مصادفة
الفصل 516: مصادفة
حين تحدثا في ذلك الموضوع، فاضت عينا غيلبرت جدّيّة.
بدا غيلبرت أكثر نشاطًا وهو يتكلم.
أُصيب تاليس بالذهول.
«لا يمكنك أن تتخيل كيف يفهم أهل الشمال، وبخاصة النبلاء فوق رتبة الكونت، “الشؤون العسكرية”، وكيف يرتبون لها».
«لكن من النظر إلى الأمر الآن، فلا بد أن هناك سببًا لانتصاراتهم المتكررة في ساحة المعركة وتفوقهم الدائم.
عندما قال هذا، صار وجه تاليس جادًّا هو الآخر.
«يتعلمون القراءة والكتابة والحساب وقراءة الطقس وحساب المسافات… لقد ضغط الإكستيدتيون كل هذا في دروس عسكرية داخلية».
«يقسمون الدروس العسكرية إلى جزأين: دروس خارجية ودروس داخلية».
كانت عينا تاليس مثبتتين في الهواء.
«”في ذلك اليوم، لم يفعل حرس النصل الأبيض شيئًا. وقفوا جماعةً في الزاوية أمام مدخل القصر يشاهدون الاثنين يتصافحان مرارًا وتكرارًا بلا أي تعبير على وجوههم. وتناوبوا العدّ حتى كادوا يتقيؤون… علم جلالته بالأمر. نقل مائدة الطعام إلى الخارج و راقبهما يتصافحان وهو يأكل…
«يشبه إلى حد كبير ما في الأراضي الشمالية…» تمتم تاليس.
«تشمل الدروس العسكرية الخارجية للنبلاء التدريب الشخصي على فنون القتال، ودروس القيادة العسكرية، وغيرها.
كم؟
«ونسبة تلك الدروس كبيرة جدًّا مقارنة بالدروس الأخرى، ونحضرها عمليًّا كل يوم».
عدّ تاليس على أصابعه.
بادله غيلبرت نظرة متسائلة.
«تتحمل الضرب؟»
«عليّ أن أتحمل الضرب، وأتعلم كيف أركب الخيل، وأشنّ الهجمات، و أصطاد، و أتفقد المعسكرات العسكرية، و أمارس تمارين المناوشة… بالطبع، أمير الكوكبة لن يشارك في الأجزاء الأخيرة».
ثلاثة أنواع.
ضيّق غيلبرت عينيه.
«”انظروا. هذه هي الأخوّة المقسَم عليها بالسيوف. يا إلهي، كان ذلك مؤثرًا بحق…
«تتحمل الضرب؟»
هل كان يحضر درسًا أم درسًا في المنهجية؟!
ضغط تاليس على جبهته. وبينما طرد الدوار السابق، امتلأ بالشك.
تنهد تاليس. أزاح ذلك الوجه الميت من ذهنه.
اتكأ تاليس إلى الخلف بسخط.
«لا تشغل نفسك بهذه التفاصيل».
كانت خلاصة السياسة.
رفع تاليس حاجبًا.
استفاق الدوق من شروده.
«هل تعرف كيف تقول “طفل صغير” بلغة الأورك؟ الشماليون يعرفون. هي “سولنوار” و”سولنار”. إحداهما لغة أورك الصحراء والأخرى لغة أورك الجليد. لأنها مفيدة حين يتواصلون مع “الهجناء”».
«سمعتُ أن الشماليين لديهم عادة تعلم القراءة والكتابة أثناء الدروس العسكرية. لكن حتى عائلة أروندي عند حدود الكوكبة… هذه أول مرة أسمع فيها رواية من شخص انخرط فيها عن كثب إلى هذا الحد… مثير للاهتمام».
«صُدمتُ قليلًا حين جلستُ أول مرة في درس عسكري داخلي للنبلاء…»
ماذا؟
نظر تاليس إلى وزير الخارجية السابق وقال بصرامة: «إنها النحو والرياضيات والهندسة والفلك…»
«ثقافاتهم متأثرة بعمق بالإمبراطورية. كما أنهم يحتفظون بكثير من حضارة الإمبراطورية. وهم أعظم منا إلى حد ما».
توقف غيلبرت عن الكتابة.
«هذا صحيح. لم تخطئ السمع». قطّب تاليس حاجبيه.
«”نعم. الوقت يمضي. انتهى وقت القصص المؤثرة. لنتحدث عن العمل الرسمي. من هم الأولاد الذين تجرؤوا على القتال عند نقاط حراستهم؟”»
«يتعلمون القراءة والكتابة والحساب وقراءة الطقس وحساب المسافات… لقد ضغط الإكستيدتيون كل هذا في دروس عسكرية داخلية».
«لا أستطيع القول إنني تعلمتها. أنا أعرف عنها فحسب». ابتسم تاليس بإكراه. «فبعد كل شيء، لم يعاملوني فعلًا كأمير و يبذلوا قلوبهم وجهودهم في تعليمي. على الأقل لم يفعل أحد قبل مجيء العجوز الغراب».
ثلاث مواد.
صمت غيلبرت لحظة. ثم بدأ يكتب بعد ذلك.
«سمعتُ أن الشماليين لديهم عادة تعلم القراءة والكتابة أثناء الدروس العسكرية. لكن حتى عائلة أروندي عند حدود الكوكبة… هذه أول مرة أسمع فيها رواية من شخص انخرط فيها عن كثب إلى هذا الحد… مثير للاهتمام».
كان عليّ أيضًا أن أواجه قاتل النجوم في معركة دهاء وشجاعة.
ارتفعت زاويتا شفتي تاليس. هزّ كتفيه.
حسنًا.
«أما السبب، فبحسب وجه ميت معين، إن لم يعرف المرء كيف يقرأ الأوامر العسكرية ويكتبها، ولا كيف يعدّ الرؤوس عدًّا صحيحًا، ولا يعرف التضاريس، ولا يفهم الطقس والفلك، فلماذا يزعج نفسه حتى بالذهاب إلى الحرب؟» رفع تاليس إصبعين بسخرية.
بعد عودته من الصحراء الغربية، لم يكن يعرف لماذا اندفعت ذكريات حياته السابقة المتلاشية تدريجيًّا إلى الواجهة كبركان انفجر بعد أن تراكم عليه ضغط كافٍ.
اتكأ تاليس إلى الخلف بسخط.
«”نعم. الوقت يمضي. انتهى وقت القصص المؤثرة. لنتحدث عن العمل الرسمي. من هم الأولاد الذين تجرؤوا على القتال عند نقاط حراستهم؟”»
من كان يتخيل أن نيكولاس، الذي يبدو أحمق، يعرف كم سيستغرق شروق الشمس، ومتى ينبغي أن يشنوا كمينًا بمجرد النظر إلى الأعلى وقراءة النجوم؟ وأنه قادر على تقدير انحدار الأرض والاستعداد لهجمة الفرسان بمجرد نظرة سريعة تقريبية إلى التضاريس؟ وأنه قادر على فهم اتجاه الريح وتأثيرها في مسار السهام لحظة بعد أن ينصب راية؟
لم يستطع تاليس إلا أن يفكر.
«الجميع في الفريق يعلم أن هذا كله لأن الجبل الجليدي أجبره على أن يحفظ كل شيء حفظًا تامًّا. لكنه لا يفهم المعنى وراء ذلك إطلاقًا». كان هذا قول حارس قديم من حرس النصل الأبيض في قصر الأرواح البطولية، يتحدث عن الأحداث الماضية مع الوافدين الجدد، «لذا حين نقوم بدورية في البرية، يكفي أن تسأل القائد أي اتجاه هو الشرق. ولا يجوز أن تتعمق فتسأله أيّ نجم هو النجم الساطع، أو لماذا يشير النجم الساطع إلى الشرق. ذات مرة قرر إيفيسا ألّا يُظهر له أي احترام وسأله. في ذلك اليوم، تقاتلا أمام الأمير سوريّا مباشرة…
«هذا صحيح. لم تخطئ السمع». قطّب تاليس حاجبيه.
ألقى غيلبرت نظرة على تاليس.
«”ماذا؟ ماذا حدث بعد ذلك؟ بعد ذلك، خطرت للجبل الجليدي فكرة جيدة وحلّ النزاع بينهما. جعلهما يتصافحان خمسين ألف مرة.
واصل غيلبرت الكلام.
«”في ذلك اليوم، لم يفعل حرس النصل الأبيض شيئًا. وقفوا جماعةً في الزاوية أمام مدخل القصر يشاهدون الاثنين يتصافحان مرارًا وتكرارًا بلا أي تعبير على وجوههم. وتناوبوا العدّ حتى كادوا يتقيؤون… علم جلالته بالأمر. نقل مائدة الطعام إلى الخارج و راقبهما يتصافحان وهو يأكل…
من كان يتخيل أن نيكولاس، الذي يبدو أحمق، يعرف كم سيستغرق شروق الشمس، ومتى ينبغي أن يشنوا كمينًا بمجرد النظر إلى الأعلى وقراءة النجوم؟ وأنه قادر على تقدير انحدار الأرض والاستعداد لهجمة الفرسان بمجرد نظرة سريعة تقريبية إلى التضاريس؟ وأنه قادر على فهم اتجاه الريح وتأثيرها في مسار السهام لحظة بعد أن ينصب راية؟
«”الأمر المطمئن أنهما تفاهما بعد ذلك على نحو جيد، وكان الوضع أكثر انسجامًا بكثير. أقصى ما كانا يفعلانه أن يشير كل منهما إلى أنف الآخر ويقول شيئًا شرسًا. ولم يتقاتلا مرة أخرى قط…
«وهناك حتى دروس اللغات الأجنبية والموسيقى في الدرس العسكري».
«”انظروا. هذه هي الأخوّة المقسَم عليها بالسيوف. يا إلهي، كان ذلك مؤثرًا بحق…
صار صوت تاليس رصينًا.
«”نعم. الوقت يمضي. انتهى وقت القصص المؤثرة. لنتحدث عن العمل الرسمي. من هم الأولاد الذين تجرؤوا على القتال عند نقاط حراستهم؟”»
«”انظروا. هذه هي الأخوّة المقسَم عليها بالسيوف. يا إلهي، كان ذلك مؤثرًا بحق…
ونيكولاس لم يكن حتى يملك أساسًا متينًا، ولم يكن حتى مولودًا في عائلة أرستقراطية.
«أما الهندسة والفلك، فمع أنهم في معظم الوقت يتحدثون عن الأمور نفسها الموجودة في النصوص القديمة، مخلوطة بكثير من الأمثلة الواقعية القديمة التي طُبّقت فيها الحسابات، وبالأساطير القديمة، ولا يتحدثون إلا عن الجغرافيا الطبيعية في الأراضي الشمالية. أنت تعرف، “الأراضي الشمالية يقل فيها الناس وطقسها أبرد. الصحراء حارة والنباتات فيها نادرة. الأشرار في كل مكان في الكوكبة. والبحر مليء بالوحوش العملاقة”، وما شابه…»
كانت خلاصة السياسة.
صار صوت تاليس رصينًا.
وبينما كان غيلبرت يتحسّر، أظهرت عيناه أقصى درجات الحذر. «محكوم عليهم أن يكونوا خصومنا الأشداء».
«لكن ما دام الأمر يتعلق بالعملي وقد استخدمه ذوو الخبرة في ساحة المعركة، فإن هذه المعرفة التي تبدو سهلة الفهم تصبح لا تُضاهى في عمليتها».
بدا غيلبرت أكثر نشاطًا وهو يتكلم.
كان تعبير تاليس جادًّا.
«أصل القوانين، وأساس المعتقدات، وحدود الحكم، ومعنى النصر والهزيمة… تلك كلها أمور لا أستطيع رؤيتها حين أنظر فحسب إلى سرد الحكايات، وأقرأ فقط أغاني مدح الأبطال، وأقلّب الصفحات على استنتاجات ثابتة».
«انتظر، انتظر، انتظر، انتظر…» قاطع الدوق الشاب معلمه بسرعة. «هل أنت جاد؟»
«دروسهم في القراءة والكتابة تركّز على الكفاءة والمباشرة، ودروس الرياضيات عندهم تركّز على الملاءمة والسرعة.
«لغات أجنبية؟ موسيقى؟»
«أما الهندسة والفلك فيستخدمونها في أمور مثل حساب مسافة الهجوم، وقياس درجات الانحدار ومنطقة النيران، وإحصاءات الجيش، وتقدير خسائر المعركة، ومراقبة الظلال وتحديد اتجاههم، ومراقبة النجوم لتحديد مسارهم، وتوقع الطقس، ومراقبة معالم التضاريس…»
ذُهل تاليس في لحظة.
عندما تحدث الدوق عن ذلك، ألقى نظرة على غيلبرت بمشاعر معقدة.
«أنت محق. لقد علّمنا التاريخ في الدرس الأول نفسه.
«وهناك حتى دروس اللغات الأجنبية والموسيقى في الدرس العسكري».
إذن، إن كان ثلاثة في أربعة في ثلاثة…
رفع غيلبرت رأسه.
ربما كان احترامًا لمعلمه، لكن ربما كان أيضًا لأنه شعر بالعطش من كثرة الكلام. هذه المرة، لم يقل غيلبرت شيئًا آخر.
صار صوت تاليس رصينًا.
«لغات أجنبية؟ موسيقى؟»
في الوقت نفسه، أختبئ من مختلف العيون والآذان وأنا أحاول إيجاد ثغرات في دفاعات قصر الأرواح البطولية.
أومأ تاليس.
«هل تعرف كيف تقول “طفل صغير” بلغة الأورك؟ الشماليون يعرفون. هي “سولنوار” و”سولنار”. إحداهما لغة أورك الصحراء والأخرى لغة أورك الجليد. لأنها مفيدة حين يتواصلون مع “الهجناء”».
لقد بدأ يصبح هكذا ما إن عاد إلى الكوكبة، فهل كان ذلك مجرد مصادفة فعلًا؟
صُدم غيلبرت مرة أخرى.
عندما قال هذا، صار وجه تاليس جادًّا هو الآخر.
«أما الموسيقى، فكما تعلم، هناك أنواع كثيرة من الطبول وصفارات العظم في الأراضي الشمالية»، قال تاليس بهدوء.
تنهد تاليس. أزاح ذلك الوجه الميت من ذهنه.
لم يستطع تاليس إلا أن يفكر.
«هناك موسيقى فظة قاتمة، وموسيقى حماسية، وموسيقى تشجع قومهم على الهجوم والقتال حتى الموت، وموسيقى تدعو إلى الانسحاب، وموسيقى للاحتفال بالنصر، وموسيقى للجنازات. وهي أكثر من أن تُحصى.
تنهد تاليس.
«وهذا هو المعنى وراء وجود الموسيقى في الأراضي الشمالية».
اتكأ تاليس إلى الخلف بسخط.
«تحترم الأراضي الشمالية الجنود وفنون القتال. هذا ما يعرفه العالم كله». وهذه المرة جاء دور غيلبرت ليتنهد.
ساد الصمت غرفة الضيوف لحظة مرة أخرى.
«حسنًا جدًّا. إذن سنعقد ثلاثة دروس تاريخ في الأسبوع في ثلاث ليال. لن نحتاج إلا إلى إجراء بعض التعديلات على بعض النقاط الرئيسية في التاريخ. يمكننا أن نبدأ بالأباطرة المئتين والثمانية للإمبراطورية وملوك الكوكبة التسعة والثلاثين إذن…»
«تحترم الأراضي الشمالية الجنود وفنون القتال. هذا ما يعرفه العالم كله». وهذه المرة جاء دور غيلبرت ليتنهد.
«لكن من النظر إلى الأمر الآن، فلا بد أن هناك سببًا لانتصاراتهم المتكررة في ساحة المعركة وتفوقهم الدائم.
«”نعم. الوقت يمضي. انتهى وقت القصص المؤثرة. لنتحدث عن العمل الرسمي. من هم الأولاد الذين تجرؤوا على القتال عند نقاط حراستهم؟”»
«وإن كنتَ لا تعرف النحو، ولا تفهم المنطق والبلاغة، أو ربما الأسوأ، أن تكون تعرف الثلاثة كلها لكنك لا تعرف كيف تستخدمها ولم تجنِ منها أي فوائد، فستكون خياراتك محدودة جدًّا حين تعتمد على حكمتك وحدها في اتخاذ القرارات بشأن التاريخ والآداب والناس والأحداث والأشياء المختلفة. وستختار إما التصرف بدافع الاندفاعات العمياء، أو الاعتراض الجاهل، أو التقليد الرديء، أو الازدراء المغرور.
«لنترك الآخرين جانبًا الآن. على الأقل، النبيل الإكستيدتي الحسن التعليم مؤهل ليكون قائدًا في ساحة المعركة، سواء من حيث عقله أو جودة قدراته.
«إنهم ليسوا أميين، فضلًا عن أن يكونوا أغبياء».
«”ماذا؟ ماذا حدث بعد ذلك؟ بعد ذلك، خطرت للجبل الجليدي فكرة جيدة وحلّ النزاع بينهما. جعلهما يتصافحان خمسين ألف مرة.
واصل وزير الخارجية السابق الكتابة بجد على الورقة التي فيها جدول دروسه.
وبينما كان غيلبرت يتحسّر، أظهرت عيناه أقصى درجات الحذر. «محكوم عليهم أن يكونوا خصومنا الأشداء».
ضغط تاليس على جبهته. وبينما طرد الدوار السابق، امتلأ بالشك.
ضيّق الثعلب الماكر عينيه.
كان الموضوع ثقيلًا بعض الشيء.
ابتسم غيلبرت أيضًا وشرح: «عادةً، تنقسم المعرفة التي يُطلب من نبيل الكوكبة المؤهل أن يعرفها إلى ثلاثة أنواع».
لم يستطع تاليس إلا أن يومئ بمشاعر معقدة في صدره.
عندما تحدث الدوق عن ذلك، ألقى نظرة على غيلبرت بمشاعر معقدة.
«إذن، التاريخ والمراسم التقليدية وعلم الفقه في الأراضي الشمالية، ومعرفة قيادة نبلاء الشمال، وأيضًا دروسهم العسكرية الأكثر خصوصية، هي الأشياء التي تعلمتَها من الأراضي الشمالية؟» استفاق غيلبرت من تحسّره.
«لا أستطيع القول إنني تعلمتها. أنا أعرف عنها فحسب». ابتسم تاليس بإكراه. «فبعد كل شيء، لم يعاملوني فعلًا كأمير و يبذلوا قلوبهم وجهودهم في تعليمي. على الأقل لم يفعل أحد قبل مجيء العجوز الغراب».
أومأ غيلبرت قليلًا. ظهرت لمحة شفقة في عينيه وهو ينظر إلى تاليس.
«إذن، يمكننا أن ننظر فيما تحتاجه خلال الشهرين المقبلين وأيضًا الأيام الطويلة التي لم تأتِ بعد…» قلّب وزير الخارجية السابق صفحات كثيرة. وأخرج ورقة ممتلئة بالكلمات مرة أخرى.
رفع غيلبرت بصره. «والأسوأ أن الجميع يظنون أنهم يعرفون كيف يفعلون هذه الأشياء أصلًا».
«لا أستطيع القول إنني تعلمتها. أنا أعرف عنها فحسب». ابتسم تاليس بإكراه. «فبعد كل شيء، لم يعاملوني فعلًا كأمير و يبذلوا قلوبهم وجهودهم في تعليمي. على الأقل لم يفعل أحد قبل مجيء العجوز الغراب».
«في العادة، يتيح تعليم نبلاء الكوكبة لهم وراثة إرث الإمبراطورية. وهو مشتق من الفنون السبعة للإمبراطورية. وله طابعه الخاص، وهو مختلف جدًّا عن تعليم الأراضي الشمالية».
«أعتقد أن العجوز الغراب… السيد هيكس قد أجرى بعض التعديلات المقابلة أيضًا؟»
ألقى غيلبرت نظرة على تاليس.
كان تعبير تاليس جادًّا.
«لكنني سأراعي ما تعلمتَه في الأراضي الشمالية يا صاحب السمو. وسنُجري تعديلات طفيفة على دروسك».
«هذا صحيح. لم تخطئ السمع». قطّب تاليس حاجبيه.
لم يستطع الدوق إلا أن يظهر ابتسامة.
ابتسم غيلبرت أيضًا وشرح: «عادةً، تنقسم المعرفة التي يُطلب من نبيل الكوكبة المؤهل أن يعرفها إلى ثلاثة أنواع».
ثلاثة أنواع.
أومأ تاليس في قلبه. حسنًا، لا بأس. ليست كثيرة.
«الأول هو الأساسيات. وينقسم إلى النحو والتاريخ والآداب واللغات القديمة والأجنبية. أي أربع مواد…»
لم تكن مجرد كتاب قواعد بارد جامد، بل عاملًا دافئًا حيًّا ينفّذ قواعد الإكستيدتيين.
قطّب تاليس جبينه قليلًا.
أربع مواد في النوع الأول وحده؟
هذا كثير جدًّا، لكن النحو والتاريخ والآداب…
«كان لي درس الآداب مع السيدة جينيس. وكان الكونت سيل ليسبان يظهر كلما كان متفرغًا. سمعتُ أنهم كثيرًا ما يستقدمون نبيلًا أو نبيلة ذوي مكانة كبيرة…» قال تاليس بفتور، «في البداية كنتُ أتغيب دائمًا عن هذه الدروس وأذهب لقراءة الكتب لأتعلم بنفسي».
«يشبه إلى حد كبير ما في الأراضي الشمالية…» تمتم تاليس.
مهلًا.
عندها، ابتسم غيلبرت وواصل: «وبما أن النحو هو المادة الأولى، فإنه ينقسم بدوره إلى ثلاث مواد».
ذُهل تاليس في لحظة.
قال تاليس بتردد: «النحو هو المادة التي يأخذها الشماليون بأقل قدر من الجدية، لكن العجوز الغراب خالف ذلك. فقد أزالها عمدًا من الدرس العسكري الداخلي. وشدد أيضًا على أن هناك ثلاثة أمور لا بد من تعلمها في درس النحو».
ماذا؟
«انتظر، انتظر، انتظر، انتظر…» قاطع الدوق الشاب معلمه بسرعة. «هل أنت جاد؟»
«الجميع في الفريق يعلم أن هذا كله لأن الجبل الجليدي أجبره على أن يحفظ كل شيء حفظًا تامًّا. لكنه لا يفهم المعنى وراء ذلك إطلاقًا». كان هذا قول حارس قديم من حرس النصل الأبيض في قصر الأرواح البطولية، يتحدث عن الأحداث الماضية مع الوافدين الجدد، «لذا حين نقوم بدورية في البرية، يكفي أن تسأل القائد أي اتجاه هو الشرق. ولا يجوز أن تتعمق فتسأله أيّ نجم هو النجم الساطع، أو لماذا يشير النجم الساطع إلى الشرق. ذات مرة قرر إيفيسا ألّا يُظهر له أي احترام وسأله. في ذلك اليوم، تقاتلا أمام الأمير سوريّا مباشرة…
ثلاثة أنواع مختلفة، والنوع الأول فيه أصلًا أربع مواد، والمادة الأولى فيها أصلًا ثلاث مواد أخرى…
أومأ تاليس في قلبه. حسنًا، لا بأس. ليست كثيرة.
إذن، إن كان ثلاثة في أربعة في ثلاثة…
«تشمل الدروس العسكرية الخارجية للنبلاء التدريب الشخصي على فنون القتال، ودروس القيادة العسكرية، وغيرها.
ضغط تاليس على جبهته. وبينما طرد الدوار السابق، امتلأ بالشك.
مهلًا.
أليس هذا هو مستشار الجامعة الحنون الطيب الذي يظهر في أحلامي ويحتفظ دائمًا بابتسامة على وجهه وهو يقول: «لا تقلق، لن أتحدث اليوم إلا عن نقطتين رئيسيتين. نعم… أولًا، ستكون هناك نقطة ثانوية واحدة تحت النقطة الرئيسية، وسنتحدث عن الجزء الأول من هذه النقطة الثانوية؟»
«وُلدتَ نبيلًا يا صاحب السمو. لكن إن كنتَ لا تستطيع حتى أن تفهم تمامًا الكلمات التي ينطق بها الآخرون، ولا تستطيع تمييز المنطق وراء النصوص، ولا تعرف حتى البلاغة الكامنة وراء الحجج في النصوص، فسأكون غير مسؤول إلى حد كبير إن سمحتُ لك على عجل بدراسة التاريخ وتعلم الآداب قبل أن أدفعك إلى العالم». أطلق غيلبرت شخرة خفيفة.
مهلًا لحظة.
شدّ تاليس وجهه.
صار صوت تاليس رصينًا.
هل كان يحضر درسًا أم درسًا في المنهجية؟!
ساد الصمت غرفة الضيوف لحظة مرة أخرى.
لكن غيلبرت بقي هادئًا كعادته.
«الأدب يا صاحب السمو. أرجو أن تسمح لي بإكمال كلامي».
عندها، ابتسم غيلبرت وواصل: «وبما أن النحو هو المادة الأولى، فإنه ينقسم بدوره إلى ثلاث مواد».
وبينما كان غيلبرت يتحسّر، أظهرت عيناه أقصى درجات الحذر. «محكوم عليهم أن يكونوا خصومنا الأشداء».
وُبّخ تاليس بلباقة. تصلب تعبيره.
«ثقافاتهم متأثرة بعمق بالإمبراطورية. كما أنهم يحتفظون بكثير من حضارة الإمبراطورية. وهم أعظم منا إلى حد ما».
ابتسم غيلبرت أيضًا وشرح: «عادةً، تنقسم المعرفة التي يُطلب من نبيل الكوكبة المؤهل أن يعرفها إلى ثلاثة أنواع».
بقي غيلبرت مبتسمًا حتى اختفت عيناه. وواصل: «إذن، هناك ثلاث مواد تحت النحو: التركيب والمنطق والبلاغة».
ونيكولاس لم يكن حتى يملك أساسًا متينًا، ولم يكن حتى مولودًا في عائلة أرستقراطية.
وبينما كان تاليس ما يزال محبطًا، اهتزت أذناه.
«إذن، التاريخ والمراسم التقليدية وعلم الفقه في الأراضي الشمالية، ومعرفة قيادة نبلاء الشمال، وأيضًا دروسهم العسكرية الأكثر خصوصية، هي الأشياء التي تعلمتَها من الأراضي الشمالية؟» استفاق غيلبرت من تحسّره.
«انتظر لحظة. التركيب والمنطق والبلاغة… يبدو مألوفًا قليلًا».
«أما الهندسة والفلك فيستخدمونها في أمور مثل حساب مسافة الهجوم، وقياس درجات الانحدار ومنطقة النيران، وإحصاءات الجيش، وتقدير خسائر المعركة، ومراقبة الظلال وتحديد اتجاههم، ومراقبة النجوم لتحديد مسارهم، وتوقع الطقس، ومراقبة معالم التضاريس…»
لم يطلق الأمير تعليقًا ساخرًا بشأن العدد الإجمالي للمواد الذي بلغ في الأساس «ثلاثة في أربعة في ثلاثة». بل حرّك ذلك ذكرى أخرى.
«دعني أخمّن. هل كان يشير إلى التركيب والمنطق والبلاغة؟»
بادله غيلبرت نظرة متسائلة.
«كان لي درس الآداب مع السيدة جينيس. وكان الكونت سيل ليسبان يظهر كلما كان متفرغًا. سمعتُ أنهم كثيرًا ما يستقدمون نبيلًا أو نبيلة ذوي مكانة كبيرة…» قال تاليس بفتور، «في البداية كنتُ أتغيب دائمًا عن هذه الدروس وأذهب لقراءة الكتب لأتعلم بنفسي».
حكّ تاليس ذقنه وهو يتأمل وقال: «مع أنها بضعة أشهر فقط، فقد أعاد العجوز الغراب جدولة منهجنا، أقصد منهجي، ودمجه مع الوضع الحالي للأراضي الشمالية».
«وإن كنتَ لا تعرف النحو، ولا تفهم المنطق والبلاغة، أو ربما الأسوأ، أن تكون تعرف الثلاثة كلها لكنك لا تعرف كيف تستخدمها ولم تجنِ منها أي فوائد، فستكون خياراتك محدودة جدًّا حين تعتمد على حكمتك وحدها في اتخاذ القرارات بشأن التاريخ والآداب والناس والأحداث والأشياء المختلفة. وستختار إما التصرف بدافع الاندفاعات العمياء، أو الاعتراض الجاهل، أو التقليد الرديء، أو الازدراء المغرور.
أومأ له غيلبرت ليواصل.
«في العادة، يتيح تعليم نبلاء الكوكبة لهم وراثة إرث الإمبراطورية. وهو مشتق من الفنون السبعة للإمبراطورية. وله طابعه الخاص، وهو مختلف جدًّا عن تعليم الأراضي الشمالية».
وُبّخ تاليس بلباقة. تصلب تعبيره.
قال تاليس بتردد: «النحو هو المادة التي يأخذها الشماليون بأقل قدر من الجدية، لكن العجوز الغراب خالف ذلك. فقد أزالها عمدًا من الدرس العسكري الداخلي. وشدد أيضًا على أن هناك ثلاثة أمور لا بد من تعلمها في درس النحو».
«لكن حين وصل العجوز الغراب، أخبرنا أنه رغم أن دروس الآداب مملة، فهي لا تتكون فقط من تعليمنا الآداب. على الأقل لا تعلّم فقط كيف تحيي الآخرين وتنحني». شعر تاليس بارتفاع معنوياته. «بل تشمل الأخلاق والفضيلة والقواعد الأرستقراطية والتقاليد الدينية. إنها ما يمكنك تسميته الطريقة الحقيقية للأراضي الشمالية.
«ولهذا قال السيد هيكس ذات مرة: “معظم الصراعات في هذا العالم تحدث لأن بعض الناس رسبوا في درس النحو”.
ابتسم غيلبرت فجأة.
«لغات أجنبية؟ موسيقى؟»
«يقسمون الدروس العسكرية إلى جزأين: دروس خارجية ودروس داخلية».
«دعني أخمّن. هل كان يشير إلى التركيب والمنطق والبلاغة؟»
«ولهذا قال السيد هيكس ذات مرة: “معظم الصراعات في هذا العالم تحدث لأن بعض الناس رسبوا في درس النحو”.
خفض غيلبرت رأسه لينظم جدول تاليس.
أومأ تاليس.
ملأ غيلبرت ثلاث خانات في الجدول اليومي بسعادة.
«هذا صحيح. لكنه لم يدخل في تفاصيل كبيرة، لأن الشماليين لا يحبون ذلك. وفي العادة، كان العجوز الغراب يعطينا قصيدة أو مقطعًا قصيرًا ويجعلنا ندرس تركيبه، ثم نخبره بوضوح بأفكار المؤلف، ونلخص بنيته المنطقية. بعد ذلك نصقل بلاغته ونعيد كتابته».
«هذا صحيح. لكنه لم يدخل في تفاصيل كبيرة، لأن الشماليين لا يحبون ذلك. وفي العادة، كان العجوز الغراب يعطينا قصيدة أو مقطعًا قصيرًا ويجعلنا ندرس تركيبه، ثم نخبره بوضوح بأفكار المؤلف، ونلخص بنيته المنطقية. بعد ذلك نصقل بلاغته ونعيد كتابته».
بدا أن غيلبرت تذكّر شيئًا. أومأ بحنين وقال: «لأكاديمية قبلة التنين تاريخ طويل، وأرض قبلة التنين نادرًا ما تتأثر بنيران الحرب. وعلى مدى قرون، صارت مكان تجمع للمواهب في شبه الجزيرة الغربية.
من كان يتخيل أن نيكولاس، الذي يبدو أحمق، يعرف كم سيستغرق شروق الشمس، ومتى ينبغي أن يشنوا كمينًا بمجرد النظر إلى الأعلى وقراءة النجوم؟ وأنه قادر على تقدير انحدار الأرض والاستعداد لهجمة الفرسان بمجرد نظرة سريعة تقريبية إلى التضاريس؟ وأنه قادر على فهم اتجاه الريح وتأثيرها في مسار السهام لحظة بعد أن ينصب راية؟
«الأدب يا صاحب السمو. أرجو أن تسمح لي بإكمال كلامي».
«ثقافاتهم متأثرة بعمق بالإمبراطورية. كما أنهم يحتفظون بكثير من حضارة الإمبراطورية. وهم أعظم منا إلى حد ما».
وبينما كان غيلبرت يتحسّر، أظهرت عيناه أقصى درجات الحذر. «محكوم عليهم أن يكونوا خصومنا الأشداء».
أومأ بثناء ورضا. «عليّ أن أشكر السيد هيكس، فقد وفّر علينا كثيرًا من العناء.
«ربما لم تلاحظ يا صاحب السمو. لكن قبل ست سنوات، ما علّمتُك إياه هنا كان مكوّنات درس النحو، سواء كان فهم البنية النحوية للغة الوطنية للإمبراطورية القديمة، أو قصائدها القديمة، أو منطق السوناتات وبلاغتها».
أدرك تاليس الأمر فجأة.
أدرك تاليس الأمر فجأة.
بقي غيلبرت مبتسمًا حتى اختفت عيناه. وواصل: «إذن، هناك ثلاث مواد تحت النحو: التركيب والمنطق والبلاغة».
«”انظروا. هذه هي الأخوّة المقسَم عليها بالسيوف. يا إلهي، كان ذلك مؤثرًا بحق…
«ما دمتَ تقول ذلك، فسأحاول إجراء بعض التعديلات في درس النحو وفقًا لذلك. فقد تعامل السيد هيكس مع الوضع بملاءمة شديدة».
«سمعتُ أن الشماليين لديهم عادة تعلم القراءة والكتابة أثناء الدروس العسكرية. لكن حتى عائلة أروندي عند حدود الكوكبة… هذه أول مرة أسمع فيها رواية من شخص انخرط فيها عن كثب إلى هذا الحد… مثير للاهتمام».
«حسنًا جدًّا. إذن سنعقد ثلاثة دروس تاريخ في الأسبوع في ثلاث ليال. لن نحتاج إلا إلى إجراء بعض التعديلات على بعض النقاط الرئيسية في التاريخ. يمكننا أن نبدأ بالأباطرة المئتين والثمانية للإمبراطورية وملوك الكوكبة التسعة والثلاثين إذن…»
التقط غيلبرت نظارته مرة أخرى، وخفض رأسه، ووضع علامة على الصف الأول من الجدول في الورقة.
«وهناك حتى دروس اللغات الأجنبية والموسيقى في الدرس العسكري».
«سنخصص ست فترات بعد الظهر كل أسبوع للمواد الثلاث من درس النحو إذن».
تغير تعبير تاليس.
«انتظر لحظة. التركيب والمنطق والبلاغة… يبدو مألوفًا قليلًا».
مهلًا. ستة أيام؟
صار مأخوذًا وهو يواصل.
صار وجه الأمير مرًّا.
استفاق الدوق من شروده.
«بما أن الوقت ضيق، ألا نستطيع أن ندرجها ببساطة في دروس التاريخ والآداب؟ يجب أن تفهم أن النحو أمر لا يمكن إتقانه في فترة قصيرة…»
«وهذا هو المعنى وراء وجود الموسيقى في الأراضي الشمالية».
لكن غيلبرت أصرّ. «لا يا صاحب السمو، أهمية دروس النحو تفوق ما تتخيله بكثير».
واصل وزير الخارجية السابق الكتابة بجد على الورقة التي فيها جدول دروسه.
«الاستماع والتحدث ليسا صعبين، لكن الصعب أنه، بخلاف الاستماع والتحدث، لا يستطيع الجميع التفكير والفهم والتعبير عن أفكارهم».
رفع غيلبرت بصره. «والأسوأ أن الجميع يظنون أنهم يعرفون كيف يفعلون هذه الأشياء أصلًا».
ضيّق الثعلب الماكر عينيه.
أومأ تاليس.
استفاق الدوق من شروده.
«ولهذا قال السيد هيكس ذات مرة: “معظم الصراعات في هذا العالم تحدث لأن بعض الناس رسبوا في درس النحو”.
«هذا صحيح. لكنه لم يدخل في تفاصيل كبيرة، لأن الشماليين لا يحبون ذلك. وفي العادة، كان العجوز الغراب يعطينا قصيدة أو مقطعًا قصيرًا ويجعلنا ندرس تركيبه، ثم نخبره بوضوح بأفكار المؤلف، ونلخص بنيته المنطقية. بعد ذلك نصقل بلاغته ونعيد كتابته».
حين تحدثا في ذلك الموضوع، فاضت عينا غيلبرت جدّيّة.
«وهذا هو السبب في أننا يجب أن نتعلم القراءة والكتابة أيضًا، إلى جانب تعلم الاستماع والتحدث. وليس هذا سهلًا كتعلم قراءة الحروف الأبجدية».
«ونسبة تلك الدروس كبيرة جدًّا مقارنة بالدروس الأخرى، ونحضرها عمليًّا كل يوم».
أُصيب تاليس بالذهول.
«هل تعرف كيف تقول “طفل صغير” بلغة الأورك؟ الشماليون يعرفون. هي “سولنوار” و”سولنار”. إحداهما لغة أورك الصحراء والأخرى لغة أورك الجليد. لأنها مفيدة حين يتواصلون مع “الهجناء”».
حين تحدثا في ذلك الموضوع، فاضت عينا غيلبرت جدّيّة.
حسنًا.
ألقى غيلبرت نظرة على تاليس.
خفض غيلبرت رأسه لينظم جدول تاليس.
ضيّق غيلبرت عينيه.
صار صوت تاليس رصينًا.
«وُلدتَ نبيلًا يا صاحب السمو. لكن إن كنتَ لا تستطيع حتى أن تفهم تمامًا الكلمات التي ينطق بها الآخرون، ولا تستطيع تمييز المنطق وراء النصوص، ولا تعرف حتى البلاغة الكامنة وراء الحجج في النصوص، فسأكون غير مسؤول إلى حد كبير إن سمحتُ لك على عجل بدراسة التاريخ وتعلم الآداب قبل أن أدفعك إلى العالم». أطلق غيلبرت شخرة خفيفة.
كان تعبير تاليس جادًّا.
بدا غيلبرت أكثر نشاطًا وهو يتكلم.
«وإن كنتَ لا تعرف النحو، ولا تفهم المنطق والبلاغة، أو ربما الأسوأ، أن تكون تعرف الثلاثة كلها لكنك لا تعرف كيف تستخدمها ولم تجنِ منها أي فوائد، فستكون خياراتك محدودة جدًّا حين تعتمد على حكمتك وحدها في اتخاذ القرارات بشأن التاريخ والآداب والناس والأحداث والأشياء المختلفة. وستختار إما التصرف بدافع الاندفاعات العمياء، أو الاعتراض الجاهل، أو التقليد الرديء، أو الازدراء المغرور.
«ولهذا قال السيد هيكس ذات مرة: “معظم الصراعات في هذا العالم تحدث لأن بعض الناس رسبوا في درس النحو”.
«وكلها يمكن تصنيفها نوعًا من سوء الفهم. ولن تحوّلك إلا إلى أحمق متغطرس».
هذا كثير جدًّا، لكن النحو والتاريخ والآداب…
رفع تاليس حاجبًا.
«سمعتُ أن الشماليين لديهم عادة تعلم القراءة والكتابة أثناء الدروس العسكرية. لكن حتى عائلة أروندي عند حدود الكوكبة… هذه أول مرة أسمع فيها رواية من شخص انخرط فيها عن كثب إلى هذا الحد… مثير للاهتمام».
«”انظروا. هذه هي الأخوّة المقسَم عليها بالسيوف. يا إلهي، كان ذلك مؤثرًا بحق…
كنتُ أحاول فقط طرح سؤال… لماذا شعرتُ… أنني تلقيتُ للتو محاضرة؟
وفوق ذلك… غيلبرت الآن يبدو فعلًا… كأنه العجوز الغراب نفسه.
لم يستطع تاليس إلا أن يفكر.
«”انظروا. هذه هي الأخوّة المقسَم عليها بالسيوف. يا إلهي، كان ذلك مؤثرًا بحق…
واصل غيلبرت الكلام.
ربما كان احترامًا لمعلمه، لكن ربما كان أيضًا لأنه شعر بالعطش من كثرة الكلام. هذه المرة، لم يقل غيلبرت شيئًا آخر.
ملأ غيلبرت ثلاث خانات في الجدول اليومي بسعادة.
«على العكس، إن أتقنتَ النحو، فستجد أنك مهما كان الأمر، تاريخًا أو آدابًا أو مدونة سلوك أو أساليب العالم، لن تحتاج إلا إلى نصف الجهد لتعلمها. ستتقنها لحظة تعليمك إياها. وهذا يختلف عن معظم الناس، الذين لا يستطيعون الاعتماد إلا على غرائزهم وحظهم، ويعيشون في هذا العالم جاهلين بكل شيء. ولا يعيشون إلا في عالمهم الخاص».
صمت غيلبرت لحظة. ثم بدأ يكتب بعد ذلك.
غيّر غيلبرت الموضوع، وصار تعبيره لطيفًا.
ثلاث مواد.
«أرجو أن تتذكر يا صاحب السمو. هذا ليس مؤقتًا، يمكنك استخدامه مدة طويلة».
وبعد أن انهالت عليه المحاضرات حتى بدأ الصداع ينمو في رأسه، لم يتمالك تاليس نفسه فاتكأ إلى الخلف.
أربع مواد في النوع الأول وحده؟
حسنًا، كل ما قلتَه صحيح. كل شيء صحيح.
«على العكس، إن أتقنتَ النحو، فستجد أنك مهما كان الأمر، تاريخًا أو آدابًا أو مدونة سلوك أو أساليب العالم، لن تحتاج إلا إلى نصف الجهد لتعلمها. ستتقنها لحظة تعليمك إياها. وهذا يختلف عن معظم الناس، الذين لا يستطيعون الاعتماد إلا على غرائزهم وحظهم، ويعيشون في هذا العالم جاهلين بكل شيء. ولا يعيشون إلا في عالمهم الخاص».
«إذن، هكذا ستُضبط دروس النحو عندك. ثم سننتقل إلى المواد الثلاث المتبقية في الصف الأساسي: التاريخ والآداب واللغات القديمة والأجنبية…»
ماذا؟
توقف غيلبرت لحظة. وضع النظارة المحمولة باليد.
كانت عينا تاليس مثبتتين في الهواء.
كان الأمر كأنه انبعاث.
«أعتقد أن العجوز الغراب… السيد هيكس قد أجرى بعض التعديلات المقابلة أيضًا؟»
«صُدمتُ قليلًا حين جلستُ أول مرة في درس عسكري داخلي للنبلاء…»
هزّ تاليس رأسه بقوة، ودفع العالم الذي صار بعيدًا جدًّا والذكريات العميقة جدًّا إلى أعماق ذهنه.
التاريخ والآداب واللغات القديمة والأجنبية…
ثلاث مواد.
«هذا صحيح. لكنه لم يدخل في تفاصيل كبيرة، لأن الشماليين لا يحبون ذلك. وفي العادة، كان العجوز الغراب يعطينا قصيدة أو مقطعًا قصيرًا ويجعلنا ندرس تركيبه، ثم نخبره بوضوح بأفكار المؤلف، ونلخص بنيته المنطقية. بعد ذلك نصقل بلاغته ونعيد كتابته».
تنهد تاليس.
صار وجه الأمير مرًّا.
«أنت محق. لقد علّمنا التاريخ في الدرس الأول نفسه.
أومأ بثناء ورضا. «عليّ أن أشكر السيد هيكس، فقد وفّر علينا كثيرًا من العناء.
«لكن درسه في التاريخ لا يشمل فقط الأساطير التي هي جزء من تقاليد الشماليين، والتي تخبرنا فقط بما حدث. وعليّ أن أتذكر ما حدث، وما الدرس الذي تعلمتُه، ومن كان على حق ومن كان على باطل، ومن قدّم أكثر المساهمات ويجب تذكره أكثر، وكل الهراء المرتبط بذلك…»
وبينما كان تاليس يتكلم، ارتفع الحنين فيه تدريجيًّا.
صار كل شيء أمام عيني تاليس ضبابيًّا فجأة لحظة.
«على العكس، كل قسم من التاريخ رواه لي العجوز الغراب كان يقود إلى موضوع رئيسي. ثم كان يتوقف هناك ويجبرني على التفكير».
كان عليّ أيضًا أن أواجه قاتل النجوم في معركة دهاء وشجاعة.
صار مأخوذًا وهو يواصل.
«أصل القوانين، وأساس المعتقدات، وحدود الحكم، ومعنى النصر والهزيمة… تلك كلها أمور لا أستطيع رؤيتها حين أنظر فحسب إلى سرد الحكايات، وأقرأ فقط أغاني مدح الأبطال، وأقلّب الصفحات على استنتاجات ثابتة».
ضيّق الثعلب الماكر عينيه.
ربما كان احترامًا لمعلمه، لكن ربما كان أيضًا لأنه شعر بالعطش من كثرة الكلام. هذه المرة، لم يقل غيلبرت شيئًا آخر.
«أما الموسيقى، فكما تعلم، هناك أنواع كثيرة من الطبول وصفارات العظم في الأراضي الشمالية»، قال تاليس بهدوء.
«حسنًا جدًّا. إذن سنعقد ثلاثة دروس تاريخ في الأسبوع في ثلاث ليال. لن نحتاج إلا إلى إجراء بعض التعديلات على بعض النقاط الرئيسية في التاريخ. يمكننا أن نبدأ بالأباطرة المئتين والثمانية للإمبراطورية وملوك الكوكبة التسعة والثلاثين إذن…»
«الأول هو الأساسيات. وينقسم إلى النحو والتاريخ والآداب واللغات القديمة والأجنبية. أي أربع مواد…»
ملأ غيلبرت ثلاث خانات في الجدول اليومي بسعادة.
مهلًا لحظة.
«لا يمكنك أن تتخيل كيف يفهم أهل الشمال، وبخاصة النبلاء فوق رتبة الكونت، “الشؤون العسكرية”، وكيف يرتبون لها».
كم؟
شدّ تاليس وجهه على الفور.
«وهذا هو السبب في أننا يجب أن نتعلم القراءة والكتابة أيضًا، إلى جانب تعلم الاستماع والتحدث. وليس هذا سهلًا كتعلم قراءة الحروف الأبجدية».
صحيح أنه قرأ كثيرًا من إنجازات أباطرة الإمبراطورية، لكن مئتان وثمانية؟
لم تكن مجرد كتاب قواعد بارد جامد، بل عاملًا دافئًا حيًّا ينفّذ قواعد الإكستيدتيين.
وعندما رأى الابتسامة على وجه غيلبرت، لم يستطع تاليس إلا أن يطلق زفرة عاجزة.
«أرجو أن تتذكر يا صاحب السمو. هذا ليس مؤقتًا، يمكنك استخدامه مدة طويلة».
«كان لي درس الآداب مع السيدة جينيس. وكان الكونت سيل ليسبان يظهر كلما كان متفرغًا. سمعتُ أنهم كثيرًا ما يستقدمون نبيلًا أو نبيلة ذوي مكانة كبيرة…» قال تاليس بفتور، «في البداية كنتُ أتغيب دائمًا عن هذه الدروس وأذهب لقراءة الكتب لأتعلم بنفسي».
«لا أستطيع القول إنني تعلمتها. أنا أعرف عنها فحسب». ابتسم تاليس بإكراه. «فبعد كل شيء، لم يعاملوني فعلًا كأمير و يبذلوا قلوبهم وجهودهم في تعليمي. على الأقل لم يفعل أحد قبل مجيء العجوز الغراب».
في الوقت نفسه، أختبئ من مختلف العيون والآذان وأنا أحاول إيجاد ثغرات في دفاعات قصر الأرواح البطولية.
«تشمل الدروس العسكرية الخارجية للنبلاء التدريب الشخصي على فنون القتال، ودروس القيادة العسكرية، وغيرها.
«الجميع في الفريق يعلم أن هذا كله لأن الجبل الجليدي أجبره على أن يحفظ كل شيء حفظًا تامًّا. لكنه لا يفهم المعنى وراء ذلك إطلاقًا». كان هذا قول حارس قديم من حرس النصل الأبيض في قصر الأرواح البطولية، يتحدث عن الأحداث الماضية مع الوافدين الجدد، «لذا حين نقوم بدورية في البرية، يكفي أن تسأل القائد أي اتجاه هو الشرق. ولا يجوز أن تتعمق فتسأله أيّ نجم هو النجم الساطع، أو لماذا يشير النجم الساطع إلى الشرق. ذات مرة قرر إيفيسا ألّا يُظهر له أي احترام وسأله. في ذلك اليوم، تقاتلا أمام الأمير سوريّا مباشرة…
كان عليّ أيضًا أن أواجه قاتل النجوم في معركة دهاء وشجاعة.
أليس هذا هو مستشار الجامعة الحنون الطيب الذي يظهر في أحلامي ويحتفظ دائمًا بابتسامة على وجهه وهو يقول: «لا تقلق، لن أتحدث اليوم إلا عن نقطتين رئيسيتين. نعم… أولًا، ستكون هناك نقطة ثانوية واحدة تحت النقطة الرئيسية، وسنتحدث عن الجزء الأول من هذه النقطة الثانوية؟»
«لكن حين وصل العجوز الغراب، أخبرنا أنه رغم أن دروس الآداب مملة، فهي لا تتكون فقط من تعليمنا الآداب. على الأقل لا تعلّم فقط كيف تحيي الآخرين وتنحني». شعر تاليس بارتفاع معنوياته. «بل تشمل الأخلاق والفضيلة والقواعد الأرستقراطية والتقاليد الدينية. إنها ما يمكنك تسميته الطريقة الحقيقية للأراضي الشمالية.
«أما الموسيقى، فكما تعلم، هناك أنواع كثيرة من الطبول وصفارات العظم في الأراضي الشمالية»، قال تاليس بهدوء.
«من هذا المنظور، دروس الآداب عند الشماليين ليست مملة. لأنها تعكس القيمة التي يعطيها الشماليون لما يقدّرونه. إنها تخبرك متى يجب أن تقتل، ومتى يجب أن تعفو عن أحد، ومتى يجب أن تخوض حربًا ومتى يجب أن تصنع سلامًا بوصفك سيد الأراضي الشمالية.
لقد بدأ يصبح هكذا ما إن عاد إلى الكوكبة، فهل كان ذلك مجرد مصادفة فعلًا؟
«فالآداب ليست مجرد آداب في عينيه. إنها قائمة على الشعب، ويمكن فهمها دون أن يُخبر المرء بها. إنها القوانين القديمة والجديدة لإكستيدت، ونظام النبلاء وقواعدهم، وواجبات الملوك، وحقوق التابعين وحريتهم، على سبيل المثال…» صارت عينا تاليس مركزتين. «عهد الحكم المشترك».
ابتسم غيلبرت أيضًا وشرح: «عادةً، تنقسم المعرفة التي يُطلب من نبيل الكوكبة المؤهل أن يعرفها إلى ثلاثة أنواع».
لم يطلق الأمير تعليقًا ساخرًا بشأن العدد الإجمالي للمواد الذي بلغ في الأساس «ثلاثة في أربعة في ثلاثة». بل حرّك ذلك ذكرى أخرى.
لم تكن مجرد كتاب قواعد بارد جامد، بل عاملًا دافئًا حيًّا ينفّذ قواعد الإكستيدتيين.
هذا كثير جدًّا، لكن النحو والتاريخ والآداب…
«تحترم الأراضي الشمالية الجنود وفنون القتال. هذا ما يعرفه العالم كله». وهذه المرة جاء دور غيلبرت ليتنهد.
كانت خلاصة السياسة.
صمت غيلبرت لحظة. ثم بدأ يكتب بعد ذلك.
«إنه تمامًا مثل…»
في الوقت نفسه، أختبئ من مختلف العيون والآذان وأنا أحاول إيجاد ثغرات في دفاعات قصر الأرواح البطولية.
ملأ غيلبرت ثلاث خانات في الجدول اليومي بسعادة.
صار كل شيء أمام عيني تاليس ضبابيًّا فجأة لحظة.
«”مسألة جارفينكل والتعبيرات الإشارية توصف بأنها عوامل بديهية مبنية على تفاهم ضمني بين الناس. إنها تبني جسورًا بين الأفعال والمواقف، فتسمح للناس والبيئة بأن يعكس كل منهم الآخر ويبنيان بنية معًا… مثل الآداب العامة التي يجب على الجميع الالتزام بها…”»
هزّ تاليس رأسه بقوة، ودفع العالم الذي صار بعيدًا جدًّا والذكريات العميقة جدًّا إلى أعماق ذهنه.
«لكنني سأراعي ما تعلمتَه في الأراضي الشمالية يا صاحب السمو. وسنُجري تعديلات طفيفة على دروسك».
بعد عودته من الصحراء الغربية، لم يكن يعرف لماذا اندفعت ذكريات حياته السابقة المتلاشية تدريجيًّا إلى الواجهة كبركان انفجر بعد أن تراكم عليه ضغط كافٍ.
«أصل القوانين، وأساس المعتقدات، وحدود الحكم، ومعنى النصر والهزيمة… تلك كلها أمور لا أستطيع رؤيتها حين أنظر فحسب إلى سرد الحكايات، وأقرأ فقط أغاني مدح الأبطال، وأقلّب الصفحات على استنتاجات ثابتة».
كان الأمر كأنه انبعاث.
«فالآداب ليست مجرد آداب في عينيه. إنها قائمة على الشعب، ويمكن فهمها دون أن يُخبر المرء بها. إنها القوانين القديمة والجديدة لإكستيدت، ونظام النبلاء وقواعدهم، وواجبات الملوك، وحقوق التابعين وحريتهم، على سبيل المثال…» صارت عينا تاليس مركزتين. «عهد الحكم المشترك».
لم تكن مجرد كتاب قواعد بارد جامد، بل عاملًا دافئًا حيًّا ينفّذ قواعد الإكستيدتيين.
ضغط تاليس على جبهته. وبينما طرد الدوار السابق، امتلأ بالشك.
رفع غيلبرت بصره. «والأسوأ أن الجميع يظنون أنهم يعرفون كيف يفعلون هذه الأشياء أصلًا».
لقد بدأ يصبح هكذا ما إن عاد إلى الكوكبة، فهل كان ذلك مجرد مصادفة فعلًا؟
«ولهذا قال السيد هيكس ذات مرة: “معظم الصراعات في هذا العالم تحدث لأن بعض الناس رسبوا في درس النحو”.
صُدم غيلبرت مرة أخرى.
