Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

سليل المملكة 514

غيوم عابرة
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

غيوم عابرة

 

 

«لقد صدر أمر جلالته رسميًا».

انحنى تاليس أقرب إلى النافذة، فاندفعت «خطيئة نهر الجحيم» إلى أذنيه، والتقطت بعض الكلمات المتناثرة.

 

 

ابتسم غيلبرت، الجالس قبالته، و رشف رشفة من فنجان الشاي، وقال:

تبًّا.

 

قال لنفسه بتنهيدة.

«الآن، انتشر خبر عودتك و تنصيبك نبيلًا في أرجاء مدينة الليل الأبدي. وبعد أيام قليلة، سيعرف به الإقليم الأوسط كله، بل البلاد كلها».

 

 

 

في قاعة الاستقبال، ابتسم تاليس بعجز، وهو هنا مضيف لا ضيف.

تسلل ضوء الصباح عبر ستار النافذة، فأنار قاعة الاستقبال البسيطة الزخرفة، النظيفة نظافة لا تشوبها شائبة.

 

 

وبكسل الصباح، نهض الشاب ومشى ببطء إلى النافذة.

 

 

 

تسلل ضوء الصباح عبر ستار النافذة، فأنار قاعة الاستقبال البسيطة الزخرفة، النظيفة نظافة لا تشوبها شائبة.

 

 

بعد وقت طويل.

رفع تاليس زجاج النافذة، فاستقبله تيار من الهواء المنعش.

 

 

 

ومعه ضجيج نشاز مفاجئ.

وبكسل الصباح، نهض الشاب ومشى ببطء إلى النافذة.

 

 

«نعم»، اتكأ دوق بحيرة النجوم المنصَّب حديثًا على النافذة، وتثاءب، وضغط على خصره: «أستطيع أن أشعر به من هنا».

ومنذ اليوم الثاني، لم تهدأ قاعة ميندس، وتوالى الزوار بلا انقطاع.

 

 

لم تكن قاعة ميندس تحت النافذة هادئة على الإطلاق.

وصمت غيلبرت أيضًا.

 

 

كانت الحديقة والطريق خارج البوابة الحديدية قد امتلأت بشتى أنواع العربات، ناهيك عن الزوار الكثيرين الذين وصلوا على الأقدام أو على ظهور الخيل، وكان جزء كبير منهم يرتدي ملابس باهظة ويحمل شعارات بارزة.

 

 

 

خارج البوابة الحديدية، كان الحرس الملكي والجنود الخاصون لجيدستار يعملون بلا كلل، منشغلين بالشرح والإقناع بالانصراف.

 

 

 

انحنى تاليس أقرب إلى النافذة، فاندفعت «خطيئة نهر الجحيم» إلى أذنيه، والتقطت بعض الكلمات المتناثرة.

«فبعد كل شيء، في أعينهم، شعب إكستيدت كلهم أميّون، فربما يشتبهون حتى في أن الوريث العائد إلى المملكة قد لا يكون في المظهر إلا أمير الكوكبة، لكنه في الداخل مجرد شمالي فظّ أمّي؟»

 

 

«أعتذر يا سيدي النبيل، فقاعة ميندس لا تستقبل الزوار هذا الشهر»، جاء صوت ضابط الطليعة غلوفر المتصلب الجاد من عند البوابة الحديدية:

وبالمقارنة بإقامته هنا قبل ست سنوات، حين كان كل شيء يمرّ عبر غيلبرت، فالأمر أفضل الآن وهو صاحب المكان. على الأقل يستطيع أن يعطي الأوامر مباشرة لمن حوله (مثل «أحضروا لي مرتبة أصلب»)، وتُطاع كلماته، على الأقل ظاهريًّا.

 

بينما كدّ الآخر، يعمل بجد يومًا بعد يوم، ومهما كثرت إنجازاته لم يعلم بها أحد.

«لا يُسمح بالمرور إلا بتصريح خاص من جلالة الملك…»

وهذه المرة جاء دور تاليس ليعبس:

 

«فبعد كل شيء، قضيتَ ست سنوات في الأراضي الشمالية»، تفحّص وزير الخارجية السابق تاليس، ولاحظ جلسته المعتادة التي تبدو عفوية وغير رسمية، متكئًا على مرفقيه مستعدًّا للتدحرج إلى الأرض في أي لحظة، ونظرته الحادة المباشرة التي لا تتهرب، وملابسه اليومية العملية غير الرسمية كثيرًا. فقطّب جبينه قليلًا: «من الكلام والسلوك والعادات إلى الآداب والمعرفة، هناك الكثير مما نحتاج إلى تصحيحه…»

وعلى الفور، غطّى صوت آخر متهيّج قليلًا على صوت غلوفر.

فرك تاليس جبينه بإعياء.

 

«إذن، هل ما زلتَ تذكر كيف تكتب سوناتة؟»

«لا، لا، لا، يا روك، كنا زميلين في الدراسة أربع سنوات لكننا لم نكن مقرّبين قط، لذا فغير المعنيين ممنوعون منعًا باتًّا… ماذا؟ أنت هنا فقط لتتأمل المناظر؟ يكفي هذا! تتأمل المناظر ثماني ساعات متواصلة يومين متتاليين، أتظنني أحمق؟»

باستثناء «السيد النبيل» لصندوق فضلات القطط… أين السعداء المتسكعون في هذا العالم؟

 

«وهذان الشهران؟»

كان هذا دويل.

 

 

هل أنت راضٍ؟

وقف أمام نبيل بدا بريئًا، وراح يشير بعصبية نحو قاعة ميندس خلفه:

رفع تاليس زجاج النافذة، فاستقبله تيار من الهواء المنعش.

 

 

«ضجيج كل يوم، ضجيج كل يوم، ألا أحتاج… ألا يحتاج الأمير إلى الراحة؟»

 

 

 

لم يستطع تاليس إلا أن يرفع حاجبًا.

أمام نظرة وزير الخارجية السابق المتّقدة، خفض تاليس رأسه، وفرك وجهه دون وعي.

 

 

ودخل أذنه صوت آخر مهذب ولطيف:

 

 

وفي هذا الجانب، كان بعيدًا حقًّا عن بوتراي، ذلك الرجل العجوز الكئيب بكلماته المحبطة.

«… إذن، أيها البارونيت كايمار، كما يُنادونك»، كان هذا مالوس، هادئًا ومبتسمًا ظاهريًّا لكنه في الواقع يُبقي الناس على مسافة، وهو يواجه نبيلًا صعبًا آخر:

 

 

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وابتسم أخيرًا.

«لماذا لا تذهب إلى وريث عائلة كارابيان الذي ذكرتَه، وتسأله عن سرّ نيل مقابلة استثنائية مع الدوق؟»

وبكسل الصباح، نهض الشاب ومشى ببطء إلى النافذة.

 

 

«أوه، إذن عائلتكم من التجار الإمبراطوريين، ولديكم ثلاث بنات جميلات تتراوح أعمارهن بين التاسعة والتاسعة عشرة قد يصبحن زوجة للأمير! أعتذر، إذن ربما تستطيع أنت، بصفتك قريبًا ملكيًا مستقبليًا، أن تنال مرسوم جلالته؟ وحين تزورنا حينها، سأصطف بنفسي لأفسح الطريق لقدومك».

 

 

وأعاد مكتب الشرطة تحديد جداول الدوريات وأعداد الأفراد. فاتحدت مكاتب الشرطة الثلاثة في حيّ نجمة الغسق والحيّين المجاورين له (التي كانت تتشاجر فيما بينها أصلًا) في صداقة وتعاون صادق. وراح عدد لا يُحصى من ضباط المراقبة يتنافسون بحماس واجتهاد على المناوبات، و تناوبت دفعات من قوة الدفاع عن المدينة على الدوريات ليلًا ونهارًا، فحوّلت هذه المنطقة ذات الموقع المحرج المنسيّة تقريبًا إلى جنة أرضية لا تُلتقط فيها المفقودات ولا تُقفل فيها الأبواب ليلًا.

«مم، تشكر عائلة مالوس حرصكم. يؤلمنا حقًّا أننا لا نستطيع شراء بضائع عائلتكم…»

 

 

نوم حتى الاستيقاظ، فطور، وقت فراغ، غداء، نوم حتى الاستيقاظ، وقت فراغ، عشاء، وقت فراغ، نوم حتى الاستيقاظ.

«أشكرك على سؤالك عن والديّ وعائلتي، مع أنهم جميعًا لم يعودوا بيننا…»

 

 

 

«مم، إذن نيابةً عن جميع قريباتي الحيّات، أشكرك وأشكر «عضوك» الذي تحت على تحياتكم…»

 

 

«حسنًا أيها البارونيت، سأنقل كلماتك بالتأكيد إلى مقبرة عائلتي، ليعلم بها جميع أسلافي…»

«والآن، لا يعرفون إلا أن الأمير تاليس قد عاد للتو من الأراضي الشمالية الفظة الهمجية الخطيرة القارسة البرد، بعد أن نشأ تحت تأثير أولئك الشماليين غير المعقولين وتعليمهم، شعب إكستيدت».

 

الحياة حقًّا… أسند تاليس ظهره ببطء، وأطلق أنينًا حقيقيًّا (تنهيدة) خاصًّا بالمتسكعين: «يا للانحلال».

«لكن قبل ذلك، من أجل سلامة دوق بحيرة النجوم، يجب أن أحتجزك مؤقتًا في مكتب الشرطة…»

كانت الحديقة والطريق خارج البوابة الحديدية قد امتلأت بشتى أنواع العربات، ناهيك عن الزوار الكثيرين الذين وصلوا على الأقدام أو على ظهور الخيل، وكان جزء كبير منهم يرتدي ملابس باهظة ويحمل شعارات بارزة.

 

ساد الهواء صمت لثانية.

«لماذا؟ لأنني اشتبه في أنك تحمل سلاحًا سرًّا، تنوي به إيذاء الدوق… أين السلاح؟ ترى، جوهرة خاتمك ساطعة جدًّا، وهذا مضر بعيني صاحب السمو الدوق…»

نوم حتى الاستيقاظ، فطور، وقت فراغ، غداء، نوم حتى الاستيقاظ، وقت فراغ، عشاء، وقت فراغ، نوم حتى الاستيقاظ.

 

 

«إذن أقترح أن تشتكي مباشرةً إلى جلالة الملك أو اللورد أدريان من أسلوب خدمتي…»

وقف أمام نبيل بدا بريئًا، وراح يشير بعصبية نحو قاعة ميندس خلفه:

 

 

«كم ستُحتجز؟ لا تقلق، لم يتبقَّ سوى شهرين ونصف على مأدبة ترحيب الدوق. وبعدها ستكون خطتك باطلة، وعندها سيقاضيك الحرس الملكي رسميًّا بتهمة “محاولة اغتيال أحد أفراد العائلة المالكة”…»

 

 

ودخل أذنه صوت آخر مهذب ولطيف:

عند سماع هذا، تنهد تاليس، وأغلق النافذة، ولم يعد يصغي إلى دفاع البارونيت البدين كايمار المذعور «لستُ كذلك، لم أفعل، لا تتفوه بالهراء»، ولم يكترث بكيفية فراره إلى عربته بوجه مذعور.

ابتسم غيلبرت وأومأ: «لنُعلِم الآخرين أن الدوق تاليس يمتلك مزايا جانبي الحدود: فأنت الوحيد في هذا العصر الذي ورث الإمبراطورية وستارفول معًا، وصقلته ريح الشمال والتنين العظيم، وتستطيع مجادلة الوزراء في قصر النهضة، كما تستطيع النجاة من المواقف اليائسة في قاعة الأبطال…»

 

 

كان هذا يومه الثالث في العاصمة، مقيمًا في قاعة ميندس.

«هما وقتك للراحة والتأقلم والتكيّف».

 

 

ومنذ اليوم الثاني، لم تهدأ قاعة ميندس، وتوالى الزوار بلا انقطاع.

لكن عندما ذكر الطرف الآخر المرتزقة، تذكر فجأة الحبل السريع، ثم ريكي الغامض المرعب.

 

 

مما حال دون أن يجد حرس بحيرة النجوم لحظة راحة.

في تلك اللحظة، اندفع تيار دافئ، منبعه قبل ست سنوات، في قلب الأمير.

 

 

«قبل بضعة أيام، ما كان ينبغي لك أن تستقبل وريث كارابيان ذاك، ولو كان معرفة قديمة لك»، وضع غيلبرت فنجان الشاي وتنهد:

وعلى الفور، غطّى صوت آخر متهيّج قليلًا على صوت غلوفر.

 

 

«والآن، كثير من النبلاء والمسؤولين والشخصيات البارزة في العاصمة يحذون حذوه، ويحاولون شدّ الخيوط للدخول».

كان في الواقع… غير معتاد قليلًا.

 

«… إذن، أيها البارونيت كايمار، كما يُنادونك»، كان هذا مالوس، هادئًا ومبتسمًا ظاهريًّا لكنه في الواقع يُبقي الناس على مسافة، وهو يواجه نبيلًا صعبًا آخر:

«نعم، نعم، أفهم»، جلس تاليس مجددًا، غارقًا في التفكير: «هذا هو الثمن».

«الكلام والسلوك والعادات؟»

 

 

لقد قلّل من شأن أثر عودته إلى البلاد وصدمتها.

 

 

وقف أمام نبيل بدا بريئًا، وراح يشير بعصبية نحو قاعة ميندس خلفه:

لم يجتذب الأمير الزوار وحدهم.

 

 

«هما وقتك للراحة والتأقلم والتكيّف».

فيبدو أن إقامة دوق بحيرة النجوم لم توقظ قاعة ميندس الهادئة عادةً فحسب، بل إن ارتقاء مكانة هذا القصر في ثلاثة أيام أثّر في مدينة الليل الأبدي كلها:

 

 

لكن… إنها نهاية الشهر، والرزق يلزمه.

أصدرت دار المدينة ستة أوامر عاجلة، بإعادة زراعة الخضرة، وتغيير المصابيح، وتنظيف كل (الطرق والتقاطعات التي قد يراها الأمير) في حيّ نجمة الغسق، وتزيينها بفخامة. لم يُسمح لأي متشرد بالدخول، ولم يُرَ أي متسول. وكان التحسّن في مظهر المدينة كبيرًا حتى فاق، من بعض الجوانب، حي دي سي حيث يتجمع كبار النبلاء.

«والآن، كثير من النبلاء والمسؤولين والشخصيات البارزة في العاصمة يحذون حذوه، ويحاولون شدّ الخيوط للدخول».

 

 

وأعاد مكتب الشرطة تحديد جداول الدوريات وأعداد الأفراد. فاتحدت مكاتب الشرطة الثلاثة في حيّ نجمة الغسق والحيّين المجاورين له (التي كانت تتشاجر فيما بينها أصلًا) في صداقة وتعاون صادق. وراح عدد لا يُحصى من ضباط المراقبة يتنافسون بحماس واجتهاد على المناوبات، و تناوبت دفعات من قوة الدفاع عن المدينة على الدوريات ليلًا ونهارًا، فحوّلت هذه المنطقة ذات الموقع المحرج المنسيّة تقريبًا إلى جنة أرضية لا تُلتقط فيها المفقودات ولا تُقفل فيها الأبواب ليلًا.

 

 

ابتسم غيلبرت، الجالس قبالته، و رشف رشفة من فنجان الشاي، وقال:

وزاد كبير ضباط حامية مدينة الليل الأبدي قوة الدفاع عن المدينة على سور المدينة المواجه لحيّ نجمة الغسق على وجه الاستعجال (مع أن حي نجمة الغسق يبعد عشرات الآلاف من الأميال عن سور المدينة)، لضمان أن «لا يستطيع أي وغد عبورنا وتهديد الأمير». كما حصل خصيصًا على أمر بإرسال الجيش النظامي من خارج المدينة، وأقام طرقًا خاصة حصرية لإمداد قاعة ميندس ونقل لوازمها، وبحسب قول أحد الجنود: «حتى فضلات الأمير التي تُنقل للخارج يجب ألا تُدنَّس!»

لا أحد يزعج، ولا أحد يتدخل، ولا أحد يستجوب.

 

كانت الحديقة والطريق خارج البوابة الحديدية قد امتلأت بشتى أنواع العربات، ناهيك عن الزوار الكثيرين الذين وصلوا على الأقدام أو على ظهور الخيل، وكان جزء كبير منهم يرتدي ملابس باهظة ويحمل شعارات بارزة.

فرك تاليس جبينه بإعياء.

«على ماذا؟»

 

 

أما غيلبرت فابتسم بعجز:

من لا يعلمون… سخر تاليس في نفسه.

 

 

«أستطيع أن أتخيل حالي عند العودة إلى البيت… فأنا على الأرجح لم أكن “مشهورًا” بهذا القدر في حياتي كلها».

 

 

«وصدّقني، سيرحب بك الشماليون أكثر مما سيرحب بك أهل ستارفول».

«بصفتك أقرب وزراء جلالته إليه وأكثرهم ثقة، فأنت مشهور أصلًا»، زفر تاليس:

تسلل ضوء الصباح عبر ستار النافذة، فأنار قاعة الاستقبال البسيطة الزخرفة، النظيفة نظافة لا تشوبها شائبة.

 

لكن عندما ذكر الطرف الآخر المرتزقة، تذكر فجأة الحبل السريع، ثم ريكي الغامض المرعب.

«وصدّقني، سيرحب بك الشماليون أكثر مما سيرحب بك أهل ستارفول».

 

 

 

أومأ غيلبرت وقد أدرك الأمر فجأة.

«الكلام والسلوك والعادات؟»

 

 

في هذه الأيام القليلة، لو تجاهل المرء الحشد الكبير من الانتهازيين خارج الأسوار، وهم يمدّون أعناقهم وينتظرون ويأملون فرصةً لرؤية الأمير، فقد كانت الحياة في قاعة ميندس هادئة إلى حد كبير.

 

 

 

نوم حتى الاستيقاظ، فطور، وقت فراغ، غداء، نوم حتى الاستيقاظ، وقت فراغ، عشاء، وقت فراغ، نوم حتى الاستيقاظ.

في هذه الأيام القليلة، لو تجاهل المرء الحشد الكبير من الانتهازيين خارج الأسوار، وهم يمدّون أعناقهم وينتظرون ويأملون فرصةً لرؤية الأمير، فقد كانت الحياة في قاعة ميندس هادئة إلى حد كبير.

 

فيبدو أن إقامة دوق بحيرة النجوم لم توقظ قاعة ميندس الهادئة عادةً فحسب، بل إن ارتقاء مكانة هذا القصر في ثلاثة أيام أثّر في مدينة الليل الأبدي كلها:

آه، صحيح، وقت الفراغ لا يمكن قضاؤه في الهواء الطلق في معظمه، لأنه عليه تجنّب الباباراتزي… كحّ، أقصد، تجنّب أولئك الانتهازيين المتحمسين الذين يسعون إلى مقابلة الأمير ولا يستطيعون.

 

 

«لا، ليست طويلة على الإطلاق. بل هي في الواقع قصيرة بعض الشيء».

ومع أن إيقاع الحياة يشبه ما كان في مدينة قمة التنين، فإنه لم يكن هناك… تآمر خادع، ولا قلق من عدو مختبئ، ولا ضغط عالٍ دائم كسهم على الوتر، ولا إثارة بقاء مرتجفة، ولا رحلة مجنونة هربًا لألف ميل.

أومأ غيلبرت وقد أدرك الأمر فجأة.

 

 

لا أحد يزعج، ولا أحد يتدخل، ولا أحد يستجوب.

 

 

 

كان في الواقع… غير معتاد قليلًا.

لم تكن قاعة ميندس تحت النافذة هادئة على الإطلاق.

 

وفي هذا الجانب، كان بعيدًا حقًّا عن بوتراي، ذلك الرجل العجوز الكئيب بكلماته المحبطة.

التقط تاليس فنجان الشاي، وبلّل حلقه برضا.

«الآن، انتشر خبر عودتك و تنصيبك نبيلًا في أرجاء مدينة الليل الأبدي. وبعد أيام قليلة، سيعرف به الإقليم الأوسط كله، بل البلاد كلها».

 

 

وبالمقارنة بإقامته هنا قبل ست سنوات، حين كان كل شيء يمرّ عبر غيلبرت، فالأمر أفضل الآن وهو صاحب المكان. على الأقل يستطيع أن يعطي الأوامر مباشرة لمن حوله (مثل «أحضروا لي مرتبة أصلب»)، وتُطاع كلماته، على الأقل ظاهريًّا.

صمت.

 

غمز لتاليس:

الحياة حقًّا… أسند تاليس ظهره ببطء، وأطلق أنينًا حقيقيًّا (تنهيدة) خاصًّا بالمتسكعين: «يا للانحلال».

رفع تاليس زجاج النافذة، فاستقبله تيار من الهواء المنعش.

 

«لا أعلم ما رأيك، لكنهم بعد كل شيء متخصصون في صنع النظارات للعلماء والعجائز أمثالي. فألوانها وتصاميمها ليست لافتة ولا عصرية، فأشك في أنها ستكسب قلب آنسة شابة. ألم تفكر في إرسال شيء آخر حينها…؟» حملت كلمات وزير الخارجية السابق مغزى خفيًّا، لكن تاليس، الذي صقلته المعارك التي لا تُحصى منذ زمن، حافظ على تعبيره المعتاد، كأنه أصمّ عن التلميح.

حتى كاد ينسى ذلك الشخص في قصر النهضة.

وزاد كبير ضباط حامية مدينة الليل الأبدي قوة الدفاع عن المدينة على سور المدينة المواجه لحيّ نجمة الغسق على وجه الاستعجال (مع أن حي نجمة الغسق يبعد عشرات الآلاف من الأميال عن سور المدينة)، لضمان أن «لا يستطيع أي وغد عبورنا وتهديد الأمير». كما حصل خصيصًا على أمر بإرسال الجيش النظامي من خارج المدينة، وأقام طرقًا خاصة حصرية لإمداد قاعة ميندس ونقل لوازمها، وبحسب قول أحد الجنود: «حتى فضلات الأمير التي تُنقل للخارج يجب ألا تُدنَّس!»

 

 

«إذن يا غيلبرت، ما جدولنا اليوم؟»

«لا يُسمح بالمرور إلا بتصريح خاص من جلالة الملك…»

 

بينما كدّ الآخر، يعمل بجد يومًا بعد يوم، ومهما كثرت إنجازاته لم يعلم بها أحد.

أشار تاليس بتجهم إلى الطاولة:

«قبل بضعة أيام، ما كان ينبغي لك أن تستقبل وريث كارابيان ذاك، ولو كان معرفة قديمة لك»، وضع غيلبرت فنجان الشاي وتنهد:

 

غمز لتاليس:

«لماذا أحضرتَ كومة من… الورق؟»

«ست سنوات».

 

 

وكان غيلبرت، الذي كان ينظر إلى الدوق بمودة، قد تذكّر شيئًا فجأة، فأدار رأسه، ونقل كومة الأوراق من على الطاولة إلى حجره، وأخرج زوجًا من النظارات.

 

 

 

«أرجو المعذرة، لقد كبرتُ، ولم تعد عيناي كما كانتا…»

 

 

 

قال وزير الخارجية السابق، الذي تجاوز منتصف العمر، معتذرًا.

«أعتذر، لا أقصد أي إساءة، لكن ما أعنيه أن هناك الكثير مما نحتاج إلى إعداده…» نظر وزير الخارجية السابق إلى تاليس، ونبرته محترمة: «مع كامل الاحترام، مع أن ظهورك المذهل في مؤتمر الشؤون الوطنية حينها لا يُنسى، فقد كان ذلك قبل ست سنوات».

 

 

كانت نظارته غريبة جدًّا، نظارة طيّية محمولة باليد، بلا مقابض للأذنين، وفي الجانب الأيمن من الإطار مقبض مصنوع خصيصًا.

 

 

 

«بالمناسبة، الهدية التي طلبتَها للدوقة الكبرى طُلبت من ورشة المرايا اليدوية نفسها…» قال غيلبرت وهو يرفع نظارته إلى عينيه ويبدأ بتقليب الأوراق في حجره.

التقط تاليس فنجان الشاي، وبلّل حلقه برضا.

 

 

«لا أعلم ما رأيك، لكنهم بعد كل شيء متخصصون في صنع النظارات للعلماء والعجائز أمثالي. فألوانها وتصاميمها ليست لافتة ولا عصرية، فأشك في أنها ستكسب قلب آنسة شابة. ألم تفكر في إرسال شيء آخر حينها…؟» حملت كلمات وزير الخارجية السابق مغزى خفيًّا، لكن تاليس، الذي صقلته المعارك التي لا تُحصى منذ زمن، حافظ على تعبيره المعتاد، كأنه أصمّ عن التلميح.

رفع غيلبرت عينيه عن الورقة:

 

«غيلبرت»، نظر الأمير إلى هذا الرجل في منتصف العمر الذي علّمه القراءة يدًا بيد ذات يوم، والذي كان في ريعان قوته، لكنه الآن أشيب الشعر تبدو عليه علامات الإرهاق، وقال بصدق: «شكرًا لك».

«إذن، أولًا…» لا يُعرف إن كان ذلك لأنه رأى انعدام ردة فعل الأمير، أو لأنه وجد أخيرًا هدفه في الورقة، فقد تنهد غيلبرت بخفة وقال: «تواصلتُ مع جلالته مجددًا. تحدد مأدبة الترحيب بك مبدئيًّا بعد أكثر من شهرين بقليل من الآن».

 

 

في تلك اللحظة، اندفع تيار دافئ، منبعه قبل ست سنوات، في قلب الأمير.

«سيُعرَّف دوق بحيرة النجوم المنصَّب حديثًا إلى المملكة كلها رسميًّا، أو على الأقل إلى مدينة الليل الأبدي كلها». كان وزير الخارجية السابق لا يزال مطرق الرأس، لكن نظرته تحركت من فوق نظارته نحو تاليس.

«وطوال ست سنوات، وبصرف النظر عن الأخبار المتفرقة، لم يفهمك أحد».

 

«ابن مفضّل للسماء».

يُعرَّف… إلى المملكة كلها.

 

 

 

انقبض قلب تاليس.

 

 

 

أخذ نفسًا عميقًا واعتدل في جلسته على الكرسي.

 

 

ابتسم غيلبرت وأومأ: «لنُعلِم الآخرين أن الدوق تاليس يمتلك مزايا جانبي الحدود: فأنت الوحيد في هذا العصر الذي ورث الإمبراطورية وستارفول معًا، وصقلته ريح الشمال والتنين العظيم، وتستطيع مجادلة الوزراء في قصر النهضة، كما تستطيع النجاة من المواقف اليائسة في قاعة الأبطال…»

تلاشى الكسل والراحة اللذان تمتع بهما في الأيام الماضية في لحظة.

 

 

 

لقد حان الوقت.

 

 

 

قال لنفسه بتنهيدة.

تلاشى الكسل والراحة اللذان تمتع بهما في الأيام الماضية في لحظة.

 

 

استيقظ يا تاليس.

 

 

 

باستثناء «السيد النبيل» لصندوق فضلات القطط… أين السعداء المتسكعون في هذا العالم؟

كانت الحديقة والطريق خارج البوابة الحديدية قد امتلأت بشتى أنواع العربات، ناهيك عن الزوار الكثيرين الذين وصلوا على الأقدام أو على ظهور الخيل، وكان جزء كبير منهم يرتدي ملابس باهظة ويحمل شعارات بارزة.

 

 

شدّ تاليس عزمه:

تجمّد تاليس.

 

لم تكن قاعة ميندس تحت النافذة هادئة على الإطلاق.

«وهذان الشهران؟»

«قد لا يعرف الآخرون يا صاحب السمو، لكنني معلمك المخصص»، قال غيلبرت بتأثر وهو يتذكر الماضي: «لقد كانت مجرد عطلة من ست سنوات».

 

 

رفع غيلبرت عينيه عن الورقة:

الحياة حقًّا… أسند تاليس ظهره ببطء، وأطلق أنينًا حقيقيًّا (تنهيدة) خاصًّا بالمتسكعين: «يا للانحلال».

 

«نعم»، اتكأ دوق بحيرة النجوم المنصَّب حديثًا على النافذة، وتثاءب، وضغط على خصره: «أستطيع أن أشعر به من هنا».

«هما وقتك للراحة والتأقلم والتكيّف».

 

 

 

«كل هذه المدة؟»

 

 

هل أنت راضٍ؟

هزّ غيلبرت رأسه نافيًا:

آه، صحيح، وقت الفراغ لا يمكن قضاؤه في الهواء الطلق في معظمه، لأنه عليه تجنّب الباباراتزي… كحّ، أقصد، تجنّب أولئك الانتهازيين المتحمسين الذين يسعون إلى مقابلة الأمير ولا يستطيعون.

 

رفع تاليس زجاج النافذة، فاستقبله تيار من الهواء المنعش.

«لا، ليست طويلة على الإطلاق. بل هي في الواقع قصيرة بعض الشيء».

 

 

بضع كلمات لطيفة مناسبة غير مؤذية بدّدت الضيق في قلبه.

«فبعد كل شيء، قضيتَ ست سنوات في الأراضي الشمالية»، تفحّص وزير الخارجية السابق تاليس، ولاحظ جلسته المعتادة التي تبدو عفوية وغير رسمية، متكئًا على مرفقيه مستعدًّا للتدحرج إلى الأرض في أي لحظة، ونظرته الحادة المباشرة التي لا تتهرب، وملابسه اليومية العملية غير الرسمية كثيرًا. فقطّب جبينه قليلًا: «من الكلام والسلوك والعادات إلى الآداب والمعرفة، هناك الكثير مما نحتاج إلى تصحيحه…»

سأقرّ على مضض بأنك ربحتَ جولة.

 

«فبعد كل شيء، قضيتَ ست سنوات في الأراضي الشمالية»، تفحّص وزير الخارجية السابق تاليس، ولاحظ جلسته المعتادة التي تبدو عفوية وغير رسمية، متكئًا على مرفقيه مستعدًّا للتدحرج إلى الأرض في أي لحظة، ونظرته الحادة المباشرة التي لا تتهرب، وملابسه اليومية العملية غير الرسمية كثيرًا. فقطّب جبينه قليلًا: «من الكلام والسلوك والعادات إلى الآداب والمعرفة، هناك الكثير مما نحتاج إلى تصحيحه…»

وهذه المرة جاء دور تاليس ليعبس:

التقط تاليس فنجان الشاي، وبلّل حلقه برضا.

 

«وطوال ست سنوات، وبصرف النظر عن الأخبار المتفرقة، لم يفهمك أحد».

«تصحيحه؟»

 

 

 

«الكلام والسلوك والعادات؟»

 

 

 

أدرك غيلبرت زلة لسانه.

 

 

«إذن، هل ما زلتَ تذكر كيف تكتب سوناتة؟»

«أعتذر، لا أقصد أي إساءة، لكن ما أعنيه أن هناك الكثير مما نحتاج إلى إعداده…» نظر وزير الخارجية السابق إلى تاليس، ونبرته محترمة: «مع كامل الاحترام، مع أن ظهورك المذهل في مؤتمر الشؤون الوطنية حينها لا يُنسى، فقد كان ذلك قبل ست سنوات».

حسنًا، يا تشابمان.

 

 

«وطوال ست سنوات، وبصرف النظر عن الأخبار المتفرقة، لم يفهمك أحد».

 

 

سأقرّ على مضض بأنك ربحتَ جولة.

«والآن، لا يعرفون إلا أن الأمير تاليس قد عاد للتو من الأراضي الشمالية الفظة الهمجية الخطيرة القارسة البرد، بعد أن نشأ تحت تأثير أولئك الشماليين غير المعقولين وتعليمهم، شعب إكستيدت».

 

 

«أرجو المعذرة، لقد كبرتُ، ولم تعد عيناي كما كانتا…»

أدّى غيلبرت انحناءة معيارية، وقال بصدق:

 

 

كان هذا دويل.

«وما نحتاج إلى أن نريهم إياه…»

«حسنًا أيها البارونيت، سأنقل كلماتك بالتأكيد إلى مقبرة عائلتي، ليعلم بها جميع أسلافي…»

 

ومع أن إيقاع الحياة يشبه ما كان في مدينة قمة التنين، فإنه لم يكن هناك… تآمر خادع، ولا قلق من عدو مختبئ، ولا ضغط عالٍ دائم كسهم على الوتر، ولا إثارة بقاء مرتجفة، ولا رحلة مجنونة هربًا لألف ميل.

أسند تاليس ظهره إلى الكرسي، وضغط يده على رأسه باستسلام.

«نعم»، اتكأ دوق بحيرة النجوم المنصَّب حديثًا على النافذة، وتثاءب، وضغط على خصره: «أستطيع أن أشعر به من هنا».

 

 

«أفهم».

«لماذا؟ لأنني اشتبه في أنك تحمل سلاحًا سرًّا، تنوي به إيذاء الدوق… أين السلاح؟ ترى، جوهرة خاتمك ساطعة جدًّا، وهذا مضر بعيني صاحب السمو الدوق…»

 

أدّى غيلبرت انحناءة معيارية، وقال بصدق:

«كان بوسعك أن تقول لي مباشرةً»، تنهد دوق بحيرة النجوم الشاب بعمق: «الجميع في المملكة، من الأعلى إلى الأسفل، يشتبهون في أن الأمير الثاني ربما شوّهت الأفكارُ عقلَه، وأفسد الشماليون الهمجيون المنحرفون شخصيته، و أضعفوا دماغه، والتوت ميوله الجنسية…»

«مم، إذن نيابةً عن جميع قريباتي الحيّات، أشكرك وأشكر «عضوك» الذي تحت على تحياتكم…»

 

 

«فبعد كل شيء، في أعينهم، شعب إكستيدت كلهم أميّون، فربما يشتبهون حتى في أن الوريث العائد إلى المملكة قد لا يكون في المظهر إلا أمير الكوكبة، لكنه في الداخل مجرد شمالي فظّ أمّي؟»

لكن على غير المتوقع، تكلم غيلبرت فجأة وهما يضحكان.

 

«أحيانًا، يخطئ الآباء أيضًا».

بعد أن قال ذلك دفعة واحدة، زفر تاليس بضيق.

«قبل بضعة أيام، ما كان ينبغي لك أن تستقبل وريث كارابيان ذاك، ولو كان معرفة قديمة لك»، وضع غيلبرت فنجان الشاي وتنهد:

 

 

حبسني ست سنوات، ست سنوات.

 

 

 

هل أنت راضٍ؟

 

 

«أعتذر يا سيدي النبيل، فقاعة ميندس لا تستقبل الزوار هذا الشهر»، جاء صوت ضابط الطليعة غلوفر المتصلب الجاد من عند البوابة الحديدية:

حسنًا، يا تشابمان.

هزّ غيلبرت رأسه نافيًا:

 

«كل شيء…»

سأقرّ على مضض بأنك ربحتَ جولة.

 

 

وأعاد مكتب الشرطة تحديد جداول الدوريات وأعداد الأفراد. فاتحدت مكاتب الشرطة الثلاثة في حيّ نجمة الغسق والحيّين المجاورين له (التي كانت تتشاجر فيما بينها أصلًا) في صداقة وتعاون صادق. وراح عدد لا يُحصى من ضباط المراقبة يتنافسون بحماس واجتهاد على المناوبات، و تناوبت دفعات من قوة الدفاع عن المدينة على الدوريات ليلًا ونهارًا، فحوّلت هذه المنطقة ذات الموقع المحرج المنسيّة تقريبًا إلى جنة أرضية لا تُلتقط فيها المفقودات ولا تُقفل فيها الأبواب ليلًا.

فكّر تاليس بملل.

لم يجتذب الأمير الزوار وحدهم.

 

 

«لم أقل ذلك»، ابتسم غيلبرت بمرح، لكن تعبيره صار جادًّا بعد ذلك: «لكن الميول الجنسية… أنت تمزح، أليس كذلك؟»

 

 

«فبعد كل شيء، قضيتَ ست سنوات في الأراضي الشمالية»، تفحّص وزير الخارجية السابق تاليس، ولاحظ جلسته المعتادة التي تبدو عفوية وغير رسمية، متكئًا على مرفقيه مستعدًّا للتدحرج إلى الأرض في أي لحظة، ونظرته الحادة المباشرة التي لا تتهرب، وملابسه اليومية العملية غير الرسمية كثيرًا. فقطّب جبينه قليلًا: «من الكلام والسلوك والعادات إلى الآداب والمعرفة، هناك الكثير مما نحتاج إلى تصحيحه…»

كان تاليس أكسل من أن ينهي هذه المزحة الصغيرة، فواصل بنفسه: «وما عليك فعله هو أنه قبل ظهوري، عليك أن تجعلني أكثر محلية، وأكثر لياقة، وأكثر قبولًا، وأكثر… “ستارفوليًّا”؟»

«يا صاحب السمو»، تأمل غيلبرت قاعة ميندس المألوفة أمامه، وأظهر أخيرًا ابتسامة متعبة لكنها مرتاحة: «مرحبًا بك في البيت».

 

لم يجتذب الأمير الزوار وحدهم.

«ليس تمامًا يا صاحب السمو»، تخلّى غيلبرت ظاهريًّا عن تلك «المزحة» المقلقة وابتسم مجددًا: «في الواقع، رحلتك إلى الأراضي الشمالية هي من أروع إنجازاتك، كأنها رحلة أسطورية لمرتزق: غريبة وغامضة، تثير الرهبة والدهشة عند من لا يعلمون».

 

 

 

من لا يعلمون… سخر تاليس في نفسه.

 

 

ومعه ضجيج نشاز مفاجئ.

لكن عندما ذكر الطرف الآخر المرتزقة، تذكر فجأة الحبل السريع، ثم ريكي الغامض المرعب.

 

 

 

«لذا قد يكون من الأفضل أن نُبقي بشكل مناسب بعض الآثار التي تركتها عليك مدينة زئير التنين…»

 

 

 

عاد تاليس إلى انتباهه:

تجمّد تاليس.

 

وبالمقارنة بإقامته هنا قبل ست سنوات، حين كان كل شيء يمرّ عبر غيلبرت، فالأمر أفضل الآن وهو صاحب المكان. على الأقل يستطيع أن يعطي الأوامر مباشرة لمن حوله (مثل «أحضروا لي مرتبة أصلب»)، وتُطاع كلماته، على الأقل ظاهريًّا.

«آثار؟»

 

 

 

ابتسم غيلبرت وأومأ: «لنُعلِم الآخرين أن الدوق تاليس يمتلك مزايا جانبي الحدود: فأنت الوحيد في هذا العصر الذي ورث الإمبراطورية وستارفول معًا، وصقلته ريح الشمال والتنين العظيم، وتستطيع مجادلة الوزراء في قصر النهضة، كما تستطيع النجاة من المواقف اليائسة في قاعة الأبطال…»

أجبر غيلبرت نفسه على ابتسامة، كابحًا مشاعره.

 

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وابتسم أخيرًا.

«ابن مفضّل للسماء».

 

 

هزّ غيلبرت رأسه نافيًا:

ساد الهواء صمت لثانية.

كانت الحديقة والطريق خارج البوابة الحديدية قد امتلأت بشتى أنواع العربات، ناهيك عن الزوار الكثيرين الذين وصلوا على الأقدام أو على ظهور الخيل، وكان جزء كبير منهم يرتدي ملابس باهظة ويحمل شعارات بارزة.

 

 

أمام نظرة وزير الخارجية السابق المتّقدة، خفض تاليس رأسه، وفرك وجهه دون وعي.

فكّر تاليس بملل.

 

«يا صاحب السمو»، تأمل غيلبرت قاعة ميندس المألوفة أمامه، وأظهر أخيرًا ابتسامة متعبة لكنها مرتاحة: «مرحبًا بك في البيت».

تبًّا.

 

 

 

كما يُتوقَّع من دبلوماسي.

 

 

فكّر تاليس بصمت.

بالمقارنة بـ«تلميع تاليس الريفي الساذج»، فهذه الكلمات… جميلة نوعًا ما؟

«على ماذا؟»

 

 

لم تضعف مهارة ثعلب ستارفول — تحسّر تاليس.

 

 

 

بضع كلمات لطيفة مناسبة غير مؤذية بدّدت الضيق في قلبه.

 

 

 

وفي هذا الجانب، كان بعيدًا حقًّا عن بوتراي، ذلك الرجل العجوز الكئيب بكلماته المحبطة.

فكّر تاليس بملل.

 

 

وربما لهذا السبب، حين عمل الاثنان معًا في وزارة الخارجية، حلّق أحدهما إلى الشهرة، وصار موضع ثقة الملك، ومشهورًا في القارة الغربية كلها.

وهذه المرة جاء دور تاليس ليعبس:

 

 

بينما كدّ الآخر، يعمل بجد يومًا بعد يوم، ومهما كثرت إنجازاته لم يعلم بها أحد.

 

 

 

فكّر تاليس بصمت.

 

 

«تصحيحه؟»

«حسنًا، إن كنت أميًّا فعلًا يا غيلبرت…» وبعد ثوانٍ قليلة، عدّل تاليس مشاعره وأجاب بابتسامة: «أفلا يكون الأوان قد فات قليلًا لتبدأ بتعليمي القراءة وأنا في الرابعة عشرة؟»

«… إذن، أيها البارونيت كايمار، كما يُنادونك»، كان هذا مالوس، هادئًا ومبتسمًا ظاهريًّا لكنه في الواقع يُبقي الناس على مسافة، وهو يواجه نبيلًا صعبًا آخر:

 

لم تكن قاعة ميندس تحت النافذة هادئة على الإطلاق.

«قد لا يعرف الآخرون يا صاحب السمو، لكنني معلمك المخصص»، قال غيلبرت بتأثر وهو يتذكر الماضي: «لقد كانت مجرد عطلة من ست سنوات».

كانت الحديقة والطريق خارج البوابة الحديدية قد امتلأت بشتى أنواع العربات، ناهيك عن الزوار الكثيرين الذين وصلوا على الأقدام أو على ظهور الخيل، وكان جزء كبير منهم يرتدي ملابس باهظة ويحمل شعارات بارزة.

 

 

غمز لتاليس:

بالمقارنة بـ«تلميع تاليس الريفي الساذج»، فهذه الكلمات… جميلة نوعًا ما؟

 

 

«إذن، هل ما زلتَ تذكر كيف تكتب سوناتة؟»

صمت تاليس، غارقًا في التفكير.

 

 

ضحك تاليس وغيلبرت في الوقت نفسه.

 

 

 

لكن على غير المتوقع، تكلم غيلبرت فجأة وهما يضحكان.

لا أحد يزعج، ولا أحد يتدخل، ولا أحد يستجوب.

 

«إذن، كانت مجرد ست سنوات من الراحة». صار صوته أعمق: «يا صاحب السمو».

 

 

بينما كدّ الآخر، يعمل بجد يومًا بعد يوم، ومهما كثرت إنجازاته لم يعلم بها أحد.

«ست سنوات».

«كل شيء…»

 

 

توقف تاليس عن الابتسام ونظر إلى وزير الخارجية السابق بغرابة.

كانت نظارته غريبة جدًّا، نظارة طيّية محمولة باليد، بلا مقابض للأذنين، وفي الجانب الأيمن من الإطار مقبض مصنوع خصيصًا.

 

 

«لا تحبط يا بنيّ»، لم ينظر إليه غيلبرت، لكنه قال ببطء: «يجب أن تعلم».

«لا تحبط يا بنيّ»، لم ينظر إليه غيلبرت، لكنه قال ببطء: «يجب أن تعلم».

 

لم يقل تاليس شيئًا.

«أحيانًا، يخطئ الآباء أيضًا».

يُعرَّف… إلى المملكة كلها.

 

«إذن، كانت مجرد ست سنوات من الراحة». صار صوته أعمق: «يا صاحب السمو».

تجمّد تاليس.

«مم، تشكر عائلة مالوس حرصكم. يؤلمنا حقًّا أننا لا نستطيع شراء بضائع عائلتكم…»

 

 

«امنحه وقتًا يا صاحب السمو»، قال غيلبرت بخفوت: «امنحه وقتًا».

 

 

«إذن يا غيلبرت، ما جدولنا اليوم؟»

اختنق صوته قليلًا.

بالمقارنة بـ«تلميع تاليس الريفي الساذج»، فهذه الكلمات… جميلة نوعًا ما؟

 

 

بدا أن حرارة غرفة الاستقبال وإضاءتها غاصتا معًا في تلك اللحظة.

 

 

انقبض قلب تاليس.

صمت تاليس، غارقًا في التفكير.

خفض تاليس رأسه، وبعد لحظة ارتسمت ابتسامة على شفتيه: «على… كل شيء».

 

صمت.

وصمت غيلبرت أيضًا.

«قبل بضعة أيام، ما كان ينبغي لك أن تستقبل وريث كارابيان ذاك، ولو كان معرفة قديمة لك»، وضع غيلبرت فنجان الشاي وتنهد:

 

 

جلس الاثنان وجهًا لوجه في تأمل هادئ.

«حسنًا أيها البارونيت، سأنقل كلماتك بالتأكيد إلى مقبرة عائلتي، ليعلم بها جميع أسلافي…»

 

 

بعد وقت طويل.

«إذن، هل ما زلتَ تذكر كيف تكتب سوناتة؟»

 

 

أخذ تاليس نفسًا عميقًا وابتسم أخيرًا.

«الآن، انتشر خبر عودتك و تنصيبك نبيلًا في أرجاء مدينة الليل الأبدي. وبعد أيام قليلة، سيعرف به الإقليم الأوسط كله، بل البلاد كلها».

 

 

«غيلبرت»، نظر الأمير إلى هذا الرجل في منتصف العمر الذي علّمه القراءة يدًا بيد ذات يوم، والذي كان في ريعان قوته، لكنه الآن أشيب الشعر تبدو عليه علامات الإرهاق، وقال بصدق: «شكرًا لك».

تبًّا.

 

 

أجبر غيلبرت نفسه على ابتسامة، كابحًا مشاعره.

 

 

 

«على ماذا؟»

«وصدّقني، سيرحب بك الشماليون أكثر مما سيرحب بك أهل ستارفول».

 

ومع أن إيقاع الحياة يشبه ما كان في مدينة قمة التنين، فإنه لم يكن هناك… تآمر خادع، ولا قلق من عدو مختبئ، ولا ضغط عالٍ دائم كسهم على الوتر، ولا إثارة بقاء مرتجفة، ولا رحلة مجنونة هربًا لألف ميل.

خفض تاليس رأسه، وبعد لحظة ارتسمت ابتسامة على شفتيه: «على… كل شيء».

قال وزير الخارجية السابق، الذي تجاوز منتصف العمر، معتذرًا.

 

 

صمت.

 

 

 

للحظة، لم يُسمع سوى الهمهمة الخافتة من خارج النافذة.

فكّر تاليس بملل.

 

لكن عندما ذكر الطرف الآخر المرتزقة، تذكر فجأة الحبل السريع، ثم ريكي الغامض المرعب.

«لا يا صاحب السمو».

خارج البوابة الحديدية، كان الحرس الملكي والجنود الخاصون لجيدستار يعملون بلا كلل، منشغلين بالشرح والإقناع بالانصراف.

 

«وما نحتاج إلى أن نريهم إياه…»

«كل شيء…»

لم يقل تاليس شيئًا.

 

 

تنهد غيلبرت: «كان من أجلك».

 

 

التقط تاليس فنجان الشاي، وبلّل حلقه برضا.

لم يقل تاليس شيئًا.

 

 

 

«يا صاحب السمو»، تأمل غيلبرت قاعة ميندس المألوفة أمامه، وأظهر أخيرًا ابتسامة متعبة لكنها مرتاحة: «مرحبًا بك في البيت».

 

 

كان في الواقع… غير معتاد قليلًا.

في تلك اللحظة، اندفع تيار دافئ، منبعه قبل ست سنوات، في قلب الأمير.

عند سماع هذا، تنهد تاليس، وأغلق النافذة، ولم يعد يصغي إلى دفاع البارونيت البدين كايمار المذعور «لستُ كذلك، لم أفعل، لا تتفوه بالهراء»، ولم يكترث بكيفية فراره إلى عربته بوجه مذعور.

 

بينما كدّ الآخر، يعمل بجد يومًا بعد يوم، ومهما كثرت إنجازاته لم يعلم بها أحد.

ماسحًا كآبة الماضي.

 

 

 

كأن الجفاء الذي شعر به عند عودته الأولى إلى ستارفول… لم يكن سوى غيمة عابرة.

بعد أن قال ذلك دفعة واحدة، زفر تاليس بضيق.

 

كانت نظارته غريبة جدًّا، نظارة طيّية محمولة باليد، بلا مقابض للأذنين، وفي الجانب الأيمن من الإطار مقبض مصنوع خصيصًا.

لا تستحق الذكر.

 

 

«كل شيء…»

* * *

حتى كاد ينسى ذلك الشخص في قصر النهضة.

 

لكن… إنها نهاية الشهر، والرزق يلزمه.

في الأصل كان هذا الفصل سيُهمَل لأنني شعرت أن الانتقال العاطفي فيه غريب بعض الشيء.

 

 

 

لكن… إنها نهاية الشهر، والرزق يلزمه.

«لم أقل ذلك»، ابتسم غيلبرت بمرح، لكن تعبيره صار جادًّا بعد ذلك: «لكن الميول الجنسية… أنت تمزح، أليس كذلك؟»

 

 

تذكّروا أن تذكّروني، فعليّ أن أعود وأراجعه.

 

 

«والآن، كثير من النبلاء والمسؤولين والشخصيات البارزة في العاصمة يحذون حذوه، ويحاولون شدّ الخيوط للدخول».

— بقلم وو جيان، بنظرة طمّاعة.

وزاد كبير ضباط حامية مدينة الليل الأبدي قوة الدفاع عن المدينة على سور المدينة المواجه لحيّ نجمة الغسق على وجه الاستعجال (مع أن حي نجمة الغسق يبعد عشرات الآلاف من الأميال عن سور المدينة)، لضمان أن «لا يستطيع أي وغد عبورنا وتهديد الأمير». كما حصل خصيصًا على أمر بإرسال الجيش النظامي من خارج المدينة، وأقام طرقًا خاصة حصرية لإمداد قاعة ميندس ونقل لوازمها، وبحسب قول أحد الجنود: «حتى فضلات الأمير التي تُنقل للخارج يجب ألا تُدنَّس!»

 

 

 

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط

دعم الرواية

سليل المملكة

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.