الفصل 538: مشهد الجحيم المهيب
غربت الشمس تحت الأفق.
ومع أن المأدبة الرئيسية لم تبدأ بعد، فإن وصول الدوقين المبكر أضفى حيوية على جو قاعة المأدبة.
وخارج القاعة، كان ضابط الإمداد ستون ورئيس موظفي قاعة ميندس غارقين في فهرسة العربات والهدايا والمشاحنات مع السائقين والخدم الذين يتكلمون بلكنات شتى.
وفي داخل القاعة، كان الخدم الشخصيون الذين جاؤوا مع الضيوف يهرولون هنا وهناك، ويضطرون أحيانًا إلى المجادلة مع الخدم في القاعة الثانوية لتلبية حاجات سادتهم وطلباتهم.
ولم يكن أمام غيلبرت إلا أن يرتب لتبدأ المهرجون والراقصون والمنشدون عروضهم مبكرًا. فقدّم الترفيه والطعام ليقابل (ليصرف) حماسة (انتباه) الضيوف. وقيل إن كثيرين ممن لم يستطيعوا الدخول لأنهم لم يتلقوا دعوات اندفعوا إلى المكان ليجربوا حظهم في هذا اليوم الخاص.
ونسّق مالوس كل شيء بمهارة واحتراف. فخصص المقاعد، وأدار الخدم، وناقش الأمور الميدانية مع رئيس الموظفين من قصر النهضة، وعالج الحوادث غير المتوقعة (ومنها نبيل صغير جاء ومعه بناته الست اللاتي لا دعوات لهن، وإعادة تخصيص جورج الثرثار، الذي كان يزعج الجميع بحماسة ليسألهم هل يعرفون من هو «نجم الشمال الجليل»، من طاولة الضيوف الأجانب إلى طاولة المحاربين القدامى).
ولم يستطع تاليس إلا أن يتذمر بصمت. فمع أنه، بوصفه المالك الاسمي لقاعة ميندس، كان ينبغي أن يجلس إلى الطاولة الرئيسية في انتظار وصول الضيوف، فإنه لم يستطع. ويعود ذلك أساسًا إلى أن الملك نفسه سيحضر المأدبة، فلم يكن من اللائق أن يجلس الأمير الثاني مرتاحًا. والسبب الثاني أن لتاليس مكانة خاصة بعودته الحديثة، وثمة حاجة ملحة إلى ترك انطباع أول حسن.
ولذلك، بعد تابعي النجوم اليشمية السبعة والدوقين الرئيسيين، كان على تاليس أن يواصل جرّ فرقة كبيرة من التابعين والحراس، ويتنقل جيئة وذهابًا في قاعة ميندس وفق ترتيبات مالوس وتعليمات غيلبرت («يا صاحب السمو، تعال إلى هنا بسرعة»، «يا صاحب السمو، عليك أن تكون هناك»، «يا صاحب السمو، أين كنت؟»، وكان تاليس يشتكي ساخرًا بصوت خافت)، ويستقبل كبار الضيوف المحددين، ويهدئ الضيوف الساخطين من مقاعدهم، ويرد التحيات (الصادقة وغير الصادقة) بابتسامات (غير صادقة قطعًا) وهدايا على طول الطريق، ليُظهر رشاقة العائلة المالكة ووقارها وليعرض «الضيافة الدافئة واللطف والكياسة» لدوق بحيرة النجوم الجديد.
«يا صاحب السمو، بشرتك تبدو جيدة. تبدو معافى»، حيّا الدوق بوب كولن، دوق تل بحر الشرق، الذي له رأس مليء بالشعر الفضي وبطن منتفخ، تسنده خادمان، تاليس بودّ.
وسعل تاليس: «أهلًا بك يا سيدي رئيس الوزراء. يسرني أن أراك في صحة جيدة أنت أيضًا».
وكان الدوق كولن يمضي ثلاثة فصول من أربعة في السنة يتعافى من المرض في مدينة الليل الأبدي، لكن مظهره الممتلئ المحبب اليوم أعطى انطباعًا بأنه ما زال دمية المملكة اللطيفة ذات القاع المستدير.
حسنًا، هذا لم يكن صحيحًا إلا جزئيًّا.
ونظر تاليس إلى الأسفل.
فعلى الأقل، صار بطنه أكثر انتفاخًا الآن.
«بالضبط. فما إن علمتُ أنك أفلتَّ من جحيم أولئك البرابرة الشماليين، حتى تحسن مرضي».
ونظر حارس تل بحر الشرق إلى صورة ملوك الكوكبة الثلاثة وقال بمرح: «بارك الحاكم الكوكبة، لقد اشتقتُ إلى هذا القصر كثيرًا. حين كان هذا المكان مفتوحًا للعامة، كنتُ أزوره كثيرًا لكنني لم أقدّره. أما الآن وقد شخت وقلّت الفرص، فأنا أشعر بالحنين».
وابتسم تاليس وتظاهر بأنه لا يفهم ما يلمّح إليه الدوق. وأشار برافقة الدوق نحو قاعة المأدبة، حريصًا على أن يكون أدبه بلا عيب.
«ستحب الهدايا التي أعددتُها لك. أحضرتُ لك مجموعة من اللآلئ، وهي من خصائص سواحل الميناء الرائع، وكذلك توابل وشايًا وقماشًا شُحنت من شبه الجزيرة الشرقية، وسلعًا باذخة من كل نوع. وهي بلا شك أرقى من تلك التي من تل الساحل الجنوبي. وأنا واثق أنك تعلم، إن اتجهتَ شرقًا، فالتيارات البحرية والرياح التجارية في صالحنا…»
وبالمقارنة مع عدم صدق زايين وكلام كوشدر القاسي ونظراته الصارمة، كان ثرثرة الدوق كولن المتواصلة فريدة بالقدر نفسه في المملكة. ومن المؤسف أنها كانت في معظمها هراءً دقيقًا يقال بلطف؛ فلا شيء فيه يُدحض أو يُقاطع.
وفي الماضي، كان تاليس سيتحمل ذلك بوصفه جزءًا من واجبه الرسمي، ويُنهيه بعد أن يبلغوا القاعة.
لكن الآن…
وتنهد تاليس، وأجبر نفسه على مقاطعة مونولوج الدوق الممتلئ الطيب: «قبل قليل، كان المدير جورج من مدينة إيلافور يحاول أن يعرّفني ببنات سيده الثلاث».
وتعثرت خطوات الدوق كولن، وارتجف شعار عائلة السيف والترس الشمسيين على صدره قليلًا.
«بنات؟»
وأمسك حزامه المرصع بالجواهر الذي بدا كأنه على وشك أن ينقطع تحت ثقل بطنه.
«ثلاث؟»
وتوقف الدوق كولن، ودقق النظر في تاليس وتنهد بعمق: «إنه لجميل حقًّا أن يكون المرء شابًّا…»
وابتسم تاليس بحرج.
لكن الدوق العجوز مضى بما يشبه الحنين في صوته: «وأن أفكر أنني كنتُ أنا أيضًا أحظى بثلاث في ليلة…
«وتلك العجوز الخبيثة في بيت الدعارة، هيهي، أعني صاحبة نادي لايا، بسبب مكانتي وبقشيشي السخي، أصرت على إضافة واحدة أخرى، لكنني رفضتُ بشدة. فحاكمة الغروب تعلم أن علينا نحن النبلاء أن نكون قدوة وأن نتجنب الفجور ونمارس ضبط النفس…»
وربما كانت قدرة هذا البدين العجوز على المقاطعة والخروج عن الموضوع لا نظير لها في الكوكبة كلها أيضًا.
«وبالطبع، في هذا الشأن لست بقدرة أبيك. يقال إنه ذات مرة تبارز مع ثلاثين في ليلة في سوق الشارع الأحمر…»
وكلما سمع تاليس أكثر، ازداد انزعاجًا. فقاطعه بسرعة: «لا، ليس هذا ما قصدته مدينة إيلافور، وهم بالتأكيد لم يقصدوا الثلاث معًا، بل فقط…»
وظل دوق بحر الشرق يحدق فيه بابتسامة عريضة.
وتنهد الأمير وتخلى عن جهوده للشرح، مدركًا أنها لن تزيد الأمور إلا سوءًا: «أليس لديك ما تقوله غير هذا عن هذه المعلومة، عن عرض الزواج من مدينة إيلافور؟»
وتجمد كولن لحظة، وبدا أنه يفكر بجدية.
وبعد ثانية، أدرك فجأة: «آه! آسف جدًّا. بناتي كلهن متزوجات ولهن أطفال، وبعضهن جدات حتى».
وبدا رئيس الوزراء مخيبًا قليلًا.
«أما حفيداتي، حسنًا، سأجمع بعض المعلومات حين أعود… نعم، وسأحتاج إلى بعض الوقت لأنجز صورهن، ويفضل صور بالجسد كله، ثم أقدم لك قائمة… لا يهم أيهن تختار، أو أيهن…؟»
وأغمض تاليس عينيه وتنهد تنهيدة عميقة.
ولما فتح عينيه، قاطع الأمير الدوق بلا مواربة: «لدى إكستيدت ساحل طويل جدًّا، وتجاور مياهها البحرية مياهنا. ويشمل ذلك مدينة إيلافور».
وتوقف الدوق كولن في مكانه.
وربّت على كتفي خادمه، فانحنى الأخير وتراجع كأنه مدرب جيدًا على ذلك.
وشعر تاليس بارتياح.
الآن نتحدث.
«سواء أكان برج الإصلاح أم بحر الجليد، فالأول تقيده جبال التنهد والثاني يعاني سواحل متجمدة، وكلاهما يفتقر إلى موانئ جيدة. وعائلة غادرو من مدينة إيلافور وحدها، التي تسيطر على ميناءي مدينة إيلافور، اللذين يربطان النقل الداخلي وبلدات العمق، قادرة على دعم أسطول يقدر على الإبحار مسافات طويلة…»
وأظهر تاليس تدريجيًّا نقطته الرئيسية: «وقادرة ومؤهلة للإبحار في بحر الإبادة، ومع الكوكبة…» وتحولت نظرة تاليس وهو يصحح نفسه: «بالدقة، مع موانئ بحر الشرق السبعة تحت حكمك، تتقاسم الأرباح الهائلة لطريق بحر الشرق».
وفرد دوق بحر الشرق ظهره وأشرق وجهه: «يبدو أن لك إلمامًا جيدًا بالجغرافيا».
وأخذ دوق بحيرة النجوم نفسًا عميقًا: «على مدى قرن، وبسبب هيمنة مدينة سحاب التنين غير المسبوقة، كانت مدينة إيلافور مقيدة من كل جانب: فهي تشتهي دعم قصر الأرواح البطولية لكنها تخشى سلطة الملك، وقد رضيت بنصيبها وظلت متواضعة في إكستيدت طوال تلك السنين، وهي تخفي قوتها وتتحين الفرصة».
وهزّ كولن رأسه: «هناك فائدة من النشأة في الشمال، كما أرى؟»
وعبس تاليس.
تظاهر بالجهل.
لكن لم يكن لديه خيار.
فقد كان عليه أن يستغل هذا اللقاء اليوم إلى أقصى حد.
وقرر الأمير أن يدخل في الموضوع مباشرة: «لكن اليوم، بادر الدوق الأكبر غادرو بإرسال مندوب لزيارة مدينة الليل الأبدي وحضور مأدبتي».
وضحك كولن: «ليعرض عليك الزواج، علامةً على الصداقة؟»
وهز تاليس رأسه: «غرض زيارتهم، بما فيها عرض الزواج الشبيه بلعب الأطفال، هو في معظمه استعراض واستطلاع»، وكان في عيني دوق بحيرة النجوم بريق: «انتظار أعلى مزايد».
وتوقف دوق بحر الشرق بضع ثوانٍ.
ولما تكلم سيد السيف والترس الشمسيين من جديد، كانت مسحة الفظاظة والتزلف في نبرته قد حل محلها يقظة ودهاء: «انتظار أعلى مزايد؟ انتظار عرض من؟»
وأخذ تاليس نفسًا عميقًا واختار أنسب العبارات: «يا صاحب السعادة، لقد حكمتَ بحر الشرق وأدرتَ خليج البهاء قرابة نصف قرن. وأظن أنك تعرف الجواب أفضل من أي أحد. وأظنك تفهم أكثر من أي أحد ما تعنيه أفعال مدينة إيلافور اليوم، وما هو على المحك».
وحدّق دوق بحيرة النجوم في كولن مباشرة.
وصمت الدوق الممتلئ العجوز، ولم تظهر مشاعره في عينيه الداهيتين.
وبعد وقت طويل، تكلم ببطء: «لم أرَهم في مثل هذه العجلة حين مات الملك نوفين…»
لكن في اللحظة التالية، ضيّق الدوق كولن عينيه، وعلى وجهه تعبير ماكر وهو يسأل: «إذن، مدينة سحاب التنين التي كانت تنقل لهم الإمدادات وتعيد بيع بضائعهم وتدعم نهبهم البحري… ماذا حدث لها؟»
وتنهد تاليس في داخله.
لعنة الله على ذلك الثعلب العجوز.
ولم يكن أمام تاليس إلا أن يكشف له الجواب صراحة: «انتصر تحالف الحرية. ولامبارد… ربما على وشك الانتصار أيضًا».
وأخرج الدوق كولن بطنه الكبير وارتدى تعبير «وجدتها».
وراقب تاليس تعبير كولن ونقل أفكاره هو: «دون الدعم القوي من قصر الأرواح البطولية، أُجبرت مدينة إيلافور على العودة إلى طبيعتها الشمالية الأصلية: لا وسيلة لنقل البضائع ولا ظهير لنهبها. والأهم أن ليس وراءها ملك، ولا إيمان في قلوبها. فهي مقطوعة برًّا وتواجه الغرق إن ركبت البحر».
وعبس كولن عبوسًا شديدًا.
فقبل أن يموت الملك نوفين، كانت مدينة سحاب التنين تشد الزمام وتخفيه تبعًا للحال، بكرم وصرامة معًا، وبمنح المنافع وسحبها لتراكم السيادة. وقد أخضع هذا مدينة إيلافور المتغطرسة التي كانت تعتمد على الشريان الرئيسي في منطقة الحدود الساحلية إلى حد الطاعة، فخافت أن تتمرد.
وكانت الأخيرة تحمل موقفًا متناقضًا من حكم عائلة والتون: فهي تشتهي الدعم القوي من سيادة المملكة، لكنها تقلق على الوضع المستقل لموانئها الشمالية الرئيسية.
(«هه، يطلبون الأرز بلا حياء لكنهم لا يكلفون أنفسهم مدّ أوعيتهم، هل في هذا العالم صفقة مربحة كهذه؟! ذلك صاحب الذقن، الجبان العنيد، لا يستحق إلا أن تُنحت له عبارة “ملك مدينة سحاب التنين” بحروف على سبيل الاستهزاء. ولما شهد جدك ذلك، اكتفى بالضحك وأرسل لمدينة إيلافور الخجولة إمدادات أكثر وأعاد بيع بضائع أكثر لها»، كلمات نطق بها الوصي ليسبان ذات مرة وهو يشرح تاريخ الشمال للدوقة الكبرى).
لكن الآن، الداعم القوي الذي يعتمدون عليه ليس بلا ملك فحسب، بل على وشك الانهيار أيضًا.
وقال تاليس بجزم: «التجارة البحرية لمدينة إيلافور ستتأثر بالتأكيد».
ولم يتكلم الدوق كولن.
لكن تاليس تقدم خطوة وشمّ رائحة التوابل الغريبة القوية المنبعثة من الدوق: «ولذلك أنت حر في أن تتصرف بلا رحمة، حين يكون الدوق الأكبر غادرو منهكًا من السياسة الداخلية متردّدًا…»
وغاص قلب تاليس وهو يفكر بصمت في دوافعه هو.
حين يترددون هل يخونون مدينة سحاب التنين ويحولون تحالفهم إلى الملك تشابمان…
وحين ينتظرون أن تتفاعل الكوكبة وتتخذ موقفًا، وينتظرون أن تقدم منطقة الرمال السوداء عرضًا لتضمهم إلى صفها…
وقال الأمير الثاني بحسم: «ابدأ الهجوم وأخضعهم بضربة استباقية لتسترد الأرباح البحرية التي خسرناها لأساطيل الشمال منذ العام الدامي بسبب ضعف مملكتنا… كلها».
وطرف الدوق كولن بعينيه الصغيرتين، وعلى وجهه تعبير جهل لطيف.
«أرِ أولئك البرابرة الشماليين المثقوبي الرؤوس الذين يظنون أنهم يستطيعون الإبحار لمجرد أنهم يستطيعون التجديف، أرهم من هو الزعيم الأعلى في بحر الإبادة».
وكانت نظرة تاليس حازمة.
ولم يعرف مدى فاعلية كلماته.
لكن إن لاحظوا ولو أثرًا ضئيلًا من موقف تل بحر الشرق، الأناني المستعد لركل من يسقط، فستفهم مدينة إيلافور قريبًا:
أن البئر البعيد لا يروي ظمأً قريبًا، وأن المستقبل لا يضاهي الحاضر.
وحتى حين أُنهك رمح التنين، وخفتت الأرواح البطولية…
فإن العون والدعم اللذين استطاع الملك نوفين ومدينة سحاب التنين أن يقدماهما لهم، أيًّا كان عدد الملوك تشابمان ومناطق الرمال السوداء…
لا يمكن تعويضهما.
«وأظن أن هذا يتفق تمامًا مع مصالح تل بحر الشرق».
ولما فكر تاليس في هذا، نظر إلى دوق بحر الشرق بجدية، وردّ التحية: «الفرصة سانحة، بارك الحاكم الكوكبة».
وتوقف عن الكلام.
وحدّق دوق بحر الشرق في دوق بحيرة النجوم بذهول.
متفاجئًا قليلًا.
كأنه يتعرف إلى تاليس لأول مرة.
وبعد وقت طويل، نكز الدوق العجوز خصره بخفة: «تسك تسك. أن تقضي عليهم وهم ساقطون… أنت تمقت أولئك الشماليين مقتًا شديدًا، أليس كذلك؟»
مقتًا شديدًا.
وتجمد تاليس قليلًا.
وأبطأ خطاه.
وتذكر تلك الوجوه من الماضي: أولًا وجه الملك نوفين الذي أوقعه في الفخ وهو يزأر ضاحكًا، ثم وجه الملك تشابمان الذي رفع كأسه نحوه بنظرة باردة.
وأولئك الدوقات ذوو المكانة البارزة في قصر الأرواح البطولية، كل منهم يضمر دوافعه الشريرة.
ووجه ذلك الذي ضربه ضربًا مبرحًا حتى شارف الموت مرات عدة، وترك له حتى عاهة دائمة، قاتل النجوم.
ولما فكر في هذا، حرك تاليس معصمه الأيسر المتيبس.
لحسن الحظ، كان يأكل بيده اليمنى.
«هه، أتعلم، في السنوات الست الماضية…» وصرّ تاليس المغتاظ على أسنانه بلا وعي: «كرهتُ حقًّا تلك العصبة من… بلطجية الشمال الذين يستمتعون بالتنمر على الأطفال».
وصمت دوق بحر الشرق مدة.
وبطريقة ما، كان في نظرة كولن إلى تاليس شيء غريب.
وحتى إن الدوق ألقى نظرة بلا وعي إلى مؤخرة تاليس.
وبعد أن اكتشفه تاليس عابسًا، سعل كولن بحرج وسحب نظره: «هذا مفهوم، لكن… ربما عليك أن تبلغ جلالته بذلك؟ فبحر الشرق حلق الكوكبة. وهذه المسألة تمس المملكة كلها».
وأحسّ تاليس بثقل في قلبه.
وتنفس بعمق وابتسم ابتسامة عريضة: «نعم، ينبغي»، ونظر تاليس إلى دوق بحر الشرق ذي المظهر البريء: «لكنني مجرد ابنه»، وواصل بجدية: «أما أنت فرئيس وزرائه. وعمدة مدينة الميناء الرائع في الوقت نفسه، وسيد تل بحر الشرق كله».
وصمت الدوق كولن طويلًا قبل أن يرد. لكنه هذه المرة لم يتكلم بذلك الموقف الذكي المتحذلق اللامبالي: «شكرًا لك على هذا التذكير. سآخذه في الحسبان».
لكن نظرته تغيرت بعد ذلك: «لكن لماذا؟ لماذا تخبرني بكل هذا؟»
لـ…
ليرد جميل المملكة؟
وتخلى تاليس عن هذا السبب الواهي وتنهد في قلبه.
«عربون امتنان».
وومضت أمام عيني تاليس تلك الهيئة الرشيقة التي وقفت إلى جانب أمير الكوكبة وفعلت كل شيء لحمايته في تلك الاضطرابات.
وسحب أفكاره إلى الحاضر، وابتسم لدوق بحر الشرق: «بفضل تغيّر رأيك المفاجئ في المؤتمر الوطني في الماضي حين صوتَّ لي بحزم، صرتُ حيث أنا اليوم. وهذا عربون امتناني».
وزمّ الدوق كولن شفتيه.
تغيّر الرأي المفاجئ، هذه الكلمات…
«احذر يا صاحب السمو». وظل يبتسم وهو ينظر إلى تاليس ويربّت على كتفه، كما يعامل المرء ابن أخ محبوبًا، وقال بحساب: «قاعة ميندس ليست كقصر النهضة. السجاجيد هنا جديدة جدًّا، وكل خطوة… زلقة».
وصمت تاليس.
وتذكر الوغد الصغير الذي ما زال مكانه مجهولًا ولا يتأكد هل ما زال حيًّا.
لكن في اللحظة التالية، كان الشخص الذي ظهر أمام عينيه السيدة إلينور. كانت تقود ابنها البليد إلى قاعة ميندس، وتتحمل النظرات الغريبة من الجمع.
الوتد الحديدي الصغير الابن.
«لكن هذا تقليد عائلتنا، أليس كذلك؟» وعاد تاليس إلى وعيه وهمس: «وبصرف النظر عن السجادة الزلقة…» ورفع بصره: «حتى لو كانت تحتها ملايين الأوتاد الحديدية…» وابتسم تاليس: «فسأظل أمشي عليها بهدوء… دون أن أرتجف».
وما إن قالها حتى ومض بريق في عيني دوق بحر الشرق.
وانفجر الدوق كولن ضاحكًا ورفع يده يشير إلى خادمه أن يتقدم، لكنه رفض أن يرافقه تاليس ولوّح له أن يذهب.
«أما عرض زواجهم يا صاحب السمو، فتذكر، حتى في الشمال…» ومشى الدوق كولن مختالًا وأنهى كلامه بلا مبالاة: «الجمال ما زال مضرًّا بالصحة».
وغاص قلب تاليس وهو يستمع إلى كلمات الدوق ذات المعنى المضمر.
«الوغد الصغير».
وانزلق إلى شرود وهو يحدق في هيئة الدوق كولن المغادرة.
«الآن…
«ليس هناك إلا قدر محدود…
«مما أستطيع فعله من أجلك».
«يا للعجب، إذن كان ذلك الشمالي جادًّا حين عرّفك ببنات الدوق الأكبر؟» ولحق دويل به وألبس تاليس عباءته. وعدّل تاليس عباءته شارد الذهن وأجاب بمجرد «همم».
وزمّ دويل شفتيه: «أتعلم يا صاحب السمو، هناك مثل بين تابعي النجوم اليشمية السبعة: لا تتزوج امرأة شمالية أبدًا».
ومشى تاليس عائدًا ببطء وسأل: «لماذا؟»
ورفع دويل كتفيه: «تقول الأسطورة إن هذا سبب انحدار عائلة بارني “الفرس الجامح”: ففي ذلك الوقت، أصرّ الابن الأصغر للعجوز الوتد الحديدي الصغير على أن يتزوج امرأة من الشمال. فعارضت الوتد الحديدي الصغير بشدة لكن دون جدوى. وفي النهاية شطبوه من شجرة العائلة وطردوه من البيت، لكن اللعنة التي جلبتها هذه المرأة ظلت تصيب العائلة، فانظر إلى آل بارني الآن».
أصرّ على أن يتزوج امرأة شمالية…
أصابت اللعنة العائلة…
انظر إلى آل بارني الآن…
وأحسّ تاليس بشيء من انكسار القلب، وقال بكآبة: «لماذا لا تنظرون إلى أنفسكم؟»
وربما لأن نبرة الأمير كانت حادة جدًّا، فقد فزع دويل.
وتقدم غلوفر بهدوء ودفع دويل خلفه، دويل الذي أراد أن يمازح الأمير ليخفف ضجره لكنه لقي ردًّا حادًّا.
هل من الممكن أن…
ومشى دويل خلف غلوفر بكآبة.
ففي السنوات الست التي عاشها سموه في الشمال، أُعجب حقًّا بـ…
امرأة شمالية؟
«يا إلهي، إذن ماذا عن المهمة التي كلفني بها أبي؟
«وأبي، البخيل، وعد بالكثير من المال مقابل هذا!»
وفي هذه اللحظة، سُمعت ضجة صغيرة خارج القاعة جذبت انتباه الجميع.
والتفت تاليس ينظر وذُهل.
فقد كان رجل وحيد بلا تابعين مخلصين، لا يرافقه إلا حراس متيقظون، يعبر الأبواب ببطء.
ومع أنه كان يرتدي ثيابًا باذخة ويملك هالة استثنائية، فقد بدا منعزلًا قاتمًا.
وتبع صوتُ صلصلة المعدن الرجلَ إلى القاعة أيضًا.
وكان صوتًا نشازًا قاسيًا في رشاقة قاعة ميندس.
وانتشر حديث محموم بين الجاهلين، أما النبلاء الذين كان لديهم حدس فتقاسموا صمتًا قلقًا وهم يفسحون الطريق بلا وعي للضيف الجديد.
وتلقى مالوس تقريرًا فأسرع من القاعة الجانبية، في الوقت المناسب ليرى وصول هذا الضيف الخاص.
وعبس الحارس وهو يشاهد الضيف الداخل ببطء، وتركزت نظرته على يديه.
وكان عليهما زوج من الأصفاد الباهتة، وسلاسلها تجر على الأرض.
ورفع الضيف بصره ليكشف عن وجه هزيل متعب ولحية بطول الصدر.
وحدق بذهول في قاعة ميندس المضاءة بسطوع و النابضة بالحياة أمامه.
وتقدم مالوس بسرعة وأشار إلى الحراس أن يدخلوه بسرعة ليتجنب نظرات الفضول التي لا تحصى، وهو يمسك ضابط العقوبات غراي باترسون الذي قاد الضيف إلى هنا.
«غراي، ما هذا…»
«رفض»، أجاب غراي بسرعة، وعلى وجهه تعبير استياء وإحباط: «مهما تملقناه وأقنعناه، أصر على حضور المأدبة بالأصفاد». وواصل ضابط العقوبات: «وحتى تلك اللحية…»
ونظر مالوس إلى الضيف الشارد وإلى تلك الأصفاد المشكلة بتعبير جاد: «ألم يكن بوسعكم أن تكونوا أشد حزمًا؟»
وهز باترسون رأسه بحرج: «أوضح جلالته أنه سيحضر المأدبة، فلا يمكن أن تكون هناك إصابات في وجهه. الأمر صعب».
وشخر مالوس: «أحضروا قطعة قماش لتغطيتها وقودوه مباشرة إلى مقعده… وأعيدوه حين ينتهي الوقت».
وأومأ باترسون إقرارًا والتفت إلى الضيف الجديد. وقال بجدية: «أيها السيد فال، أهلًا بك في قاعة ميندس. تفضل اتبعني…»
لكن الضيف الجديد كسر صمته: «تورموند مالوس، في أيام عزها، عائلتك…»
وتغير تعبير مالوس وهو يلتفت لمواجهة الضيف.
وكان صوت الضيف عميقًا مهيبًا، لكن نبرته تشبه حصانًا مريضًا منهكًا؛ وكانت كآبتها تشيّب السامع: «اقترح أبوك خطبة ابنة عائلة أروند لك».
وعبس مالوس قليلًا.
«وربما ظن أن نولانور سيرث ثروة العائلة في النهاية، وأن أخي الأصغر مقرب من الأميرين. وأيًّا كان من يخلف الملك، فسيكون لدوق الإقليم الشمالي نفوذ. وأما أنت، فبعلاقة مصاهرة مع عائلة دوق، سيكون مقامك بين تابعي النجوم اليشمية السبعة أعلى بطبيعة الحال».
وعند هذه الكلمات، تجمد الحراس المكلفون بمرافقة الضيف ونظروا بحذر إلى قائدهم.
لكن مالوس توقف لحظة فقط قبل أن يرتدي ابتسامة وينظر إلى هذا الضيف الغريب بأدب.
وأطلق الضيف ضحكة مريرة. ورفع يديه فصلصلت الأصفاد المعدنية والسلاسل من جديد. وامتزجت الصلصلة بالموسيقى المبتهجة الخافتة، كأن لطخة لون بارد أُضيفت إلى لوحة منظر ربيعي.
«الآن… انظر إلينا. أحدنا عائلة سجناء بالأصفاد»، ورفع الرجل رأسه ببطء. ونظر إلى مالوس، ثم إلى قاعة ميندس حوله؛ فحركت حركة فمه لحيته الفضية: «والآخر عائلة حراس أصفاد».
حراس أصفاد…
وقطّب مالوس حاجبيه وأجبر نفسه على تجاهل المعنى الضمني في كلمات الرجل: «يا صاحب السعادة، رتبنا لك مقعدًا في قاعة المأدبة…»
لكن كلمات الضيف حملت هيبة تراكمت على مر السنين، كأنها قادرة دائمًا على مقاطعته في اللحظة المناسبة تمامًا: «أتعلم، قبل سنين كثيرة»، وفحص الرجل ذو الثياب الباذخة تصميم قاعة ميندس وأثاثها شارد الذهن: «كان أخي مثلك تمامًا. كان يقف هنا، يؤدي واجبه بإخلاص حارسًا ملكيًّا مشرفًا ويحرس هذا القصر الملكي. أما أنا فمررتُ بالحديقة مرات لا تحصى وشاهدتُ تلك الفتاة المجنونة تركض نحوي».
وأنزل الرجل الهزيل السلاسل. وكان في عينيه بريق زجاجي: «والآن أعيد افتتاح قاعة ميندس. لكن أخي لم يعد هنا».
ولم يتكلم مالوس.
وسخر الرجل. ونظر عاليًا إلى صور ملوك الكوكبة الثلاثة. وصار لون عينيه أغمق قليلًا.
الملك اللقيط، والملك الزاني، وملك الديون المعدومة، فكّر الرجل في نفسه وانحنت زاويتا فمه إلى الأعلى.
لكن بعد بضع ثوانٍ، صارت نظرته باردة: «وليس هو الأخ الوحيد الذي فقدتُه». ونظر إلى ملوك الكوكبة الثلاثة وقال باحتقار: «لا».
وصمت مالوس لحظة قبل أن يزفر وينظر إلى مرؤوسيه: «رافقوا صاحب السعادة إلى قاعة المأدبة من الأبواب الجانبية. بصوت منخفض. وبالطبع، بأدب». وكانت نبرته جادة ونظرته صارمة.
وفهم ضابط العقوبات باترسون قائده. فقد سئم في الطريق إلى المأدبة. وبإشارة من يده، تقدم حارسان بتعبير بارد لتقييد الرجل.
لكن الرجل استدار فجأة وانفجر في نوبة غضب!
«أنا سليل أروند، سيد القلعة الباردة، دوق الإقليم الشمالي الحارس للكوكبة! رأيتُ عربة ذلك البدين العجوز. دخل من هنا، بكل وقار واستقامة!»
وأزعجت الهيبة التي أشعها في تلك اللحظة من حوله.
وحدّق أروند في مالوس ببرود: «إن كان سيدك يريد أن يثبت للمملكة أنني ما زلت أتنفس، ويثبت أنه ليس عديم الرحمة، فأقل ما يمكنه فعله أن يحترم مكانة دوق».
وصارت نظرة مالوس باردة.
وفي تلك اللحظة…
«مالوس!» صاح صوت شاب لكنه لطيف. ومشى تاليس من باب جانبي آخر وأومأ للحارس: «اسمح لي. يمكنك أن تتراجع الآن».
وراقب باترسون مالوس بحذر.
وتوقف مالوس لحظة، ونظر إلى غلوفر ودويل خلف تاليس، ثم أومأ لباترسون.
«كما تشاء يا صاحب السعادة». وانحنى ضابط العقوبات لتاليس وتراجع جانبًا مع الحراس.
وزفر تاليس واقترب من الضيف الجديد.
«لقد مضى زمن طويل أيها الدوق فال».
ومنذ ظهور تاليس، ظل الضيف يثبت نظره على سيد قاعة ميندس الشاب.
وتفحص هيئة دوق بحيرة النجوم، مندهشًا في البداية ثم مرتاحًا.
«إذن عدتَ».
وحدق فال أروند، دوق الإقليم الشمالي الذي أُحبطت مؤامرته وسُجن بسببها قبل ست سنوات، في الأمير الثاني بمشاعر مختلطة: «كيف هي إكستيدت؟»
كيف؟
ونظر الأمير إلى الرجل وتنهد ببطء: «لا الرياح القاسية ولا الصقيع المر يستطيعان أن يزعزعاها».
ودقق تاليس في فال هو أيضًا. و لاحظ أن شكل فال المفتول العضلات في السابق صار أنحل بكثير الآن، وأن له الآن لحية كثة مربعة.
وعلى نحو غير مفهوم، تذكر فجأة ما قاله جوزيف من سيف الكارثة حين كان في سجن العظام:
هذا هو أثر السجن في المرء… أيًّا كنت، ومهما بلغت من القوة.
أنهم يضيعون إلى الأبد في تجويف موحش ولن يستطيعوا العودة أبدًا.
وركّز تاليس عينيه أمامه.
فدوق الإقليم الشمالي المتحمس المهيب في السابق…
لم يعد موجودًا.
وتردد فال بضع ثوانٍ: «لامبارد، كيف هو؟»
لامبارد.
وغاص قلب تاليس.
كيف كان إحساس فال حين التقى بدوق الرمال السوداء الأكبر آنذاك، تشابمان لامبارد، ووافق على التعاون معه؟
وبعد ست سنوات، وقد صار حالاهما على طرفي نقيض، كيف يشعر؟
«لا الرياح القاسية ولا الصقيع المر»، بدأ الأمير يتكلم بخفة، وأعطى الجواب نفسه: «…يستطيعان أن يزعزعاه».
وبعد هذه السلسلة من الأسئلة والأجوبة الغريبة، سكت فال.
لكنه بدأ بعد ذلك يضحك بخفة. وتقدم بخطى واسعة ودخل قاعة المأدبة بحكم العادة.
كالمتجول العائد إلى البيت.
وتبعه باترسون وحراس قسم الانضباط فورًا.
لكن حين بلغ فال جانب تاليس، توقف.
وتقدم غلوفر ودويل بقلق في محاولة لفصل الدوق عن الأمير، لكن مالوس كبحهما من جديد.
«شكرًا لك».
وذُهل تاليس قليلًا.
ولم يكلف دوق الإقليم الشمالي الهزيل نفسه النظر إلى تاليس، بل همس فقط: «أخبرني أحدهم. عن كل ما فعلتَه من أجل ابنتي قبل ست سنوات في الأراضي الإكستيدتية».
في الأراضي الإكستيدتية…
ميراندا؟
وتذكر تاليس ليلة دم التنين والمبارزة الباردة بقلب ثقيل.
وأدار الدوق السجين رأسه وقال بلا تعبير: «لكن أرجوك أسدِ إليّ معروفًا آخر». وصار تعبير فال جادًّا: «لا تتزوجها».
وذُهل تاليس.
«وإن كان لا بد أن تتزوجها»، وسخر فال كمقامر قانط مستنير خسر كل رقاقاته: «فلا تترك بذرتك في بطنها».
واحمر وجه تاليس. وعدّل تعبيره فورًا.
«عانت ميرا من سوء الحظ في صغرها»، ونظر فال إلى السقف وهو يواصل بحزن: «لقد رأت من إراقة الدماء ما يكفي».
وارتجفت نظرة تاليس عند سماع ذلك.
وبعد ثانية، وعند رؤية دوق الإقليم الشمالي الهزيل الوحيد الشائخ أمامه، تنهد تاليس: «أعدك».
وضحك فال. وخفض رأسه ليكشف عن وجهه المتجعد بابتسامة: «شكرًا لك. أنت مختلف عنه. لم… تصر هو بعد».
مختلف عنه.
وفي تلك اللحظة، أدرك تاليس فجأة.
فقد تذكر أنه قبل أن يفترقا في معسكر أنياب النصل، قال له حارس الحرس الملكي السابق، فارس القضاء، زاكرييل، شيئًا مشابهًا.
وجعله هذا، وهو الذي ظل يبتسم لتحية الضيوف طوال الليل، يدرك أن هذا الرجل الهزيل، غير المكترث بكل شيء، ربما كان الوحيد الذي سيكون صادقًا معه في هذه الليلة من الفرح والمرح.
«ربما»، أجاب تاليس بابتسامة متكلفة، آملًا بعض الشيء أن تجلب كلماته عزاءً لهذا الرجل الذي تخلى عن كل أمل في الحياة.
لكن فال هز رأسه، وابتسامته يائسة ساخرة: «تمامًا كما حدث حينها، ظن هو أيضًا أنه مختلف عن سيد هذا المكان السابق».
وتغير تعبير تاليس: «ماذا تعني؟»
ولم يجب فال؛ بل اكتفى بالاستدارة.
ونظر إلى المشهد الصاخب النابض بالحياة خارج القاعة، و تأمل مشهد قاعة ميندس المزدهر حيث تذهب الجموع الكبيرة وتجيء: «هل ترى ذلك؟» وبينما كان دوق الإقليم الشمالي يتأمل المشهد المهيب أمامه ويصغي إلى الموسيقى الناعمة، وقد أنار المصباح الدائم الساطع فوقه المكان، بدا كأن في عينيه منظرًا مغايرًا. واستغرق وقتًا قبل أن يقول مبتسمًا: «هذا المشهد… إنه مشهد جحيم مهيب».
جحيم؟
وقطّب تاليس حاجبيه.
ونظر فال حوله؛ بدا مختلًّا: «بعضهم منافقون، يتظاهرون بأن كل شيء على ما يرام؛ وبعضهم يخدعون غيرهم ويصدقون أكاذيبهم؛ وبعضهم يخفون عدم الرضا لكنهم يجبرون أنفسهم على التحمل؛ وبعضهم رأوا ما وراء واجهة هذا العالم واختاروا أن ينفصلوا عنه. وتحت الأضواء في عمق الليل، الجميع يتظاهرون بالفرح والانسجام»، وكان وراء سخرياته التي ازدادت تدريجيًّا رسالة مقشعرة: «غافلين عن أنهم جميعًا في قدر واحد، بينما يُضاف الوقود إلى النار».
وسعل مالوس مرة.
وتوتر تعبير تاليس.
ولما تذكر ما صادفه منذ عاد إلى الكوكبة، أحسّ بإحباط لا مفهوم.
وعلم أن حديثه مع دوق الإقليم الشمالي على وشك الانتهاء.
وكان تاليس يعلم. يعلم ما قصده الدوق بهذه الكلمات.
تمامًا كجميع الآخرين.
لكنه لن يتزعزع بهذه السهولة.
ومع ذلك…
وصرّ تاليس على أسنانه.
وخفض فال رأسه وسخر: «أيها الفتى، أنت مثلي تمامًا كما كنتُ».
وتحرك شيء في داخل تاليس: «مثلك؟ كيف مثلًا؟»
«مثلًا…» وواصل فال، ونظرته غائمة: «مثلًا، تبدو علاقتك بهم وثيقة، و مصالحكم متوافقة، و تتقاسمون الشرف والعار، إنها اللحظة المثالية. وفي هذه الحياة، لن تعارضوا بعضكم أبدًا ولن تصيروا أعداء».
إنها اللحظة المثالية.
ولم يملك تاليس إلا أن يتذكر ما قاله له الفيكونت باترسون من قبل.
الدولة فتية. هذه فرصة مناسبة.
«لكنك وحدك تعلم…» وصارت كلمات فال أكثر غموضًا، كمسافر يتلمس طريقه في الضباب، لا يرى الطريق أمامه، ولا يحيط به إلا الأوهام: «أمامك جرف عال. وخلفك هاوية عميقة».
وفي تلك اللحظة، سُمعت من جديد ضجة وجلبة من خارج القاعة.
وتحرك كل من في القاعة. وتوقعوا ذلك واستعدوا لاستقبال الضيف المهم التالي.
لكنهم هذه المرة سمعوا خليطًا من أصوات خطوات متناسقة وأوامر صارمة وصخب حماسة.
وارتبك مالوس قليلًا.
حتى سُمع من بعيد أمر مهيب جليل، ينقل طاعة مطلقة كأنه مرسوم مقدس، واخترق الجدران: «باسم الملك الأعلى للكوكبة، كيسل جايدستار—»
وفرغ ذهن تاليس.
وتغيرت تعابير الحاضرين.
وسُمعت أصوات مكتومة من خارج القاعة.
«والملكة العليا، كيا جايدستار—»
وتخلل صوت الرسول القاعة كلها.
وسواء أكانت الموسيقى المبتهجة داخل القاعة، أم المجادلات الحادة بين الخدم في الممرات، أم الصهيل الطويل الذي كان يُسمع من بعيد من حين إلى آخر، فقد تلاشى كله في هذه اللحظة.
وساد سكون حتى لو سقطت إبرة لسُمع صوتها. ولم يبقَ إلا الأضواء متوهجة.
«أيها الرعايا…»
وكان حق التنفس قد أفسح الطريق لذلك الصوت الآمر.
«حيّوا ملككم وملكتكم!»
وانتهى أمر الرسول لكن صوته ظل يتردد بلا نهاية ويحوم في الهواء.
غير قابل للانحناء.
وفي اللحظة التالية، مالوس وباترسون وغلوفر ودويل…
سواء أكانوا حراسًا ملكيين أم تابعين أم خدمًا، نبلاء أم بيروقراطيين أم عامة، فقد عدّل كل الحاضرين هيئتهم بلا وعي وحبسوا أنفاسهم.
وتراجع الجميع جانبًا ليشكلوا ممرًّا، واستداروا بجدية واحترام نحو أبواب قاعة المأدبة.
و ركعوا على ركبة واحدة.
ووضعوا أيديهم على صدورهم.
و أحنوا رؤوسهم.
كأن هذا غريزة فطرية.
لا تتغير.
معتادة.
ولم يبقَ إلا تاليس واقفًا ذاهلًا تحت المصباح الدائم، تحت أنظار ملوك الكوكبة الثلاثة الساهرة، يحدق خارج القاعة نحو الظلام.
«وليس لديك مخرج».
ومن غير أن يشعر، جاء صوت الدوق فال البارد وصلصلة أصفاده من خلفه واخترق قلبه.
«لا يمكنك إلا أن تقفز قفزة إيمان… وتبذل قصارى جهدك».
وتداخل أمر الرسول وكلمات دوق الإقليم الشمالي معًا في الهواء، يتلاشيان ويتشابكان.
وأخذ تاليس المضطرب نفسًا عميقًا.
وبعد بضع ثوانٍ، تراجع خطوة بقوة.
وركع على ركبة واحدة.
ملاحظة المترجم: من هنا انتهت دفعة هذا الأسبوع وراح أنشر كل أحد 20 فصل
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.