الفصل 552: التضحية ببيدق (1)
«لا».
بعد أن عرض فوغل فكرته، رفضها مالوس رفضًا قاطعًا: «اغتياله الآن خطر جدًّا».
وقطب فوغل جبينه: «أنت من اقترحها أولًا. فهل غيّرتَ رأيك الآن؟»
وهز مالوس رأسه: «صار الآن لديه سبب وجيه جدًّا—إذ يطلب من صاحب السمو أن يشهد مبارزته باسم الانتقام».
وسخر فوغل باحتقار: «وجيه، تقول؟ هراء».
وأمامهما، كان تاليس ما زال يحدق في آخذ الرهينة أنكر، وأفكاره في دوامة.
«ماذا أفعل؟
«أرفضه، أم أسمح له، أم أقتله، أم أقنعه…»
يا لها من حيرة.
«يا بيراييل!»
وفي القاعة، كان الكونت غودوين، الذي تقدم مفاوضًا، غاضبًا وهو يوبخ: «لقد تجاوزتَ حدودك! إنك تستعرض أمام الحشد وتكره صاحب السمو على الإذعان. أهذه أفعال تليق بنبيل، وبرعية؟»
لكن أنكر كان مستعدًّا بوضوح. فلم يجبن، بل أجاب رافعًا رأسه: «ألسنا، بصفتنا رعايا الكوكبة، كلنا أصحاب حق في رفع استئناف إلى ملكنا الأعلى؟»
وأوجع قبضه المحكم البارون العجوز الرهينة فأنّ ألمًا.
«أليس من واجب كل ملك أن يصغي إلى أصوات رعاياه الصادقة؟»
وتردد كلام أنكر في القاعة كلها. فلم يزد هذا حاجبي تاليس انعقادًا فحسب، بل أثار الضيوف المضطربين أكثر.
وصمت الكونت غودوين لحظة ولم يجد ردًّا—فسواء كان «استئنافًا» أو «ملكًا»، كانت الفخاخ التي تشكلها هذه الكلمات واضحة وخطيرة أكثر من اللازم.
وتجاهل مالوس ما يجري في القاعة، وحافظ على هدوئه وواصل التواصل مع نائب القائد بهمس: «لو بادرنا نحن، فسيكون صاحب السمو هو المخطئ. وسيكون فعلًا جبانًا عاجزًا خسيسًا—في قاعة ميندس الخاصة به، وفي مأدبته».
وفكر فوغل لحظة ثم قال بحسم: «يستطيع الحراس أن يتحملوا المسؤولية. أنت وأنا.
«نستطيع أن نستقيل إن لزم الأمر، بلا تردد».
لكن مالوس هز رأسه: «أتظن أن الناس سيبالون؟
«الحرس الملكي، التركيز فيه دائمًا على «الملكي» لا على «الحرس»».
وإذ استمع تاليس إلى حديث قائدي الحراس هذين خلفه، ازداد الثقل في قلبه.
ماذا أفعل؟
«يا صاحب السمو!»
واستدار أنكر ونظر إلى صاحب أعلى منصب حاليًّا: «إقامة العدالة علينا، لا تنتظر إلا أمرك».
«كيف تجرؤ!»
واستدعى عدوانه توبيخ الكونت غودوين من جديد، لكن أنكر لم يكترث وهو يواصل التحديق في تاليس.
كمن يحدق في فريسته.
«ارفضه يا صاحب السمو».
وخلف تاليس، بدا فوغل غاضبًا وهو يهمس: «سيد الكوكبة والهيبة الملكية لا ينبغي أن يُهددا أبدًا».
وهمّ تاليس أن يتكلم حين جاء همس مالوس من الجهة الأخرى: «إذن نجبره على قتل البارون؟
«ندع صاحب السمو يُعد متفرجًا بارد الدم يتغاضى عن القتل؟
«ولا تنسَ أنه أحد تابعي النجوم اليشمية السبعة الذين يخدمون العائلة المالكة».
وأحس تاليس بطن يثقل على أسنانه فيمنعه من الكلام.
وردّ فوغل فورًا: «ومع ذلك لا ينبغي الترويج لهمجيات فظة كـ«المبارزة حتى الموت»! فلو اكتفى الناس بالثرثرة عن تلوث صاحب السمو بعادات أهل الشمال لكان أمرًا، لكن الأخطر خطر أن يظهر مقلدون في المملكة مستقبلًا…»
وكان الكونت غودوين وأنكر يتبادلان الكلام بصوت عال، ومالوس وفوغل يتجادلان بهمس، وضجيج الضيوف—مجموعة من الأصوات دخلت مدى إدراك تاليس عبر حواس الجحيم، فحركت وعيه وضربت ذهنه.
وبعد أن عُذب طوال الليل في المأدبة، زاده هذا إنهاكًا.
وواصل مالوس بهدوء ولا مبالاة دحض فوغل: «مهما كانت هذه العادة فظيعة أو متخلفة، فهي الطريقة التي قاوم بها صاحب السمو الملك نوفين. وقد صارت الآن حكاية معروفة ورمزًا. وإنكارها الآن…»
هذا سوء فهم.
وكان وجه تاليس خاليًا من التعبير؛ وكان منهكًا ذهنيًّا وجسديًّا.
هو فقط، فقط أراد أن يخيف أولئك الهمج الشماليين، ونوفين لم يكن—لماذا جعلوا الأمر يبدو كأنه بارز الملك المولود فعلًا؟
وتنهد تاليس في أعماقه.
فلماذا تحدى الملك نوفين بالمبارزة إذن؟
والله وحده يعلم كم يندم الآن.
ثم من الذي نشر خبر هذه الحادثة أصلًا؟
في قاعة الأبطال حينها، هل كان الدوقات الإكستيدتيون الأكبر الحاضرون ألسنتهم مطلقة هكذا؟
وحدثت جلبة صغيرة بين الحراس: دويل، بتعبير مشوه، يجر قيده، غلوفر، ويشق طريقه نحو القائدين.
«دعني أقاتله يا صاحب السمو، يا سيدي».
وأمسك دويل غلوفر، وكبح انفعالاته، وحدق في العدو الذي يأخذ أباه رهينة: «أستطيع أن أقتله علنًا وبإنصاف—فهذه مجرد مظلمة بين عائلتين».
وبدا دويل قلقًا، متلهفًا لكنه متوتر.
وشخر فوغل بأقصى الازدراء.
وكان وجه تاليس كئيبًا.
«إذن نقع في فخه تمامًا».
وهز مالوس رأسه: «إن مات بيراييل في مبارزة مجيدة ثأرًا لأبيه، فسيُخلَّد عذابه ويُتعاطف معه إلى أقصى حد. ولن يتذكر أحد تجاوزاته ودوافعه الخفية.
«وسيُدفع صاحب السمو والعائلة المالكة إلى عين العاصفة، وسيُنتقدان بتهمة التنمر على الضعيف وتجاهل حياة رعاياهم».
وفي القاعة، كان أنكر يرد بهدوء ووضوح على توبيخات الكونت غودوين. وكان البارون دويل يرتجف تحت سيفه. وواصلت نقاشات الجمهور وهي تزداد اضطرابًا.
وصر دويل على أسنانه.
وازدادت كلمات مالوس جدية: «وهو مجرد أداة في يد أحدهم، قطعة شطرنج على الرقعة».
قطعة شطرنج.
«يا طفل، كن قويًّا.
«ولا تتحول إلى قطعة شطرنج يسهل التلاعب بها ويمكن التضحية بها بلا مبالاة».
وعلى غير المتوقع، خطرت في ذهنه كلمات فاكنهاز. وشد تاليس عضلات ذراعيه.
«أما من هم تحت المسرح، والأيدي خلف الستار…»
وأبقى مالوس هذه الكلمات الأخيرة لنفسه: قد يستغلون موت بيراييل ليزينوا هذه الحادثة، التي كانت في الأصل نزاعًا تعاقديًّا، ويرفعوها إلى مستوى غير مسبوق—كحكم المملكة مثلًا.
دويل وبيراييل.
في المملكة كلها، كم من القضايا ستشبه قضيتهما؟
وكم من الأوضاع المختلفة ستبقى؟
ومن بين تلك القضايا المتشابهة والمختلفة، كم منها سيتخذ هذه الحادثة مرجعًا؟
وتجمدت نظرة مالوس.
لا، سيُمنح معنى مختلفًا ويصير الفتيل الذي يشعل سلسلة من العواصف السياسية في المستقبل…
«لكن يا مالوس»، وبذل تاليس جهدًا ألا ينتبه إلى النظرات التي لا تحصى عليه، وأدار رأسه وهمس بتعب: «إنه مجرد شخص دفعته الظروف إلى المجازفة وخوض كل شيء».
ونظر مالوس إلى أنكر الذي عيناه متقدتان، وضيق عينيه.
«ولهذا هو عنيد وخطير.
«وأخطر منه المدبر خلفه».
وختم الحارس بكآبة: «قطعة شطرنج جيدة.
«وسيف جيد».
قطعة شطرنج جيدة.
ولم يرد تاليس. بل أغمض عينيه فقط وترك التعب يغمره.
«يا صاحب السمو!»
وازداد أنكر نفاد صبر، وكتم إلحاحه نصائح الكونت غودوين: «ما الذي يجعلك تتردد إلى هذا الحد؟»
وتقدم مجرم عائلة بيراييل، وأقلق الحراس المحيطين، ورفع سيفه القصير ووجهه نحو دوق بحيرة النجوم في الطبقة العليا!
«أهو شك في العدالة والإنصاف، أم حيرة في تقاليد الإمبراطورية؟»
وحدق أنكر بشراسة في دويل الذي إلى جانب تاليس: «أم هي معاملة تفضيلية، تفضل بها أن تتغاضى عن تابعك وحارسك الشخصي؟»
وتغير وجه دويل؛ وطفا الغضب إلى السطح.
«أليست هناك طريقة أخرى؟»
وكانت قبضة دويل ترتجف، فاضطر غلوفر إلى الإمساك به بإحكام: «هل سندع هذا الوغد يواصل هذيانه، ويؤذي أبي، ويلطخ سمعة صاحب السمو…»
«في الأصل، كانت أفضل طريقة أن نجري تفتيشًا صارمًا مسبقًا ونقمع الاضطراب»، أجاب مالوس بوقار: «ونحرمه من فرصة الكلام.
«ونترك الحراس يبقون الأمر خارج القاعة، ونجعله غير موجود—سواء كانت هذه القضية أو الاغتيال أو احتجاز الرهينة».
وساء وجه فوغل، بينما ازداد دويل قلقًا.
«يا صاحب السمو…»
وحدثت موجة أخرى من الذروة في نقاشات الضيوف، منها مشادات حادة.
وكثيرون كانوا يهاجمون أفعال أنكر الوقحة، لكن ابن عائلة بيراييل لم يُظهر أي علامة خوف، سواء في وقفته المنتصبة الساكنة أو في رده بصوت عال.
وواصل تاليس التنفس شاردًا وهو يحس بألم أظافره تغوص في راحتيه.
وفي تلك اللحظة.
«فكرتُ في شيء».
وقال مالوس بخفوت، فجذب انتباه الحراس: «توجد طريقة أخرى.
«نستطيع أن ننقذ البارون، ونحل المأزق أيضًا».
وألقى فوغل وتاليس عليه نظرة جانبية معًا.
لكن مالوس التفت إلى دويل فقط.
«قاتله يا دويل».
ووافق دويل غريزيًّا، لكنه فزع حين أدرك ما وافق عليه للتو: «نعم—يا سيدي؟»
وكان تعبير مالوس لا مباليًا كما هو، لكن نبرته ازدادت وقارًا: «لكن يا دانيال دويل من الطليعة…»
وكان نادرًا ما يناديه باسمه الكامل، فأوتره ذلك.
«استمع جيدًا».
وشحب لون الجميع كالورق عند كلمات الحارس التالية.
«عليك أن تموت».
وتجمد تاليس.
ومعه فوغل وسائر الحراس.
ماذا؟
«هذه المبارزة»، قال مالوس بهدوء ونظره مثبت على دويل: «عليك أن…
«تموت على يديه».
وصدمت الكلمات تاليس أخيرًا وأذهلته.
ولم يكن وحده.
«ماذا؟» نظر فوغل إلى الحارس بعدم تصديق.
«خصمنا ينوي أن يستغل الغضب الشعبي. فلنرد بالمثل».
والتفت مالوس بهدوء وتجنب النظر إلى دويل الذي تسمر في مكانه وغرق في التفكير.
«يقبل دويل التحدي، لكنه ينتهي مقتولًا—وبهذا، مهما كانت الظروف، تكون عائلة بيراييل هي المخطئة لأنها أثارت الفوضى في المأدبة وقتلت مواطنًا بسبب عادة أجنبية فظيعة. ولن يتذكر الجميع إلا أن عائلتك عانت بصمت، وأن صاحب السمو لم يكن له خيار آخر.
«وبعد الواقعة، تستطيع العائلة المالكة أن تقيم العدالة، وتتخذ الموقف الأخلاقي الأعلى، وتسوي العواقب».
وتحت أنظار الجميع المذهولة، واصل مالوس بلا مبالاة سرد اقتراحه المرعب: «كان صاحب السمو جاهلًا ومحايدًا.
«ودويل لم يتهرب من المسؤولية وأدى دوره.
«وانتهت القصة».
وساد صمت بين الحراس.
«أموت…» وكان دويل ما زال متسمرًا ومصعوقًا.
ولم يستطع إلا فوغل أن يتغلب على الصدمة الأولى ويسأل عابسًا: «لكن إن كان الأمر كذلك، فإن عائلة دويل…»
«يموت الابن ميتة مجيدة في مبارزة نيابة عن أبيه وتُحفظ كرامة العائلة المالكة». وحدق مالوس في البارون العجوز الذي انهار كومة على الأرض: «أو يتهرب الأب بجبن من المسؤولية ويموت قتلًا، فيثير الفوضى في المملكة.
«ولهذه المسألة تبعات هائلة. وهم يعلمون ما يختارون».
ورأى تاليس دويل يرتجف قليلًا ويبدو محطمًا.
كأن دويل السابق قد اختفى.
«لا»، قال تاليس بلا وعي: «لا بد من طريقة أفضل…»
لكن في تلك اللحظة، لم يبدُ أن فوغل ولا مالوس انتبها إلى كلماته.
«لكن بعد ذلك»، وعقد فوغل ذراعيه، وبدا أنه يفكر في هذا الحل بجدية ويوازن مزاياه وعيوبه: «فإن تابعي النجوم اليشمية السبعة، وموقفهم من العائلة المالكة…»
ورفع دويل بصره ذاهلًا.
«له مزايا وعيوب، لكن هذه أمور فوق مستوى صلاحياتنا. ستكون لجلالة الملك واللوردات في المجلس الإمبراطوري ليبحثوها»، قال مالوس بهدوء، كما «اقترح» يوم عاد تاليس إلى مدينة الليل الأبدي أن يبقى تاليس في العربة: «في هذه الرقعة، بيراييل مجرد قطعة شطرنج، وتابعو النجوم اليشمية السبعة قطع شطرنج، وأنت وأنا مجرد قطع شطرنج أيضًا.
«لا نستطيع إلا أن نختار النقلة التي تسبب أدنى خسارة».
وغرق تاليس في التفكير.
قطع شطرنج.
قطع شطرنج من جديد.
قطعة شطرنج يتحكم بها الآخرون.
«هل يستحق الأمر؟» سأل تاليس بخفوت.
لكن مالوس كان لا يزال يتناقش مع فوغل ولم ينتبه إليه.
«إذن يا دويل من الطليعة، كم تريد أن تنقذ حياة أبيك، وتنقذ عائلتك، وتنقذ صاحب السمو من هذا المأزق؟» سأل فوغل دويل، الذي أُخرس، بلطف—وكانت هذه أول مرة يواجه فيها دويل مباشرة وينادي رتبته واسم عائلته: «أأنت مستعد للموت من أجل ذلك؟»
وارتجف دويل من جديد!
لكن فوغل ألح: «أأنت مستعد للموت؟»
ورفع دويل بصره. وكان تنفسه مضطربًا وبدا مذعورًا: «أنا، أنا…»
ولم يعلم أحد ما أراد أن يقوله.
«ذلك الرجل خفف وضعيته»، تكلم غلوفر فجأة: «يا سيدي، اسمح لي أن أدور حوله. أنا واثق أنني أستطيع قتله بضربة واحدة من الخلف…»
ونظر دويل إلى رفيقه، وعاد اللون إلى عينيه.
وقاطعهما مالوس بهدوء: «هذه هي الطريقة الوحيدة.
«أحدهم نصب لغز شطرنج لا حل له، ولا نستطيع إلا أن نتخذ الخيار الأكثر عقلانية وحدة»، ونظر الحارس إلى دويل الشارد: «ضحِّ ببيدق»، والتفت إلى تاليس المذهول: «لتنقذ الملك».
وحل صمت آخر بين الحراس.
وأغمض تاليس عينيه وفك قبضتيه.
ضحِّ ببيدق.
لتنقذ الملك.
من هو البيدق.
ومن هو الملك؟
لكن في القاعة، بدا أن أنكر قد ضاق ذرعًا بإلحاح الكونت غودوين وغيره، ولم يرد أن يطيل الأمر: «يا صاحب السمو—»
«أيستحق الأمر؟!» فتح تاليس عينيه فجأة وصاح ليقاطعه!
وأعاد دوق بحيرة النجوم، المتكلم بغضب، انتباه القاعة كلها إليه من جديد.
«أيستحق الأمر؟
وتقدم دوق بحيرة النجوم خطوة ونظر إلى من أفسد مأدبته بمشاعر مختلطة، وقال بصوت ممتلئ بالغضب والسخط: «أنكر بيراييل!
«من أمرك، هم ومؤامراتهم ودسائسهم، أيستحقون أن تكون قطعة شطرنج وتضحي بحياتك من أجلهم؟»
وذُهل أنكر لجزء من الثانية.
ولم يكن وحده، بل الحراس أيضًا.
وبعد بضع ثوانٍ، ضحك آخذ الرهينة.
«أمرني؟»
ورمى أنكر نظرة حادة إلى البارون العجوز البائس، ثم تابع ببرود: «أنت لا تصدقني، أليس كذلك؟
«حين تواجه وضعًا مشابهًا، تظن أنه مؤامرة سياسية، وتظن أن وراءه دافعًا خفيًّا». وسخر أنكر وأشار بسيفه القصير إلى الحشد من حوله، فأحدث جلبة طفيفة: «تمامًا كما يظن أغلب الأغبياء—الأغبياء المتكبرون اللامبالون باردي الدم الجهلة، الذين يتفاخرون بالأخلاق وهم في الحقيقة أنانيون ومنافقون—حين يلعبون دور المتفرجين الفضوليين».
وقطب تاليس جبينه.
««لماذا العناء، لا بد من طريقة أخرى» هذا ما يقولونه كلهم. ««لديه دوافع مريبة، يسعى للفت الانتباه» شيء آخر يقولونه. ««الأمر ليس بهذه البساطة. لا بد أنه مؤامرة» وهذا يقولونه أيضًا.
«تمامًا كما تفعل أنت الآن».
وتابع أنكر بقتامة: «أنت لا تصدق أن كل ما فعلتُه—أنا، شخص من لحم ودم—هو خياري الأخير والأشد يأسًا».
ولثانية قصيرة، أحس تاليس أنه فهم المعنى المخفي خلف عيني أنكر.
لكن هذا الإحساس اختفى في وميض، وعادت نظرة أنكر غريبة من جديد.
وصمت تاليس لحظة.
«فمن أين حصلتَ على سلاحك إذن؟»
وتكلم الأمير بجدية: «الحراسة في المأدبة صارمة. ولا يمكن أن تكون أدخلتَه بنفسك».
وراع هذا أنكر.
ونظر إلى السيف القصير في يده وسخر. ثم صارت نظرته باردة.
«لمن واجه الظلم وظهره إلى الحائط يا صاحب السمو»، نظر أنكر بيراييل إلى تاليس من جديد، ونبرته حزينة لكنها حازمة: «أسلحة المقاومة توجد في كل مكان.
«وهي في متناول يده».
وتجاهل زئير الكونت غودوين المجنون، ووضع نصله على عنق البارون مجددًا.
«يا صاحب السمو، اختر عني—القتل أم المبارزة؟»
وبلع تاليس ريقه.
وكان وجه دويل متوترًا. وكانت في نظرته الشاردة بؤرة جديدة عكست صراعه الداخلي.
ومن أحد الجانبين، كانت نظرة مالوس موجهة إلى تاليس.
لكنها كانت أفتك من أي نظرات أخرى في القاعة في تلك اللحظة.
ضحِّ ببيدق.
لتنقذ الملك؟
أنكر ودويل ومالوس—ثلاث نظرات تركزت عليه.
ولم يحس تاليس إلا بالجفاف.
لكن في الثانية التالية، شق صوت أنثوي حاد الجو.
«خيار هراء!
«بيراييل هراء!»
وفاجأ هذا الجميع. فالتفتوا ليجدوا السيدة دويل التي شقت طريقها من الحشد، تبدو مرتبكة لكنها شرسة.
وكانت تتنفس بارتجاف، ومكياجها الكثيف قد أفسدته الدموع منذ وقت طويل وثيابها الفاخرة مشعثة. ومع ذلك استطاعت أن تشير بإصبع إلى آخذ الرهينة وتقول بين أسنانها المطبقة: «أيها الصبي غير الناضج! ماذا تعرف غير اللعب بالسيوف والتجول في برج متعفن على بعد آلاف الأميال؟!
«أي حثالة كان أبوك—ألا تعرف حتى؟!»
وذُهل أنكر، وقطب جبينه فورًا.
وكمن ارتد من خوف شديد، كان وجه السيدة دويل قد تشوه.
«قبل أن أتزوج في عائلة دويل، كان زوجي السابق تاجرًا من مدينة نعيق الغراب. وأنا أعرف أكثر من أي أحد—أي قذر كان أبوك!
«بيراييل! هاه، ذلك ابن الكلب! كان فارسًا وغدًا من الدرجة الأولى في شبابه. طائش مغرور، حتى إنه استعمل الخداع في بطولة الفرسان!»
وكان وجه البارونة ممتلئًا بالازدراء والاشمئزاز.
«إنه يميل دائمًا إلى المبهرج الفخم، عنيد متسلط. قصير النظر لكنه طماع لا يشبع!
«ولولا الحظ الهراء الذي جعل أربعة من أبناء عمومته وأخوين من إخوته يموتون في العام الدامي، فأي حق كان له أن يصير بارون مدينة نعيق الغراب؟!»
ولم يتوقع أنكر هذا؛ ولم يعرف كيف يتصرف: «أنتِ…»
«بصفته إقطاعيًّا، كل ما عرفه أبوك هو ابتزاز الضرائب والجبايات، وفرض مطالب لا تنتهي على الناس! وتحت حكمه، مُددت مدد السخرة بسخرة إضافية وفُرضت رسوم فوق الضرائب في مدينة نعيق الغراب، ولم يكن متساهلًا يومًا في العقوبات والغرامات! ونتيجة لذلك تراجعت الصناعات وغضب الشعب وانتشر الفساد والرشوة!»
وشعر أنكر بالإهانة: «لا، هو…»
لكن البارونة كانت في ثورة عارمة بوضوح ولم تتح له فرصة الكلام: «وفضلًا عن ذلك، انظر كيف أنه غير نادم حتى حين وقع في ضائقة مالية. فقد أصر على الانخراط في أنشطة عسكرية عشوائية واقترض لحملته، لكنه بدّد أرواحًا لا تحصى… كل هذا ليجني ثروة من حملة صحراوية، ويكسب فضلًا، وينال وجاهة؟
«أليس هذا واضحًا بما يكفي؟»
وكانت السيدة دويل تلهث وشعرها في كل اتجاه.
لكن صوتها الحاد كان طلقًا. وحتى استطاع تاليس أن يسمع أثرًا من لهجة ريفية من الصحراء الغربية لا بد أنها كانت موجودة منذ شبابها وبقيت كعادة قديمة.
«في مدينة نعيق الغراب، من المسؤولين إلى الفلاحين، ومن التجار إلى الحرفيين، كان الجميع يكرهون أباك. يكرهونه من كل قلوبهم!
«وفي كل سنة وكل شهر، كان الذين أثقلتهم أحوالهم الصعبة يتجمعون في الجبال ويسلبون المارة. وهذا ورط المناطق المحيطة، من السكان المحليين إلى سكان نهر المرآة على الضفة الأخرى. وهكذا مات زوجي السابق!
«ناهيك عن المنفيين الذين لا يحصون يتركون أراضيهم غير المزروعة كل سنة ويتسللون عبر نهر المرآة إلى أراضٍ أخرى—ومنها أراضي عائلة دويل، فقط ليستطيعوا أن يحصلوا على وجبة تشبعهم وثياب جديدة!»
وفي القاعة، جذبت كلمات البارونة انتباه الجميع، وانتشرت الصدمة والثرثرة في الحشد.
«وبعد أن تزوجتُ ثانية، فإن أباك طلب بوقاحة من إقطاعيي المناطق حول نهر المرآة «رسوم تعويض» عن هؤلاء المنفيين! وكل ما استطاع البارون—زوجي الحالي—أن يفعله أن يدفع له ليشبع شهيته، وأحيانًا يهدئ المنفيين ويسمح لهم بالعودة للعمل في مزرعة لتجنب ازدياد اللصوص الجبليين الذين يورطون المناطق المحيطة. وهذا هو الهراء الذي سميته «استئجار أراضيهم»!»
وكان أنكر مصدومًا بقدر ما كان غاضبًا، فعجز عن الكلام لحظة.
«رهن الأرض في العقد؟ تبًّا لك. في هذا البلد كله، أي نبيل ذي نزاهة شخصية يرهن بلا تردد أرضه الإقطاعية الموروثة وشعبه من أجل المال؟ أتظن أن الدويل هم الوحيدون الذين اقترض منهم أبوك؟!
«سواء كانوا تجارًا أو نبلاء، فرسانًا أو مسؤولين، ما إن يحل أجل الدين حتى كان يختبئ خلف أنظمة النبلاء ويرفض الاعتراف بالديون، ويهدد بمقاضاة دائنيه بتهمة «الإضرار بنبيل ونقل الأرض سرًّا»—وهو أبرع منك بكثير في أساليب التنمر الدنيئة الخسيسة عديمة الحياء!»
وأمسك أنكر سيفه مرتجفًا. وشحب وجهه بينما تواصل همهمة الحشد.
وصاحت البارونة بسخط: «وفي مواجهة إقطاعي وغد كهذا، شعر تابعو عائلة بيراييل بالغربة لكنهم لم يجرؤوا على الكلام—فكم ظننتَ أن بارون نهر المرآة اضطر أن يكون قديسًا وكريمًا ليجعلهم يبكون ألمًا ويطلبون اللجوء عنده بيأس؟
«ولكي يهربوا من أبيك، ويبقوا أحياء، ومن أجل الجيل القادم، غيّر أهل مدينة نعيق الغراب تفكيرهم ووجدوا مخرجًا بتوحيد قواهم سرًّا لتجاوز الأوقات الصعبة. فما الخطأ في ذلك؟»
وتابعت البارونة بين أسنانها المطبقة، تحت نظرات الحشد المصعوقة: «ونحن آل دويل تصرفنا بسخاء. فبحكم الجوار والقرابة عبر الأجيال، أجّرنا أراضيهم غير المزروعة؛ وجمعنا ضريبة بمعدل معتاد؛ وهدّأناهم؛ ووظّفنا المنفيين ليعيشوا حياة طبيعية بدل أن يلجؤوا إلى اللصوصية؛ بل فتحنا الطرق وطردنا اللصوص لنحمي السلام في الإقليمين…
«نحن فقط نلنا بعض الربح والراحة من ذلك، فما الخطأ في هذا؟»
وفي قبضة أنكر، انفجر البارون العجوز بالبكاء. وكان وجهه منتفخًا وهو يومئ موافقًا، يبدو بريئًا.
وازدادت البارونة إصرارًا وهي تتابع ويداها على خصرها: «وتجاه أبيك الوغد، الذي لا يشبع وطموح لكنه عاجز، ولكي نمنعه من التصرف كالمسعور، أقرضناه بكرم أموالًا لمواجهة الطوارئ. وعددناها نفقة ضرورية لحفظ السلام. فما الخطأ في هذا؟
«ومع ذلك تنقلب وتحاول أن تجد فينا عيبًا؟ وتجرؤ على أن تتحدانا بمبارزة؟»
وواجه أنكر هذه الاتهامات بوجه غير مرتاح. وتسارع تنفسه.
«اللورد تالون»، التفت تاليس وهمس لفوغل: «هل تسمح لي أن ألقي نظرة سريعة على التقرير الذي جمعه حراس فرقة حملة الراية عن عائلة بيراييل؟»
وذُهل نائب القائد، ولم يتوقع بوضوح طلب الدوق.
لكنه تردد لحظة فقط. وتحت نظرة مالوس المتأملة، استدعى مرؤوسه وناول تاليس رزمة أوراق.
«أما الحقيقة في هذه المناطق، فأمثالك من الصبية الذين لا يكونون في بيتهم عشرة أشهر في السنة، سيدًا شابًّا يتكفل به أبوه المصاص للدماء في كل شيء…»
وبدت البارونة شرسة: «أتظن أنه بعد يومين من التدرب على السيف في الخارج، وبعد قراءة كتابين، وبعد مضاجعة بعض الفتيات الأجنبيات، صار لك حق في أن تصرخ علينا؟!»
«أنا، هذا…» تحركت شفتا أنكر لكنه عجز عن الرد.
حسنًا حسنًا. تصفح تاليس التقرير وهو يقر لنفسه سرًّا بأنه أخطأ.
ففي هذه القاعة، المرأة التي ما زالت قادرة على البقاء هادئة أمام الوتد الحديدي…
قد لا تكون اللادي إلينور وحدها.
لكن وهو يتصفح الأوراق، عقد تاليس حاجبيه.
هذا لا يصلح. ففي هذه الأوراق، لا يوجد إلا أصل عائلة بيراييل، ومدى قدمها، وشجرة نسبها، وحجم أرضها، وكم مرة انتقلت، وسائر أفراد عائلتها…
لا تفاصيل عن حكم الإقليم والنزاع بين العائلتين.
ولا دليل يدحضه.
«تقول إنك تريد أن ترث أرض أبيك وممتلكاته ولقبه؟»
وسخرت البارونة: «فلماذا لا ترث جرائم أبيك، وديونه المتراكمة، وآثامه، وأضراره التي خلفها، وأرواحه التي في ذمته، ودماءه التي سفكها تجاه تابعيه ورعاياه وجيرانه ومملكته وكل الناس أجمعين طوال هذه السنوات، تبًّا لك!
«أيها الصبي من عائلة بيراييل!»
وبعد أن انتهت البارونة من الصراخ، سقطت على الأرض غارقة في العرق، واضطر بضع وصيفات إلى إسنادها.
وعقد تاليس حاجبيه بشدة.
وساد الصمت القاعة كلها.
كأن الجميع صُعقوا من موجة تنفيس البارونة.
حتى دويل نفسه ذُهل وتجمد.
«دي دي، أهذا اسمك؟» ناده فوغل باسمه المختصر وهو ينظر إلى البارونة في القاعة بتعبير مختلط: «أبوك… تزوج زوجة صالحة».
وحدق دويل بلا تعبير في زوجة أبيه.
وبقي غلوفر بلا تعبير كالعادة، لكنه وضع يدًا على كتفه.
«تعلم»، وكان دويل شاردًا، كأنه يكلم نفسه: «حين قرر أبي أن يتزوج مرة أخرى…
«كان موقفي منها طوال هذه السنوات سيئًا».
ولم يقل مالوس شيئًا، بل تنهد فقط.
وكان تاليس كئيبًا كالعادة.
فقد علم أن هذه ليست النهاية.
وبعد بضع ثوانٍ، غمرت القاعة من جديد موجة من الثرثرة. وكان الجميع يناقشون بحماسة المعلومات الجديدة التي كشفتها البارونة.
والتفت أنكر بجهد فاكتشف أن نظرات الضيوف قد تغيرت.
فقد بدأوا ينظرون إليه هو أكثر.
إلى ابن عائلة بيراييل.
لا.
لا!
وإلى جانب الذعر، أحس بغضب من الإحراج.
اسمع أيها الصبي!»
وأعادت السيدة دويل أنفاسها، ولما رأت الضيوف يتهامسون، ازدادت ثقة واعتدادًا بنفسها.
ولم تكترث بمظهرها المشعث، وسخرت: «لا يهمني أي سلطة تنتمي إليها، أو أي تعليمات تتلقى، جعلتك تقرر إيذاء عائلتنا! وإيذاء سمعة صاحب السمو!»
وأشارت البارونة بإصبعها مباشرة إلى من يأخذ زوجها رهينة وزمجرت: «لكن أتمم ما جئت من أجله، إن كنت تجرؤ!»
وارتجف أنكر!
وبدلًا من ذلك، كان الرهينة، البارون دويل العجوز، هو من شحب وقال بذعر: «أم، يا عزيزتي…»
وخفضت البارونة المنطلقة نظرها وأمرته: «اخرس أنت!»
فارتجف البارون العجوز وأغلق فمه طاعةً.
وحدقت البارونة في أنكر المرتبك وقالت بين أسنانها المطبقة: «لكنني أقسم، أيها الصبي من عائلة بيراييل!
«أقسم بالغروب، وبالقمر المضيء، وبالليل المظلم، وبحاكم الصحراء، وبجدتي الكبرى، وبكل شيء!
«إن أصاب زوجي الليلة أدنى أذى!»
وبدت خبيثة: «فلبقية أيامي، سأبذل كل ما في وسعي لأعذب إخوتك وأصدقاءك وأقاربك بأشد الطرق إيلامًا وقسوة ورعبًا!
«وبحلول نهاية الأمر، سأجعلهم يبكون ويتوسلون إلي أن أنهيهم سريعًا!»
وعند هذه الكلمات، تغيرت تعابير الجميع!
بمن فيهم أنكر.
لكن البارونة لم تلاحظ ذلك. وتجاهلت البارون العجوز الذي كان يومئ لها بعينيه وذراعيه بقلق، وزمجرت: «سأنهي سلالتك!
«كما كان مصيرها الأول!»
وضجّ الحشد.
وقطب تاليس ومالوس وفوغل وسائر الحراس جباههم.
تبًّا.
«بالفعل، أنتم بارعون في الكذب والمخادعة».
وزالت الحيرة والاستياء من وجه أنكر وهو يستعيد هدوءه: «حسنًا، ما دام الأمر كذلك، فلنترك الآلهة تقرر مصيرنا!»
وشد قبضته غضبًا، فأجبر البارون العجوز على الصراخ: «لا لا لا—»
«هيا يا ابن دويل الجبان!»
وحدق أنكر في دويل على الطبقة الأعلى وزمجر: «انزل إلى هنا وقاتلني. فلننهِ هذا!
«كله!»
ورأت البارونة الوضع يتدهور أمام عينيها، فتسمرت في مكانها كأنها أدركت للتو شيئًا.
وقبض دويل على السلاح عند خصره، مصعوقًا وغاضبًا.
«لقد أفسدت الأمر»، قال فوغل بعد أن لاحظ المزاج العام من حوله ثم نظر إلى أنكر الغاضب الذي بدا مستعدًّا لخوض كل شيء، وتنهد: «أفسدت كل شيء».
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.