحدك، لا علينا جميعًا.»

 

 

استدار الجندي وأشار بامتعاض إلى رجل يقف بعيدًا، وقد أحاط به عدد من الجنود ومنعوه من التقدم.

 

 

 

«يا صاحب السمو، هذا الرجل يحاول اقتحام المكان… ويزعم أنه نبيل، وإلا لكنّا…»

حين سمع ثاليس هذه الكلمات، أدرك فجأة أمرًا ما.

 

 

ضيّق دويل عينيه، وأمعن النظر في الرجل الذي يمنعه الجنود من التقدم.

شعر دويل بالذهول حين رأى الرجل الواقف خارج البوابة يلوّح له بيديه.

 

 

ثم اتسعت عيناه فجأة.

 

 

لكن ثاليس بدا وكأنه أدرك شيئًا من خلال ذلك الحوار.

«مهلًا لحظة، أنا أعرفه…»

أجابه أدريان بهدوء:

 

أما غلوفر، الذي ظل متصلبًا كعادته، فاكتفى بقوله:

شعر دويل بالذهول حين رأى الرجل الواقف خارج البوابة يلوّح له بيديه.

 

 

 

«ما الذي جاء بك إلى هنا؟»

 

 

واصل قائد الحرس ابتسامته، ثم قال:

تمكن الرجل خارج البوابة من الإفلات من قبضة الجنود الذين كانوا يطوقونه، ثم سوّى ملابسه ونظر إلى دويل بدهشة.

 

 

«واو، واو، واو… هذا لا يُصدَّق! لقد تحدث إليّ قائد الحرس!»

«هاه؟ بل أنا من ينبغي أن يسألك! دي. دي، ما الذي تفعله هنا؟»

 

 

 

اسودّ وجه دويل.

 

 

 

«بالطبع، أنا أحد أفراد الحرس الملكي… لا، لا، لا! دعني أسألك أولًا: ما الذي جاء بك إلى هنا؟»

 

 

همف!

رمش الرجل الواقف خارج البوابة بعينيه، ثم أخذ يتلفت حوله بحيرة، قبل أن يجيب:

«لا، انتظر! كيف عرفت أنه هنا أصلًا؟»

 

ارتبك دويل حين رأى كوهين يلوّح بذراعيه بجنون، فسعل بحرج.

«لأنني… لأنني هنا ببساطة!»

قال قائد الحرس بصوت خافت:

 

 

انفجر ثاليس، الذي كان يقف خلف غلوفر، ضاحكًا حين سمع ذلك الحوار الغريب بين الرجلين.

لكن أدريان لم يفعل سوى أن تنهد.

 

لم يتمالك ثاليس نفسه، وعاد إلى الضحك.

نظر إليه غلوفر باستغراب.

كان دويل واقفًا أمام البوابة المعدنية، غارقًا في جدال لا ينتهي، لكنه ما إن تذكر واجباته حتى استدار على الفور، ورسم ابتسامة اعتذار على وجهه.

 

«تور… من؟»

«لا شيء، الأمر فحسب…»

 

 

«بعد سبع سنوات ونصف من انضمامي إلى الحرس الملكي، هذه هي المرة الثانية التي ألتقي فيها بالقائد أدريان وجهًا لوجه وأجري معه حديثًا شخصيًا! أما المرة السابقة، فكانت قبل ثلاث سنوات!»

لوّح ثاليس بيده معتذرًا، ثم قال:

 

 

 

«لقد تذكرت نكتة يتداولها أهل الشمال: لماذا أنت هنا؟»

 

 

 

لم يتمالك ثاليس نفسه، وعاد إلى الضحك.

 

 

 

أما غلوفر، فلم يفهم شيئًا، بل ازدادت الحيرة في ملامحه.

«قبل ست سنوات، حين أصبحت أميرًا لتوك، لم أتمكن من الحضور بسبب بعض الشؤون العائلية، ففاتتني أهم لحظة في حياتك.»

 

 

واستمر الحوار المحيّر بين دويل والضيف غير المرغوب فيه خارج البوابة، بينما أخذ كلاهما يلوّح بيديه بحركات مبالغ فيها.

 

 

«ما الذي جاء بك إلى هنا؟»

«لماذا… لماذا أنت هنا؟»

 

 

«بل إن الملك ملزم بذلك.»

حكّ الضيف رأسه، ثم قال:

«حقًا؟»

 

«أما النبيل الجدير بهذا اللقب، فيستطيع حمل الأعباء الثقيلة، بل لا بد له من أن يحملها.»

«أنا… حصلت على إجازة مسبقًا. وجئت خصيصًا لإلقاء نظرة على الأمير. أوه، أعني الدوق الآن… لقد سمعت أنه عاد…»

 

 

 

هز دويل رأسه.

ثم أطلق الحارس الصامت من الطليعة شخيرًا ساخرًا، وأدار رأسه إلى الجانب الآخر.

 

 

«لا، على النبلاء حجز موعد مسبقًا…»

 

 

 

لكن دي. دي استعاد انتباهه فجأة، وكأنه أدرك أمرًا مهمًا.

 

 

 

«انتظر! كيف عرفت أن الأمير سيعود اليوم؟ وكيف عرفت أنه أصبح دوقًا؟»

«مرحبًا! مرحبًا! مرحبًا، يا صاحب السمو! هل ما زلتم تتذكرونني؟ أنا ذلك الرجل… الرجل الذي أكل الكثير من الفاكهة وأكباد الحيوانات…»

 

«لا، لا، لا! المكان مغلق اليوم… حتى لو كنت نبيلًا، فلا يمكنك…»

«آه، الغراب الرسول لدى عائلتي سريع إلى حدٍّ ما… حسنًا، ابتعد الآن، ولا تقف في طريقي. أريد زيارته!»

كان لكل منهما شعوره الخاص، لكن ثاليس، الذي وقف إلى جوارهما، كان يفكر في أمر آخر تمامًا.

 

لم ينتبه إلى التعبير الغريب الذي ارتسم على وجه سيده، بل خفض صوته وقرّب رأسه من أذن ثاليس.

«لا، انتظر! كيف عرفت أنه هنا أصلًا؟»

 

 

 

«ألا تتذكر أننا كنا المسؤولين عن إخلاء الطريق حين رافقتَ الأمير إلى هنا؟»

 

 

غريب، لماذا لا أستطيع تذكرها؟

«لا، لا، لا! عليك أن تنتظر قليلًا… أقصد، بأي صفة أو استحقاق تظن أنك تستطيع زيارة الأمير؟»

«ما الذي يحدث؟»

 

 

«لا بد أنك تمزح! فأنا، رغم أنني ما زلت في مثل هذه السن، الشاب الوحيد الذي مُنح لقب اللورد!»

أومأ أدريان برأسه، ثم تقدم نحوهما مبتسمًا. وكان من حوله قد تعرفوا إليه بالفعل، فسارعوا إلى تحيته.

 

عجز ثاليس عن الكلام.

«مُنحت لقب لورد؟ أتقصد أنك حصلت عليه بفضل علاقاتك القوية ونفوذ عائلتك ووالدك ذي المكانة الرفيعة، حتى تُمنح الألقاب لأبناء النبلاء عديمي الفائدة؟»

 

 

عجز ثاليس عن الكلام.

«تبًّا لك! اذهب إلى الجحيم! لقد رُقّيت إلى مرتبة اللورد بفضل إسهاماتي للمملكة!»

 

 

 

«إسهاماتك؟ أتعني أنك ألقيت القبض على لص في الشارع؟»

 

 

 

«القبض على لص؟ هراء! لقد تطوعت بشجاعة قبل ست سنوات للمشاركة في حملة عسكرية، وأنقذت المملكة من حرب!»

 

 

 

«همف، دعني أرى إلى متى ستواصل التباهي…»

«سموكم.»

 

 

«دعني أخبرك يا دي. دي، إنك تحسدني بوضوح! أنت تغار مني لأنك عاجز عن نيل لقب مثلي!»

ثلاث سنوات.

 

تغيرت ملامح دويل، الذي كان واقفًا إلى الجانب.

«تبًّا لك! أنت من قضى أكثر من عشرين عامًا دون أن يتزوج، فكيف تجرؤ على التحدث إليّ بهذه الوقاحة وكأنك…»

«يتناقل النبلاء في العاصمة شائعات مفادها أن هذا الرجل… مجنون.»

 

 

شعر غلوفر بالحرج، فضرب جبهته بكفه خلف البوابة المعدنية.

 

 

ثم أطلق الحارس الصامت من الطليعة شخيرًا ساخرًا، وأدار رأسه إلى الجانب الآخر.

من الواضح أن دويل والرجل الواقف في الخارج لن ينهيا جدالهما في أي وقت قريب، حتى إن جنود جاديستار الخاصين المحيطين بهما بدأوا يشعرون بالملل، فعادوا إلى مواقعهم.

 

 

 

لكن ثاليس بدا وكأنه أدرك شيئًا من خلال ذلك الحوار.

«دويل!»

 

«لا، شكرًا.»

«دويل؟»

«أعرف جدك. فهو الذي اختارني ورقّاني إلى رتبة أحد أفراد الحرس قبل أربعين عامًا، حين كان يشغل منصب المراقب.»

 

استعاد دويل تلك الذكرى بحماسة.

لم يكترث ثاليس بنظرات غلوفر الغريبة، بل قرر أن يتجاوزه، ثم نادى بصوت مرتفع لتنبيه دويل:

كانت كلماته كافية لتصيب ثاليس بالذهول.

 

كانت كلماته كافية لتصيب ثاليس بالذهول.

«دويل!»

 

 

 

كان دويل واقفًا أمام البوابة المعدنية، غارقًا في جدال لا ينتهي، لكنه ما إن تذكر واجباته حتى استدار على الفور، ورسم ابتسامة اعتذار على وجهه.

«يا إلهي، حين كنا في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من أعمارنا، لم نكن بهذه الدرجة من التعقيد. ألم يكن من المفترض أن نكون بسطاء، ساذجين، متهورين، ولا يشغل بالنا سوى النساء؟»

 

«لا، لا، لا! المكان مغلق اليوم… حتى لو كنت نبيلًا، فلا يمكنك…»

«أعتذر يا صاحب السمو عن إزعاجكم… المعذرة، دعوني أعرّفكم إلى هذا الشخص. إنه…»

رفع القائد الأعلى للحرس الملكي كلتا يديه، ثم تقدم نحوه ببطء، وأخذ يتفحص بنيته الجسدية المتناسقة بعينين ضيقتين.

 

«سيدي القائد، هل ترغب في بعض الماء؟»

مدّ دويل يده مشيرًا إلى الضيف غير المرغوب فيه خارج البوابة، ثم نطق بصعوبة بسلسلة طويلة من عبارات القرابة:

 

 

ابتسم قائد الحرس وهو ينظر إلى ثاليس.

«… ابن أخي زوج أخت جدتي.»

«ما زال أمامكما الكثير، فأنتما لا تزالان في مقتبل العمر، وكلاكما من الرجال المهمين بالنسبة إلى مالوس. وأنتما أيضًا سيفان موثوقان للمملكة.»

 

ارتبك دويل حين رأى كوهين يلوّح بذراعيه بجنون، فسعل بحرج.

تنهد غلوفر مجددًا، ثم ضرب وجهه بكفه.

 

 

«لا، انتظر! كيف عرفت أنه هنا أصلًا؟»

وفي تلك اللحظة، تمكن ثاليس من رؤية الضيف خارج البوابة بوضوح.

 

 

 

فتجمد في مكانه من شدة الدهشة.

 

 

ثلاث سنوات.

قال دويل وهو يضحك ضحكة جافة:

 

 

 

«إنه وريث إحدى العائلات التي تحمل لقب الكونت، ويعمل حاليًا في العاصمة، كما أنه يقضي إجازته فيها…»

 

 

 

ثم ذكر اسم الرجل:

 

 

ابتسم أدريان ابتسامة لطيفة.

«كوهين كارابيان.»

 

 

 

ظل ثاليس يحدق في الرجل الواقف خارج البوابة بشرود.

«مهلًا لحظة، أنا أعرفه…»

 

 

«مرحبًا! مرحبًا! مرحبًا، يا صاحب السمو! هل ما زلتم تتذكرونني؟ أنا ذلك الرجل… الرجل الذي أكل الكثير من الفاكهة وأكباد الحيوانات…»

 

 

«جيد جدًا.»

وقف الضابط كوهين طويل القامة خارج البوابة المعدنية، وقد بدا مندهشًا حين رأى ثاليس، ولاحظ كم كبر منذ آخر لقاء بينهما. ثم أشار إلى نفسه، كاشفًا عن أسنانه البيضاء، وابتسم ابتسامة حمقاء بدت وكأنها تقول بوضوح:

 

 

أومأ أدريان برأسه، ثم أعاد تفحصهما بنظراته.

«إنه أنا!»

وفي غضون لحظة، استقام كلاهما في وقفته، واستدارا نحو البوابة المعدنية.

 

 

ارتبك دويل حين رأى كوهين يلوّح بذراعيه بجنون، فسعل بحرج.

 

 

 

«عليّ أن أنبّهكم إلى أمر، يا صاحب السمو.»

استعاد دويل تلك الذكرى بحماسة.

 

«هذا ينطبق عليك وحدك، لا علينا جميعًا.»

لم ينتبه إلى التعبير الغريب الذي ارتسم على وجه سيده، بل خفض صوته وقرّب رأسه من أذن ثاليس.

 

 

 

ثم أشار سرًا إلى كوهين، الذي ظل يضحك ويلوح بيديه، وأومأ برأسه، قبل أن يهمس بصدق، وكأنه يؤدي قسمًا :

«لا داعي إلى تكلف عناء السؤال، يا صاحب السمو. لقد جئت فحسب… لأسلّمكم مرسوم التعيين الرسمي دوقًا.»

 

 

«يتناقل النبلاء في العاصمة شائعات مفادها أن هذا الرجل… مجنون.»

 

 

«نعم.»

 

 

_______________________________________________________________________________________________________

 

 

استعاد دويل تلك الذكرى بحماسة.

دعمكم للرواية يسرّع من عملية الوصول للراو

 

 

 

حساب الانستا الجديد لأي استفسارات ag00.ego@

 

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط