الأب والأبن
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
«هل علمتِ بالأمر سلفًا؟»
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
ربما عليّ البقاء هنا حتى موعد انتهاء الدوام.
ترجمة: Arisu san
كان “هان فاي” ببدلته الرسمية، و”فو شينغ” بزيه المدرسي. وقفا وجهًا لوجه في قلب الحديقة الصغيرة. أوراق الأشجار تهمس في الهواء، والقطط تحدق في علبة الطعام بشراهة، كأنها تسأل: ماذا تفعلان؟
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ردّ “فو شينغ”:
كانت نتيجة الفحص الطبي في جيب “هان فاي”. دخل المطبخ ووقف إلى جوار زوجته. كان الماء النقي ينساب من الأنبوب، يغسل الأوساخ والفقاعات، وتُمسح الصحون حتى غدت تلمع كالمرآة.
«نعم.»
قال بصوت خافت:
قال بصوت خافت:
«هل علمتِ بالأمر سلفًا؟»
ثم مشى متجاوزًا الشجيرة ليقف إلى جوار “فو شينغ”. جلسا معًا على المقعد، دون أن يتبادلا الحديث، يراقبان القطط الضالة بصمت.
ألقى “هان فاي” نظرة على يدي زوجته؛ كانت أصغر من “فو يي”، لكن يديها كانتا أخشن من يديه.
أحسّ “هان فاي” بأن زوجته تعرف تاريخ “فو يي” مع النساء الأخريات، وتدرك تمامًا أنه ليس “فو يي” الحقيقي. ما من أحد في هذا العالم يعرف “فو يي” أكثر منها. لقد تحملته مرارًا وتكرارًا حتى اضطرت في النهاية إلى حمل السكين. كانت امرأة تُقدّر العائلة فوق كل شيء، ولم تكن لتتخذ قرارًا كهذا إلا مضطرة. استطاع “هان فاي” أن يتخيل يأسها حينها. بعد أن أنهت تنظيف المطبخ، غادرت زوجته، وكأنها تتعمد تجنب الحديث معه كي لا تضطر إلى سماع الحقيقة.
«أي أمر؟» ردّت زوجته وهي تضع الأطباق والأواني في الخزانة، ثم توجهت إلى المرحاض لتنظيفه. وعندما فرغت من كل شيء، كان “هان فاي” لا يزال واقفًا في مكانه، عاجزًا عن النطق. لم يمرّ من قبل بتجربة كهذه. كانت الكلمات على طرف لسانه، لكنها أبت أن تخرج. هذا الزمن الذي يعيشان فيه يُفترض أن يكون أسعد فترات حياتها، لكن إن هو أفصح بالحقيقة، فسوف تنفجر الفقاعة.
قال “هان فاي” ساخرًا:
أحسّ “هان فاي” بأن زوجته تعرف تاريخ “فو يي” مع النساء الأخريات، وتدرك تمامًا أنه ليس “فو يي” الحقيقي. ما من أحد في هذا العالم يعرف “فو يي” أكثر منها. لقد تحملته مرارًا وتكرارًا حتى اضطرت في النهاية إلى حمل السكين. كانت امرأة تُقدّر العائلة فوق كل شيء، ولم تكن لتتخذ قرارًا كهذا إلا مضطرة. استطاع “هان فاي” أن يتخيل يأسها حينها. بعد أن أنهت تنظيف المطبخ، غادرت زوجته، وكأنها تتعمد تجنب الحديث معه كي لا تضطر إلى سماع الحقيقة.
كانت بدلة “هان فاي” مجعّدة، وعلب البيرة كلها فارغة. كان مستلقيًا كأنما غطّ في النوم.
إنها تعرف حقًا. لم يكن “هان فاي” يتوقع أن تكون أول من يخترق تمثيله المتقَن امرأة عادية، ربة منزل فحسب.
«حتى طلاب الثانوية يعيشون تحت ضغط كبير. أحيانًا يكون الأمر عليهم أشد من العاملين.»
في الساعة العاشرة مساءً، دخل “هان فاي” وزوجته غرفة النوم. استلقت هي على السرير، أما هو ففتح الخزانة ليأخذ فراشه، فلاحظ أن البطانية والمرتبة قد تم استبدالهما بأخرى أكثر دفئًا ونعومة. رتّب فراشه، ثم تمدّد عليه وراح يحملق في السقف، غير قادر على النوم.
ثم فتح علبة، ورمى الفارغة مقوّسة في الهواء، فاستقرت في سلة المهملات بدقة.
عند الساعة السادسة صباحًا، نهضت زوجته بحذر من السرير وبدأت الاستعداد ليومٍ جديد في هذا البيت. فتح “هان فاي” عينيه بعد مغادرتها. لم يفعل شيئًا إضافيًا. انتظر حتى دقّ المنبه ثم نهض من فراشه. دخل الحمام، ثم جلس إلى المائدة منتظرًا الإفطار.
«بوجه عام، أعتقد أن عليّ شكرك. فبفضلك أنا موجود هنا الآن.»
فتح باب الطابق الثاني، وخرج “فو شينغ” حاملاً حقيبته المدرسية.
كان “هان فاي” ببدلته الرسمية، و”فو شينغ” بزيه المدرسي. وقفا وجهًا لوجه في قلب الحديقة الصغيرة. أوراق الأشجار تهمس في الهواء، والقطط تحدق في علبة الطعام بشراهة، كأنها تسأل: ماذا تفعلان؟
قالت الزوجة وهي تخرج من المطبخ وتحمل له علبة طعام:
«ومن ذا الذي يختار حياة الضياع إن كان له منزل؟»
«حضّرت لك طعامًا إضافيًا يا “فو شينغ”.»
«بوجه عام، أعتقد أن عليّ شكرك. فبفضلك أنا موجود هنا الآن.»
أخذ “فو شينغ” الوجبة وغادر المنزل.
ابتسم “هان فاي” على نحو غريب.
قال “هان فاي” متفهمًا:
ربّت على جيبه وركض خارج الحديقة. وبعد قليل عاد حاملاً حقيبة كبيرة. وضعها على المقعد وكان مزاجه أفضل. أطلّ “فو شينغ” داخل الحقيبة فوجدها مليئة بالعلب.
«حتى طلاب الثانوية يعيشون تحت ضغط كبير. أحيانًا يكون الأمر عليهم أشد من العاملين.»
«لا، لا أستطيع إعطاءك.»
ردّت الزوجة:
«هل علمتِ بالأمر سلفًا؟»
«عليك أن تسرع، وإلا ستتأخر.»
قال “هان فاي”:
كان “فو شينغ” أول من غادر، وبعد خروج “هان فاي”، كانت زوجته ستصطحب “فو تيان” إلى الروضة. أنهى “هان فاي” إفطاره، أمسك بحقيبته وغادر كما لو كان متوجهًا إلى عمله.
تحسّس “هان فاي” التقرير الصحي في جيبه، وتنفس الصعداء حين تأكد أنه ما زال هناك.
«انتظر.» نادته زوجته فجأة. كانت تمسح يديها وهي تقترب منه، ثم عدّلت ياقة قميصه بعناية. ونظرًا إلى مدى جدّيتها، لم ينبس “هان فاي” ببنت شفة.
إنها تعرف حقًا. لم يكن “هان فاي” يتوقع أن تكون أول من يخترق تمثيله المتقَن امرأة عادية، ربة منزل فحسب.
قالت:
قال “فو شينغ” بصوت خافت:
«حسنًا، انتبه لنفسك.»
ردّت الزوجة:
أجاب:
«حتى طلاب الثانوية يعيشون تحت ضغط كبير. أحيانًا يكون الأمر عليهم أشد من العاملين.»
«سأفعل.»
قال “فو شينغ” وهو يضع العلبة:
تحسّس “هان فاي” التقرير الصحي في جيبه، وتنفس الصعداء حين تأكد أنه ما زال هناك.
كانت بدلة “هان فاي” مجعّدة، وعلب البيرة كلها فارغة. كان مستلقيًا كأنما غطّ في النوم.
وصل إلى محطة الحافلات. نظر إلى الحافلات المارّة، وكان عدد الناس من حوله يتناقص شيئًا فشيئًا، حتى وجد نفسه وحيدًا. لم يكن لديه عمل، فأين يذهب؟
قالت:
روضة فو تيان تقع في الجهة الغربية. قد تمر زوجتي من هنا وتراني. غادر “هان فاي” محطة الحافلات واتجه شرقًا. سار متجولًا حتى وصل إلى حديقة مهجورة. جلس على أحد المقاعد، لا وجهة له. لم يكن أحد يرتاد هذا المكان. الأشجار كثيفة، والعصافير تطير، والسناجب تمرّ أحيانًا عبر الأغصان. وأشعة الشمس الصباحية تلامس الأعشاب، والقطط الضالة تتمدد بتكاسل. لم تكن تخشى البشر، فهذه الحديقة كانت وطنها.
وعند الظهيرة، أخرج “فو شينغ” علبة طعامه. فتح الغطاء وهمّ بالأكل، لكنّه لاحظ نظرات “هان فاي”.
ربما عليّ البقاء هنا حتى موعد انتهاء الدوام.
ثم مشى متجاوزًا الشجيرة ليقف إلى جوار “فو شينغ”. جلسا معًا على المقعد، دون أن يتبادلا الحديث، يراقبان القطط الضالة بصمت.
لم يكن “هان فاي” يعلم ما ينبغي عليه فعله. كان عليه دين حياة، ويجب عليه سداده. كان بحاجة إلى سحب 720 ألف يوان من مدخرات العائلة. شعر بالتعب. أسند ظهره إلى المقعد ورفع بصره إلى السماء الزرقاء. لم يكن له أن يفعل ذلك لا في حياته الواقعية ولا في العالم الغامض. نادرًا ما سنحت له الفرصة بالجلوس في ركن هادئ من المدينة.
ربما عليّ البقاء هنا حتى موعد انتهاء الدوام.
وبعد قليل، شعر بشيء يلامس ذراعه. نظر، فإذا بقط ضال قد قفز إلى المقعد. جلس القَط إلى جواره، وذيله يهتز كأن له إرادة مستقلة.
«عمّ تتحدث؟»
قال “هان فاي” مبتسمًا:
إنها تعرف حقًا. لم يكن “هان فاي” يتوقع أن تكون أول من يخترق تمثيله المتقَن امرأة عادية، ربة منزل فحسب.
«هل شغلتُ مكانك؟»
قال بصوت خافت:
مدّ يده ليمسّد القطة، لكن جميع القطط تنبّهت فجأة إلى شيء ما، فهربت من حوله وركضت نحو الجهة الأخرى من الشجيرات. نهض “هان فاي” متعجبًا، واستدار، فإذا بطالب ثانوية يقترب حاملاً علبة مفتوحة من طعام القطط. وما إن التقت أعينهما حتى اتسعت أعينهما بالدهشة، وقالا معًا:
«لماذا لستَ في المدرسة؟»
«لماذا لستَ في العمل؟»
فتح باب الطابق الثاني، وخرج “فو شينغ” حاملاً حقيبته المدرسية.
«لماذا لستَ في المدرسة؟»
بعد الغداء، ذهب “فو شينغ” لتنظيف العلبة، ثم عاد وجلس يدرس على المقعد. أما “هان فاي”، فنادرًا ما أتيحت له فرصة للاسترخاء. جلس إلى جوار “فو شينغ”، مركز هذا العالم، وسمح لنفسه بأن يخفّف حذره. راحت الشمس تنحدر ببطء. أنهى “فو شينغ” واجباته، ثم نظر إلى جانبه.
كان “هان فاي” ببدلته الرسمية، و”فو شينغ” بزيه المدرسي. وقفا وجهًا لوجه في قلب الحديقة الصغيرة. أوراق الأشجار تهمس في الهواء، والقطط تحدق في علبة الطعام بشراهة، كأنها تسأل: ماذا تفعلان؟
ردّت الزوجة:
قال “فو شينغ” وهو يضع العلبة:
«أتريد واحدة؟»
«في الحقيقة، كنت أنوي الذهاب إلى المدرسة، لكنني أتردد كلما اقتربت من البوابة.»
كانت نتيجة الفحص الطبي في جيب “هان فاي”. دخل المطبخ ووقف إلى جوار زوجته. كان الماء النقي ينساب من الأنبوب، يغسل الأوساخ والفقاعات، وتُمسح الصحون حتى غدت تلمع كالمرآة.
ثم نظر إلى والده وسأله:
«ومن ذا الذي يختار حياة الضياع إن كان له منزل؟»
«وأنت، لماذا لست في العمل؟»
في الساعة العاشرة مساءً، دخل “هان فاي” وزوجته غرفة النوم. استلقت هي على السرير، أما هو ففتح الخزانة ليأخذ فراشه، فلاحظ أن البطانية والمرتبة قد تم استبدالهما بأخرى أكثر دفئًا ونعومة. رتّب فراشه، ثم تمدّد عليه وراح يحملق في السقف، غير قادر على النوم.
أجاب “هان فاي”:
هزّ “فو شينغ” رأسه:
«تم طردي.»
▬▬▬ ❃ ◈ ❃ ▬▬▬
ثم مشى متجاوزًا الشجيرة ليقف إلى جوار “فو شينغ”. جلسا معًا على المقعد، دون أن يتبادلا الحديث، يراقبان القطط الضالة بصمت.
«أتريد واحدة؟»
قال “فو شينغ” وهو يربّت على ذقن إحدى القطط:
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
«أحيانًا أشعر بالغيرة منهم. لا يقلقون على شيء. أحرار تمامًا.»
ردّ “هان فاي” بصوت يحمل حنينًا:
اللَّهُم إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَن أَشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ
«ومن ذا الذي يختار حياة الضياع إن كان له منزل؟»
ألقى “هان فاي” نظرة على يدي زوجته؛ كانت أصغر من “فو يي”، لكن يديها كانتا أخشن من يديه.
كان “هان فاي” يتيمًا. شوقه للبيت كان عميقًا، ولهذا كان مستعدًا لفعل أي شيء من أجل حماية حيّ السعادة وعائلته.
ثم نظر إلى والده وسأله:
بعض القطط انسحبت بعدما شبعت، وبعضها تمدد في كسل وكأنها كرات من الفرو بلا روح. تخلف “فو شينغ” عن المدرسة، وتخلف “هان فاي” عن العمل، لكنهما جلسا معًا في الحديقة الهادئة، بلا كلمة، وإنّما بروابط تشدّهما ببعضهما أكثر فأكثر. لعلها أطول مدة قضياها سويًا.
قال “فو شينغ” وهو يضع العلبة:
وعند الظهيرة، أخرج “فو شينغ” علبة طعامه. فتح الغطاء وهمّ بالأكل، لكنّه لاحظ نظرات “هان فاي”.
ثم فتح علبة، ورمى الفارغة مقوّسة في الهواء، فاستقرت في سلة المهملات بدقة.
قال:
كانت نتيجة الفحص الطبي في جيب “هان فاي”. دخل المطبخ ووقف إلى جوار زوجته. كان الماء النقي ينساب من الأنبوب، يغسل الأوساخ والفقاعات، وتُمسح الصحون حتى غدت تلمع كالمرآة.
«أتريد بعضًا منه؟»
قال:
أجاب “هان فاي”:
«كيف تكفيك كمية كهذه من الطعام؟ ابقَ هنا، سأعود فورًا.»
«نعم.»
«أتريد بعضًا منه؟»
«؟»
ردّ “هان فاي” بصوت يحمل حنينًا:
هزّ “فو شينغ” رأسه وقال:
«وأنت، لماذا لست في العمل؟»
«لا، لا أستطيع إعطاءك.»
أجاب “هان فاي”:
قال “هان فاي” ساخرًا:
«ومن ذا الذي يختار حياة الضياع إن كان له منزل؟»
«يا لك من غبي، ولمَ سألتني إذًا؟»
لم يسبق له أن رأى والده على هذه الهيئة. لقد كان دائمًا أنانيًا، متسلطًا، عنيفًا. كان قاسيًا مع أبنائه لأنه يرى نفسه كفؤًا، وكان يعنّفهم إذا خيّبوا ظنه. لكن في لحظة ما، شعر “فو شينغ” بأن والده تغيّر.
ردّ “فو شينغ”:
ردّ “فو شينغ”:
«ظننت أنك سترفض.»
«بوجه عام، أعتقد أن عليّ شكرك. فبفضلك أنا موجود هنا الآن.»
ابتسم “هان فاي” على نحو غريب.
«انتظر.» نادته زوجته فجأة. كانت تمسح يديها وهي تقترب منه، ثم عدّلت ياقة قميصه بعناية. ونظرًا إلى مدى جدّيتها، لم ينبس “هان فاي” ببنت شفة.
قال وهو ينهض:
كان “فو شينغ” أول من غادر، وبعد خروج “هان فاي”، كانت زوجته ستصطحب “فو تيان” إلى الروضة. أنهى “هان فاي” إفطاره، أمسك بحقيبته وغادر كما لو كان متوجهًا إلى عمله.
«كيف تكفيك كمية كهذه من الطعام؟ ابقَ هنا، سأعود فورًا.»
ثم مشى متجاوزًا الشجيرة ليقف إلى جوار “فو شينغ”. جلسا معًا على المقعد، دون أن يتبادلا الحديث، يراقبان القطط الضالة بصمت.
ربّت على جيبه وركض خارج الحديقة. وبعد قليل عاد حاملاً حقيبة كبيرة. وضعها على المقعد وكان مزاجه أفضل. أطلّ “فو شينغ” داخل الحقيبة فوجدها مليئة بالعلب.
قال وهو ينهض:
قال “هان فاي”:
ردّ “هان فاي”:
«منذ لقائنا، لم أقترب من الكحول. كنت أخشى أن يؤثر عليّ وأرتكب خطأً، وأنت تعرف، غلطة واحدة تعني موتي. لقد خسرت الكثير، لكني ربحت أيضًا. لا أعلم إن كان عليّ شكرك أم كرهك.»
كانت نتيجة الفحص الطبي في جيب “هان فاي”. دخل المطبخ ووقف إلى جوار زوجته. كان الماء النقي ينساب من الأنبوب، يغسل الأوساخ والفقاعات، وتُمسح الصحون حتى غدت تلمع كالمرآة.
ثم فتح علبة، ورمى الفارغة مقوّسة في الهواء، فاستقرت في سلة المهملات بدقة.
بعض القطط انسحبت بعدما شبعت، وبعضها تمدد في كسل وكأنها كرات من الفرو بلا روح. تخلف “فو شينغ” عن المدرسة، وتخلف “هان فاي” عن العمل، لكنهما جلسا معًا في الحديقة الهادئة، بلا كلمة، وإنّما بروابط تشدّهما ببعضهما أكثر فأكثر. لعلها أطول مدة قضياها سويًا.
قال “فو شينغ” متحيرًا:
تحسّس “هان فاي” التقرير الصحي في جيبه، وتنفس الصعداء حين تأكد أنه ما زال هناك.
«عمّ تتحدث؟»
«عليك أن تسرع، وإلا ستتأخر.»
ردّ “هان فاي”:
وبعد قليل، شعر بشيء يلامس ذراعه. نظر، فإذا بقط ضال قد قفز إلى المقعد. جلس القَط إلى جواره، وذيله يهتز كأن له إرادة مستقلة.
«بوجه عام، أعتقد أن عليّ شكرك. فبفضلك أنا موجود هنا الآن.»
ردّ “فو شينغ”:
ثم التفت إليه وسأله:
مدّ يده ليمسّد القطة، لكن جميع القطط تنبّهت فجأة إلى شيء ما، فهربت من حوله وركضت نحو الجهة الأخرى من الشجيرات. نهض “هان فاي” متعجبًا، واستدار، فإذا بطالب ثانوية يقترب حاملاً علبة مفتوحة من طعام القطط. وما إن التقت أعينهما حتى اتسعت أعينهما بالدهشة، وقالا معًا:
«أتريد واحدة؟»
«لا، لا أستطيع إعطاءك.»
هزّ “فو شينغ” رأسه:
ربّت على جيبه وركض خارج الحديقة. وبعد قليل عاد حاملاً حقيبة كبيرة. وضعها على المقعد وكان مزاجه أفضل. أطلّ “فو شينغ” داخل الحقيبة فوجدها مليئة بالعلب.
«لا، شكرًا.»
«عليك أن تسرع، وإلا ستتأخر.»
بعد الغداء، ذهب “فو شينغ” لتنظيف العلبة، ثم عاد وجلس يدرس على المقعد. أما “هان فاي”، فنادرًا ما أتيحت له فرصة للاسترخاء. جلس إلى جوار “فو شينغ”، مركز هذا العالم، وسمح لنفسه بأن يخفّف حذره. راحت الشمس تنحدر ببطء. أنهى “فو شينغ” واجباته، ثم نظر إلى جانبه.
«هل علمتِ بالأمر سلفًا؟»
كانت بدلة “هان فاي” مجعّدة، وعلب البيرة كلها فارغة. كان مستلقيًا كأنما غطّ في النوم.
«انتظر.» نادته زوجته فجأة. كانت تمسح يديها وهي تقترب منه، ثم عدّلت ياقة قميصه بعناية. ونظرًا إلى مدى جدّيتها، لم ينبس “هان فاي” ببنت شفة.
قال “فو شينغ” بصوت خافت:
ثم التفت إليه وسأله:
«هل كنت متعبًا هكذا دومًا؟»
«ومن ذا الذي يختار حياة الضياع إن كان له منزل؟»
لم يسبق له أن رأى والده على هذه الهيئة. لقد كان دائمًا أنانيًا، متسلطًا، عنيفًا. كان قاسيًا مع أبنائه لأنه يرى نفسه كفؤًا، وكان يعنّفهم إذا خيّبوا ظنه. لكن في لحظة ما، شعر “فو شينغ” بأن والده تغيّر.
قال “فو شينغ” وهو يربّت على ذقن إحدى القطط:
ربما كان ذلك ليلة وقوفه إلى جانبه في الزقاق، أو حين سمعه يتحدث مع أمه عبر الهاتف ويخبرها بأنه ضرب المدير، أو لعلها كانت تلك اللحظة التي صدّقه فيها وساعد المدير العجوز.
مرت في خاطره أحداث الأيام الأخيرة، واستغرق وقتًا طويلًا ليهضمها. كانت الشمس توشك أن تغيب. أنهى “فو شينغ” توضيب حقيبته، وهزّ كتف “هان فاي” بلطف.
وعند الظهيرة، أخرج “فو شينغ” علبة طعامه. فتح الغطاء وهمّ بالأكل، لكنّه لاحظ نظرات “هان فاي”.
«أبي، حان وقت العودة إلى المنزل.»
«يا لك من غبي، ولمَ سألتني إذًا؟»
قالت:
