تجاوز إلى المحتوى
ملوك الروايات — أفضل منصة لقراءة روايات الخيال الصينية، الكورية، اليابانية، الإنجليزية والعربية معلومات الاتصال

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

الفصل222

الفصل الخامس: بوادر تفكك العائلة

المشاهدات نشر في تاريخ أكتوبر 31, 2026
nero99
ترجمة ورفع الفصل nero99
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

الفصل الخامس: بوادر تفكك العائلة

انقضت عشرة أيام.

قضيتُ تلك الفترة مقيماً في مكتب شركتنا، أتدرب من شروق الشمس حتى مغيبها. في الأيام التي يتواجد فيها أورستد، أعمل على رفع قدرتي على التحمل صباحاً، وأخوض نزالات تدريبية ظهراً، وأتلقى الدروس داخل المبنى مساءً، مع الحرص على تنظيف غرفتي وتنظيم الوثائق قبل الخلود إلى النوم.

وتستمر هذه الدوامة بتكرارها يومياً على هذا المنوال.

أما في الأيام التي يغيب فيها أورستد، فأمضي اليوم بطوله في التدريب؛ أرتدي درعي السحري وأواظب على تطبيق الوضعيات القتالية المختلفة التي علمني إياها أورستد حتى ينال مني الإعياء التام، ثم أجلس لأتأمل أنماطاً متنوعة من الهجمات المتسلسلة. اعتادت سيلفي إحضار صندوق الغداء لي بين الفينة والأخرى، وحين تتواجد معي، نتدرب معاً لأختبر فعالية هجماتي المتسلسلة على أرض الواقع، غير أنها لم تحضر اليوم.

الوضعيات التي علمني إياها أورستد هي تلك التي ابتكرها إله التنين «أوروبين» وخلفها وراءه قبل أربعمئة عام؛ وقد عُرف شعبياً بلقب أحد «قتلة الآلهة الثلاثة»، ما يجعله أحد رفاق السلاح لبيروغيوس.

من بين جميع من حملوا لقب إله التنين عبر التاريخ، امتلك أوروبين أصغر مخزون من المانا، على حد قول أورستد على الأقل. بل عُدّ الأضعف بين كافة المرشحين لنيل اللقب آنذاك، ولم يتوقع أحد قط نجاحه في الظفر به. غير أن أوروبين نفسه هو من ابتكر «أسلوب إله التنين» الفريد والجديد كلياً؛ وبفضله لم ينتزع اللقب لنفسه فحسب، بل أدى دوراً جوهرياً في هزيمة لابلاس، ولا يزال يحظى بالتبجيل في العصر الحديث بوصفه أعظم عبقري في التاريخ.

يرتكز أسلوب إله التنين الخاص بأوروبين على استهلاك أقل قدر ممكن من المانا والقوة لمحاصرة الخصم وشل حركته. وقد عثر أورستد على كتاب الأسرار الذي تركه خلفه، واستعان به لإتقان أسلوبه القتالي وتقنيته الجوهرية: «هالة التنين المقدس».

لا تفيدني جزئية الاقتصاد في استهلاك المانا كثيراً، لكن فكرة تثبيت الخصم بأقل جهد ممكن راقت لي بشدة؛ فضلاً عن أن أسلوبه القائم على مزج الفنون القتالية بالسحر في الاشتباك القريب يناسبني ويناسب درعي السحري تماماً.

تضمنت خطة اليوم محاكاة الهجمات المتسلسلة ذهنياً من جديد. في المقام الأول يأتي «المدفع الصخري»؛ فإصابة مباشرة منه قادرة حتى على إلحاق الضرر بأورستد نفسه. قوته التدميرية هائلة وتضاهي «سيف الضوء»، مما يجعله حجر الزاوية الطبيعي في هجماتي المتسلسلة.

يليه سحر «المستنقع»؛ فقد استخدمته مرات لا تحصى حتى بات أسرع تعويذة أستحضرها في ترسانتي. وأفضل توقيت لوضعه هو تحت قدمي الخصم أثناء اندفاعه نحوي بأقصى سرعته، ليشكل نقطة انطلاق ممتازة للمبادرة بالهجوم.

تستغرق تعويذة «الصعقة الكهربائية» وقتاً أطول قليلاً في الاستحضار مقارنةً بالمستنقع، لكنها بالغة الفعالية لقدرتها على اختراق هالة المعركة الخاصة بالخصم وشل حركته. وفي أحيان كثيرة، تنجح الصعقة الكهربائية أمام خصوم لا يتأثرون بالمستنقع؛ لذا يفضل الجمع بينهما: إطلاق الصعقة الكهربائية أولاً ثم إتباعها بالمستنقع فوراً. وما إن أثبت عدوي في مكانه، يسعني استخدام «الضباب الكثيف» أو «موجة الصقيع» لإفقاده توازنه.

يكفي المدفع الصخري وحده للهجوم البحت في العادة، بينما تهدف بقية تعاويذي إلى إيقاف الخصم في مساره أو تقييد حركته. ومهما تطلب الأمر، يتعين عليّ تحطيم دفاعاته كي يعجز عن تفادي هجماتي أو حرف مسارها، ثم أجهز عليه بالمدفع الصخري. لو أفلحتُ في تنفيذ هذه الخطوات بهذا الترتيب، فالنصر مضمون لي عملياً أمام أي خصم… أو هكذا أكد لي أورستد.

والأهم من ذلك كله هو ترسيخ هذا التسلسل الهجومي حتى يصبح غريزة ثانية لدي؛ فمتى ما حققتُ ذلك، لن يهمني إن فاجأني الخصم بحركات لم أعهدها من قبل، إذ سأظل قادراً على الرد دون أدنى تأخير.

وباختصار، هذا هو المخطط الأساسي:

المستنقع ← يتحرك العدو ← أرد بالسحر المناسب ← يتحرك حركة أخرى ← أرد عليها بسحري مجدداً، أثبته في مكانه، ثم أسحقه بالمدفع الصخري.

أجل، التنظير بالكلام سهل للغاية؛ غير أن المعضلة الأساسية تكمن في قدرة بعض السيافين على شق المانا والسحر بنصالهم على حد سواء، ولا ضمان لمباغتتهم في كل مرة، ما يرجح فشل أي سحر تكميلي أحاول استخدامه، ويجعل المهمة عسيرة حقاً.

بالمناسبة، علمني أورستد بعض التعاويذ التي تتجاوز رتبة الملك في عدة مدارس عنصرية مختلفة، وإن لم أحقق الكثير بتلك المعرفة حتى الآن. ويبدو أن معظم التعاويذ الهجومية التي تفوق رتبة الملك تتألف في جوهرها من دمج وترتيب مجموعة تعاويذ من رتبة القديس فما دونها.

لنأخذ تعويذة الماء من رتبة الإمبراطور «الصفر المطلق» مثالاً على ذلك: كل ما عليك فعله هو مضاعفة سرعة وقوة تعويذة «الصقيع»، التي هي بدورها مزيج من «الشلال المائي» و«حقل الجليد». يتيح لك الصفر المطلق تجاوز خطوة إغراق الخصم بـ «رذاذ الماء»، لتجمد مساحة شاسعة في طرفة عين.

أجيد استخدام الصفر المطلق بالفعل؛ فالأمر ليس بالمعضلة الكبرى، إذ أتقنتُ تعاويذ تصل إلى رتبة الإمبراطور سلفاً، ولهذا السبب أخبرني «باديغادي» حين رأى مدفعي الصخري أن بإمكاني تلقيب نفسي بساحر أرض من الرتبة الإمبراطورية. في الأحوال العادية، لا توجد طريقة لزيادة قوة المدفع الصخري، لكن نظرياً، يمكن تعزيزه باتباع آلية دمج التعاويذ ذاتها المستخدمة في الصفر المطلق.

وبما أنني أتقنتُ التعاويذ السحرية حتى رتبة القديس في المدارس الهجومية الأربع كافة، يمكن القول إنني بلغتُ غاية الإتقان فيها. أما تعاويذ رتبة الإله، فلن أتمكن من استخدامها على الأرجح؛ إذ تتطلب كمية هائلة من المانا وتحكماً فائق الدقة بها، فضلاً عن تلاوة تعويذة طويلة بشكل جنوني ورسم دائرة سحرية للمساعدة في ضبط السحر. وعلى حد قول أورستد، تبلغ قوة هذه التعاويذ حداً يغير معالم التضاريس ذاتها، وما بعض الظواهر الجغرافية الغريبة في هذا العالم إلا أثر من آثار ذلك السحر.

بصراحة، ما أزال فاشلاً للغاية في رسم الدوائر السحرية، ولا أرى جدوى من استخدام السحر على هذا النطاق الكارثي. الأساس المتين، والخبرة الميدانية، والسحر المدمج — تلك هي الركائز الثلاث التي أحتاجها؛ والأفضل دائماً البناء من القاعدة صعوداً كما في كل شيء.

«روديوس.»

عاد أورستد بينما أستغرق في تدريباتي السحرية، فاستدرتُ على الفور وانحنيتُ له: «أهلاً بعودتك يا سيدي!»

«أجل.»

من واجب الموظف الانحناء لتحية الرئيس التنفيذي باحترام فور دخوله المكتب. لعل وجود موظف واحد فقط يشعره بشيء من الوحشة، لكن علينا الصبر حتى ينهي كليف أبحاثه. وحين نوظف مزيداً من العاملين مستقبلاً، سأجعلهم يحنون رؤوسهم جميعاً في آن واحد لتحية الرئيس التنفيذي؛ وما الضير لو وصف الناس شركتنا بالمشبوهة جراء ذلك؟

قال أورستد: «لدينا عمل.»

حين شرعتُ في الانحناء له والتصرف بكل هذا الأدب في البداية، أمرني بأن «أتصرف بطبيعية»، غير أنه اعتاد على غرائبي في هذه المرحلة.

أردف أورستد: «ستغادر بعد ثلاثة أيام. سأشرح لك التفاصيل الآن.»

«إنه لمن دواعي سروري تنفيذ هذه المهمة من أجلك يا سيدي!»

أتلقى مهام عملي من أورستد مباشرة، ويبدو أنه حدد مهمتي التالية بالفعل.

«كالعادة، ليست بالمهمة الصعبة، لكن يجدر بك توديع عائلتك قبل الرحيل.»

«حاضر يا سيدي!»

وهكذا، عدتُ إلى المنزل لبعض الوقت.

***

«أهلاً بعودتك إلى المنزل، مياو! أيها الزعيم! إيه، لا… ليس الزعيم… يا سيدي!»

فور وصولي إلى المنزل، وجدتُ خادمتنا القطة جالسة بجوار المدخل الرئيسي، وقد طوت ساقيها بأدب تحت جسدها. ماذا اقترفت هذه الشقية الآن؟ هل أفسدت شيئاً ما؟

«أجل، يسعدني العودة يا لينيا، لكن ما الذي تفعلينه هنا بحق السماء؟»

«مياوهاها… حسناً، ارتكبتُ هفوة صغيرة للغاية، لذا أجلس هنا لمراجعة أخطائي، مياو.» تدلت أذناها بفتور، فبدت كئيبة بقدر نبرتها الخافتة.

«هكذا إذن.» طالما أنها منشغلة بمراجعة ما اقترفته، فالأفضل تركها وشأنها. تجاوزتها ودلفتُ إلى داخل المنزل.

أعلنتُ: «لقد عدت!»

اختلست لوسي النظر من ظل الباب المؤدي إلى غرفة المعيشة. آه، ستطلق ساقيها للريح وتهرب مجدداً، أليس كذلك؟

ولشديد دهشتي، اندفعت بدلاً من ذلك خارجةً من الظلال وطارت نحوي، وتردد صدى خطواتها الصغيرة قبل أن تتشبث بساقي.

«بابا! أهلاً بعودتك!»

ماذا يجري هنا؟ لماذا تبدو سعيدة بعودتي إلى هذا الحد اليوم؟

«هذا صحيح، لقد عدتُ يا لوسي!» مددتُ يديّ لأحملها بين ذراعيّ، لكنها راوغتني والتفت خلفي ممسكةً بردائي بقوة. لسبب ما، تبدو ودودة للغاية اليوم، ولا سعادة تضاهي سعادة بابا بهذه اللحظة!

صرخت بأعلى صوتها: «ماما! بابا عاد!»

ردت سيلفي بصوت تردد صداه من داخل الحمام: «نعم، سمعتكِ! انتظري لحظة واحدة!»

«مااااما!»

لا بد أن سيلفي منهمكة في غسل الملابس أو تنظيف الحمام. وفي الحالتين، واصلت لوسي مناداة والدتها مراراً وتكراراً، حتى ملت الانتظار في نهاية المطاف فأفلتت ردائي وهرولت نحو الحمام.

ما سر ذلك التصرف؟ حسناً، أياً تكن دوافعها، فلا جدوى من المبالغة في التفكير؛ فالأطفال يظلون أطفالاً. لطالما كنتُ أنا من يلاحقها لكسبودها، فلعلها قررت مراعاة مشاعري وتدليلي هذه المرة.

تجولتُ في أرجاء المنزل بلا وجهة محددة. تواجدت لارا مع ليو في غرفة المعيشة، وغطت الصغيرة في نوم عميق، وبدا أنها تتمتع بصحة جيدة اليوم. ومن هناك اتجهتُ إلى المطبخ، حيث وجدتُ ليليا تحضر لوجبتنا التالية، وقد ارتسم الإعياء الشديد على محياها. ترى ما الذي يرهقها إلى هذا الحد؟

قلتُ: «آنسة ليليا، لقد عدت.»

«أهلاً بعودتك يا سيدي.»

«هل تشعرين بالإرهاق؟»

«كلا.»

بدا وجهها أكثر شحوباً من المعتاد رغم إنكارها.

«أظن أن عليكِ أخذ قسط من الراحة.»

هزت ليليا رأسها نفياً: «لا يوجد ما يدعو للقلق.»

«أمتأكدة أنتِ؟»

«نعم.»

طالما أصرت على ذلك فلن ألح عليها، غير أن قلقي ظل يساورني خشية أن أكون قد حملتها فوق طاقتها. أخبرتها قائلاً: «إن شعرتِ بأي وعكة جسدية، فلا تترددي في أخذ استراحة.»

«أقدر لك اهتمامك، لكنني بخير حقاً.»

هممتُ بتصديق كلامها، لكن إن لم يكن إرهاقها جسدياً، فلعله نفسي؛ أي نابع من القلق والتوتر. غيرتُ منحى الحديث وسألتها: «هل حدث شيء ما؟»

بعد صمت قصير، أجابت: «قبل قليل، غادرت السيدة إيريس متوجهةً إلى المدرسة.»

«إيريس ذهبت إلى هناك؟ ولماذا؟»

«ادعت أنه من المفترض أن تدرب السيدة نورن على فنون السيف اليوم.»

فنون السيف، هاه؟ آه، زوجتي الحامل لا يهدأ لها بال ولا تستقر في مكان، أليس كذلك؟ لعل إيريس تطمح لأن تصبح مدربة؛ ولن أعارض ذلك بالطبع، لكنني أتمنى لو أنها تكبح جماح نشاطها قليلاً أثناء فترة حملها، فهي تثير قلقي هكذا.

قالت ليليا معتذرة: «أرجو المعذرة؛ حاولنا جميعاً منعها من الخروج، لكنها اختفت عن الأنظار قبل أن ندرك ذلك…»

«أوه، لا بأس. شكراً لكم على المحاولة.»

ليست إيريس من النوع الذي يمتثل للأوامر على أي حال، فلا عجب في إرهاق ليليا. ربما يتوجب عليّ التحدث معها بحزم بنفسي… وإن كان من المشكوك فيه أن تصغي لأي كلمة أقولها أيضاً. همم، يستبعد أن تنجح سيلفي في إقناعها كذلك، لكن آيشا تتفوق على الجميع في صياغة الحجج المقنعة، فلعلها تفلح في إقناع إيريس.

سألتُ: «بالمناسبة، أين آيشا؟»

رسمت ليليا ابتسامة متكلفة على شفتيها: «إنها في الحديقة الخلفية.»

وكما ذكرت ليليا، تواجدت آيشا في الحديقة الخلفية بالفعل؛ جلست القرفصاء في إحدى الزوايا، وكتفاها ترتجفان بوضوح من الخلف. ورغم قوة شخصيتها المعهودة، بدت هشة وضعيفة على نحو غريب في هذه اللحظة. أيعقل أنها تبكي؟

«آيشا؟»

«أ-أخي الأكبر… أهلاً بعودتك.» التفتت آيشا نحوي من فوق كتفها بنبرة طبيعية تماماً. تفرستُ في ملامحها فلم أجد أي أثر للبكاء على الإطلاق، غير أنها أتبعت كلامها بتنهيدة فورية: «هاااه…»

لاحظتُ أنها تمسك مجرفة بيدها وتحفر حفرة في ركن الحديقة؛ وحين نظرتُ داخل تلك الحفرة، لمحتُ شظايا من الخزف المكسور، وميزتُ النقوش المرسومة عليها فوراً. كان هناك مقبض فنجان بين الحطام أيضاً، تذكرتُ رؤيته في فنجان شاي فاخر اشترته آيشا منذ زمن بعيد من مصروفها الخاص. وعلى حد علمي، كانت تعتز بذلك الفنجان اعتزازاً لا يوصف، وتستخدمه دائماً كلما شربت الشاي.

لم تسمح لي آيشا بالشرب في ذلك الفنجان سوى مرة واحدة في الماضي؛ إذ ارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة حينها وأعلنت: «أنت الشخص الوحيد الذي سأسمح له باستخدام هذا الفنجان غيري»، وقالت يومها شيئاً من قبيل: «أرأيت؟ ألا يصبح مذاق الشاي ألذ بكثير حين تشربه في فنجان فاخر؟»

بصراحة، لم ألحظ أي فرق في الطعم آنذاك، وكل ما علق في ذهني هو مدى سعادتها ولذة الشاي الذي أعدته.

وها قد تحطم فنجانها العزيز إلى شظايا الآن.

«هاي، أخي الأكبر…» خرج صوتها منخفضاً ومحملاً بالوعيد على نحو لم أعهدها تتحدث به من قبل.

«… م-ما الأمر؟»

كانت تستشيط غضباً وتكظم غيظاً هادئاً. تباً، هل اقترفتُ ذنباً ما؟ لا أجد غضاضة في الاعتذار إن استدعى الموقف ذلك، لكن التأسف دون معرفة الذنب الذي ارتكبته لن يكون سوى صب للزيت على نار غضبها.

ما العمل إذن؟ وما السبب وراء هذا كله؟

وبينما أقلب الأمر في رأسي بحيرة، حولت آيشا بصرها نحوي وقالت: «أيمكننا التخلص من تلك القطة؟»

«عفواً؟»

تلك القطة؟ أي قطة؟ أوه، لحظة؛ لا بد أنها تقصد تلك القطة الجالسة عند المدخل الأمامي وساقاها مطويتان تحتها.

هزت آيشا رأسها: «أوه، أظن أنه من الخطأ التخلص منها مجاناً. يمكننا بيعها لتجار العبيد أولئك… أو بالأحرى لعائلة الآنسة إيريس. فبحسب كلامهم، ستدفع عائلتها ثمناً باهظاً مقابلها، أليس كذلك؟ ربما لن يدفعوا لنا ألفاً وخمسمئة عملة ذهبية أسورية كاملة، لكنهم سيدفعون النصف على الأقل، صح؟»

«ت-تمهلي لحظة. اهدئي قليلاً، ولنجلس أولاً، اتفقنا؟» شكلتُ كرسياً بسحر الأرض وأشرتُ إليها بالجلوس.

انتشلت آيشا شظية مكسورة من الحفرة، وألقتها عند قدميّ قبل أنرتمي على الكرسي: «أترى هذه؟ لم يكن الفنجان باهظ الثمن في ذاته، لكنه قطعة يستحيل تعويضها بعد اليوم؛ فالحرفي الذي صنعه قد مات، والمتجر الذي باعه أغلق أبوابه.»

شكلتُ كرسياً لنفسي وجلستُ قبالتها محاولاً تهدئة روعها أولاً: «حسناً، مصير أي غرض كهذا أن ينكسر يوماً ما كما تعلمين.»

«أعلم ذلك، وما كنتُ لأستشيط غضباً إلى هذا الحد لمجرد انكسار فنجان واحد.»

«حسناً.»

بدا واضحاً في المقام الأول أن لينيا هي من كسرت الفنجان، مما أثار حنق آيشا؛ ورغم ادعائها عدم الغضب، إلا أنها كانت تغلي من الداخل بوضوح.

«كل ما في الأمر… أنني لا أرى تلك القطة تصلح للعمل خادمةً في منزلنا. فحين تحاول غسل الأطباق، تكسرها. وحين تحاول تنظيف المنزل، تحطم المرايا. وحين تحاول غسل الملابس، تملأ الأغطية بفروها.»

ذكرتها قائلاً: «الجميع يخطئون في بداياتهم. قد تبدو لينيا جافة الطباع قليلاً، لكنها تنحدر في الواقع من عائلة نبيلة ونشأت مدللة بعض الشيء.»

«حسناً، أنا…!» رفعت آيشا صوتها وهمت بقول شيء ما، لكنها ابتلعت كلماتها؛ ولعلها أرادت المحاججة بأنها لم ترتكب أخطاءً كهذه قط حين بدأت العمل. ثم أردفت: «أثناء تنظيفها لغرفة المعيشة، كادت تسكب دلو الماء بالكامل فوق الصغيرة المسكينة لارا، أتعلم ذلك؟»

«فعلت ماذا؟ ك-كيف حدث ذلك؟»

«كانت تنظف مكاناً مرتفعاً وهي تحمل دلو الماء في يد وممسحة في اليد الأخرى، ثم فقدت توازنها بطريقة ما وأوشكت على السقوط.» صمتت آيشا لبرهة ثم أضافت: «حسناً، مر الأمر بسلام ولم يقع مكروه في النهاية على أي حال.»

ألا تعرف تلك القطة الخرقاء حتى أبجديات التنظيف؟ حين أسترجع الذكريات، سبق لي دخول غرفتها في السكن الجامعي مرة واحدة، وكانت أشبه بحظيرة خنازير على ما أذكر.

استدركت آيشا قائلة: «لا أعني أن ما فعلته أمر مقبول، لكنني لم أكن لأعترض على عملها هنا لسبب بسيط كهذا؛ فالآنسة نورن أسوأ منها بكثير، وبطيئة التعلم فوق ذلك.»

«عفواً منكِ، لا داعي للانتقاص من نورن هنا.»

قطبت آيشا حاجبيها: «الانتقاص منها؟ أوه، حسناً، لا أقصد ذمها أو شيئاً من هذا القبيل؛ بل مقصدي أن تلك القطة ليست سيئة في التعلم بحد ذاتها، فما إن ترتكب خطأً حتى تتجنب تكراره. ولكن مع ذلك…» وأطلقت تنهيدة عميقة: «تلك الكرة المكسوة بالفرو ترفض الاعتذار.»

«أوه؟» لا تعتذر؟ حسناً، هذا سلوك سيئ بالتأكيد.

«كلما ارتكبت خطأً، لا تبدي أدنى ذرة من الخجل وتكتفي بالقول: “مياوهاها! خطئي، خطئي! سأتوخى الحذر في المرة القادمة، مياو!”»

إنصافاً للحق، لعل هذه هي طريقة لينيا في الاعتذار؛ غير أن الاعتذار يفقد قيمته تماماً ما لم يرضِ الطرف المتضرر، فإن لم يزد كلامك الطرف الآخر إلا حنقاً واستفزازاً، فلا معنى لاعتذارك من الأساس.

قلتُ: «هذا غير مقبول فعلاً.»

«أنت ترى ذلك أيضاً، أليس كذلك؟»

شخصياً، قد أتجاوز عن أخطاء لينيا، لكن آيشا هي رئيستها المباشرة في العمل، ويتعين على لينيا استيعاب هذه الحقيقة بوضوح تام.

«لذا أرجوك يا أخي الأكبر، دعنا نطردها، اتفقنا؟ أتوسل إليك، لم أعد أطيق العمل معها أكثر من ذلك.»

يندر أن تتحدث آيشا بمثل هذا التبرم عن أي شخص، فلا بد أن صبرها قد نفد تماماً. ومع ذلك، لم تقع كارثة حقيقية بعد؛ وما انكسار الفنجان إلا القشة التي قصمت ظهر البعير بعد تراكم سلسلة من الهفوات الصغيرة التافهة، التي يسهل التغاضي عنها منفردة، لكنها تجمعت حتى أفقدت آيشا حلمها.

أجل، ولكن مع ذلك…

«أتفهم مانين إليه؛ فلينيا تميل إلى التمادي فعلاً ولديها عيوبها، غير أن الوضع الحالي شاق عليها أيضاً. والأرجح أنها تتصنع المرح لأنها تحاول جاهدة التأقلم مع بيئتها الجديدة، ولعل هذا ما يجعلها تبدو غير نادمة على أخطائها. لكنكِ ذكرتِ بنفسكِ أنها لا تكرر الهفوات ذاتها، أليس كذلك؟»

أظن أن لينيا تبذل قصارى جهدها بطريقتها؛ فالبشر يميلون بطبعهم إلى تكرار الأخطاء نفسها، وتقليل ذلك يتطلب مراجعة النفس، وطالما أن لينيا لا تكرر الزلات عينها، فهذا دليل واضح على سعيها للتحسن. وحين رأيتها جالسة عند المدخل الأمامي، بدت لي مستغرقة بصدق في محاسبة نفسها وشعرتُ بندمها أيضاً.

«كلام فارغ. تلك الكرة الفروية لا تشعر بأدنى ذرة ندم على الأرجح! أعني، تصرفاتها كلها غريبة منذ البداية؛ فهي تبدي خضوعاً تاماً للآنسة روكسي، والآنسة إيريس، وليو، لكنها تتصرف بوقاحة ورفع كلفة مع الآنسة سيلفي.» برزت شفتا آيشا في عبوس طفولي مصرةً على إدانة لينيا؛ كم تكون عنيدة حين تريد.

«أتظنين أنها تتعمد التقليل من احترام سيلفي؟»

«أعني، تتعامل معها برسمية أقل بكثير مقارنةً بالآنسة إيريس، بل وتناديها “فيتز” أحياناً.»

مضى وقت طويل على ذلك ولم يدم خلافهما طويلاً، لكن الاثنتين تنازعتا سابقاً أيام الدراسة في جامعة السحر، ما أزال التكلف بينهما على الأرجح. هززتُ كتفيّ وقلت: «لعل السبب مجرد معرفتهما القديمة ببعضهما.»

«آمل أن يقتصر الأمر على ذلك حقاً، لكن منذ قدوم لينيا، باتت أجواء المنزل كلها مضطربة وغريبة.»

مضطربة، هاه؟ الآن وقد ذكرت ذلك، لم نواجه مشكلة كهذه قط حين انتقلت روكسي أو إيريس للعيش معنا. قلتُ: «على أي حال، سألزمها بالاعتذار كما يليق إن أخطأت مجدداً، أما الأغراض التي حطمتها فسنضيف قيمتها إلى الدين المسجل عليها. كما سأوبخها لتقويم سلوكها والتصرف كخادمة محترمة. وبعد أن أفعل كل ذلك، أيمكنكِ إمهالها بعض الوقت لنرى كيف ستسير الأمور؟ من أجلي؟»

«نغغ…» تمتمت آيشا بضيق وشفتاها ما تزالان مطبقتين في عبوس، ثم أغمضت عينيها بقوة وأشاحت بوجهها بعيداً. ومن طريقة تصرفها تلك، أدركتُ أنها أرادت التنفيس عن إحباطها فحسب، وأن سورة غضبها قد هدأت بالفعل.

«هيا يا آيشا، أعلم أنها فوضوية ومتعبة، لكنها صديقتي.»

بعد صمت طويل للغاية، نطقت آيشا أخيراً: «حسناً، أظن أن بإمكاني مسامحتها هذه المرة فقط من أجلك.» ثم نهضت واقفة وواجهتني بجدية: «ولكن يا أخي الأكبر، حتى لو نحينا مشاعري الشخصية جانباً، فلن تنتهي الأمور على خير إن استمر الوضع على هذا المنوال.» ثم استدارت وعادت إلى داخل المنزل.

***

حرصتُ بعد ذلك على إلقاء محاضرة صارمة ومفصلة على مسامع لينيا؛ فاكتفت برد مقتضب: «حاضر يا سيدي، مياو»، وإن بدت لي أكثر استخفافاً بالأمر مما ينبغي. آمل أن تأخذ كلامي على محمل الجد.

ولاحقاً، حين عادت إيريس إلى المنزل برفقة روكسي، حذرتها من ممارسة أي تمارين شاقة في الفترة الحالية، فعقدت ذراعيها وقطبت جبينها في وجهي هاتفةً بتذمر: «أعلم ذلك!»

أدركتُ على الفور أنها من الحالات التي تدعي فيها الفهم دون أن تستوعب شيئاً فعلياً. على الأقل لم تعد تندفع إلى الخارج ملوحةً بسيفها في كل حدب وصوب، وما إن يكبر حجم بطنها ويثقل جسدها قليلاً، ستضطر إلى التهدئة من روعها على الأرجح. ومع ذلك، لم يبدد هذا قلقي، وتمنيتُ أن يصمد الجنين في أحشائها بسلام.

أنتَ تملك إيريس أماً وأنا أباً، لذا أثق تماماً بقدرتك على الصمود. هيا أيها الصغير، تشبث جيداً!

وبسبب مزاج آيشا المتعكر، خيمت كآبة غير معتادة على مائدة العشاء تلك الليلة. وفور انتهائنا من الطعام، همست سيلفي في أذني: «لم تعتد لينيا على الحياة هنا بعد»، وعلت وجهها نظرة ذنب وكأنها تتحمل المسؤولية. لم يكن ثمة مبرر لشعورها ذاك، لكن لعل تركي إدارة شؤون المنزل في عهدتها جعلها تعتبر الأمر تقصيراً في واجبها.

وكما حذرتني آيشا، ربما تتجه الأمور نحو منحدر سيئ فعلاً. أالأفضل أن أتدخل بنفسي لحسم المشكلة قبل انطلاقي في مهمتي القادمة؟ أم أن الحكمة تقتضي التريث قليلاً ومراقبة مجريات الأمور؟ همم…

***

قررتُ النوم بمفردي تلك الليلة لتزامن الدورة الشهرية لدى كل من سيلفي وروكسي. وبصراحة، بعد انقطاعي لعشرة أيام كاملة في المعسكر التدريبي، شق عليّ الحرمان من أي وصال الليلة، غير أنه لا حيلة لي في ذلك؛ فمثل هذه الأيام واردة الحدوث.

«روديوس.»

وكأنها استشعرت نداء رغبتي المكبوتة، أو لعلها انقادت خلف رغبتها الخاصة، ظهرت إيريس عند باب غرفة نومي، مكتوفة الذراعين ومباعدة بين قدميها بوقفتها الشامخة المعتادة. اعتادت ارتداء ملابس نوم سميكة ودافئة مؤخراً، لكن الليلة بدت استثنائية بوضوح؛ إذ ارتدت قميص نوم شفافاً لا أراها ترتديه إلا في ليالينا الحمراء، وبالكاد ستر قماشه الرقيق بطنها البارز.

تؤ، تؤ يا إيريس، سيبرد بطنكِ بهذه الملابس الخفيفة.

أعلنت بحزم: «سنفعلها الليلة.»

«كلا، لن نفعلها.»

طفلنا أثمن من أي مجازفة، والقاعدة الصارمة في منزلنا تقضي بالامتناع التام عن العلاقة الزوجية أثناء فترة الحمل.

«لكنك ترغب في ذلك، أليس كذلك؟ سمعتُ بالفعل أن سيلفي وروكسي لا تستطيعان الليلة.»

أكدتُ لها: «لا بأس، سأصبر الليلة فحسب.»

«أنت زوجي، ولا داعي لأن تحرم نفسك.» أطبقَت إيريس على يدي فوراً وجذبتني لأقف على قدميّ؛ ولفرط قوتها، لم أملك خياراً سوى الانقياد خلفها مسحوباً إلى داخل غرفة النوم.

تباً، لا يعجبني مسار الأمور هنا. إن بدأنا مرة واحدة، فلن نتمكن من كبح جماح أنفسنا والتوقف؛ وهنا تكمن المشكلة. فبغض النظر عن إفراطها في التمارين الرياضية أثناء حملها، لا مجال لإضافة مجهود بدني عنيف آخر الليلة.

«انتظري يا إيريس، لنتوقف هنا. ممارسة ذلك أثناء الحمل خطر عليكِ، وسنندم كلانا لو تعرضتِ للإجهاض أو ما شابه. لن أطيق احتمال حدوث ذلك أبداً، وأنا أعني ما أقول.»

«أعلم ذلك، ولهذا السبب كنتُ أنتبه لنفسي طوال الوقت.»

تنتبه لنفسها؟ الذهاب إلى المدرسة للتدريب وتمشية الكلب — أتسمي ذلك «انتباهاً لنفسها»؟ حسناً، لعل الحركة المعتدلة أفضل من الخمول التام طوال الوقت، ولكن مع ذلك… ربما تختلف مفاهيمنا حول حدود المعقول، أو لعلني أبالغ في القلق فحسب.

لا، لا، هذه مسألة مختلفة كلياً.

«ولهذا السبب تحديداً، انظر هنا!» سحبتني إيريس حتى وصلنا إلى جانب السرير، ثم كشفت الغطاء بقوة.

«مـ-مياو…» قبعَت لينيا تحت الغطاء ممدةً فوق فراشي، مرتديةً قميص نوم يشبه ما ترتديه إيريس، وبدت فاتنة ومغرية حتى وهي تضم جسدها وتنكمش على نفسها.

قالت إيريس: «إن لم يكن بوسعك لمسي، فافعل ما يحلو لك بلينيا!»

«ميييو…» رفعت لينيا بصرها نحوي بعزم مستسلم، وكأنها تخلت عن فكرة المقاومة تماماً. شفّ قماش قميص نومها لدرجة كشفت حلمتي ثدييها تقريباً، وتميزت بخصر نحيل مشدود مع عضلات متناسقة تكسو بقية جسدها، ما منح ساقيها امتلاءً جذاباً، بينما التمعت عيناها القططيتان في العتمة.

وبدلاً من أن يثير هذا المنظر شهوتي، ألجمتني الصدمة فحدقتُ في إيريس فاغراً فاهي: «ما الذي يجري هنا؟»

«أخبرتكَ للتو! خذ لينيا!»

إيريس خاصتي تأمرني بمضاجعة لينيا؟! فرغم تظاهرها بعدم الاكتراث، تغار إيريس بطبعها غيرة شديدة، واعتادت العبوس والتذمر كلما ضبطتني أتبادل الغزل والدلال مع سيلفي… فكيف تطلب مني الفتاة ذاتها الآن النوم مع امرأة أخرى؟

«إيه، إيريس، ألا يُعد هذا… كما تعلمين، خيانة زوجية؟»

«ليست خيانة لأنها عبدة؛ هكذا كان جدي ووالدي يقولان دائماً! وعلاوة على ذلك، فالأمر لا يجري خفية من وراء ظهري طالما أنني حاضرة هنا، فلا مشكلة إطلاقاً!»

ساوروس، فيليب، أحضرا مؤخرتيكما إلى هنا واجلسا على ركبكما فوراً! شدّا ظهريكما باستقامة! السيدة هيلدا؟ سيدة هيلدا، هل تسمعينني؟ أرجوكِ وبخي هذين الرجلين بالنيابة عني؛ فقد لقّن زوجكِ ابنتكِ أفكاراً غريبة ومنحرفة للغاية!

تمتمت لينيا بصوت خافت وكأنها تتلو صلاة الوداع: «آه، أمي وأبي في الغابة العظيمة… ابنتكما المسكينة صارت عبدة، وستتحول ابتداءً من الليلة إلى دمية للمتعة الجنسية، مياو…»

إذن هي مرغمة على الأمر بعد كل شيء؛ الأفضل وضع حد لهذه المهزلة فوراً، فلن أسمح بجرها ضحيةً لنزوات إيريس الأنانية.

«أما أنتِ يا بورسينا… فسأترككِ خلفي في الغبار أيتها الخاسرة! النصر حليفي هذه المرة، مياو، موتي بغيظكِ!»

حسناً، يبدو أنها ليست مرغمة تماماً على ما أرى. أيكون الأمر مقبولاً طالما أنها راضية إذن؟

مددتُ يدي نحوها وقلت: «لينيا.»

انتفض جسد لينيا بالكامل: «مياو؟!» وتصلبت في مكانها، غير أنها لم تحاول الهرب.

مررتُ يدي على طول فخذيها وصولاً إلى ذيلها؛ امتلكت تلك العضلات المرنة المشدودة التي تتوقعها من كائن مفترس، مع نعومة ولدونة أنثوية في كافة المواضع الفاتنة للمرأة. انزلقت يدي صعوداً على ظهرها متحسساً خصرها المشدود المتناسق الذي يغوي الحواس.

«هـ-هذه مرتي الأولى… ترفق بي، مياو.»

لم أرد على طلبها.

«صـ-صمتك هذا يخيفني، مياو! ميهيهي، أعلم أنك متلهف… أمزح فقط! ميييو؟!»

استجمعتُ قوتي ورفعتها بين ذراعيّ كالأميرات، ثم توجهتُ بها نحو باب الغرفة، وأدرتُ المقبض بقدمي دافعاً إياه لينفتح. امتد الممر المظلم البارد أمامي، وهناك ألقيتُ بلينيا خارج الغرفة دون أي مقدمات.

«مرووو؟!»

ارتطمت بالأرض بصوت مكتوم، فصفقتُ الباب في وجهها وأوصدته بالمفتاح لمزيد من الاحتياط. هكذا، الآن يسعني التنفس الصعداء؛ فقد طُرد الشيطان خارجاً.

«هاي! أيها الزعيم، ألا تقسو عليّ بعض الشيء؟!»

لا أسمعكِ إطلاقاً. لا وجود لأي قطة وحشية مغرية في منزلي، كلا يا سيدي، فوفائي لزوجاتي باقٍ لا يتزعزع.

«هاي، روديوس! ماذا تفعل؟!» تبعتني إيريس وكادت تلتصق بظهري، غير أن احتجاجاتها لم تكن لتثنيني عن قراري.

«إيريس، أرجوكِ لا تسيئي فهمي؛ فالمرأة التي أريدها في فراشي هي أنتِ، ولستُ بحاجة إلى تلك القطة.»

«حـ-حقاً؟ طالما أنك متأكد من ذلك، فلا بأس أظن… لكن لا يمكنني النوم معك حتى يولد الطفل، اتفقنا؟»

«بالطبع، أنا متفهم تماماً.»

وهكذا حُسم الأمر.

أخذت لينيا تقرع الباب بقبضتيها: «أيها الزعيم، افتح الباب! إن تركتني مرمية بالخارج هكذا، فستسحق كبريائي كأنثى وتمزقه إرباً، مياو!» تجاهلتُ نداءها تماماً، واعتبرتها غير موجودة من الأساس. أجل! ما من شيء بالخارج سوى صفير الرياح.

رفعت لينيا صوتها أعلى هذه المرة: «أيها الزعيم! أتوسل إليك، مياو! لقد سئمتُ من تصيد آيشا المستمر لأخطائي وتقريعها لي طوال الوقت!»

لعل طباعها تتصادم مع طباع آيشا حقاً حتى تتفوه بكلام كهذا. أمر غريب؛ فقد خاطت لها آيشا زي الخادمة ذاك قبل أيام معدودة فقط، وبدا أنهما على وفاق تام حينها.

«أريد أن أصبح عشيقتك على الأقل لأرتقي في مكانتي داخل هذا المنزل، مياو! لا يهمني إن استغللتني من أجل جسدي فحسب، مياو! أتوسل إليك أيها الزعيم، أرجوك! وأنا بالتأكيد لا أخطط سراً للحمل بطفلك كي أنجبه وأصبح زوجتك الرابعة، فأمحو بذلك كافة الديون المسجلة عليّ دفعة واحدة… صدقني، مياو!»

أوه، إذن هذه هي خطتكِ الحقيقية. ومع ذلك، لا يسعني لومها كثيراً على هذا التفكير؛ فهي مدينة لنا بمبلغ فلكي لا يكفي عمر كامل لسداده. ورغم ذلك، لا نية لدي البتة لاستغلالها كجارية للجنس. سأكون كاذباً لو ادعيتُ عدم انجذابي لجسدها، غير أن لينيا صديقتي، وأود أن نظل أصدقاء. كما أن لدي ابنتين بالفعل، وبعد حديثي مع آيشا عصر اليوم، سيُجن جنونها لو ضاجعتُ لينيا الآن، ولن تنظر روكسي وسيلفي إلى الأمر بعين الرضا أيضاً. لو رضختُ لشهوة عابرة وخنتهن على هذا النحو، فقد يتسبب ذلك في انهيار عائلتنا بأكملها، وهو ما لن أسمح بحدوثه أبداً.

«غواااه! وااااه! آاااه!»

تردد صدى بكاء حاد في أرجاء المنزل؛ ويبدو أن صراخ لينيا أيقظ الصغيرة لارا من نومها. حسناً، ما العمل الآن؟ أأفتح الباب مؤقتاً لإسكات لينيا على الأقل؟

وفي اللحظة التي ترددتُ فيها، انفتح باب إحدى الغرف بالخارج بقوة.

«هاي يا لينيا! أتعلمين كم الساعة الآن؟ لقد أيقظتِ لوسي ولارا معاً!»

«مياوتش! فيتز! أ-أنا آسفة جداً، مياو! لم أقصد أي سوء، صدقيني، مياو!»

«اسمي ليس فيتز، بل سيلفي! على أي حال، الوقت متأخر الآن، فاخفضي صوتكِ!»

«حـ-حاضر يا سيدتي.»

كفى توبيخ سيلفي لإلجام لينيا تماماً، وتناهى إلى سمعي وقع خطواتها المتثاقلة وهي تجر قدميها مبتعدةً ببطء؛ والأرجح أنها عادت أدراجها إلى غرفة إيريس حيث تنام عادةً.

استمرت لارا في البكاء لبرهة قصيرة بعد ذلك، لكنها سرعان ما هدأت، ليخيم السكون على منزل غرايرات من جديد.

***

لم أملك إلا أن أشعر بالأسف لحال لينيا؛ فرغم أنها تتحمل جزءاً من اللوم في ما آلت إليه أمورها، إلا أنها تُعامل هنا كحيوان أليف دون أي سبيل حقيقي لسداد ما في ذمتها من ديون. أداؤها في العمل كارثي، وتعيش صراعاً يومياً للتأقلم مع رئيسة الخادمات، آيشا. وحين ضاقت بها السبل، فكرت في بيع جسدها لسيدها أملاً في نيل حظوة لديه، لتُقابل بالصد والطرد في نهاية المطاف؛ ومن يدري، لعلها تبلل وسادتها بالدموع في هذه اللحظة.

خيم جو مشحون بالتوتر على المنزل؛ فآيشا غارقة في الكآبة، وليليا منهكة القوى، وسمعتُ سيلفي تصرخ غاضبة لأول مرة منذ زمن طويل، ولارا بكت بحرقة حتى جفت دموعها. ولعل خروج إيريس إلى المدرسة في وقت سابق ومحاولتها دفعي للنوم مع لينيا لم يكونا سوى طريقتها الخاصة لتخفيف هذا الاحتقان في المنزل. لا تسيئوا فهمي، فتصرفاتها تثبت بجلاء أنها لا تفقه شيئاً في كيفية التعامل مع الموقف، لكنها حاولت بطريقتها على أي حال.

ومهما يكن، فالتوتر آخذ في التصاعد، والأنكى من ذلك كله أن لينيا — المسبب الرئيسي للأزمة — لا تبدو مدركةً أصلاً لأن سلوكها هو أصل البلاء. لطالما ظننتها من النوع القادر على قراءة الأجواء المحيطة، فلعلها تعاني اضطراباً عاطفياً في الوقت الراهن بعد تحولها المفاجئ إلى عبدة، ووقوعها تحت طائلة دين فلكي، ونجاتها بأعجوبة من البيع لغرباء تجهلهم. وإن صح ذلك، فمن واجبي، بصفتي الشخص الذي دفع المال لشرائها، إيجاد مخرج ينهي هذه الأزمة.

ابتداءً من الغد، سأبحث لها عن عمل تتولاه بعيداً عن التنظيف، أو الغسيل، أو الطهي.

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات

التعليقات

سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.

READER EDITION

إعدادات القراءة

خصّص مظهر القراءة على هذه الصفحة.

إعدادات سريعة

تختار السمة لون الخلفية والنص معًا. يمكنك تعديل كل لون بعدها.

90%

تحكّم بعرض النص داخل الصفحة؛ يُحفظ اختيارك للفصول التالية.

215%
النص والمظهر
1.0×
معاينة الخط

هذه معاينة قصيرة لشكل النص أثناء القراءة.

وهنا تظهر المسافة بين فقرتين.

اختر لون خلفية مريحًا للقراءة.

لا يتوفر غلاف لهذه الرواية.

رفع صورة خلفية مخصصة

تُحفظ الصورة في هذا المتصفح فقط.

100%

خفّض التباين لجعل النص أكثر راحة وأقل بروزاً.

عند إيقافه، يختار الموقع لون النص حسب السمة.

طريقة القراءة

انقر داخل نص الفصل للانتقال إلى أسفل بمقدار الشاشة المحدد.

يظهر زر البدء والإيقاف في شريط الفصل والشريط العائم.

40 px/ث
يتوقف التمرير عند استخدام لوحة المفاتيح أو اللمس.

اسحب أفقيًا داخل النص للانتقال إلى الفصل المجاور. يمكنك استخدام Shift مع سهم اليمين أو اليسار من لوحة المفاتيح.

عناصر صفحة الفصل
محاذاة النص
شريط التقدم

يخفي شريط الموقع الثابت الذي يظهر عند التمرير أثناء قراءة الفصول.

يحفظ اختيارك في هذا المتصفح ويخفي زري الإعدادات والانتقال إلى أعلى الصفحة.

خيارات متقدمة وحفظ الإعدادات
وضع التصفية

لتغيير كلمة إله إلى شيء آخر

تبقى الإعدادات على هذا المتصفح. لا يتضمن التصدير صورة الخلفية المخصصة.

لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.
READER EDITION

تخصيص الموقع

اختر ألوان الموقع والوضع الداكن بما يلائم ذوقك.

دعم الرواية

موشوكو تينساي

سجّل الدخول لإرسال الذهب إلى خزنة الرواية.