الفصل 537: الفتى الجميل
ظلت قاعة ميندس مليئة بضجيج مستمر لكنه مكبوح (إلا ربما عند الضيوف الشماليين والأقزام). ووصل كبار الضيوف تباعًا؛ وصارت المنطقة المحيطة بقاعة المأدبة مشهدًا اجتماعيًّا مألوفًا للطبقات العليا في العاصمة.
وظل مضيف المأدبة، تاليس، يؤدي واجباته بإخلاص.
«إذن يا صاحب السعادة، كان من المؤسف أن فاتني لقاؤك، لكن من يدري، لعل هذا كله جزء من خطة حاكمة الغروب؟» وأومأ النائب العام ستيليا نيديس بأدب لدوق بحيرة النجوم. وكان صريحًا متواضعًا متعاطفًا، مما يترك دائمًا انطباعًا أول حسنًا لدى الجميع: «…وأتاح لي هذا فرصة للتأمل: هل انزعجتُ بسبب الغرور والمكانة اللذين يمثلهما المنصب، أم بسبب عزمي وقناعتي في نشر الإيمان… وبالطبع، تركتني نتيجة تأملي في خجل…»
وكان تاليس يتحدث بود مع أكثر كهنة معبد الغروب الشباب وعدًا. وتبادلا عبارات مهذبة وابتسامات صادقة منعشة، وإيماءة موافقة بين حين وآخر.
«من الواضح أنني لم أبلغ الصفات التي يمدحها الحاكم. فلا أستحق أن أناقش تعاليم الحاكم معك…»
وفي الجوار، ضيّق دويل عينيه ومسح ذقنه وهو يتأمل بدقة تاليس، الذي كان يستقبل الضيوف بحرارة: «انتبه، أعرف هذه النظرة».
والتفت غلوفر عندما سمع ذلك. ونظر إلى دويل. أتعرف هذه النظرة؟
«سموه يبتسم»، قال غلوفر ببرود.
وهز دويل رأسه وطقطق بلسانه: «لا لا لا، صدقني. إن الفتى مجموعة أعصاب الآن، ولا بد أنه يصرخ في داخله…»
وأدار غلوفر رأسه إلى الأمام وتجاهل دويل.
وبقي دويل يهز رأسه وهو يواصل بتأثر: «وبحسب خبرتي، إنه العجز الذي تحس به حين توافق حبيبة عمرك على الزواج من غيرك…»
وأصدر غلوفر همهمة باردة.
ولما لم يلقَ دويل ردًّا حماسيًّا، لم يملك إلا أن يوجه طعنة إلى زميله.
«إذن، ألا تشعر بالفضول إطلاقًا؟» ولم يخلُ دويل من الأسف: «ماذا قال له الكونت كاسو في الحقيقة؟»
ونظر غلوفر إلى دويل، ثم ألقى نظرة خلفه. وكان وجهه بلا تعبير وظل صامتًا.
«أعلم».
وتصلب دويل قليلًا.
وسمع خطوات وصوتًا مألوفًا خلفه، فاستدار بتصلب وسأل بصوت مرتجف: «صاحب السم… السعادة؟»
وكان ما وقع عليه بصره تاليس، قد أنهى حديثه، يقف وذراعاه خلف ظهره ويبتسم ابتسامة عريضة.
هذا الفتى، كيف يشبه قاطع طرق في الشوارع إلى هذا الحد…
وكان دويل مكتئبًا بصمت.
أنا تكلمتُ بهمس شديد، ومع ذلك سمعتني؟
«أخبرني غيلبرت قبل قليل أن…» وقلّد تاليس نبرة دويل المتأثرة من قبل: «حبيبة عمري وافقت على الزواج من غيري، وأنا أحس بالعجز الآن…»
وحكّ دويل رأسه وابتسم ابتسامة جاهلة محرجة.
وإن أسعفته الذاكرة، فربما بهذه الطريقة فاز ذلك البليد كوهين بقلب الدوق الشاب؟
حتى تحول تعبير تاليس إلى البرود في لحظة: «هل أنت سعيد الآن؟»
وتجمدت ابتسامة دويل: «هيهي، لديك حس فكاهة رائع. ومن ذا الذي يتجرأ على لمس امرأتك…»
وفي الثانية التالية، عاد دويل يرتجف.
فقد أحسّ بلا سبب أنه بعد أن نطق بهذه الكلمات، بدا أن هالة الدوق صارت…
…أبرد؟
وهمهم تاليس بخفة ثم مضى غاضبًا.
وقلب غلوفر شفتيه وتبعه بإخلاص.
«أنت»، ومرّ الزومبي بجانب دويل (الذي جلب هذا على نفسه) وبدا أنه لم يلتفت إلى ما حدث للتو: «أعرف هذه النظرة».
وتجمد دويل. وأجاب فورًا بنظرة نارية.
«بف، أيها الزومبي، لقد أخطأتُ في تقديرك.
«فمن الواضح أنك من النوع الثرثار الذي يشمت بمصائب الآخرين.
«وسأحتفظ بحساب هذا!»
وتجاهل تاليس الطعنات الخفية والمناوشات الخبيثة بين الاثنين واكتفى بمواصلة المشي.
وفي الحقيقة، أصاب دويل كبد الحقيقة، جزئيًّا.
فلم يستطع تاليس أن يتذكر كيف ودّع غيلبرت.
وكل ما يتذكره أنه حافظ على أدبه وعاد، بلباقة، كما ينبغي لدوق بحيرة النجوم الكفء، إلى المكان الذي ينبغي أن يستقبل فيه الضيوف، وواصل أداء واجبه.
لكنه وحده يعلم.
أن خطواته صارت أثقل بكثير بعد تلك اللحظة.
وامتزج صخب ما حوله وصار ضبابيًّا؛ ولم يعد يستطيع أن يصفّي الأجزاء التي يريدها.
«حافظ على هدوئك يا تاليس».
وكان الدوق بلا تعبير وهو يخاطب نفسه بصوته الداخلي.
«ساروما.
«ستكون بخير».
«لقد أسروا القائد العام للعدو».
«ومن غير الواضح هل هي حية أم ميتة».
وتوترت عضلات ذراع تاليس بلا وعي.
وفاضت خطيئة نهر الجحيم بهدوء.
«لا».
وتسارع نفس تاليس.
«لا، حافظ على هدوئك يا تاليس».
وكرر الأمير ذلك لنفسه.
«تماسك.
«ساروما ستكون بخير».
فهي الدوقة الكبرى لمدينة سحاب التنين، وتحالف الحرية سيفهم أن قيمة إبقائها حية تفوق بكثير قتلها لتفريغ الغضب…
أو قد يكون الأسوأ…
ولما خطر له ذلك، توتر نفس تاليس.
«لأنك فتاة،
«فهذا يعني أنه في معظم الألعاب في هذا العالم، سيكون عليك أن تتخلي عن أكثر مما يتخلى الرجال».
ولما تذكر ما قاله لها، أحسّ تاليس بسكين تُغرس في قلبه.
وفي تلك اللحظة، ارتفع في داخله غضب لا حدود له ولا تفسير (حتى له هو).
واتقد في كل الاتجاهات.
نيكولاس.
يا صاحب الوجه الأبله، كيف لم تستطع حماية سيدتك؟ لم تُخدش إلا قليلًا من غراب الموت، والآن صرتَ عديم النفع؟ و لديك الجرأة لتسمي نفسك قاتل النجوم؟
والوصي ليسبان.
يا مدافع مدينة سحاب التنين وحارسها، ألستَ «عين التنين» للملك المولود؟ هل ذهبت مكائدك وخططك كلها إلى الجحيم مع الملك السابق؟
والكونت كاركوغل.
الذي يسمى أفضل محارب في جيش الملك نوفين. لا تقل لي إن الإنجاز العسكري المتمثل في الاستيلاء على حصن ليبرتيه رغم فقدانه ذراعًا، والذي كان ينفخ خديه ويتباهى به دائمًا، لم يكن إلا تبجحًا بلا خجل؟
والدوق الأكبر روكني.
يا سيد مدينة الصلوات البعيدة ذا السمعة المهيبة، الحازم الجريء، كيف لم تستطع حتى أن تتعامل مع حصن ليبرتيه الصغير؟ لماذا تحكم أصلًا؟ ألا تقتل نفسك معروفًا لنا جميعًا؟
وأما بقيتهم…
فكانت خطيئة نهر الجحيم تجري أسرع وأعنف في عروقه.
وجيش الشماليين الباسل القوي في إكستيدت…
هل كانوا للزينة فقط؟!
وانقبضت قبضته بلا وعي بإحكام تحت كمه.
وتجسدت خطيئة نهر الجحيم تدريجيًّا وانتشرت في جسده كله.
«لا»، فكّر تاليس وهو يأخذ نفسًا عميقًا.
«لا أستطيع الاعتماد على إكستيدت؛ لا أستطيع الاعتماد على هؤلاء الحمقى العديمي النفع في مساعدة ساروما».
وكان عليه أن يفعل شيئًا.
لكن…
لكن.
«فكّر يا تاليس، فكّر. ماذا يمكنك أن تفعل أيضًا؟»
أيطلب المساعدة من غيلبرت؟ أيتدخل باسم الكوكبة؟ أيتصل بإدارة الاستخبارات السرية للمملكة؟
لكن…
واكتشف تاليس بحزن أنه بصفته الأمير، أيًّا كانت وسائله أو طرقه، ما زال ظل ضخم لا مفر منه يغطي قاعة ميندس كلها.
فحتى بعد أن نجح في الفرار من إكستيدت المعادية والعودة إلى الكوكبة، ظل طائرًا في قفص.
وحين يواجه أصدقاء قدامى يحتاجون إلى المساعدة…
كان عاجزًا.
أم أن هذه، في هذا العالم، حقيقة وجوده؟
وقدره؟
وعلى نحو غير مفهوم، اتجهت أفكاره فجأة إلى الكاهنة ميلغين، التي عرفها حديثًا.
«شهدت حاكمة الغروب ذلك. إن أقدارنا متشابكة منذ زمن طويل بطريقة خفية».
وأغمض تاليس عينيه بوهن.
«يا حاكمة الغروب.
«إن كنتِ موجودة حقًّا وقادرة على كل شيء…
«وإن كنتِ حقًّا الراعية لعائلتي ومملكتي…
«فأرجوكِ، أتوسل إليكِ.
«احميها وأعينيها واحرسيها.
«ارحمي تلك الفتاة البريئة التي تورطت في مصائبي».
لحظة.
هو لا يفهم الحاكمة.
لكن.
فمقارنة بالحاكمة، الناس الذين وجدوا فعلًا وامتلكوا السلطة…
وفتح تاليس عينيه برفق.
ربما…
ربما كانت هناك طريقة…
لكن…
الثمن الذي سيدفعه سيكون…
وصرّ تاليس على أسنانه.
وزأرت في داخله خطيئة نهر الجحيم بغضب.
لكن إن، إن كان هذا قد ينقذها من مستقبل أشد بؤسًا…
وازدادت نظرة تاليس برودة.
وخفقت خطيئة نهر الجحيم بعنف أشد، حتى كادت تبلغ ذروة الحمى.
وفي هذه اللحظة…
صفعة!
صفع أحدهم كتف تاليس بقوة.
وكان رد فعله اللاواعي أن يرد، لكن ذراعيه أُمسكتا بإحكام من الشخص خلفه؛ فلم يستطع الحركة!
«يا صاحب السمو!»
ووقف مالوس أمامه. وأمسك يد تاليس اليمنى وهو ينقر صدر الأمير.
«كما توقعت…»
وصرّ تاليس على أسنانه وهو يقاوم الرغبة في الوثوب على قائد حرسه الشخصي.
لقد كُبتت قوة الإبادة في داخله. وأطلقت زمجرة شرسة في دمه، كأن وحشًا بريًّا قُيّد في قفصه.
«أقول، يبدو أن شيئًا ما ليس على ما يرام هنا…»
وظل الحارس ممسكًا بذراع الأمير اليمنى.
ولاحظ صدر تاليس المسطح الأملس، فعبس وتمتم: «أظن أن الدوق بارني، داخل قاعة المأدبة، لم يسرق شارة النجمة اليشمية تلك من ذراعه».
«الأمر فقط أنك مسرف جدًّا. لمجرد أنه فتى فقير أهديتَها له… وبالطبع، يبقى احتمال أن يكون السبب امرأة جميلة…»
وفي الجوار، ابتسم دويل لزميله حين سمع كلمات قائده، لكن غلوفر اكتفى بنظرة باردة.
«آه نعم يا صاحب السمو، اسمح لي أن أقدم لك الضيف التالي…»
واستغرق من تاليس جهدًا أن يرفع بصره.
وجهدًا مساويًا وهو يجبر نفسه على الابتسام.
وبحسب تقديم مالوس، رحب دوق بحيرة النجوم بحرارة بوصول بيرن تالون. وكان تاليس قد التقى سيد مدينة نهر الجليد لقاءً قصيرًا في المؤتمر الوطني قبل ست سنوات. وهو من الكونتات الثلاثة عشر المعينين، وقريب بعيد وحاشية مقربة للعائلة المالكة اليشمية. وفي الحقيقة، مُنح أول دوق تالون لقب دوق بحيرة النجوم قبل تشكيل الإقطاعات.
وهذا جعل حضور الدوق تالون أكثر معنى.
لكن هذه المعلومات المحفوظة جيدًا مرت في ذهن تاليس بلا معنى، وصارت مجرد دعامة يركّب عليها ابتسامة ويوجه تحيات سطحية.
وفي هذه اللحظة، أحسّ تاليس فجأة بتفهم متعاطف تجاه عدوه زايين كوفينديير.
فلعل الأمر مماثل لدوق زهور السوسن الذي أراد أن يقضي عليه بقوة عشيرة الدم، وكان عليه أن يرتدي وجهًا باسمًا رغم عبء ثقيل في قلبه.
مشغول دائمًا بالترفيه عن الضيوف بالمجاملات الاجتماعية، في كل الفصول.
وراقب تاليس بحماسة مالوس وهو يقود الدوق تالون إلى الداخل؛ وكان تصرفه لائقًا أنيقًا، فلا أحد يستطيع أن يعيب رباطة جأشه.
لكن…
أهذا كل ما يستطيع فعله؟
وفكّر تاليس بسخرية: هل هذا كل شيء؟ أن أستقبل الضيوف بابتسامة زائفة عند الباب في مأدبتي الغبية هذه؟
بينما الفتاة التي هو مدين لها بالكثير ربما كانت محاصرة في أرض العدو…
وأخذ تاليس نفسًا عميقًا.
وفي تلك اللحظة، قال صوت منخفض: «أفكر هل كان من الخطأ أنني سمحتُ لك بالتدرب على المبارزة أمس؟ هل جعل ذلك قلبك الشاب أكثر اضطرابًا؟»
وذُهل تاليس لحظة وهو ينظر نحو مالوس، الذي لم يلاحظ أنه عاد.
وهمس الأخير في أذنه برفق: «ما لم تكن ستخوض الليلة مبارزة حتى الموت مع أحد الضيوف، كعرض للهيبة الشرسة التي جلبتها من الشمال»، وواصل مالوس بسخرية: «وإلا فأرجو أن تضبط قوة الإبادة».
واستعاد تاليس رباطة جأشه: «أتعلم؟»
«لا تنسَ أنني معلم فنون القتال لديك»، أجاب مالوس بهدوء.
وعند هذه الكلمات، استدار بلا مبالاة وحجب تاليس خلفه وهو يوبخ غلوفر الذي كان يصنع وجوهًا لدويل.
وضبط تاليس نفسه، لكنه بدا وكأنه أدرك شيئًا.
«استيقظ يا تاليس.
«أنت بعيد جدًّا عن المرحلة الأخيرة من قلب رقعة الشطرنج.
«قابل العدو.
«راقب العدو.
«أخضع العدو».
وتأمل تاليس بهدوء في المبادئ الثلاثة الرئيسية لمواجهة الأعداء.
وبدا أن خطيئة نهر الجحيم متزامنة مع حال سيدها: فكان تدفقها ضعيفًا بطيئًا، ولا أثر فيه للعنف المنفلت السابق.
تشابمان لامبارد.
مرّ هذا الاسم في ذهنه.
فمسألة فشل إكستيدت في فتح الغرب، وأسر قائدها، تتجاوز الأقاليم الرئيسية الثلاثة.
إنها مسألة كرامة إكستيدت.
وإن كان الملك تشابمان ينوي أن يحافظ على منصبه دون منازع، فلا خيار في أن يغضّ الطرف.
فعليه أن ينقذ ساروما من أيدي تحالف الحرية باسم المملكة كلها.
وبالطبع، كان الثمن المرجح لذلك أن تمد منطقة الرمال السوداء نفوذها إلى الشؤون الداخلية للمدن الإكستيدتية الثلاث وتعزز ادعاءها بالعرش…
لحظة.
تعزز ادعاءها بالعرش.
وانتبه تاليس فجأة.
فتحالف الحرية صغير وضعيف. وبحسب المعتاد، كان من المستحيل أن يصمد التحالف أمام هجوم المدن الإكستيدتية الثلاث العظيمة، سحاب التنين والصلوات البعيدة والدفاع، ويقلب نتيجة المعركة وحده.
ومن المرجح أنه يتمتع بدعم قوي، وأن قوى خارجية تتدخل في الوضع.
وعبس تاليس.
«الملك تشابمان.
«أهذا أنت؟
«أنت مجددًا؟
«إذن لم يعد الأمر بسيطًا. فسيستخدم ساروما الأسيرة ورقة مساومة وسيستغل القيمة المرتبطة بها إلى أقصى حد، سواء بالتقسيم أم الشراء أم الابتزاز أم الاحتيال أم أي وسيلة أخرى بلا ضمير».
يُضعف مدينة الصلوات البعيدة.
ويردع مدينة الدفاع.
ويُخضع مدينة سحاب التنين.
وأما الوغد الصغير…
«يا تاليس، احذر. حين يشمّ أعداؤك ضعفك…»
وسمع صوت الملك تشابمان خافتًا في أذنه. وانقبضت قبضتاه بإحكام من جديد.
«ماذا أفعل؟
«من على بعد أميال، كيف أواجه… تشابمان لامبارد؟
«ماذا أفعل؟»
وأطبق تاليس قبضتيه أكثر فأكثر.
وكانت خطيئة نهر الجحيم تشمّ مزاج سيدها؛ ولما أدركت أنها تُظهر علامات عودة، بدأت تتحرك في محاولة للانتشار في سيدها كله.
لكن في اللحظة التالية، قاطع ضيف جديد أفكار تاليس.
اقترب الرجل بخطوة واسعة، وعباءته ترفرف خلفه. وكان في مكان عينه اليسرى ندبة، وتشع عينه الباقية برودة.
وتوقف نفس تاليس لحظة.
«إنه هو».
صديق قديم من…
قبل ست سنوات.
ولحظة ظهر النبيل، سكتت قاعة ميندس الصاخبة في الأصل، كأن قائد أوركسترا لوّح بعصاه ليضع نهاية لسيمفونية.
وحتى دويل كف عن العبث.
وسكت الضيوف الذين لمحوه جميعًا. وأما الذين عرفوه فقد جاؤوا لتحيته مثنى وثلاث، يحث بعضهم بعضًا.
ولم يكن النبيل في منتصف العمر متحمسًا بشكل خاص؛ بل ردّ على تحيات النبلاء الأدنى منزلة بلا مبالاة وغطرسة.
ومشى النبيل في منتصف العمر عبر أبواب قاعة ميندس، وسلّم عباءته إلى الخادم، ووقّع قائمة الضيوف بضربة قلم عابرة، وبدأ ينظر في القاعة.
«ذات مرة قال لي رودولف إن هذا مكان جيد يستحق الزيارة كثيرًا»، سخر النبيل في منتصف العمر ببرود: «أما اليوم، هه، فأنا أفضل أرض الجروف بكثير».
وفي اللحظة التالية، وقعت نظرة الضيف ذي العين الواحدة على تاليس.
وباشارة من مالوس، اقترب تاليس ببطء مبتسمًا.
«الدوق نانتشستر الموقر، أهلًا بك…»
لكن الرجل قاطعه بلا مواربة: «لماذا أنت هزيل هكذا؟ وليس طويلًا كثيرًا أيضًا؟»
وتجمد تعبير تاليس.
وعبس الدوق الحارس لأرض الجروف، سيد قرن الأيل العظيم، الذي يلقبونه «التنين ذو العين الواحدة»، كوشدر نانتشستر، وهو يتفحص تاليس: «هل أساء إليك الشماليون خلال السنوات الست الماضية؟»
وبصفته دوق بحيرة النجوم، صمت تاليس لحظة، واكتفى بالرد بابتسامة مناسبة.
وواصل كوشدر ببرود: «إذن عليك أن ترد بالمثل، وتدع الكوكبة تكون عند اسمها».
وبهذه الكلمات، دفع الدوق ذو العين الواحدة خادمًا جانبًا وواصل التقدم دون أن يكلف نفسه النظر إلى الأمير.
لا.
وقطّب تاليس حاجبيه قليلًا، لكنه كان مرتاحًا.
فعلى الأقل، ما زال لديه ما يمكنه فعله.
«الدوق كوشدر، يا صاحب السعادة، هل تعرف ليفي ترينتيدا؟»
وتوقفت خطوات كوشدر.
وأشار تاليس إلى مالوس والحارسين الآخرين أن يبقوا مكانهم، ولحق بالتنين ذي العين الواحدة ووقف أمامه.
«إنه وريث الدوق الأكبر لبرج الإصلاح. وهو موجود في المأدبة اليوم».
وضيّق كوشدر عينه الوحيدة وهو يتفحص تاليس.
«ترينتيدا…»
وسخر دوق أرض الجروف باحتقار: «شمالي منحط بلا حياء له بضعة أبناء، كثير منهم أنذال. من يدري أي ابن هو. ومن يدري هل هو ابنه أصلًا».
ولما سمع تاليس تعبير كوشدر المنفعل عن ترينتيدا، بدا غارقًا في التفكير.
فبرج الإصلاح يجاور الحدود الشمالية؛ وهو مسألة دفاع حدودي لكلا البلدين.
لكن فيه في الحقيقة أراضي جبلية أكثر، تجاور منطقة أرض الجروف لعائلة نانتشستر. وكلاهما يعيش وينمو في جبال التنهد، ويواجه أحدهما الآخر.
(«كأن جبانين يعششان على قمتين متقابلتين يفصل بينهما وادٍ عظيم، ويصيح كل منهما في الآخر: تعالَ إن تجرؤ!»، كان نيكولاس يحفر أنفه بلا اكتراث وهو يستمع بلا اهتمام إلى درس تاريخ الشمال لطفلين).
وتقدم تاليس خطوة، وبذل جهدًا ألّا ينظر إلى عين كوشدر اليسرى المغطاة بالندوب، وهمس: «طلب ليفي مساعدتي. يريد أن يشتري بعض الطعام ليعود به إلى البيت».
بعض الطعام.
وترنح التنين ذو العين الواحدة قليلًا: «حبوب؟»
ولم يضيع تاليس وقتًا في التأمل في رد فعل كوشدر. بل اكتفى بالإيماء وقال: «انتهى حصاد الخريف، والشتاء قادم».
ونظر تاليس إلى التنين ذي العين الواحدة؛ والتقت نظرتاهما.
وللمرة الأولى منذ ست سنوات، التفت كوشدر ونظر إلى تاليس مباشرة بنظرة متأملة.
وكان ذلك كأنه لقاؤهما الحقيقي.
وابتسم تاليس ورفع يدًا؛ وأشار إلى كوشدر أن يتقدمه.
ومشى الاثنان إلى الأمام.
«لكنني أظن أن الأمر ليس حبوبًا فحسب»، قال تاليس بهدوء.
وضيّق كوشدر عينه الواحدة.
وابتسم تاليس وأومأ.
فأحدهما يعيش دائمًا في الشمال، والآخر يجاور أراضيه.
وكان هناك تفاهم حتى دون التصريح بكل شيء.
فبرج الإصلاح، بصفته إقليمًا في جنوب غرب إكستيدت، يقع على جبال التنهد. ويسهل الدفاع عنه ويصعب الهجوم عليه، وهو مستقر هادئ، غني بالمعادن التي تدر دخلًا طيبًا.
لكن بالقدر نفسه، وبسبب قيود التضاريس، كان له نظام أتباع معقد، وأتباع متفرقون، و تربة قاحلة وأراضٍ صالحة للزراعة نادرة.
وعلى النقيض، استقطب في السنوات الأخيرة كثيرًا من المهاجرين الفارين من الصراعات المحلية المتزايدة في المملكة.
وأقسى أيام الشتاء كل عام تمثل تحديًا لسيد برج الإصلاح. فهم مضطرون إلى تبادل المعادن والمعادن المصنعة ونحوها بالحبوب باستمرار.
«في الماضي، كان آل أولسيوس من منطقة الأوركيد المرموق وآل لامبارد من منطقة الرمال السوداء إلى جانبهم»، وبدا تاليس شارد الذهن، لكن نظرته كانت حادة: «بعهد وثيق وعلاقة قوية ومصاهرة ملكية وروابط عائلية بين الأقاليم الرئيسية الثلاثة، فكان برج الإصلاح قادرًا على استيراد المؤن وتخزين الحبوب للشتاء».
وبالطبع، لو كنت مستعدًّا لدفع الثمن، وتضع كرامتك جانبًا وتترك الكبرياء، فإن مدينة سحاب التنين العظيمة ومدينة منارة الإنارة المنتجة للحبوب لن تمانعا أن تنزلا عن عليائهما لتساعداك.
«لكن الآن…»
وأصغى كوشدر وتغيّر تعبيره قليلًا.
وزفر تاليس بخفة.
فمنذ أن مات الملك نوفين وتُوّج الملك تشابمان…
ضعفت مدينة سحاب التنين وخفتت مدينة منارة الإنارة.
أما مدينة الصلوات البعيدة ومدينة الدفاع وبحر الجليد ومدينة إيلافور ومنطقة الحراسة، فكانت إما بعيدة المنال لا تستطيع المساعدة، وإما تضمر نوايا شريرة وتتجاهل.
لكن الأكثر رعبًا أنه، بصفتها جارة لبرج الإصلاح، كانت منطقة الرمال السوداء، بقيادة الملك تشابمان، قد رفعت جيشًا فعلًا، تُظهر طموحات واضحة.
ونتيجة لذلك، اختل التوازن داخل حدود إكستيدت.
وأما آل لامبارد من منطقة الرمال السوداء وآل أولسيوس من منطقة الأوركيد المرموق وآل ترينتيدا من برج الإصلاح…
فقد كانوا يومًا ثالوثًا في جنوب إكستيدت، متحدين ضد الأعداء أنفسهم، سواء أكانوا مدينة سحاب التنين في الشمال أم الدوقات الكبار الثلاثة للكوكبة في الجنوب…
ولكل منهم حساباته الخاصة، ويطمع بشغف في أراضي الآخرين، وهذه العشائر الشمالية الكبرى الثلاث التي أرعبت قصر النهضة وحصن التنين المحطم…
افترقت طرقها منذ زمن بعيد.
فقد كانت الشقوق تمتد تحت وحدتها الظاهرة.
وسار تاليس وكوشدر ببطء إلى الأمام، وكلاهما غارق في التفكير.
«إذن لجؤوا إلى مساعدتك؟ إلى العائلة المالكة اليشمية؟» سأل كوشدر ببرود.
وزفر تاليس وبدأ يعصر ذهنه: «في رأيي، آل ترينتيدا، على دهائهم، لن يراهنوا على شيء بسهولة»، قال دوق بحيرة النجوم بخفة: «لا بد أنهم يحافظون على علاقات ودية مع آل لامبارد ويواصلون شراء الحبوب عبر القنوات القديمة، متظاهرين أن الأمور تسير كالمعتاد. ومن ناحية أخرى، كما في هذا اليوم، لا بد أنهم يحصلون على احتياطيات على دفعات عبر قنوات مثل الكوكبة، ليخففوا الضغط ويكدسوا المؤن لأيام الشدة».
وسخر التنين ذو العين الواحدة ببرود: «كانوا دائمًا ذوي وجهين، ولا أستغرب. وإن صح ذلك، فلا بد أنهم يفعلونه منذ ست سنوات على الأقل».
وأومأ تاليس: «إن كانوا ينقلون البضائع من الكوكبة إلى برج الإصلاح ويتجنبون منطقة الرمال السوداء، فلن يستطيعوا استخدام الحدود الشمالية. فإما أنهم ينقلونها مباشرة عبر البحر من تل بحر الشرق…»
وأكمل كوشدر جملة تاليس بلا مبالاة: «أو برًّا، عبر أراضيّ».
وتنهد تاليس وأومأ: «أرض الجروف. تهريب».
وبدا كوشدر متأملًا: «لكن ما داموا قرروا أن يزعجوك، فهذا يعني أن…»
وفي اللحظة التالية، تغيّر تعبير التنين ذي العين الواحدة فجأة!
والتفت برأسه بحدة: «ما الذي جرى في حرب تحالف الحرية بعد عودتك؟ هل خسر برابرة الأرض الشمالية؟»
وتنهد تاليس في داخله.
«هذا الرجل ذكي».
حتى هو نفسه لم ينجح إلا في الحصول على معلومات مبعثرة عن الشمال من وزارة الخارجية وإدارة الاستخبارات السرية باستجواب غيلبرت.
«لا. من المستحيل أن يخسر برابرة الأرض الشمالية»، وأفاق كوشدر من شروده، وتعبيره قاتم: «فهل يعني هذا… أن لامبارد انتصر؟»
وأحسّ تاليس بثقل في قلبه. وتوقف في مكانه وتنحنح: «لنقل إن النتيجة ما زالت مجهولة. لكن الملك تشابمان… لديه ميزة كبيرة».
وجعلت هذه الأخبار كوشدر يتأمل طويلًا: «هل تعني أنك تريدني أن أغضّ الطرف عن بضائع برج الإصلاح لأرفع ثقتهم في مقاومة ملك الرمال السوداء ذاك؟ ولأضعف عدو الكوكبة، من أجل المستقبل؟»
وحدّق تاليس في عين كوشدر الوحيدة وصمت طويلًا.
وكان الرجل الذي أمامه هو الدوق الذي اقتحم المؤتمر الوطني قبل ست سنوات وقاد الدعوة إلى التنازل.
وهو أيضًا الدوق الذي ثار وهاج قبل ست سنوات، وزرع بذور الشك في ذهن تاليس.
«ماذا يريد في الحقيقة؟»
«لا، أنا أنبهك فحسب»، قال تاليس بهدوء: «هذه فرصة، وكذلك ورقة مساومة».
وارتجفت نظرة التنين ذي العين الواحدة.
«وإن كان برج الإصلاح لديه حقًّا هذه الخطة، فبوسعك أن تقيم حصارًا لتقبض عليهم، وتهددهم وتبتزهم، أو ترسل قتلة مأجورين لاغتيالهم في الطريق».
وكان لا يزال حيًّا في ذاكرته كيف تحدث ترينتيدا نيابة عنه في قاعة الأبطال قبل سنين ليسهّل اختيار الملك، لكن تاليس اكتفى بهز رأسه ليطرد اعتذاراته الصادقة تجاه الدوق صاحب القصة المستديرة: «ما دام هناك شيء يمكن كسبه، فلمَ لا».
وفي تلك اللحظة، رمقه كوشدر بنظرة طريفة؛ فصار فيها قدر ضئيل من الحيوية ولم تعد باردة لامبالية كأنها تصد الغرباء.
لكن تاليس غيّر الموضوع فجأة: «لكن بوسعك أيضًا أن تدعهم يمرون طوال الطريق، وأن تبادر حتى إلى تعزيز العون ليزدادوا اعتمادًا على منافع خط الإمداد هذا الذي لك، وهكذا عامل الملك نوفين مدينة إيلافور خلال العقود الماضية»، وأنهى تاليس كلامه ببرود.
وتلاشى البريق تدريجيًّا من عين كوشدر، وحلت محله الجدية.
«أولًا أزال الحواجز، وراجع طريق التجارة، وأرسل لهم مرافقة بسخاء وقدم دعمًا قويًّا»، ومد تاليس يدًا برفق وأطبقها ببطء قبضة: «وحين أدمنوا واعتمدوا عليه اعتمادًا كبيرًا، سحب الحبل وأحكم الرباط». وأطبق تاليس قبضته بشدة فجأة!
«وهكذا وقعت مدينة إيلافور في معضلة ولم يكن بوسعها إلا أن تدع نفسها تُستغل. وخضعت مقهورة لمدينة سحاب التنين، بلا أي وسيلة للرد».
وعبس كوشدر بقلق.
ووضع تاليس راحته إلى الأسفل، ورفع بصره وابتسم: «أن تتقدم أو تتراجع، أن تهاجم أو تدافع، ما تريد فعله متروك لك». وانحنى دوق بحيرة النجوم انحناءة سريعة: «يوم مطاردة مقدسة سعيد يا صاحب السعادة».
فعلى الأقل، هذا ما يستطيع أن يفعله في الوقت الحالي، فكّر تاليس في نفسه.
لكنه ما إن كان على وشك أن يستدير، حتى تمتم التنين ذو العين الواحدة: «إذن. الملك المولود»، وتوقف كوشدر، وضاقت عينه الوحيدة: «لقد تعلمتَ منه الكثير، أليس كذلك؟»
الملك المولود.
وتصلب مزاج تاليس بلا سبب واضح.
وكأنه عاد إلى تلك الليلة، يرى الملك نوفين يمد يده بلا مبالاة ليكشف عن خاتم النصر.
«لا».
وعلى نحو غير مفهوم، أنكر تاليس بلا وعي بحزم: «لم أعرفه إلا أقل من يوم. أي تعلم تتحدث عنه؟»
ومشى كوشدر نحوه بتمهل وحدق فيه طويلًا قبل أن يهمس: «لماذا؟»
ومع أن مرجع سؤال كوشدر لم يكن واضحًا، فقد عرف تاليس تمامًا ما يقصده.
«هدية امتنان»، ورفع تاليس بصره، وما زال يبتسم: «شكرًا لك على صراحتك معي قبل ست سنوات»، شكره الدوق بقدر من الصدق: «حقًّا، في السنوات الست الماضية، مررتُ بالكثير ونضجتُ كثيرًا».
الصراحة.
وظل كوشدر يحدق فيه دون أن ينطق بكلمة.
وكأن تاليس صخرة ضخمة ينحتها بنظرته بدقة.
«قبل ست سنوات، ما حدث في الشمال غيّر كل شيء، أليس كذلك؟»
غيّر كل شيء؟
وتأمل تاليس: «نعم، غيّر. لم يعد الملك المولود موجودًا».
نوفين السابع.
ومع مرور السنين ووضوح الأثر، ازداد تاليس تأثرًا بذلك. ففي ساعات الفجر الأولى من ذلك الصباح، لم تخسر إكستيدت ملكًا فحسب…
وتذكر صوت ذلك المتسلط الذي لا نظير له وابتسامته، فقال تاليس شارد الذهن: «وفي القارة الواسعة، عشرة وحوش متعطشة للدماء كانت ذات يوم في قبضته بإحكام، واستسلمت له وكُبتت طبائعها الحقيقية… تنطلق من القفص. تلتهم كل ما يعترض طريقها. حتى الموت».
وبحسب الغراب العجوز…
…قد يؤذي هذا جيرانهم أيضًا.
أذى لا ينتهي.
وحدّق فيه كوشدر بثبات: «لا».
«ألا ترى؟ قبل ست سنوات، لم تكن هذه الحادثة وحدها هي التي أثرت في شبه الجزيرة الغربية».
وعاد تاليس إلى وعيه، وحار لحظة. ماذا؟
«مقارنة بحاكم مضطرب يذهب إلى القبر…» وتقدم كوشدر ببطء، وأمسك كتفي تاليس وخفض صوته: «فإن الأهم هو…» وفي اللحظة التالية، ضيّق التنين ذو العين الواحدة عينه. وأحسّ تاليس بفكه يتوتر!
فقد كان كوشدر يقرص ذقن تاليس برفق بيده اليسرى، ويسحب وجهه نحوه.
وفي الجوار، ذُهل دويل وغلوفر لهذا المنظر. وحين كانا على وشك أن يمنعا كوشدر، كبحهما مالوس.
«قبل ست سنوات، فتى شاب من الكوكبة، بعد أن تحمل كثيرًا من المشقة، غسل عن نفسه الأوساخ».
وكان دوق بحيرة النجوم مذهولًا وهو يراقب عين كوشدر الوحيدة تقترب من حدقته، ويسمع صوته العميق الخفي يتسرب إلى طبلتي أذنيه.
«يرتفع ببطء…»
وبدا أن قممًا وسلاسل جبلية مهيبة لا تحصى تختبئ خلف تلك العين المرعبة.
«يشع بريقًا فوارًا…»
ومع كلمات سيدها، اخترقت السلاسل والقمم الضباب مباشرة إلى السماء.
«متقدًا ساطعًا».
ثانية.
ثانيتان.
ثلاث ثوانٍ.
وأفاق الأمير، وقد غمرته السلاسل والقمم في عيني كوشدر.
تبًّا. هناك ناس كثيرون حولنا. لو شهدوا هذا…
وأدرك تاليس أنه ليس طفلًا، فاحمر وجهه. ودفع أصابع كوشدر بعيدًا وتراجع خطوة وهو يشعر بالحرج.
«أنت… ذلك… أنا… لا أستطيع…»
وخلفه، نظر دويل وغلوفر أحدهما إلى الآخر بذعر، وعبس مالوس.
لكن دوق أرض الجروف لم يتراجع. فتقدم بثبات بهواء عدواني.
«لقد عاد النجم الفتي»، كان تعبير كوشدر جادًّا، لكن لغته عتيقة: «كل يوم فجر جديد».
وكجدول ماء، تغيرت نبرة صوته فجأة؛ فصارت مضطربة آسرة: «متى سيبلغ الذروة ويضيء المجرة كلها؟»
يبلغ الذروة ويضيء المجرة كلها…
وتخطى قلب تاليس نبضة.
وكبح خطواته وهدأ الذعر المفاجئ الذي ثار.
«إتقانك للغة الإمبراطورية القديمة مثير للإعجاب»، وأخذ الأمير نفسًا عميقًا وقد استطاع أخيرًا أن يستجمع نفسه ويتجنب موضوع كوشدر المليء بالمعاني الخفية: «من المؤسف أن القواعد ليست اختصاصي».
ووقف كوشدر ثابتًا، متجاهلًا النظرات المتسائلة ممن حولهم، وحدّق في تاليس بعينه الوحيدة بثبات.
وبعد بضع ثوانٍ، ضحك من القلب: «هذا مغتفر».
وأطلق دوق أرض الجروف سخرية مقلقة: «إن كان الملك بارعًا في العلم وفنون القتال معًا، قادرًا على معالجة كل أمر بتفصيل، وعلى تغطية كل الأطراف، وموهوبًا في كل شيء… فما فائدتنا نحن الأتباع؟»
وبذل تاليس جهدًا ألّا يفهم التشويهات العميقة في تلك الجملة، وأجاب بحرج وتعجل: «إذن يؤدي كل منا واجبه، ونسعى متحدين من أجل الكوكبة؟»
وضيّق كوشدر عينه: «إذن اتفقنا؟ خطتنا؟»
وتخطى قلب تاليس نبضة أخرى: «لا أعرف عما تتحدث». وارتدى الدوق وجهًا جادًّا ونظر إلى من حوله: «أي خطة؟»
وصارت نظرة كوشدر باردة وهو يتراجع خطوة.
لكنه سرعان ما تأمل ما حوله، وأدرك شيئًا، وضحك ضحكة خافتة: «بالطبع، هاهاها. بالطبع…»
وما بدأ ضحكة خافتة تحول إلى قهقهة باردة، تفيض بالغطرسة: «لا خطة. لا شيء إطلاقًا!»
ولما شهد تاليس رد الفعل هذا، أحسّ بقلق واضطراب.
وبعد ثانية، وبعد نوبة ضحك طويلة، خفض دوق نانتشستر رأسه. وكانت نظرته عميقة نافذة: «ليس أمامك إلا رحلة طويلة. وبحر واسع»، قال ببرود، ونظرته مهيبة لكن نبرته مشبعة بإحساس بالرضا: «يجب أن تعبره. وأنت مضطر إلى الإبحار فيه».
وبهذه الكلمات، استدار سيد قرن الأيل العظيم، نانتشستر أرض الجروف، التنين ذو العين الواحدة كوشدر، ومضى بثقة!
ودفع مضيفين اثنين بخشونة بعيدًا ومشى بغطرسة وهو يسخر طوال طريقه.
تاركًا تاليس المذهول بعض الشيء في مكانه، وثيابه مبعثرة قليلًا.
وجذب هذا المشهد انتباه كثيرين. ونظروا أحدهم إلى الآخر بذعر، وفي أذهانهم تخمينات لا تنتهي.
ومرّ وقت قبل أن ينظر دويل، الذي كان على أهبة الاستعداد لكنه ظل بعيدًا، بحذر نحو تاليس، الذي كان يعدّل ثيابه وهو غارق في التفكير.
«ما هذا أيها الزومبي؟» ونكز غلوفر الفضولي بالقدر نفسه وهمس: «سأل سموه مباشرة هل خسر وزنًا وهل أُسيئت معاملته… ثم هو… هو…
«وفي النهاية ألقى على سموه شيئًا كالشعر… أظنني سمعتُ شيئًا مثل “اتفقنا؟” و”مضطر”…»
ولما سمع غلوفر ذلك، رمق دويل بنظرة، وكان تعبيره الغريب مشهدًا نادرًا.
«هل تظن أن دوق نانتشستر ذاك…» وشك دويل بعدم تصديق: «أن له ميلًا إلى…» ونظر دويل إلى تاليس بقلق، ثم إلى هيئة كوشدر وهي تختفي في البعيد، وقال بذعر: «الفتيان الجميلين؟»
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.