الفصل الرابع: تقدم الأبحاث
في الآونة الأخيرة، ألفتُ رؤية كليف واضعاً رقعة العين. صنعتها إيليناليز من أجله، وطرزت عليها الحرفين الأولين من اسمه، فبدت أنيقة عليه حقاً. حسناً، لعل «أنيقة» ليست الكلمة الأدق؛ إذ أضفت عليه مسحة من المهابة. قد يفتقر إلى طول القامة والبنية العضلية ليضاهي غيسلين، غير أن هيبتهما تتشابه إلى حد بعيد في نظري.
تمتم كليف: «بعد رحيل أرييل، حلّ بيننا ابن الأمير الأول، أليس كذلك؟ أستشعر المتاعب تلوح في الأفق منذ الآن.»
يبدو أنه التقى بالوافدين الثلاثة الجدد خلال حصة الإرشاد الصباحية، وأطلق تنهيدة وهو يتأمل ما يخبئه المستقبل.
قلتُ: «على عكس أرييل، أظن أن وضعه أقرب إلى الرهينة، لذا حاول أن ترفق به رجاءً. ما يزال صغيراً جداً، ولا يستحق أن يعلق في صراعات والده.»
«أجل، أظن ذلك. حسناً، سأحذرهم من محاولة التعرض لأختك الصغرى على الأقل.»
«شكراً لك.»
دلفنا إلى غرفة أبحاثه بينما نتبادل أطراف الحديث. لم تتواجد إيليناليز هناك لانشغالها برعاية طفلهما؛ فرغم إنجابها عدداً لا يحصى من الأطفال عبر القرون التي عاشتها، حظي طفلها من كليف بمكانة خاصة للغاية في قلبها، فأحاطت الصغير «كلايف» بعناية فائقة. وبما أنها باتت خبيرة متمرسة في تربية الأطفال، فأنا واثق من أنه سيشب رجلاً نبيلاً.
أخرج كليف ثلاثة صناديق خشبية من غرفته وخرج معي إلى الردهة: «حسناً، هل ننطلق؟» جاءت الصناديق مكعبة الشكل تماماً، بطول ثلاثين سنتيمتراً لكل ضلع. تناولتُ صندوقين منه؛ وثقُل وزنهما للغاية.
قال: «آسف لإجبارك على حملها.»
«لا، لا عليك إطلاقاً.»
غادرنا مبنى الأبحاث، وابتعدنا عن الحرم الجامعي برمته.
سألته: «كيف حال الصغير كلايف؟»
«إنه بأفضل حال، لكنه يبكي ليلاً ويستحوذ على جل اهتمامي. يذكرني بطفولتي.»
أومأتُ برأسي متذكراً: «صحيح، نشأتَ في دار للأيتام، أليس كذلك؟»
«أجل، تخلى الآباء عن كثير من الأطفال هناك. لكن لرعاية طفلك من صلبك شعوراً مختلفاً ومميزاً.»
«أتفق معك.»
وقعت وجهتنا في ضواحي المدينة، فاستقللنا عربة أمام المدرسة وتوجهنا شطر بوابات المدينة، وجلسنا جنباً إلى جنب نواصل الحديث طوال الطريق.
«أنت مثير للإعجاب حقاً يا معلم كليف؛ غدوتَ أباً بكل معنى الكلمة.»
«لستُ أباً مثالياً ولا شيئاً من هذا القبيل. يبدو لك أنني أبلي بلاءً حسناً لأن ليز موجودة وتتولى كل شيء فحسب.»
«أجل، لكن مقارنةً بك، لا أشارك في تربية أطفالي حتى مرة واحدة في الشهر.»
«تتخذ تربية الأبناء أشكالاً شتى. في حالتك، تساعدك زوجاتك والخادمات، بينما تؤدي أنت ما يقع على عاتقك؛ فلا داعي لأن تشعر بالسوء لعدم انخراطك أكثر من ذلك.» نطق كليف بتلك الكلمات والصندوق مستقر في حجره، وكأنه قرأ ما يؤرقني في قرارة نفسي، ثم أردف: «من وجهة نظري، أنت من يمر بالظروف الأصعب لعجزك عن التواجد معهم كل يوم ومشاهدتهم يكبرون.»
«سماع هذه الكلمات من الأب الموقر كليف نفسه يبعث في نفسي راحة كبيرة.»
«بالطبع، وإن شعرتَ يوماً بالحاجة إلى الاعتراف بخطاياك، فما عليك سوى المجيء إليّ… أمزح بالتأكيد.»
في مرحلة ما، اجتاز كليف الاختبار ليُعتمد قساً في كنيسة ميليس. يبدو أن الأمر غير رسمي بالكامل، لكنه منحه مكانة مرموقة أثناء عمله في الكنيسة؛ فالأبحاث لا تستغرق كل دقيقة من وقته على أي حال. تساءلتُ إن كان يفكر فيما سيحدث بعد عودته النهائية إلى موطنه. فبما أنني في سنتي السادسة، فهذا يعني أنه في سنته السابعة؛ وهي أقصى مدة يُسمح لأي طالب بقضائها في المدرسة، ما يعني تخرجه العام المقبل.
«معلم كليف، ماذا تنوي أن تفعل بعد تخرجك؟»
بعد صمت طويل، أجاب: «لا أدري. لم يرسل جدي في الوطن أي أخبار، لكنني أود العودة إلى الديار مرة واحدة على الأقل؛ أريد أن أزف إليه خبر زواجي وإنجابي لطفل الآن.»
«سيغدو المكان موحشاً من دونك.»
وفقاً لتوقعاتي، ستنذر عودة كليف إلى ميليس بمواجهة أخرى مع «الهيتوغامي»؛ وإن بقي ذلك مجرد استنتاج من جانبي بالطبع.
طمأنني كليف: «ما يزال ذلك اليوم بعيداً.»
«أجل، معك حق.»
وبينما نواصل حديثنا العابر، توقفت العربة عند البوابة الجنوبية لمدينة شيريا. دفعتُ بعض العملات المعدنية للسائق، وأكملنا بقية المسافة سيراً على الأقدام.
اتجهنا نحو الجنوب الشرقي فور عبورنا البوابة، وسرعان ما لاح لنا مكتب الشركة؛ مبنى ضخم على نحو مفاجئ يبرز بوضوح عند أطراف المدينة، ويحيط به سياج لإبعاد المتطفلين.
قال كليف: «أتعلم، أدركتُ ذلك في حينه أيضاً، لكنك كذبتَ عليّ فعلاً آنذاك.»
«نعم، حسناً، لم يبدُ أن أي كلام أقوله سيقنعك بتصديقي بشأن لعنته.»
«لستُ ألومك على ذلك؛ فلعنته طاغية القوة. حتى الآن… أعني، انظر إليّ، ساقاي ترتجفان.»
وصلنا أثناء حديثنا إلى واجهة المبنى، حيث كُتبت على الباب الأمامي عبارة: «يُمنع دخول الموظفين بعد هذه النقطة». أخرجتُ مفتاحاً من جيبي وفتحتُ الباب، ثم عبرنا قاعة استقبال غير مستخدمة أعددتها تحسباً لأي طارئ، قبل أن نتوغل إلى الداخل.
«أوه…»
ما إن دفعتُ الباب الداخلي حتى انكمش كليف وتراجع إلى الوراء، وقد تسمرت عيناه على أورستد الجالس خلف مكتب من الخشب الفاخر يدون شيئاً ما. وكالعادة، علت وجهه ملامح مرعبة.
«همم. إذن ها أنت ذا يا كليف غريمور.»
«نـ-نعم، هذا صحيح. إنه أنا.»
«لا بد أن المجيء إلى هنا يشق عليك في كل مرة.»
«مـ-ما الذي تلمح إليه…؟!»
لم يرمِ أورستد إلى أي شيء يتجاوز المعنى الحرفي لكلماته؛ أي المشقة التي يتكبدها كليف في مواجهة أورستد وجهاً لوجه هكذا نزولاً عند طلبي فحسب.
قلتُ: «سيد أورستد، لننجز هذا الأمر بسرعة. أحضرنا لك ثلاث خوذات اليوم.»
«حسناً جداً.»
وضعتُ أنا وكليف الصناديق الثلاثة فوق المكتب، فمد أورستد يده إلى أحدها وفتحه، مخرجاً خوذة تغطي الوجه بالكامل. ضمت الصناديق الأخرى خوذات مماثلة بألوان مختلفة انقسمت بين الأسود، والبني، والرمادي.
«جربها من فضلك.»
نفذ أورستد اقتراحنا بصمت، وحشر رأسه داخل الخوذة. بدا منظره مريباً للغاية بارتدائه خوذة وحدها دون درع؛ بل وجدتُ هيئته هذه أكثر رعباً من المعتاد.
«حسناً يا معلم كليف، كيف يبدو الوضع؟»
«… ليس جيداً. بل ازداد سوءاً في الواقع.»
«حسناً، لنجرب التالية.»
جرب أورستد الخوذات الثلاث بالترتيب، وفي كل مرة نراقب رد فعل كليف لنتحقق من مدى فعاليتها. وفور انتهائنا من تجربتها جميعاً، أبدى كليف رأيه:
«الثالثة هي الأفضل. حاولتُ تطبيق “طريقة فلاك” على الخوذة الأولى لتحويل مسار المانا الخاصة به، لكن المحاولة أتت بنتيجة عكسية تماماً؛ مما يرجح بشدة أن المانا الخاصة بك تحمل اللعنة في ذاتها.»
سألته بذهول: «المانا الخاصة به ملعونة في حد ذاتها؟»
أجاب كليف: «نعم. في اللحظة التي تدخل فيها مانا أورستد — أعني، السيد أورستد — في مجال رؤية شخص ما، تتفعل اللعنة فوراً. هكذا يبدو لي الأمر.»
«إذن، لعل بإمكاننا إيجاد غطاء يكسو جسده ويمنع تسرب أي جزء من المانا الخاصة به؟»
«بالتأكيد، لو حبسته داخل صندوق مصمت بلا أي فتحات إطلاقاً، فلن تتفعل لعنته على الأرجح، لكن هذا لا يحل المشكلة فعلياً.»
«وجهة نظر منطقية.»
عكفنا أنا وهو على دراسة لعنة أورستد؛ وطوال العام الماضي، أجرينا تجاربنا بالاعتماد على الأبحاث التي أنجزها كليف سابقاً حول لعنة إيليناليز كقاعدة أساسية، فتمكنا من تحديد رأسه بوصفه المصدر الرئيسي للعنة. ومن هذا المنطلق، طور كليف أدوات سحرية على هيئة خوذات، ليرتديها أورستد ويبدي كليف ملاحظاته عليها؛ وهكذا اختبرنا كفاءة تلك الأدوات.
أثمرت تجاربنا بعض النتائج الملموسة؛ فبمجرد ارتداء أورستد لأحدث نسخة من خوذة كليف، نجحنا في تخفيف وطأة اللعنة، وإن بدرجة طفيفة. لو تجول بهذا الشيء في شوارع المدينة، فسيظل يبكي الأطفال، ويفزع الكلاب الضالة، ويجعل الخيول تفر مذعورة فتقلب العربات خلفها. ومع ذلك، كفى هذا التقدم لتليين موقف سيلفي وإيريس تجاهه؛ فبعدما أبغضتاه في السابق بشراسة وكأنه قتل والديهما بيديه، تضاءل ذلك النفور الآن إلى مستوى الامتعاض الذي يكنه المرء لرئيس عمل بغيض في أقصى تقدير. لم نبلغ الكمال بعد، لكن ذلك كفى لإقناعهما بأنه يعاني لعنة حقيقية، وأن سبب عملي تحت إمرته هو عدم تأثري بها إطلاقاً.
وخلال مسار أبحاثه، أدرك كليف أخيراً طبيعة لعنة أورستد وسبب كذبي عليه وعلى زانوبا في الماضي؛ وهو ما شكل خطوة مهمة إلى الأمام. بقيت مشاعره تجاه أورستد معقدة، غير أنه بات يتأقلم مع الوضع في هذه المرحلة.
ما يزال الطريق أمامنا طويلاً؛ ففي الوقت الراهن، يناهز حجم الخوذة ضعف حجم رأس أورستد الحقيقي، وتفتقر إلى أي منافذ للتهوية، ما يحتم على مرتديها حبس أنفاسه، فضلاً عن انعدام الرؤية والسمع والقدرة على الكلام تماماً؛ ومن البديهي أن أورستد لا يستطيع ارتداءها لوقت طويل. نعم، ما يزال المشوار طويلاً بحق.
وفي المقابل، أثبت كليف عبقريته الفذة بتمكنه من تطوير هذا النموذج في غضون عام واحد فحسب. وبالوتيرة التي تمضي بها أبحاثه، سيتمكن أورستد قريباً من التجول في أرجاء المدينة ملوحاً للمارة بيده.
أبدى كليف سعادته بهذا الترتيب أيضاً؛ فدراسة لعنة شخص آخر تزوده ببيانات إضافية يستفيد منها في صناعة أداة سحرية تحرر إيليناليز من لعنتها، وإن كان من المؤسف أنه سيعود إلى ذلك البحث بمجرد استقرار الأمور وتخفف إيليناليز من أعباء رعاية طفلهما المستمرة. ومع ذلك، لا أرى بأساً في ترك لعنتها على حالها في الوقت الراهن؛ فبهذه الطريقة يسعهما الانتقال مباشرة إلى إنجاب طفلهما الثاني.
قال كليف: «حسناً، سنعود بعد شهر.»
«حسناً جداً. أنت تبذل قصارى جهدك من أجلي حقاً يا كليف غريمور؛ لم يخطر ببالي قط أنك تملك موهبة بهذا الحجم.»
«هاه؟! أوه… صـ-صحيح، أجل. فأنا عبقري بعد كل شيء، أليس كذلك؟»
أذهلت نتائج أبحاث كليف أورستد نفسه؛ فخلال الحلقات الزمنية العديدة التي خاضها، حاول مراراً إيجاد حل للعنته، لكنه استسلم تقريباً بعد سنوات من التجارب غير المجدية. لعل آخرين غير كليف بحثوا في اللعنات وحققوا بعض التقدم خلال المئتي عام التي كررها بلا انقطاع، لكن أحداً منهم لم يكن ليتحالف مع أورستد.
المهم أننا حققنا نتائج فعلية؛ وفي المرة القادمة التي يدخل فيها أورستد حلقة زمنية جديدة، سيعرف كيف يقنع كليف بدراسة لعنته. وعلى ذكر هذا الموضوع، أتساءل إن كنتُ سأتواجد في تلك الحلقة؟ فقد ذكر أنني لم أكن موجوداً في الحلقات السابقة التي عاشها.
«روديوس.»
ناداني أورستد بينما استغرقتُ في أفكاري. كان كليف قد غادر المكتب بحلول تلك اللحظة، متلهفاً للابتعاد عن أورستد بأقصى سرعة ممكنة بتأثير اللعنة على الأرجح؛ فمهما أقنع عقله بأنها مجرد لعنة تثير فيه تلك المشاعر، ظل جسده مقتنعاً تماماً بأن أورستد عدو خطر، تماماً كما يدرك البشر أن الصراصير عاجزة عن قتلهم، لكنهم يرتعدون ذعراً بمجرد لمح واحد منها.
«… أنا ممتن لهذا.»
رسم شكره ابتسامة عريضة ملأت وجهي. أوه، أيها المدير التنفيذي، أنت تعرف حقاً كيف تدغدغ مشاعر مرؤوسيك. ياي! علينا بالتأكيد الخروج معاً للتجول والفرجة على واجهات المتاجر فور اكتمال خوذته المضادة للعنة. موعد في المدينة برفقة أورستد… بدلاً من ذئب في ثياب حمل، سأرى كيف يبدو الحال حين أكون حملاً وديعاً واهناً يستعير جلد الذئب لترهيب الجميع.
قلتُ: «لا داعي لشكري. فالاستمرار في هذا العمل وسط معارضة عائلتي بأسرها يرهقني عاطفياً، كما أن قدرتك على التجول بحرية ستثير غيظ الهيتوغامي أكثر؛ لذا أنا أفعل هذا لمصلحتي الشخصية لا غير.»
«كما تقول.»
حين يُشفى مديرنا التنفيذي من علته أخيراً، ستنهض شركة أورستد لتغدو مؤسسة عالمية الطراز. حاملاً هذه الفكرة في ذهني، غادرتُ المكتب.
بعد افتراقي عن أورستد، التففتُ حول الجزء الخلفي من المبنى ودلفتُ إلى مخزن الأسلحة، حيث أخرجتُ درعي السحري المصغر؛ بدلة سوداء بالكامل تتألف من ثلاثة أجزاء: الذراعين، والساقين، والجذع. تبدو القطع خفيفة الوزن للعيان، غير أن تشكيلي لها بسحر الأرض جعلها بالغة الثقل. ارتديتها ودفقتُ فيها المانا الخاصة بي، فغدت الحركة بها أيسر بكثير.
قلتُ عند خروجي: «عذراً على التأخير يا معلم كليف.»
«لا بأس، هل ننطلق؟»
عدنا معاً إلى الجامعة، وحلّ زانوبا تالياً في قائمة زياراتي. يمثل التنقل ذهاباً وإياباً إلى المكتب إزعاجاً بسيطاً، لكن لا خيار أمامنا؛ فدخول أورستد إلى الحرم الجامعي بنفسه سيثير فوضى عارمة.
سألتُ كليف: «ماذا ستفعل بشأن الغداء؟»
«سؤال وجيه. سأعود إلى غرفة أبحاثي لأضع هذه الأغراض هناك، ثم أتوجه إلى قاعة الطعام. سأترك لك مهمة إحضار زانوبا، لنتناول الغداء معاً بعد ذلك.»
«تبدو خطة ممتازة.»
انصرف كليف لإعادة الخوذات، بينما قصدتُ غرفة أبحاث زانوبا كما اتفقنا. توقفتُ ما إن مددتُ يدي نحو مقبض بابه؛ ففي الماضي، دفعتُ ثمن فتح الباب بتهور حين أُجبرتُ على مشاهدة انحرافات زانوبا، في موقف محرج لكلينا. ولكوني رجلاً يتعظ من أخطائه السابقة، حرصتُ هذه المرة على طرق الباب قبل الدخول.
ناديتُ بصوت مرتفع: «طق، طق… هل يوجد أحد بالداخل؟»
أجاب زانوبا على الفور: «أوه! يا معلمي! يا له من توقيت معجز! تفضل بالدخول أرجوك!»
دفعتُ الباب بعد أخذ إذنه، فطالعني بالداخل رجل في الثلاثين من عمره يبدو كمهووس غريب الأطوار و… فتاة عارية في العاشرة من عمرها.
اعتصر الألم ملامح الفتاة وهي تقبض على بطنها، والدماء تسيل بين ساقيها.
يا إلهي، هذا مسرح جريمة.
«زانوبا… كيف طاوعك قلبك… أمددتَ يدك على جولي؟»
توسل زانوبا بيأس: «ليس هذا وقت المزاح يا معلمي! أرجوك، استخدم سحر الشفاء على جولي؛ فالنزيف لا يتوقف!»
أوقع حادث ما أو شيء من هذا القبيل؟
رمقتني جولي بعينين دامعتين زائغتين: «يا معلم معلمي… بطني يؤلمني بشدة، أرجوك ساعدني…»
لستُ طبيباً، غير أنني فحصتها استجابةً لتوسلاتهما. لم تظهر أي إصابات خارجية على جسدها، مما يعني أن النزيف داخلي لا محالة. تدفقت الدماء من بين فخذيها، وفاحت رائحة نفاذة تكاد تثير الغثيان. كنتُ مستعداً للمراهنة… بل لا مجال للشك في الأمر.
قلتُ: «إنها دورتها الشهرية على الأرجح، أليس كذلك؟ الأفضل أن تستدعي الآنسة جينجر.»
ضحك زانوبا في سره: «عفواً؟ أوه، فهمتُ الآن! نعم، عند التفكير في الأمر، جولي أنثى بعد كل شيء. لا بد أن عقلي خذلني فلم يخطر ببالي هذا الاحتمال قط!»
نظرت إليه جولي بقلق: «سيدي؟»
أتمت جولي عامها التاسع بالفعل، أم أنها بلغت العاشرة الآن؟ على أية حال، يبدو الوقت مبكراً جداً لبدء دورتها الشهرية، فلعل هذا هو المعتاد لدى الأقزام؟ أم أن التجار أخطأوا في تقدير عمرها الحقيقي حين اشتريناها؟ حسناً، لا يهم ذلك كثيراً.
قال زانوبا: «آه، لكن قبل القلق حيال ذلك، علينا تناول الغداء. جولي، يمكنكِ الاستراحة اليوم؛ فهل ستكونين بخير بمفردكِ مستلقيةً هنا حتى تعود جينجر؟»
بعد صمت طويل، تمتمت: «أنا خائفة. سيدي، أريدك أن تبقى معي.»
«همم…»
أوه، ما هذا الذي أسمعه يا زانزان؟ يبدو أنك تحظى بشعبية كبيرة، أليس كذلك؟ يا لك من مشاكس خطير.
هززتُ كتفيّ وقلت: «حسناً، لا بأس في ذلك أيضاً. سأذهب لشراء بعض الطعام لنا ونتناوله هنا.»
إذن غدت جولي امرأة بالفعل، هاه؟ خططتُ للانتظار حتى تبلغ سن الرشد لنشرع في خطتنا، لكنني لاحظتُ مؤخراً توقف مخزونها الإجمالي من المانا عن النمو؛ فلعل الوقت قد حان للبدء.
غادرتُ الغرفة، والتقيتُ بكليف لبرهة وجيزة، ثم اشتريتُ بعض الطعام وعدتُ إلى غرفة أبحاث زانوبا في غضون ساعة تقريباً. تحلقنا نحن الثلاثة نمضغ طعامنا، بينما بقيت جينجر بالجوار تعتني بجولي، وقد غدت في هذه المرحلة أقرب إلى خادمة منها إلى فارسة.
فكرنا في الانتقال إلى غرفة أخرى لمنح جولي بعض الخصوصية، غير أنها أصرت على بقائنا بقربها لشعورها بالخوف، فاستقر رأينا على البقاء لتهدئة روعها.
سأل زانوبا: «معلمي، كيف هو أداء الدرع السحري؟»
«ليس سيئاً؛ صددتُ به هجوم وحش مؤخراً، وإن كنتُ ما أزال أشعر بأن أداءه غير موثوق تماماً. قد يفي بالغرض أمام الوحوش، لكن من الصعب مقارعة سياف متمرس بهذا الدرع.»
«صحيح؛ فأنت تضحي بقوة الدفاع، وسرعة الحركة، وخاصية التجدد الذاتي للدرع في سبيل تقليص حجمه.»
أومأتُ برأسي: «لكن لبلوغ كفاءة النموذج الأولي نفسها، سيتعين علينا تضخيم حجمه مجدداً.»
صنعنا عدة نسخ مختلفة من درعي السحري خلال الأشهر الستة الماضية. في البداية، فكرنا في استنساخ كافة وظائف الدرع الأصلي في هيكل مضغوط، غير أن المحاولة لم تكلل بالنجاح، ولم يكن ذلك مفاجئاً؛ فالدرع الأول اعتمد على أرقى التقنيات المتاحة لدينا، بما في ذلك تقنيات غامضة أطلعنا عليها «الهيتوغامي». عنت محاولة محاكاة الأصل عجزنا عن تقليص حجم البدلة كثيراً؛ نعم، تمكنا من صناعة نموذج أصغر قليلاً من الأول، لكن على حساب الكفاءة والوظائف، ما أفقد الأمر جدواه.
ومن هناك، واصلنا التجربة والخطأ، مما قادنا إلى إلغاء الدائرة السحرية المرسومة على قطعة الجذع، وحصر الدوائر السحرية في قطع الذراعين والساقين، مع تصميمها بحيث تمتد حتى الكتفين لقطع الذراعين وحتى أصل الفخذ لقطع الساقين. وبفضل ذلك، نجحنا في تقليص الحجم واستهلاك المانا اللازم لتشغيله (وإن وجب التنويه إلى أنه ما يزال يلتهم قدراً هائلاً من المانا يجعلني الوحيد القادر على ارتدائه فعلياً).
وهكذا ابتكرنا «النسخة الثانية» المقتصرة على الذراعين والساقين، غير أنها اضطرتنا إلى وضع سقف محدد لطاقتها؛ فلأن المانا لا تسري عبر قطعة الصدر، ستتمزق قطع الأطراف وتنفصل إن أطلقتُ قوتي السحرية بأقصى طاقتها لعدم ارتكازها على دعامة تثبتها.
وبدا من المؤسف امتلاك البدلة لمواصفات عالية مع عجزها عن توليد قوة تتجاوز مستوى سياف متقدم؛ لذا قررنا إضافة قطعة جذع جديدة مزودة بدوائر سحرية تكميلية تمنع تمزق الذراعين والساقين. أفضى ذلك إلى التجسيد الحالي للدرع: «النسخة الثانية المحسنة»، والتي تضاهي قوتها سيافاً من رتبة القديس.
كنتُ أطمح في الوضع المثالي إلى قوة تفوق ذلك، لكننا ما نزال بعيدين عن هذه الغاية؛ فالكمال يظل بعيد المنال دائماً، ولا تسير الأمور في هذا العالم وفق هوى المرء أبداً.
قلتُ: «حسناً، لا خيار أمامنا سوى مواصلة استخدام هذا النموذج وتطويره خطوة بخطوة.»
أومأ كليف موافقاً: «أتفق معك.»
وفي نهاية المطاف، رغبتُ في صناعة بدلة يستطيع هو أيضاً ارتداءها.
سأل زانوبا: «وعلى ذكر ذلك يا معلمي، ماذا عن المدفع الرشاش؟ كيف وجدتَ أداءه؟»
«ذلك السلاح فتاك أكثر من اللازم، لذا أظن أن مجالات استخدامه ستبقى محدودة نوعاً ما.»
أعملتُ فكري كثيراً في تطوير أسلحتي أيضاً؛ فطلبتُ من أحد معارف روكسي صناعة مدفع رشاش لي، وبناءً على نصيحة أورستد، بسطتُ التصميم وعدلتُ الأداة لتطلق قرابة عشر قذائف حجرية في اللحظة ذاتها تقريباً. بدت أشبه بتعويذة «الومضات الخمس» من لعبة دراغون كويست… غير أنها لا تضاهيها روعة، بل تعمل كبندقية الصيد المتشظية (الشوت-غن).
مثل هذا السلاح أحد تدابيري المضادة لأسلوب «إله الماء»؛ فوفقاً لأورستد، يرتكز أسلوب إله الماء على اعتراض سحر الخصم وحرفه، وبما أن بندقيتي المتشظية تطلق الرصاصات كلها في آن واحد تقريباً وبأقل فاصل زمني ممكن، فقد أثبتت فعالية عالية. لن تجدي هذه الحيلة نفعاً أمام خصم من رتبة الملك فما فوق، لكنها تظل سلاحاً صغيراً مفيداً في ما عدا ذلك، لولا طولها المفرط وصعوبة المناورة بها.
جربتُ شتى الابتكارات، غير أن أياً منها لم يمنحني تلك القفزة الهائلة في القوة التي أنشدها. واصلتُ تكريس وقتي للتدريب البدني وممارسة السحر، لكن انشغالي بعملي جعلني أغيب عن المنزل كثيراً، فصعُب عليّ إيجاد وقت إضافي للتدريب، ولم يبقَ أمامي سوى عصر ذهني للخروج بأفكار أفضل. لم أواجه في الآونة الأخيرة سوى خصوم ضعاف، لكن لا أحد يدري متى يظهر العدو القوي التالي؛ ولا يهمني إن كانت الضربة التي سأبتكرها خدعة لمرة واحدة تفقد قيمتها بعد انكشافها، بل كل ما أحتاجه هو هجوم كاسح يقضي على الخصم بضربة قاضية واحدة.
سألتُ: «وبالمناسبة يا زانوبا، كيف تسير أبحاث الدمى الآلية؟»
«آه، أوقفتُ ذلك البحث مؤقتاً؛ فمن جهة وصلتُ إلى طريق مسدود، ومن جهة أخرى أمنح الأولوية القصوى للأبحاث التي تضمن بقاءك على قيد الحياة يا معلمي.»
«أوه… حسناً، أنا آسف لذلك.»
طرق زانوبا درعي بقبضته بخفة وقال ضاحكاً: «هاهاها! أنا أستمتع بعملية صناعة هذا الدرع السحري أيضاً، فلا داعي للاعتذار إطلاقاً؛ بل أنا من يتوجب عليه شكرك.»
يا له من رجل نبيل.
«أوه نعم يا زانوبا — بما أن جولي غدت امرأة الآن، أظن أن الوقت قد حان للبدء بخطتنا لبيع تلك الكتب المصورة والمجسمات. أتراك مستعداً لذلك؟»
«هممم…»
شكلت الكتب المصورة والمجسمات حجر الزاوية في خطتي لتحسين سمعة قبيلة السوبارد، وقد شارف الشق الأول منها على الاكتمال بالفعل. فمن دون علمي، اشترى زانوبا الأصباغ اللازمة وأنتج مجسماً ملوناً بالكامل؛ ورغم ملاحظاتي الطفيفة عليه — كافتقار لون الشعر إلى التشبع الكافي، وطغيان اللون القشدي على الرمح، وسطوع لون البشرة أكثر من اللازم — إلا أنها تفاصيل غير جوهرية.
كنتُ قد تركتُ النموذج الأولي فوق رف عند رأس سريري، فاستيقظت روكسي ذات صباح وأطلقت صرخة مدوية رعباً فور رؤيته؛ وما إن سمعت نورن بالأمر حتى استولت عليه وأخذته إلى غرفتها الخاصة، مما أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الناس سيميزون المجسم فوراً بوصفه فرداً من السوبارد.
خرج الكتاب المصور بصورة ممتازة أيضاً؛ إذ ألفت نورن النص، بينما تولى زانوبا مهمة الرسم. لم يتمتع أي منهما بموهبة فنية خارقة، غير أن عملهما اتسم بطابع فريد ولمسة دافئة يألفها الأطفال غالباً. كما أدرجنا جدولاً لتعلم قراءة الحروف في نهاية الكتاب ليصلح ككتاب تعليمي أيضاً؛ لظني أن الناس سيترددون في التخلص منه إن انطوى على فائدة عملية كهذه.
والآن، لم يبقَ أمامنا سوى صناعة قوالب الطباعة لإنتاجه بكميات تجارية، ثم تلوينه يدوياً. يفتقر عملنا إلى دقة المطابع الحديثة ومعاييرها الموحدة، لكنه يظل ممتازاً بالنظر إلى أن معظم الكتب في هذا العالم تُصنع يدوياً على أي حال. وقد دأبتُ بالفعل على اصطحاب كتاب ومجسم معي كلما خرجتُ في مهمة لإنقاذ الناس، فلا أفوت فرصة للتبشير بدعوتنا؛ غير أننا نحتاج الآن إلى نهج أكثر تنظيماً.
عقد زانوبا حاجبيه وقال: «سيكون ذلك عسيراً بعض الشيء.»
خمنتُ قائلاً: «أبسبب التكلفة؟»
«كلا، فلدينا تمويل وافر، كما تقدم الأميرة أرييل دعماً مالياً إضافياً. وتلقيتُ أنباءً تفيد بتأسيسها لورشتنا في مملكة أسورا أيضاً، فلا مشكلة لدينا في جانب الإنتاج إطلاقاً. تكمن المعضلة في المبيعات ذاتها؛ إذ لا تربطنا أي علاقات بالتجار.»
«آه، تلك النقطة…»
فعلاً، لم أفكر قط فيمن سيتولى بيعها وتوزيعها. راودتني سابقاً فكرة افتتاح متجري الخاص لأباشر الأمر بنفسي، لكن ظروفي الحالية تحول دون ذلك؛ لذا نحتاج إلى بائع يروج لبضائعنا بالنيابة عنا، ولا يحضرني في دائرة معارفي من يتمتع بالفطنة التجارية اللازمة.
تمتمتُ: «أترانا نطلب من أرييل تعريفنا بأحد التجار؟»
قال زانوبا: «تبدو سموها مشغولة للغاية في الآونة الأخيرة مع اقتراب مراسم تتويجها، ولا أرى من الحكمة إزعاجها بينما تنوء بكل تلك المسؤوليات.»
«معك حق، كما أن مراكمة مزيد من الديون والجميل لها لن يصب في مصلحتنا.»
الأفضل إرجاء الخطة في الوقت الراهن إذن. حسناً، لسنا في عجلة من أمرنا على أي حال، ويسعنا الانتظار حتى تبلغ جولي سن الرشد القانوني، أي بعد خمس سنوات أخرى…
أوه، خطرت لي فكرة.
«زانوبا، أتظن أنه بالإمكان تعليم جولي أصول التجارة خلال السنوات الخمس القادمة؟»
«ربما، نعم. غير أنني أرى نفعها كحرفية وصانعة أكبر بكثير؛ فإن أردنا شخصاً يدير تجارتنا، فالأجدر بنا شراء عبد آخر يتولى هذه المهمة.»
عبد آخر، هاه؟ حبذا لو عثرنا على شخص يملك شغفاً مسبقاً بالتجارة، ويجيد القراءة والكتابة والحساب، ويحظى بشهرة طيبة، وسيكون رائعاً لو تميز بالقبول لدى الناس والمهارة في التسويق.
لحظة، توجد عبدة تنطبق عليها هذه المواصفات بحذافيرها…
كلا. لا، في الواقع، لا أعرف أي شخص ينطبق عليه هذا الوصف! فيستحيل أن أأتمن على تجارتي قطة بلهاء خُدعت وانتهى بها المطاف عبدة؛ والأفضل شراء شخص جديد تماماً لهذه الوظيفة.
قلتُ أخيراً: «همم… أظن أن علينا حسم كافة تفاصيل خطتنا قبل الشروع في تنفيذ أي شيء.»
«أتفق معك.»
بالفعل، عليّ التخطيط لهذا المشروع بعناية فائقة؛ فالتسرع لا يقود إلا إلى الفشل. لقد تريثتُ طويلاً حتى بلغتُ هذه المرحلة، فلا ضير في قضاء عقد آخر من الزمن لترتيب كل شيء على أكمل وجه.
«حسناً، لنترك هذا الموضوع لوقت آخر إذن. هل نعمل على تطوير الدرع السحري بدلاً من ذلك؟»
«نعم يا معلمي. في الواقع، تبلورت لدي رؤية واضحة للنسخة القادمة من درعك بالفعل.»
بعد انتهائنا من الطعام، واصلنا اجتماعنا البحثي لبعض الوقت قبل أن نفترق، ومضى أداء درعي السحري في التحسن ببطء وثبات.
مالت الشمس نحو المغيب حين مررتُ بغرفة المعلمين لإلقاء التحية على نائب المدير «جينيوس». وجدتُ روكسي منهمكة في عملها هناك فحومتُ خلفها، لكنها ضاقت ذرعاً بي وطردتني إلى الرواق. وبينما أقف هناك مطأطئ الرأس بإحباط، مرت بي نورن بعد إعادتها مفتاح غرفة مجلس الطلبة، فقررنا العودة إلى المنزل معاً، نحن الثلاثة، لأول مرة منذ زمن طويل.
سألت روكسي: «نورن، أواجهتِ أي صعوبة في استيعاب درس اليوم؟»
«لا، لم أواجه أي مشكلة يا آنسة روكسي؛ فدروسكِ واضحة وسلسة كالعادة.»
تبادلت روكسي ونورن أطراف الحديث بود ولطف إلى جواري؛ فقد تقربتا من بعضهما كثيراً دون أن أشعر، وتلاشى ذلك الحرج الذي خيم على علاقتهما في السابق.
قالت روكسي: «أحرص دائماً على تبسيط الشرح ليسهل هضمه، لكن أرجوكِ أخبريني إن استغلق عليكِ فهم أي نقطة.»
«إن حدث ذلك، آمل أن تخصصي لي بعض الوقت لتدريسي بصفة شخصية.»
«هيهي، أتقاضى أجراً باهظاً مقابل الدروس الخصوصية كما تعلمين.»
أدفأت محادثتهما الحيوية قلبي طوال طريق العودة إلى المنزل.
ناديتُ فور رؤيتي لليليا وزينيث في الحديقة تتأملان الغروب معاً: «لقد عدنا!»
ردت ليليا: «أهلاً بعودتكم جميعاً.»
التزمت زينيث الصمت؛ فلم يطرأ على حالتها تغير يذكر حتى هذه المرحلة، وبدت مستقرة في المجمل، خيراً كان ذلك أم شراً. تساءلتُ إن كانت ذكرياتها قد ضاعت إلى الأبد حقاً؛ إذ لم أتوصل إلى أي وسيلة لمساعدتها، وشغلتني المهام الأخرى عن التفرغ للبحث في حالتها بجدية، كما جربت ليليا وسيلفي مؤخراً بعض الطرق الخاصة بهما دون جدوى.
أعلنتُ مجدداً فور دخولنا المنزل: «لقد عدنا!»
خرجت سيلفي من الداخل مرتديةً مئزر المطبخ، وخلفها لوسي تتعثر في خطواتها: «أهلاً بعودتكم، رودي، روكسي… أوه، ونورن أيضاً.»
وما إن لمحت لوسي نورن حتى هرولت نحوها لتعانقها: «نورني! أهلاً بعودتكِ!»
«لوسي! سعيدة بعودتي!» اعتادت نورن على هذا الاستقبال الحار، فحملت الطفلة الصغيرة بين ذراعيها وربتت على رأسها. تجلى حب لوسي الشديد لشقيقتي في الابتسامة المشرقة المرتسمة على محياها؛ غير أنها ما إن التقت عيناها بعينيّ حتى توارت في ظل نورن.
آه، لا داعي لإظهار كل هذا النفور مني حقاً.
سألت سيلفي: «نورن، أكان من المقرر مبيتكِ معنا اليوم؟»
«لا، لكنني سمعتُ بمجيء الآنسة لينيا للإقامة هنا، فقررتُ المرور لإلقاء نظرة.»
أومأت سيلفي برأسها متفهمة: «آه، ذلك الموضوع… أحاطت بالأمر ظروف معقدة قليلاً، وقد أنقذها رودي في الأساس»، ثم أتبعت كلامها بتنهيدة خافتة.
ماذا؟ ما سر هذه التنهيدة؟
سألت نورن: «أينوي إضافة أخرى إلى حريمه؟»
قالت سيلفي: «همم، لستُ متأكدة من ذلك. فرغم طباعها الجامحة، تبدو لينيا معجبة برودي حقاً، فضلاً عن كونها مغرية للغاية…»
تحدثتا وكأنني أوشك على مد يدي إلى لينيا. لا أنكر جاذبيتها وقوامها المثير، ولو سألتني عن رغبتي في مطاردتها ومصارعتها فوق الفراش في جوف الليل، لكنتُ كاذباً إن أنكرت؛ غير أن هذا شأن آخر تماماً، فأنا رجل تحكمه العقلانية في نهاية المطاف، ولا أنقاد خلف غرائزي الجسدية بالكامل.
أمالت نورن رأسها متسائلة: «وماذا قالت الآنسة إيريس عن كل هذا؟ ألم تعترض؟»
«أعلنت ملكيتها للينيا وترفض تسليمها لرودي.»
«آه، هكذا إذن…»
بالمناسبة، أين إيريس؟ طرحتُ السؤال فور خطوره ببالي: «سيلفي، أين إيريس؟»
«خرجت في نزهة مع ليو. أكرر على مسامعها دائماً أنها حامل وعليها الخلود إلى الراحة، لكنها لا تصغي إليّ؛ وفي كل ظهيرة أنظر إلى الفناء فأجدها تتدرب بسيفها من جديد. أتفهم تجاوزها المرحلة الحرجة من الحمل، لكن ماذا ستفعل لو تسببت في إجهاض نفسها؟»
بقيت إيريس على عهدها دون تغيير؛ وتمنيتُ لو أنها تقلل من القفز والوثب فحسب. لا شك في صلابتها وقوتها، غير أن الجنين في أحشائها ليس كذلك، ما يثير قلقي حول قدرتها على إتمام حملها بسلام.
تعالى صوت من الطابق العلوي: «أوه، أهلاً بعودتكم جميعاً!»
رفعتُ بصري لألمح آيشا عند أعلى الدرج، فاستدارت بحماس وأشارت لشخص خلفها: «عليكم رؤية هذا!»
تقدمت امرأة نحو الدرابزين مرتديةً زي الخادمة نفسه الذي ترتديه آيشا، ثم هبطت الدرج وتوقفت عند البسطة لتدور حول نفسها؛ ومع تطاير تنورتها في الهواء، اختلستُ نظرة خاطفة إلى ربلتي ساقيها الممتلئتين، قبل أن تتخذ وضعية عارضة أزياء وتهتف: «مياوهاها!»
خادمة بأذني قطة حرفياً.
قالت آيشا بفخر: «أجريتُ بعض التعديلات على ملابس أمي القديمة وصممتُ زياً للآنسة لينيا. ما رأيكم؟ لطيف، أليس كذلك؟»
لطيف بلا أدنى شك؛ بل أطلقت الفتيات الحاضرات تنهيدة إعجاب جماعية.
أصنعت آيشا هذا الزي يدوياً؟ ادعت أنه ثوب مستعمل، لكنه بدا جديداً تماماً في عيني؛ ولعل القماش وحده هو القديم.
أعلنت آيشا: «لماذا نؤجل عمل اليوم إلى الغد؟ سأجعلها تكدح في العمل حتى يتقطع ذيلها تعباً!»
«حاضر يا سيدتي، مستعدة للخدمة، مياو!»
«لنبدأ بإعداد الطعام!» تقدمت آيشا الصغيرة في الطليعة، وتبعتها لينيا الفارعة الطول؛ ومرتا بجانبنا بمعنويات مرتفعة لبدء التحضيرات في المطبخ. أسعدني مرأى آيشا بكل هذا الحماس.
علقت نورن: «تبدو الآنسة لينيا في روح معنوية عالية حقاً؛ ظننتُ أنها ستشعر بالاكتئاب أكثر لانحدار حالها إلى عبدة.»
هذا لأن لينيا حمقاء؛ فالأمر أشبه بابتلاع لقمة لاهبة؛ تحرق في البداية، لكن ما إن تنزلق إلى الجوف حتى تنسى كيف بدت كالحمم البركانية على لسانك.
بعد ذلك، اجتمعت عائلتنا بأكملها حول مائدة الطعام لأول مرة منذ فترة طويلة؛ بل تسنى لي القفز إلى الحمام مع إيريس عقب انتهائنا ورأيتُ كم كبر حجم بطنها. وقبل أن يتأخر الوقت، وضعتُ لوسي في فراشها برفقة سيلفي، ثم أعطيتُ دروساً في السحر لآيشا ونورن فور خروجهما من الحمام، ومررتُ بليليا لبرهة وجيزة للتشاور حول مستقبل زينيث. كما حدقتُ مطولاً في روكسي بينما ترضع لارا قبل النوم، وأخيراً حظيتُ بوقت حميمي ممتع مع سيلفي قبل أن أستسلم للنوم بدوري.
يوم حافل ومرضٍ بحق. وابتداءً من الغد، سأخصص وقتاً للتدريب كل يوم؛ عليّ أن أبذل جهداً مضاعفاً.
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.