6 - حفلة شاي الساحرات.
حفلة شاي الساحرات
لأنني أملك عقلية الباحثة، فإن سلطتك هذه تجعل لعابي يسيل. مع ضمان وجود ”ظروف متطابقة“ و”إمكانية التحقق من الفروقات“، يصبح من الممكن التمييز بين ”النتيجة الصحيحة“ و”النتيجة المتغيرة“. كيف لي ألا أطمع في ذلك؟ وكيف لي أن أقاوم محاكمة الاحتمالات المتعددة عندما تكون هذه القوة أمامي؟
《١》
بينما كان سوبارو يتلوى ويتنفس بصعوبة، أدرك أن المشهد من حوله قد تبدل إلى سهلٍ عشبي.
—كانت العبارة الأخيرة واضحة بشكل استثنائي بحيث سمعها سوبارو بجلاء.
غمرت أنفه رائحة العشب الكثيفة القادمة من الأرض التي جلس عليها. أشرقت الشمس من فوقه وكأنها جاءت بعد هطول مطر، فيما تغلغلت روائح الطبيعة في جسده حتى كادت تخنقه بعبقها الشديد.
«بياتريس انتظرت طوال هذا الوقت قدوم ”ذلك الشخص“، وفقًا للعهد. ولا بد أن ذلك العهد هو عهدكِ معها. أنتِ من ربطها بذلك القصر، أليس كذلك؟»
فوق التل الأخضر، كانت إيكيدنا تنتظره بهدوء على طبيعتها، وقد أتمَّت تحضيرات حفلة الشاي مسبقًا.
مصاعب كثيرة ستعترض طريقك في المستقبل. وعزيمتك هي التي ستدفعك لمواجهتها، ولكن هذا أمر مؤلم. سأكون الشعلة التي تنير مسارك. وسأكون كذلك الروابط التي تسعى لحمايتها. تساؤلاتك، أثقالك، مشاعرك، وآمالك. لقد علمتني عبر التجربة قيمة كل هذه الأمور. قد تكون تلك المشاهد التي رأيتها في التجربة أشبه بجحيم لك، لكن بين معرفة الحقيقة مسبقًا أو الجهل بها، أود أن أشيد بإرادتك لمعرفة حتى أكثر الحقائق إيلامًا.
كما عهدها، طبيعية تمامًا. كما العادة.
«أفترض أن لديك الكثير من الأمور التي ترغب في قولها، وأسئلة تود طرحها… ولكن ماذا لو بدأنا بأن تجلس وتحتسي كوبًا من الشاي؟»
«… أتظنين حقًا أن بإمكاني تجاهل ما فعلتِه بي للتو وأجلس هناك؟»
«أجل. بإمكانك أن تقدم حساباتك العقلانية على الغضب الذي قد يُفسد الفرصة. أنت تفضِّل الحديث معي على طردي. هذا هو القرار الذي اتخذته داخليًا، أليس كذلك؟»
ولكن هذه المرة، تدخُّلها في المحادثة أثار حيرته وجعله يتردد.
«سأقتل أي شخص يلجأ إلى القوة، آه. أنا القوة الكابحة لهذا الغرض، آه.»
«…»
«… ألم تكن القصة أن الأموات لا يمكنهم التدخل في العالم الحقيقي؟»
بأسلوب بالغ الثقة، كشفت إيكيدنا عما كان مستقرًا في صدره، كما لو أنها شخص بالغ يرى بوضوح ما يدور في ذهن طفل.
كان ما قالته صحيحًا، لكنه ليس بالشخص الذي يقبل ذلك برحابة صدر.
«إيكيدنا… إن لم يكن هذا هو قصدك الحقيقي، فقولي ذلك.»
«همم؟»
«بخصوص ما حدث قبل قليل… إن كانت تلك نزوة من ساحرة الشهوة وليس ذلك ما قصدتِ فعلَه، قوليها. قولي آسفة. إن فعلتِ، لن أحاسبك.»
عرض عليها ذلك بصراحة. احتاج إلى عقلها وإلى تعاونها للمضي قدمًا، لكن في الوقت نفسه، لم يستطع التغاضي عمَّا لا يُغتفر. فقد استغلت إيكيدنا كارميلا لتدوس على شيء مقدَّس وغير قابل للانتهاك في قلب سوبارو.
ولهذا، كان من الضروري، سواء لمسامحة إيكيدنا أو لاستعادة قدرته على الجلوس في حفلة الشاي، أن تقولها.
«—؟ إذًا لا أفهم لماذا تم التعاقد معنا للقيام بهذا…»
«…أتساءل كيف أعبِّر عن هذا بأفضل شكل…»
لم يستوعب سوبارو ما قصدته إيكيدنا بكلامها. من الطبيعي، بل من البديهي، أن يفهم الأمر على هذا النحو.
وفي تلك اللحظة بالذات، أدركت تمامًا الصراع والضعف الذي يسكن أعماق سوبارو.
إلى الفنان أوتسوكا، هذه المرة أظهرنا الساحرتين الأخيرتين وعودة سيد الوحوش، وغيرها. شكرًا على الرسومات الساحرة والأنيقة. دائمًا ما تُضيف مهارتك في الرسم الكثير، وأشكرك حقًا على المساهمة في جعل هذا المجلد قويًا جدًا!
أطلقت إيكيدنا زفيرًا خافتًا، وأثناء انتظار ردَّها، ضاقت عيناها السوداوان وقالت: «كما قلت تمامًا. كانت تلك نزوة من كارميلا. حاولتُ منعها، لكنها لم تستمع إليَّ. استغلَّت المحاكمة كذريعة لتبدأ عرضًا مسرحيًا من أجل أن توقع بك.»
إلى مصمم الغلاف كوسانو، يشرفني أنك صقلت التصميم إلى هذا الغلاف الأنيق، لدرجة أنه يبدو غير مألوف بالنسبة لسلسلة Re:ZERO (؟). الغلاف يعبر عن ”الأخوات المظلمات“ على نحوٍ مذهل. شكرًا جزيلًا.
«إذا كان هذا سيجعل الأمور تسير نحو الأفضل ولو قليلًا، إذًا…»
«…»
«إذًا، كيف يتم عقد هذا النوع من الاتفاقات؟»
«لكن لا بد من القول إنك نجوتَ من ذلك الموقف العصيب بقوتك الخاصة. ومن خلال فشل كارميلا في الإيقاع بك، تمكنت من استعادة زمام الأمور، وهذا ما أتاح لنا هذا اللقاء مجددًا.»
تبلدت أجواء إيكيدنا بشيء من الحيرة أمام نبرة صوت سوبارو المرتعشة. وكان هذا كافيًا ليحسم الأمر.
«…»
«همم؟»
جلس سوبارو القرفصاء فوق الأرض التي تسطحت تحت وقع الضربة، وهو يحدق إلى الأعلى في وجه صاحب تلك النظرة الحانقة.
«… بعد كل ما قلته، هل تشعر بالرضا الآن؟»
أنهت إيكيدنا كلامها بسرعة، مقدِّمة الإجابة التي أرادها سوبارو، لكنها قوَّضتها تمامًا بجملتها الأخيرة.
لم يشعر سوبارو أن كلماتها تحمل كذبًا. وربما كان ذلك فقط لأنه أراد أن يصدقها.
«—هاه؟»
عندما دفع ذلك الرد سوبارو إلى عض شفتيه، تهاوت كتفا إيكيدنا بتنهيدة واضحة من الإنهاك. ثم رفعت الكأس التي كانت على الطاولة إلى شفتيها وهي تتابع الحديث:
《٣》
بالرغم من أن إيكيدنا هي مَن قدمت العرض، كان هدفها الأساسي إنقاذ روح سوبارو المتعبة.
«أظن أنك تفهم. وجهتُ كارميلا للذهاب إليك متنكرةً في هيئة المرأة التي تسكن قلبك. وإن كان كشفك للحيلة بسبب عدم كفاية الشبه، فهذا خطؤها.»
عندما ضغط سوبارو عليها في السؤال، خفضت إيكيدنا نبرة صوتها، وللمرة الأولى في ذلك الحديث، تردد صدى كلماتها في أذنيه بطريقة أثارت قلقه بدلًا من غضبه.
«…لماذا تفعلين شيئًا كهذا؟»
«—لأنه كان الأسلوب الأكثر فعالية، والأكثر احتمالًا للنجاح.»
بينما تلاشت تعابير وجه سوبارو، استمرت إيكيدنا في حديثها بلا أدنى شعور بالذنب.
عندما يصل إلى طريق مسدود، عندما يفقد أي بصيص إجابة، وعندما تحين لحظة مواجهة معضلاته…
«لماذا تفعلين كل هذا من أجلي…؟»
«بصراحة، لم أتوقع أن تُسحب إلى المحاكمة الثاني. بإمكانك اعتبار ذلك اعترافًا بأن عمق المحاكمة تجاوز توقعاتي.»
الجشع، الغضب، الشهوة، الكسل، الشراهة، والفخر— مع حضور هؤلاء جميعًا إلى حفلة الشاي، انضمت أخيرًا السابعة: ساحرة الحسد.
نهض من وضعه المتكئ، مستغلًّا زخمه لينتصب واقفًا. رفعت إيكيدنا بصرها نحوه بسبب الفارق الطفيف في الطول، وارتسمت على وجهها لمحة خافتة من القلق.
«…»
«إذًا، كيف يتم عقد هذا النوع من الاتفاقات؟»
«إيكيدنا. عندما يُبرم اتفاق، يجب أن يكون هناك جانب سلبي… لا، تعويض.»
«أرجوك، تجاهل تدخلي في المحاكمة. كما قلتُ لك بعد المحاكمة الأول، هذه المحاكمتات من تصميمي. سيكون من المحرج أن تشكو من شيء كهذا.»
شَعَّت خصلات شعرها البيضاء كالثلج في نسيم خفيف، وتوردت وجنتاها قليلًا بفعل الانفعال، تقف هناك كعذراء في أضعف حالاتها، تفيض بمشاعرها بعد اعترافها، تنتظر بلهفة وصدق جواب سوبارو.
«أفترض أن لديك الكثير من الأمور التي ترغب في قولها، وأسئلة تود طرحها… ولكن ماذا لو بدأنا بأن تجلس وتحتسي كوبًا من الشاي؟»
«…تابعي.»
استغرق الأمر بعض الوقت حتى يفهم ما كانت تقوله هذه الساحرة الخجولة. فقد كانت تلك العبارة بعيدة تمامًا عن الصورة التي رسمها في ذهنه عنها حتى تلك اللحظة.
«كما تشاء. على أي حال، أثناء مراقبتي لك من بعيد خلال المحاكمة، خطر لي هذا التفكير: إذا تركتك وحدك، فإن المحاكمة سيسحق قلبك حتى لا يبقى منه شيء.»
كان ينبغي عليه أن يتمكن من النجاح. شخص آخر في ظروفه ذاتها كان لينجح حتمًا. لكن لأنه هو مَن كان هناك، فإن كثيرين لم ينالوا فرصة النجاة.
لم تكن تلك نبوءة مبالغ فيها. ليس هناك شك يُذكر في أن هذا هو ما كان سيحدث بالفعل. لم يغفل سوبارو عن حقيقة هشاشته إلى حد إنكار ذلك على نحوٍ أعمى.
أرجوك. أريدك أن تثق بي.»
في المحاكمة الثاني؛ رأى سلاسل من الجحيم التي مزقت منه كل ما تبقى من صلابة أو عناد أو أوهام يمكنه الاحتماء بها.
بينما انتفخت وجنتا مينيرفا استياءً، أشار سوبارو نحو إيكيدنا. فمالت مينيرفا رأسها حائرة، لكن إيكيدنا قالت «آه.» وقد بدا أنها فهمت مصدر ارتباكه، وصفقت بيديها وقالت: «الآن أدركت سبب حيرتك. أنت تجد أنه من الغريب أن تكون هي وأنا في نفس المكان.»
«لهذا السبب تدخلت. تدخلتُ لأنني رأيتُ احتمالًا بأن يكسر المحاكمة روحك ويدفعك للاستسلام للمستقبل.»
اختفى الغموض الذي أحاطت به نفسها منذ لحظة، لتتحول إلى وجه متبسم بتواضع وشيء من التحدي، مما جعل سوبارو يبتسم دون وعي.
«لكن هذا غريب. هذا تناقض. أعرف أنكِ قلتِ إنكِ لا تكترثين بنتائج المحاكمة. لقد وصفتِ نفسك من قبل بأنك تجسيد للجشع من أجل المعرفة، وأنك تريدين معرفة كل شيء في هذا العالم. كان الأمر كذلك في المحاكمة الأول. حتى الفشل يعتبر نتيجة تهتمين بمعرفتها.»
كل ما أرادته إيكيدنا هو أن ترى سوبارو وهو يشق طريقه نحو وجهته، وأن تشاهد المشاهد ذاتها التي يشاهدها على طول الطريق. أرادت أن تعرف ما يشعر به سوبارو، وما يعرفه، ونتائج أفعاله.
«آه…»
«ليس هناك أي تناقض. صحيح أن انهيار عقلك يُعد إحدى النتائج. لكنني لستُ امرأة عديمة الرحمة إلى حد أنني لا أشعر بأي ندم مهما كانت النتيجة.»
«ماذا…؟»
جلس سوبارو القرفصاء فوق الأرض التي تسطحت تحت وقع الضربة، وهو يحدق إلى الأعلى في وجه صاحب تلك النظرة الحانقة.
بينما تلاشت تعابير وجه سوبارو، استمرت إيكيدنا في حديثها بلا أدنى شعور بالذنب.
عندما ضغط سوبارو عليها في السؤال، خفضت إيكيدنا نبرة صوتها، وللمرة الأولى في ذلك الحديث، تردد صدى كلماتها في أذنيه بطريقة أثارت قلقه بدلًا من غضبه.
«الأمر بسيط. أريد مشاعرك وأفكارك، ما تبقى في قلبك، المستقبَلات التي تعرفها، الاحتمالات التي تصنعها، وثمار كل المجهولات التي تنبثق من وجودك… أريد أن أتذوقها.»
كان يبحث عن النية الحقيقية خلف كلامها الأخير. فإذا أخذ كلماتها على ظاهرها، فالمعنى…
لو كان سوبارو إنسانًا أفضل، لربما كانت تلك الكلمات ستنجح في تضميد جروحه وتخفيف وطأة ذنبه، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة له.؛ فهو لا يستطيع أن يسمح لنفسه بالتفكير بهذه الطريقة.
حين حاول سوبارو التمسك بأمل في تفسيرها، أغلقت إيكيدنا بعينيها اللتين تشعان بالمنطق ذلك الباب أمامه، وسدَّت بوضوح طريق الهروب الذي كان قد لاح في الأفق. فاختنقت كلماته في حلقه، وأغمضت إيكيدنا عينًا وهي تقول:
«أنتِ تقولين إنك فعلتِ ذلك… لمنعي من الانهيار؟»
«أنا أغفر. وأنا أعلم كل ما حدث.»
«…ليس لديَّ عذر لإيذاء قلبك. لذا، غضبك مبرر. سأقبل انتقاداتك بكرم. أنت محق. لقد كنتُ مخطئة. هذا كل شيء.»
أشاحت إيكيدنا بنظرها بعيدًا، وراحت تلف خصلات شعرها الأبيض حول إصبعها وهي تدلي بردَّها.
انحبست أنفاس سوبارو وهو يراقب تلك التصرفات، وصوتها الذي بدا عنيدًا على نحو غير متوقع. وفجأة، بدا له أن غضبه الذي شعر به نحو الساحرة ليس في محله، بل بدا سطحيًا.
لو كان هذا تعبيرها عن التعاطف، لشعر سوبارو بالامتنان حد البكاء. لكن في تلك اللحظة، لم يكن في كلماتها أي خلاص له.
في الحقيقة، لولا مساعدة إيكيدنا -رغم أنه تردد في تسميتها مساعدةً بسبب انتحال كارميلا لهوية ريم- لكانت روحه قد تحطمت تمامًا، ولما تبقى له سبيل للمقاومة أو القدرة على النهوض مجددًا.
أطلقت إيكيدنا زفيرًا خافتًا، وأثناء انتظار ردَّها، ضاقت عيناها السوداوان وقالت: «كما قلت تمامًا. كانت تلك نزوة من كارميلا. حاولتُ منعها، لكنها لم تستمع إليَّ. استغلَّت المحاكمة كذريعة لتبدأ عرضًا مسرحيًا من أجل أن توقع بك.»
لقد منعت إيكيدنا ذلك الانهيار قبل وقوعه. ورغم أن سوبارو لم يستطع أن يعبر لها عن الامتنان، إلا أن سلوكها لم يستحق الهجوم عليها بهذا الشكل. وهنا وجدوا نقطة مشتركة بينهما.
لو كان بإمكانه الاتكال عليها، والتشبث بها، وجعلها أساسًا يسير به في حياته، لكان ذلك بلا شك أفضل حالًا.
«…أريد أن أقول شيئًا واحدًا فقط.»
«—لعقد اتفاق رسمي، يجب أن يُربط رباط بين روحك وروحي. أما التفاصيل الدقيقة، فسأتولى أمرها… ولكن في أي حال، دعنا نبدأ بمصافحة الأيدي.»
«—آه.»
من ثوبها الأسود، شعرها الطويل، وبشرتها البيضاء، خمَّن أن لها وجهًا بالغ الجمال— لكن، رغم يقينه من ذلك، لم يرَ وجه الساحرة، بل حجابًا من الظلام الكثيف يحجبه تمامًا.
وقف سوبارو من مكانه، وتوجه إلى الطاولة فوق التل، وانضم إلى حفلة الشاي. عند رؤيته يجلس، أطلقت إيكيدنا زفيرًا خافتًا، ومن الانفراج الطفيف في زوايا عينيها، أدرك ما كان يجول في نفسها.
كان قد تمنَّى إنكارًا حاسمًا. إنكارًا بأن العوالم التي شاهدها بعد موته لم تكن موجودة.
كانت الراحة هي الماء الذي غسل قليلًا من قلقها. لذا، حملق سوبارو في وجه الساحرة وتحدث.
«لا أحد يمكنه أن يحكم عليَّ.»
«لن أشرب أي شاي دونا. لكنني سأقبل بدعوتك إلى الحديث.»
«تـ-توقفوا… أنا لم أفعل شيئًا… فلا تحدقوا بي بتلك النظرات المخيفة… لا…»
《٢》
«أفهم تمامًا ما الذي ترغب في معرفته أكثر من أي شيء. هل أشرح لك عن المحاكمة إذًا؟»
بعد انضم سوبارو إلى حفلة الشاي، اقترحت إيكيدنا موضوع الحديث، وكأنها تريد بذلك إثبات حسن نيتها له.
«… بعد كل ما قلته، هل تشعر بالرضا الآن؟»
لم يكن لديه اعتراض على ذلك. وحين أومأ سوبارو بالموافقة، رفعت إيكيدنا إصبعها برفق.
«كما هو الحال في المحاكمة الأول، المحاكمة الثاني هو، ببساطة، بناء مصطنع. تلك العوالم نُسجت من ذاكرتك، حيث تم تجميع الشروط المختلفة التي تحفظها ذاكرتك، ومن معلومات عن الماضي والحاضر والمستقبل، صُنع ”الآن“ خيالي، ولا شيء أكثر من ذلك.»
«آه! في الواقع، تقرر أن يتم نشر كتاب رسوم خاص بسلسلة Re:ZERO -Starting Life in Another World- يضم جميع رسوم المعلم شينيتشيرو أوتسوكا! الرسوم جميلة وظريفة للغاية، وأخيرًا سيُطرح كتاب ممتع بهذا المفهوم. مهلًا، أليست هذه أخبار رائعة؟ ألا تشعرين بالسعادة؟»
«… يجب أن أشير إلى أن ركن الإعلانات لا يتضمن عادةً محتوى يجعل إلسا سعيدة. الغرض منه هو تقديم معلومات حول Re:ZERE فحسب.»
«بمعنى أن تلك العوالم كانت…»
أدلت إيكيدنا بهذه الحقائق بلا ذرة شعور بالذنب، بينما حاول سوبارو استيعاب كلماتها. كان هناك ما يمكنه قبوله وما لا يمكنه تقبله عاطفيًا.
«إذا كانت تلك العوالم موجودة حقًّا، فلا يوجد سبيل لتعويض ما فعلته. لا يمكن لأيٍّ منَّا إنكار ذلك… لا أنتِ ولا أنا. لا يمكن أن أغفر لنفسي، ولا ينبغي لي أن أغفر.»
«مهما بلغت براعتها، فهي ليست واقعًا. انسجام تلك العوالم تجاوز حتى توقعاتي، لكنها تظل ”مصطنعة“. هذا لا يعني أن تلك العوالم موجودة بالفعل.»
«إذًا!»
«لكن—»
«هل تجلس أولًا؟ أرغب في الحديث قليلًا عن العهود.»
حين حاول سوبارو التمسك بأمل في تفسيرها، أغلقت إيكيدنا بعينيها اللتين تشعان بالمنطق ذلك الباب أمامه، وسدَّت بوضوح طريق الهروب الذي كان قد لاح في الأفق. فاختنقت كلماته في حلقه، وأغمضت إيكيدنا عينًا وهي تقول:
«ماذا؟»
«سلطتك بالعودة من الموت هي قدرة من قدرات الساحرة. وحدها تعرف المبادئ التي تحكمها. أما مسألة ما إذا كان موتك يعيد الزمن إلى الوراء، أو ينقلك إلى عالم موازٍ -وهو أمر أشك في وجوده- أو إن كنتَ تقوم بإعادة كتابة “ذاتك“ التي توجد في ذلك العالم، فكل هذا لا يتجاوز حدود الاحتمالات. الحقائق ما زالت مجهولة.»
«لكن، رغم كل ذلك… ألا توجد حتى… إجابة؟»
لابد أن ذلك الشخص موجود، وإلا لما أُمِرت بياتريس بانتظاره. فهل يُعقل أن إيكيدنا لا تعرف؟ أم أن جهة أخرى ستظهر فجأة وتوضح الأمور—
«عوالم موازية…»
استنتجت إيكيدنا إمكانية وجود عوالم موازية؛ ما يُعرف بنظرية الأكوان المتعددة. وفق هذا التصور، فإن كل اختيار يتخذه أي شخص في العالم يؤدي إلى تشعب الواقع إلى احتمالات متعددة، مما يُفضي إلى عدد لا نهائي من المستويات الوجودية.
«…مم، ما هو؟»
كانت هذه الاحتمالية بالتحديد هي أكثر ما يخشاه سوبارو، الذي واجه الموت مرارًا.
لم يخفَ شيء في رد إيكيدنا. لم تستطع ببساطة تخمين ما الذي يرمي إليه سوبارو.
«أليس هناك… أي طريقة… للتأكد؟»
لو كان بإمكانه الاتكال عليها، والتشبث بها، وجعلها أساسًا يسير به في حياته، لكان ذلك بلا شك أفضل حالًا.
«كفى فلسفات سطحية، هل تعتقدين أن القليل من العلاج النفسي سيحلُّ مشاكلي؟»
«—لا، ليست هناك.»
«آه…»
«الأمر بسيط. أريد مشاعرك وأفكارك، ما تبقى في قلبك، المستقبَلات التي تعرفها، الاحتمالات التي تصنعها، وثمار كل المجهولات التي تنبثق من وجودك… أريد أن أتذوقها.»
«—لعقد اتفاق رسمي، يجب أن يُربط رباط بين روحك وروحي. أما التفاصيل الدقيقة، فسأتولى أمرها… ولكن في أي حال، دعنا نبدأ بمصافحة الأيدي.»
تعلَّق سوبارو بآخر أمل، لكن إيكيدنا بترته بذلك التصريح القاسي.
«أظن أنك تفهم. وجهتُ كارميلا للذهاب إليك متنكرةً في هيئة المرأة التي تسكن قلبك. وإن كان كشفك للحيلة بسبب عدم كفاية الشبه، فهذا خطؤها.»
انهار الأمل داخله مثل ضربة شلت كل مقاومة، فغرق بلا حول في كرسيه. ومن مكانها، نظرت إيكيدنا إلى حاله بنظرة تعكس ألمًا، وهي تنقر بإصبعها على الطاولة برفق.
«كل ما يُثقل كاهلك، لا تعرف إجابته سوى ساحرة الحسد. ويؤلمني بشدة أنني عاجزة عن تخليصك من هذا الألم هنا والآن.»
«إيكيدنا. عندما يُبرم اتفاق، يجب أن يكون هناك جانب سلبي… لا، تعويض.»
لم يكن في كلماتها تعزية مباشرة، بل حديث بدا وكأنه يقربها من روحه بطريقة غير مألوفة.
لو كان هذا تعبيرها عن التعاطف، لشعر سوبارو بالامتنان حد البكاء. لكن في تلك اللحظة، لم يكن في كلماتها أي خلاص له.
انتظرت إيكيدنا سؤال سوبارو، الذي طرح عليها لغزًا يتعلق بها، كان قد لازمه طوال الدورة التي بدأت مع الملجأ. ذلك السؤال هو—
حتى إيكيدنا، واحده من ساحرات الخطايا المميتة، لم تستطع محو الجرائم التي اقترفها سوبارو.
«…»
كان قد تمنَّى إنكارًا حاسمًا. إنكارًا بأن العوالم التي شاهدها بعد موته لم تكن موجودة.
وإن لم يكن ذلك ممكنًا، فقد كان يأمل بتأكيد. تأكيد يقول له: ”غرورك جاء على حساب تضحيات كثيرة.“
بأيٍّ من الردَّين، كان يمكن لسوبارو أن يقاوم. فقد كان الرد بلا شك سيلومه، سيجبره على مواجهة الحقيقة كي لا ينساها أبدًا، وسيتقدم بخطى مثقلة، وأسنانه مطبقة حتى يكاد الدم ينفجر من عينيه، فيما روحه تصرخ وتئن.
«آه! في الواقع، تقرر أن يتم نشر كتاب رسوم خاص بسلسلة Re:ZERO -Starting Life in Another World- يضم جميع رسوم المعلم شينيتشيرو أوتسوكا! الرسوم جميلة وظريفة للغاية، وأخيرًا سيُطرح كتاب ممتع بهذا المفهوم. مهلًا، أليست هذه أخبار رائعة؟ ألا تشعرين بالسعادة؟»
ومع ذلك، رغم هذا الشعور الفادح بالفقد الذي اعتصر قلبه…
«لكن، رغم كل ذلك… ألا توجد حتى… إجابة؟»
بدون قبول أو رفض، ووسط عوالم تتأرجح فوقه في السماء، كيف يمكنه أن يقاوم؟
«هوه-هوه-هوه. مسكين ذلك السيد. قبل أن أسمح لإلسا بمضايقته، من الأفضل أن ألهو معه كثيرًا أولًا. سيكون ذلك ممتعًا للغاية.»
لم يعلم حتى إن كان هو مَن ينتهك الآخرين أم مَن يتعرض للانتهاك، ولم يستطع حتى التخلص من شعور التخلي الذي أثقل قلبه. أكان عقاب سوبارو هو عجزه عن الاعتراف بخطيئته؟
كانت الوحيدة التي رحَّبت بساحرة الحسد هي الطفلة الساحرة، ملوحة بيدها في مرح.
«إيكيدنا. عندما يُبرم اتفاق، يجب أن يكون هناك جانب سلبي… لا، تعويض.»
لا أحد يستطيع أن يصدر حكمًا عليه. لا أحد يمكنه إلقاء اللوم عليه. كان يدرك ذلك تمامًا.
توقفت إيكيدنا عن الكلام للحظة، وظهرت على وجهها ابتسامة متحرجة، وكأنها تخفي شيئًا من الحرج.
لكن هل حتى هو نفسه ممنوع من إصدار الحكم على ذاته؟
«لكن، رغم كل ذلك… ألا توجد حتى… إجابة؟»
«أعتقد أن ذلك أمر قاسٍ. لكنني أيضًا أرى أنه لا خيار إلا أن تقطع صلتك بالماضي.»
«كما هو الحال في المحاكمة الأول، المحاكمة الثاني هو، ببساطة، بناء مصطنع. تلك العوالم نُسجت من ذاكرتك، حيث تم تجميع الشروط المختلفة التي تحفظها ذاكرتك، ومن معلومات عن الماضي والحاضر والمستقبل، صُنع ”الآن“ خيالي، ولا شيء أكثر من ذلك.»
«…أقطع صلتي بالماضي؟»
رفع سوبارو رأسه ببطء نحو إيكيدنا، وقد علا وجهه مزيج من التعب والضياع. قابلته بنظرة جادة لم يرَ مثلها من قبل، ثم قالت: «بلا شك، الخيارات التي اتخذتها قد جلبت معها خسائر كثيرة. ما تركته وراءك وما لا يمكن استعادته لا يُحصى. لكن أن تظل سجينًا لما فقدته دون أن تتقدم للأمام أمر فارغ تمامًا. ألا تعتقد ذلك؟»
«هذا يعني أن المجلد الخامس من إصدار Alive والمجلد الرابع من إصدار *BG* سيصدران. الفصل الثاني اكتمل أخيرًا… ويبدو أن القصة تتضمن ذلك الفتى الذي قطعت بطنه وهو يُنقل إلى القصر.»
«أنا أغفر. وأنا أعلم كل ما حدث.»
«كفى فلسفات سطحية، هل تعتقدين أن القليل من العلاج النفسي سيحلُّ مشاكلي؟»
«—؟ إذًا لا أفهم لماذا تم التعاقد معنا للقيام بهذا…»
لم يكن بحاجة إلى عزاء. كلمات إيكيدنا، رغم كونها مريحة للأذن، لم تكن سوى وسيلة لتخفيف العبء عنه.
ونفس الأمر ينطبق على إيكيدنا. إذ أغمضت عينًا واحدة، ونظرت نحو كارميلا التي ظهرت فجأة وقالت: «الظهور المفاجئ ورمي الاتهامات أمر غير مهذب. ولماذا تقدمين له تحذيرات؟ على عكس مينيرفا، ليس لديك سبب لمساندته. لا بد أنكِ تمقتينه.»
لو كان سوبارو إنسانًا أفضل، لربما كانت تلك الكلمات ستنجح في تضميد جروحه وتخفيف وطأة ذنبه، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة له.؛ فهو لا يستطيع أن يسمح لنفسه بالتفكير بهذه الطريقة.
ولكن تلك النبرة الهادئة بدأت تثير شعورًا غريبًا في داخله. ومع تبدد الحماس الذي ملأ ذهنه سابقًا، عاد لفحص كلماتها عن كثب.
«إذا كانت تلك العوالم موجودة حقًّا، فلا يوجد سبيل لتعويض ما فعلته. لا يمكن لأيٍّ منَّا إنكار ذلك… لا أنتِ ولا أنا. لا يمكن أن أغفر لنفسي، ولا ينبغي لي أن أغفر.»
«…»
كانت هذه الاحتمالية بالتحديد هي أكثر ما يخشاه سوبارو، الذي واجه الموت مرارًا.
انهار الأمل داخله مثل ضربة شلت كل مقاومة، فغرق بلا حول في كرسيه. ومن مكانها، نظرت إيكيدنا إلى حاله بنظرة تعكس ألمًا، وهي تنقر بإصبعها على الطاولة برفق.
«إذا فعلتُ كذا أو كذا، يمكنني أن أغفر لنفسي… كيف لي أن أقبل مثل هذا التفكير؟ رغم أنني رفضت يدكِ الممدودة… تلك اليد التي تنكرت بوجه ريم المزيف…»
توقف للحظة، ملتقطًا أنفاسه، وقد تجعد وجهه واهتزت ملامحه وهو يعبر عن أسوأ مخاوفه بالكلمات:
«تبادل… ماذا يعني هذا؟»
«أنتِ… ستستخدمينني؟»
«—حتى لو استعدتُ ريم يومًا، هل ستكون هي ذاتها ريم التي رغبت في إنقاذها؟»
ترك خلفه عوالم لا تُحصى. وفي تلك العوالم، ترك الكثيرين ممن أنقذهم، والكثيرين ممن أنقذوه.
«أعترف أنني أتجاوز حدود الموتى. لكن بما أننا وصلنا إلى هذا الحد، فلا أرى ضررًا في المتابعة. —إن سمحت لي بذلك…»
زمَّت إيكيدنا شفتيها في احتجاج طفولي، تصنع وجهًا متجهمًا بطريقة بدت غير مناسبة تمامًا، مما كان ليبعث على الضحك لولا أن ذلك زاد من شكوك سوبارو.
من بينهم كانت إميليا التي التقاها لأول مرة في العاصمة الملكية، وريم التي اعترفت له بأنه بطلها، وبياتريس التي ساندته حين أرهقه اليأس، ورام التي قاتلت بجانبه من أجل ريم. ذكرياته معهم، والأيام التي جمعته بهم، كانت تنزلق من ذاكرته ببطء.
كانت ساحرة الغضب تحدِّق بالثنائي بنظرة مشحونة بالغضب الشديد.
ومع ذلك، رغم هذا الشعور الفادح بالفقد الذي اعتصر قلبه…
شَعَّت خصلات شعرها البيضاء كالثلج في نسيم خفيف، وتوردت وجنتاها قليلًا بفعل الانفعال، تقف هناك كعذراء في أضعف حالاتها، تفيض بمشاعرها بعد اعترافها، تنتظر بلهفة وصدق جواب سوبارو.
«ورغم كل هذا… تقولين لي أن أقطع صلتي بالماضي؟»
«لكن هذا غريب. هذا تناقض. أعرف أنكِ قلتِ إنكِ لا تكترثين بنتائج المحاكمة. لقد وصفتِ نفسك من قبل بأنك تجسيد للجشع من أجل المعرفة، وأنك تريدين معرفة كل شيء في هذا العالم. كان الأمر كذلك في المحاكمة الأول. حتى الفشل يعتبر نتيجة تهتمين بمعرفتها.»
«…»
«يبدو أن هذا ينهي الإعلانات… أجد هذا صعب الفهم إلى حد ما.»
هذا كل ما أقدمه لمساعدتك في تحقيق ما تسعى إليه. أنوي أن أكشف لك كل شيء بصدق وأمانة. لن أسمح لأي فتاة من حولنا بالتدخل بعد الآن. كما قلتَ: هذا الأمر بيني وبينك وحدنا. أريد منك جوابًا. لقد أخبرتك بكل شيء… الحقيقة الكاملة. بصدق متقد. ربما يكون هذا قريبًا من الحب. عهد حب. فكيف سيكون ردك على حبي؟ أريد إجابة. بعد كل شيء، ستكون هذه الإجابة أمرًا آخر يشبع فضولي».
«… تطلبين مني، بدلًا من أن أحصي الذين لم أتمكن من إنقاذهم، أن أعيش من أجل الذين أنقذتهم؟»
أرجوك. أريدك أن تثق بي.»
كانت الكلمات التي قدَّمتها إيكيدنا له، بنية صادقة، تهدف إلى منحه الأمل.
وقفت الساحرة الشقراء التي وجهت الضربة بوجه يملؤه الغيظ الظريف، وقالت: «وأنت، كفى من ترك إيكيدنا تتلاعب بك بإطرائها! هذا التردد الأحمق واتخاذ القرارات بلا وعي يثيران أعصابي!!»
لو كان بإمكانه الاتكال عليها، والتشبث بها، وجعلها أساسًا يسير به في حياته، لكان ذلك بلا شك أفضل حالًا.
«تقول أمورًا مثيرة حقًا. لكنك مخطئ. كل ما أريده هو أن أرى المشاهد التي تراها، أن أسمع الأصوات التي تسمعها، وأن أقف في مكان يتيح لي معرفة تلك المجهولات التي تنبثق من داخلك. هذا كل ما أحتاجه لأشعر بالرضا.»
لكن ذلك ليس ممكنًا. لم يكن هذا شيئًا يمكن أن يخفف معاناته، لأن الألم الذي اعتصره لم يكن أمرًا سطحيًّا—
«لا تقل لي أنك سترفضني بسبب هذا الاختلاف الطفيف في وجهات النظر؟ لا يمكن اعتبار الانجراف العاطفي المؤقت تصرفًا حكيمًا. عليك اتخاذ القرار الواقعي والعقلاني.»
«تعتقدين بهذه الفلسفة النفسية البسيطة… أنني سأقاوم؟!»
وعندما التفت أخيرًا، وقعت عيناه على الوافدة الجديدة.
«…»
استغرق الأمر بعض الوقت حتى يفهم ما كانت تقوله هذه الساحرة الخجولة. فقد كانت تلك العبارة بعيدة تمامًا عن الصورة التي رسمها في ذهنه عنها حتى تلك اللحظة.
«—هذا ما أقوله لك.»
«هذا لم يكن هدفي. الحقيقة أنني أردتُ أن أعرف مَن ستختاره تلك الفتاة ليكون ذلك الشخص.»
ظنَّ أن تلك السمات جعلتها محببة إليه، لكن بفضل سطحية مشاعرها، أدرك الحقيقة.
عندما رفض سوبارو كلمات العزاء بصوت مشحون باليأس، نطقت إيكيدنا بهدوء.
سيكميت بكسل؛ كارميلا بلا اهتمام؛ دافني بابتسامة مشؤومة؛ تايفون برأس مائل ونظرة مستفسرة؛ ولسبب ما، كانت مينيرفا وحدها على وشك الانفجار بالبكاء.
نظرت إليه مباشرة، ببطء يسمح له باستيعاب كلماتها بالكامل، وكأنها تمنحه الوقت الكافي لفهمها.
بالنسبة للنسخ المصورة، فإن دايتشي ماتسوسي وماكوتو فوجيتسو يعملان على نشر الكوميكس في نفس الشهر! نسخة فوجيتسو أكملت أخيرًا الأرك الثاني، بينما وصلت نسخة ماتسوسي إلى ”البداية من الصفر“. إنه شعور رائع أن أراهما يصلان إلى النقاط التي كان من المفترض أن يصلا إليها دائمًا! ومع ذلك، بما أننا سنستمر معًا لفترة أطول، أطلب دعمكم المتواصل!
«رد فعلك كان مختلفًا عما توقعته، لكن لا بأس. بالنسبة إلى موعد الإصدار المهم، فمن المقرر أن يكون في سبتمبر ٢٠١٧. انتظروا التحديثات على الصفحة الرسمية وتويتر، حسنًا؟»
«بدلًا من أن تحصي مَن لم تتمكن من إنقاذهم، عليك أن تحصي أولئك الذين أنقذتهم. هذا هو ما فعلته طوال الطريق التي سلكتها حتى وصلت إلى هنا. لقد رأيت ذلك بعيني.»
بعد انضم سوبارو إلى حفلة الشاي، اقترحت إيكيدنا موضوع الحديث، وكأنها تريد بذلك إثبات حسن نيتها له.
«وماذا… تعرفين عني؟»
توقفت إيكيدنا عن الكلام للحظة، وظهرت على وجهها ابتسامة متحرجة، وكأنها تخفي شيئًا من الحرج.
«هذا حلمي، وأنا ساحرة الجشع. أعلم أنك، بطريقتك الخاصة، عشت بكل قوتك، وكافحت بروحك حتى النهاية. ولهذا السبب أقول لك ذلك. ولهذا أجدني مضطرة لقول هذا.»
«لماذا تفعلين كل هذا من أجلي…؟»
«…»
تملَّك الذهول سوبارو وهو يحدق بها، في حين رفعت إيكيدنا كتفيها، تبدو وكأنها حائرة فعلًا. أصيب سوبارو بالصدمة من لهجتها، لكنه سرعان ما هزَّ رأسه. لم يستطع قبول هذا.
«لم تخطُ أي خطوة عبثية في الطريق التي سلكتها حتى الآن. لا يملك أحد الحق في الادعاء بأن روحك لم تكن كافية. لقد فعلتَ كل ما في وسعك، ضحيتَ بحياتك مرارًا، وحتى في هذه اللحظة، تواصل السير. وهذا شيء ينبغي أن تفخر به.»
«ماذا؟»
ارتطمت كلمات إيكيدنا الصادقة بصدر سوبارو الخاوي، ليشعر بارتداد قوي داخل ذلك الفراغ. لكن هذا لم يكن كافيًا. لم تكن هذه الكلمات وحدها كافية ليتمكن من الوقوف مجددًا.
«هذا… لكن بسبب هذا فقط…»
رغم أنها طلبت منه أن يفخر بنفسه، إلا أن الحقيقة بقيت: سوبارو فقد أشياء كثيرة، أشياء كان بإمكانه إنقاذها.
كان ينبغي عليه أن يتمكن من النجاح. شخص آخر في ظروفه ذاتها كان لينجح حتمًا. لكن لأنه هو مَن كان هناك، فإن كثيرين لم ينالوا فرصة النجاة.
«ورغم كل هذا… تقولين لي أن أقطع صلتي بالماضي؟»
هذا كان ذنب سوبارو. هذه كانت خطيئته. خطيئة عليه الاعتراف بها وتحمل تبعاتها.
«—لا أجد أي جدية في كلامكِ أو أفعالكِ. كل شيء فيكِ يبدو… سطحيًّا.»
هذا كان ذنب سوبارو. هذه كانت خطيئته. خطيئة عليه الاعتراف بها وتحمل تبعاتها.
«لا أحد يمكنه أن يغفر لي.»
«…»
«أنا أغفر. وأنا أعلم كل ما حدث.»
«قدرة ”العودة من الموت“ التي تمتلكها هي سلطة مذهلة. أنت لا تدرك كيف ينبغي استخدامها حقًا. بفضلها، يمكنك إعادة تشكيل العالم مرارًا وتكرارًا حتى تصل إلى النتيجة التي ترغب فيها. بالنسبة لباحثة مثلي، هذه السلطة هي التجسيد الأمثل للمثالية في صورة مادية. أليس كذلك؟ في الأحوال العادية، لا ينبغي للمرء أن يحصل إلا على نتيجة واحدة لأي أمر. يمكن للمرء أن يقدم استنتاجات وافتراضات لا حصر لها، لكن في النهاية لا توجد سوى نتيجة واحدة. ولا يمكن إعادة نفس الظروف تمامًا بحثًا عن نتيجة مختلفة؛ فالعوامل كلها تتغير: الزمن، والبيئة، والذاكرة، والإجراءات. فكرة ”لو كنتُ غيّرتُ أمرًا واحدًا حينها، لاختلفت النتائج“ ليست سوى وهم أو حلم.
استغرق الأمر بعض الوقت حتى يفهم ما كانت تقوله هذه الساحرة الخجولة. فقد كانت تلك العبارة بعيدة تمامًا عن الصورة التي رسمها في ذهنه عنها حتى تلك اللحظة.
«لا أحد يمكنه أن يحكم عليَّ.»
كان قد تمنَّى إنكارًا حاسمًا. إنكارًا بأن العوالم التي شاهدها بعد موته لم تكن موجودة.
«أنا أحكم عليك. وأنا على دراية بجرائمك.»
في المحاكمة الثاني؛ رأى سلاسل من الجحيم التي مزقت منه كل ما تبقى من صلابة أو عناد أو أوهام يمكنه الاحتماء بها.
«—لا أحد يمكنه أن يقبلني.»
«لماذا تفعلين كل هذا من أجلي…؟»
«إذا لم أستطع قبولك، فسأرفض النسخة من نفسك التي لا تغفر لنفسها.»
كان يبحث عن النية الحقيقية خلف كلامها الأخير. فإذا أخذ كلماتها على ظاهرها، فالمعنى…
كانت مينيرفا تكشف أمام عيني سوبارو جانبًا من إيكيدنا لم يكن يعرفه. ومع ذلك، كانت إيكيدنا تؤكد أن نواياها تجاهه خالية من الأذى، مما بدا وكأنه محاولة لتعزيز صدق كلماتها.
«…»
حقًا، لم يُهدر سطر واحد! ربما كان هذا العمل الأكثر توترًا بالنسبة لي حتى الآن!
«لكن، رغم كل ذلك… ألا توجد حتى… إجابة؟»
«إذا كنت تقبل بخطاياك، فسأرفض تلك الخطايا.»
في كل مرة تحدث فيها سوبارو، ردت إيكيدنا دون تردد، وتدفع بكلماته جانبًا.
«كفى فلسفات سطحية، هل تعتقدين أن القليل من العلاج النفسي سيحلُّ مشاكلي؟»
«أنتِ… ستستخدمينني؟»
كيف امتلكت هذه القوة التي تجعلها تتجاوز خطاياه بهذه البساطة؟
كيف كانت ثقيلة بما يكفي لدعم قلبه المحطم؟
«أنا أتقبل الألم… ليس الأمر أنني أستسلم له، لكن هذا يتماشى مع مخططاتكِ، أليس كذلك؟»
«لماذا تفعلين كل هذا من أجلي…؟»
«أظن أن من الطبيعي للطرف الذي يقدم العرض أن يوضح مزاياه. أراهن أن هذا قد يُميل قلبك قليلًا نحو القبول. —حسابات، تفهم؟ مجرد حسابات.»
لم يكن في كلماتها تعزية مباشرة، بل حديث بدا وكأنه يقربها من روحه بطريقة غير مألوفة.
«… أليس من القسوة أن تجعل فتاة تقول مثل هذه الكلمات؟»
تردد صوتها هادئًا، لكنه حمل معه شعورًا عميقًا بالعزم.
عندها فقط، لأول مرة منذ بداية حديثها، بدأت إيكيدنا تتردد في كلماتها.
«ربما تعتقد أنني خدعتك لأنني لم أكشف مسبقًا عن ما كنت أفكر فيه بصدق. أردتُ أن أختار الوقت المناسب. لو كنتُ قد أفصحت عن هذه المشاعر بينما كانت علاقتنا لا تزال سطحية، لربما دفعتني بعيدًا عنك. ولم أرغب في ذلك، ولم أكن لأتحمله. أليس الأمر كذلك بالنسبة لك أيضًا؟ لو فقدتني كمتعاونة، لكان قلبك قد انكسر بلا شك.
ثم، مع احمرار طفيف في وجهها، سعلت بوضوح قبل أن تواصل بصوت هادئ، يحمل في طياته إرادة قوية:
«…مم، ما هو؟»
«—هل تبرم عقدًا معي، يا ناتسكي سوبارو؟»
لم تكن تلك نبوءة مبالغ فيها. ليس هناك شك يُذكر في أن هذا هو ما كان سيحدث بالفعل. لم يغفل سوبارو عن حقيقة هشاشته إلى حد إنكار ذلك على نحوٍ أعمى.
تردد صوتها هادئًا، لكنه حمل معه شعورًا عميقًا بالعزم.
ولكن ماذا عن ذلك؟ كم عدد الساحرات اللواتي سيظهرن بعد ذلك—؟
«تبادل… ماذا يعني هذا؟»
لمعنى الكلمات استغرق الأمر عدة لحظات قبل أن يستوعبها سوبارو بشكل صحيح.
رفعت إيكيدنا يدها اليمنى، موجهة كفها الأبيض نحو سوبارو.
«عـ… قد…؟»
«… أتظنين حقًا أن بإمكاني تجاهل ما فعلتِه بي للتو وأجلس هناك؟»
بينما تلاشت تعابير وجه سوبارو، استمرت إيكيدنا في حديثها بلا أدنى شعور بالذنب.
«كنا نتحدث عن هذا قبل أن تغادر في المرة السابقة، أليس كذلك؟ كنتُ أشير إلى هذا بالضبط.»
عندما أجابت بهذه الكلمات، تلاشت كل المشاعر من وجهها. اختفت جميع الأحاسيس التي تستحق وصفها بالعواطف، وظهرت الساحرة التي تخفيها. لأول مرة، واجه سوبارو ساحرة الجشع الحقيقية.
«الأمر بسيط. أريد مشاعرك وأفكارك، ما تبقى في قلبك، المستقبَلات التي تعرفها، الاحتمالات التي تصنعها، وثمار كل المجهولات التي تنبثق من وجودك… أريد أن أتذوقها.»
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه إيكيدنا بينما تابعت كلامها، وقد أعادت تلك الكلمات إلى سوبارو ذكرى حديثهما قبل أن تبدأ سلسلة الاضطرابات الأخيرة. عندها فقط، تذكر حقًا ذلك الحديث الذي دار بينهما.
بالفعل، في نهاية حفلة الشاي السابقة، كانت إيكيدنا قد قالت ذلك؛ بأنه، إن عُقدت حفلة شاي ثالثة، هناك أمور تودُّ التحدث عنها مع سوبارو.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه إيكيدنا بينما تابعت كلامها، وقد أعادت تلك الكلمات إلى سوبارو ذكرى حديثهما قبل أن تبدأ سلسلة الاضطرابات الأخيرة. عندها فقط، تذكر حقًا ذلك الحديث الذي دار بينهما.
«عندما أتحدث عن عقد، أعني عقدًا رسميًا مع ساحرة الجشع. —هل تقبل أن تُبرم هذا الرباط بيني وبينك؟»
«تبادل… ماذا يعني هذا؟»
«الأمر بسيط للغاية. من الآن فصاعدًا، عندما تواجه جدارًا لا تستطيع تجاوزه، سنفحصه معًا. عندما ترغب في سماع كلمات من أحدهم، أو ترغب في إيصال كلماتك لشخص ما، سأبذل كل جهدي من أجلك. وعندما توشك على الانهيار تحت وطأة خطاياك، سأحملها عنك على عاتقي.»
أخفض سوبارو رأسه قليلًا، يخفي وجهه بين يديه، ورفع عينيه نحو السماء وكأنما ينوح بأسى بسيط.
توقفت إيكيدنا عن الكلام للحظة، وظهرت على وجهها ابتسامة متحرجة، وكأنها تخفي شيئًا من الحرج.
لمعنى الكلمات استغرق الأمر عدة لحظات قبل أن يستوعبها سوبارو بشكل صحيح.
«ألا ترغب في تبادل عقد كهذا معي؟»
انتشرت تلك الرعشة في جسده تدريجيًا، ممتزجة بحرارة دافئة، ومع دوران الدم في عروقه، بدأت تسري في كل جزء منه.
«… ألم تكن القصة أن الأموات لا يمكنهم التدخل في العالم الحقيقي؟»
ولهذا، كان من الضروري، سواء لمسامحة إيكيدنا أو لاستعادة قدرته على الجلوس في حفلة الشاي، أن تقولها.
«أعترف أنني أتجاوز حدود الموتى. لكن بما أننا وصلنا إلى هذا الحد، فلا أرى ضررًا في المتابعة. —إن سمحت لي بذلك…»
«…»
«هذا… لكن بسبب هذا فقط…»
وضعت إيكيدنا يدها على صدره، وخفضت رأسها قليلًا، فتردد صوتها في أذني سوبارو، متسللًا إلى جسده بارتعاش خفيف.
وإن لم يكن ذلك ممكنًا، فقد كان يأمل بتأكيد. تأكيد يقول له: ”غرورك جاء على حساب تضحيات كثيرة.“
انتشرت تلك الرعشة في جسده تدريجيًا، ممتزجة بحرارة دافئة، ومع دوران الدم في عروقه، بدأت تسري في كل جزء منه.
«لكن هذا غريب. هذا تناقض. أعرف أنكِ قلتِ إنكِ لا تكترثين بنتائج المحاكمة. لقد وصفتِ نفسك من قبل بأنك تجسيد للجشع من أجل المعرفة، وأنك تريدين معرفة كل شيء في هذا العالم. كان الأمر كذلك في المحاكمة الأول. حتى الفشل يعتبر نتيجة تهتمين بمعرفتها.»
فبراير ٢٠١٧
عاد الإحساس إلى أطرافه التي كاد يخدِّرها اليأس. حرارة غريبة اشتعلت على طرف لسانه الجاف وخلف عينيه.
تاه سوبارو في مواجهة اليد الممتدة نحوه، والطلب الذي عُرض عليه، والاقتراح الذي وضعته أمامه الساحرة.
«بدلًا من أن تحصي مَن لم تتمكن من إنقاذهم، عليك أن تحصي أولئك الذين أنقذتهم. هذا هو ما فعلته طوال الطريق التي سلكتها حتى وصلت إلى هنا. لقد رأيت ذلك بعيني.»
تحت تأثير نظرته الحادة، أطلقت إيكيدنا تنهيدة خفيفة، ثم قالت:
كان قد عاهد نفسه على أن يواصل الكفاح، وعندما كاد أن ينسى معنى ذلك، كانت هي -إيكيدنا الساحرة- مَن دعم إرادته المتصدعة.
«—هاه… أن تُلقي عبارة مثل ”بلا شك“ في النهاية… كأنها حيلة مبتذلة…»
«—لا أحد يمكنه أن يقبلني.»
«أوه، وبالمناسبة، ليس من قبيل التفاخر، لكنني أثق بمدى معرفتي. أستطيع تقديم خطط لمواجهة معظم مشكلاتك، ومهما كانت المصاعب التي تواجهها غير معقولة، فلن أحتاج إلى تفسيرات كما يفعل الآخرون. ففي النهاية، قدرتك على ”العودة بعد الموت“ هي أمر مشترك بيننا.»
حتى إيكيدنا، واحده من ساحرات الخطايا المميتة، لم تستطع محو الجرائم التي اقترفها سوبارو.
«… ماذا؟ لا تقولي إنك تحاولين إقناعي بعقد وكأنك تبيعينني شيئًا؟»
أرجوك. أريدك أن تثق بي.»
«أظن أن من الطبيعي للطرف الذي يقدم العرض أن يوضح مزاياه. أراهن أن هذا قد يُميل قلبك قليلًا نحو القبول. —حسابات، تفهم؟ مجرد حسابات.»
ومع تلك الكلمات الجارحة، لم تتغير تعابير وجه إيكيدنا مطلقًا، مما زاد الأمور سوءًا.
اختفى الغموض الذي أحاطت به نفسها منذ لحظة، لتتحول إلى وجه متبسم بتواضع وشيء من التحدي، مما جعل سوبارو يبتسم دون وعي.
بينما استرخى على مقعده، ترك جسده للنسيم العليل الذي هبَّ عبر المروج، ثم رفع عينيه إلى السحب البيضاء التي كانت تتهادى في السماء الزرقاء المصطنعة. شعر سوبارو بنوع من الراحة يتسلل إلى صدره.
انحبست أنفاس سوبارو وهو يراقب تلك التصرفات، وصوتها الذي بدا عنيدًا على نحو غير متوقع. وفجأة، بدا له أن غضبه الذي شعر به نحو الساحرة ليس في محله، بل بدا سطحيًا.
جلس سوبارو القرفصاء فوق الأرض التي تسطحت تحت وقع الضربة، وهو يحدق إلى الأعلى في وجه صاحب تلك النظرة الحانقة.
عندما يصل إلى طريق مسدود، عندما يفقد أي بصيص إجابة، وعندما تحين لحظة مواجهة معضلاته…
«في النهاية…؟»
—إن استطاع اللقاء بها تحت سماء كهذه، والتحدث معها…
«ربما يكون ذلك أمرًا جيدًا…»
«—!! انتظري، انتظري… انتظري انتظري انتظري انتظري! انتظري، إيكيدنااا…»
«—ماذا تعني؟»
«وماذا… تعرفين عني؟»
اندفعت إيكيدنا فجأة إلى الأمام، مائلة بجسدها فوق الطاولة، تنظر إلى سوبارو بتركيز شديد. اتسعت عينا سوبارو من فرط دهشته من ردة فعلها المبالغ فيها، واحمرَّت وجنتا الساحرة قليلًا قبل أن تجيب بخفوت:
«آه، حسنًا… إن أصررت بقوة، فسأكون مستعدة لعقد هذا الاتفاق معك…»
«—إذًا، لقد جاءت.»
«متأخر بعض الشيء لتلطيف الأمور الآن. لحظة، أنا لم أطلب منك ذلك… لا، ليس هذا هو المهم. في النهاية، من السخيف الحديث عن مَن بدأ أولًا.»
بالرغم من أن إيكيدنا هي مَن قدمت العرض، كان هدفها الأساسي إنقاذ روح سوبارو المتعبة.
«بوو. إلسا، لا تستطيعين قراءة الأجواء أبدًا…»
«—ماذا تعني؟»
ببساطة، كان ذلك شكلًا من أشكال لطف الساحرة.
«لحظة إبرام اتفاق ليست مقامًا للكذب. ولكي أحافظ على نفسي كما أنا، أتعهد بأنني لن أتنكر أبدًا لهذه الكلمات، حتى وإن كان الثمن حياتي.»
كانت إيكيدنا تمارس هذا التمثيل الأخرق، لا لشيء سوى لمراعاة الحالة النفسية لسوبارو.
طرأ تغيير مفاجئ لم يكن أحد يرغب به.
كان ضعيفًا للغاية. فإذا لم يستطع ناتسكي سوبارو الوقوف بمفرده، فربما… بمساعدة أحدهم…
«لن أشرب أي شاي دونا. لكنني سأقبل بدعوتك إلى الحديث.»
«…»
«…»
نهض من وضعه المتكئ، مستغلًّا زخمه لينتصب واقفًا. رفعت إيكيدنا بصرها نحوه بسبب الفارق الطفيف في الطول، وارتسمت على وجهها لمحة خافتة من القلق.
ما الذي كانت تقصده بـ ”التهذيب“؟ وما الذي كان يجري في الصمت الخفي بين إيكيدنا وسيكميت؟ سوبارو لم يعرف.
كانت الساحرة تتلاعب بكل تعابيرها بدهاء… ومع ذلك، كان هذا هو خلاصه.
الفرضية التي لاحت في ذهنه جعلته يصمت فجأة. كان من الصعب عليه تقبلها، مما دفعه إلى شد ملامحه والتحديق في إيكيدنا.
—إن استطاع اللقاء بها تحت سماء كهذه، والتحدث معها…
«إذًا، كيف يتم عقد هذا النوع من الاتفاقات؟»
«…»
«تذكرتُ أنني كنت أرغب في سؤال شيء ما لو التقينا مجددًا.»
«—لعقد اتفاق رسمي، يجب أن يُربط رباط بين روحك وروحي. أما التفاصيل الدقيقة، فسأتولى أمرها… ولكن في أي حال، دعنا نبدأ بمصافحة الأيدي.»
أُعدت سبع كراسٍ في حفلة الشاي، واحدة لسوبارو وأخرى لكل ساحرة. أغلقت إيكيدنا عينًا واحدة وهي تومئ له.
«أنت-تخبرينني أنكِ أيضًا لا تعرفين مَن هو ذلك الشخص الذي تنتظره بياتريس؟»
رفعت إيكيدنا يدها اليمنى، موجهة كفها الأبيض نحو سوبارو.
رؤية تلك الكراهية جعلته يلتفت ببطء. تردد للحظة، ثم بتزامن مع أنفاسه ودقات قلبه، تحرَّك.
كانت تقصد بوضوح أن يضع كف يده فوق كفها.
أمام عينيه مباشرة، رأى الابتسامة الخفية على شفتي الساحرة، ابتسامة لم تخفِ فرحتها. زفر سوبارو زفرة أشبه بخروج السموم من صدره، وكأن الهواء قد أصبح نقيًّا فجأة.
«إذا كان هذا سيجعل الأمور تسير نحو الأفضل ولو قليلًا، إذًا…»
بأمل يسكن روحه المتعبة، بدأ سوبارو يرفع يده ليضعها على يد إيكيدنا—
—ثم وقع الصدام.
«لا داعي للقلق أو التوتر. التعويض الذي أطلبه ليس أمرًا صعبًا. في الواقع، أعتبره من أبسط الأمور مقارنةً بالاتفاقات التي أبرمتها حتى الآن.»
دوى صوت مدوٍّ في الأرجاء، إذ ارتفعت الطاولة البيضاء في الهواء بعنف.
أُعدت سبع كراسٍ في حفلة الشاي، واحدة لسوبارو وأخرى لكل ساحرة. أغلقت إيكيدنا عينًا واحدة وهي تومئ له.
واصلت الضربة التي حطمت الطاولة اندفاعها لتشق التل، وانهارت الأرض العشبية على نحو مذهل. اهتزت الأرض بعنف أشبه بزلازل، لتطيح بسوبارو على ظهره. وعندها، وقفت هناك—
—ثم وقع الصدام.
«… تطلبين مني، بدلًا من أن أحصي الذين لم أتمكن من إنقاذهم، أن أعيش من أجل الذين أنقذتهم؟»
«—سأوقف هذا الاتفاق حالًا.»
بأسلوب بالغ الثقة، كشفت إيكيدنا عما كان مستقرًا في صدره، كما لو أنها شخص بالغ يرى بوضوح ما يدور في ذهن طفل.
بقبضة غاضبة هوت على الأرض، أعلنت الفتاة الشقراء ذات العينين الزرقاوين ذلك بلهجة مهيبة.
كانت ساحرة الغضب تحدِّق بالثنائي بنظرة مشحونة بالغضب الشديد.
《٣》
«… تطلبين مني، بدلًا من أن أحصي الذين لم أتمكن من إنقاذهم، أن أعيش من أجل الذين أنقذتهم؟»
جلس سوبارو القرفصاء فوق الأرض التي تسطحت تحت وقع الضربة، وهو يحدق إلى الأعلى في وجه صاحب تلك النظرة الحانقة.
بينما كان سوبارو يواجه إيكيدنا، أبصرت هي ”ذلك الشيء“ مباشرة أمامها.
في عيني الساحرة مينيرفا، كان الغضب بلا حدود، وقد ازدادت حمرة وجهها الجميل مع تصاعد مشاعرها.
على الرغم من غضب سوبارو، حافظت إيكيدنا على نبرة هادئة ومتزنة حتى النهاية.
وقفت الساحرة الشقراء التي وجهت الضربة بوجه يملؤه الغيظ الظريف، وقالت: «وأنت، كفى من ترك إيكيدنا تتلاعب بك بإطرائها! هذا التردد الأحمق واتخاذ القرارات بلا وعي يثيران أعصابي!!»
غير أن غضبها لم يكن موجهًا نحو سوبارو المجمد في مكانه، بل نحو إيكيدنا التي وقفت إلى جواره. توجهت بنظرة صارمة نحوها وقالت:
—كانت قد خافت من الموت، ووجهها على وشك الانهيار بالبكاء، لكنها حين حمت سوبارو، ارتسمت على ملامحها تعابير ارتياح.
«ساحرة الشهوة… كارميلا!»
«أكرر، سأوقف هذا الاتفاق حالًا. لا أوافق على هذا الاتفاق.»
عندما همَّ سوبارو بقبول اعتراف إيكيدنا ومحاولة صرف مينيرفا، تجمدت حركته فجأة. الصوت الذي سمعه لم يكن مألوفًا إلا منذ بضع دقائق، ولم يكن وقعه على مسامعه لطيفًا.
«سـ-سبب مثل… مينيرفا؟ لديَّ سبب وجيه… مم-لا، ليس لديَّ. لكنكِ، إيكيدنا… خدعتني، أليس كذلك؟»
«… همم. هذا تطور لم أكن أتوقعه حقًّا.»
طريقة حديث إيكيدنا حملت مزيجًا من الألفة والعداوة، وكان موقفها مشحونًا بعدائية لا يمكن وصفها بالودية بأي حال.
«وماذا… تعرفين عني؟»
وقفت مينيرفا في مركز الحفرة التي أحدثتها بقبضتها، مكتفة ذراعيها فوق صدرها الذي ارتجَّ مع كل حركة غاضبة، بينما عضَّت على شفتها بشدة.
في صمت، ومن دون أن تحيد بنظرتها قيد أنملة، كانت كارميلا تحدق في إيكيدنا.
«همم؟»
«هذا اتفاق مع ساحرة… اتفاق بالغ الأهمية. حتى أنتِ تدركين مدى جدية هذا الطقس. أم أنكِ أيضًا طمعتِ به… هل هو الحسد؟»
—أنت تحتاجني. وأنا أحتاجك. ما من أحد غيرك يمكنه إرضاء فضولي. فقد اكتشفتك بالفعل. لقد وسَّعت عالمي. عبرك، أنا التي قيل عنها إنها تحمل أعظم عقل في العالم، تذوقت مجددًا ثمرة المجهول.
«لا تستخفي بالأمر بهذه النكات السخيفة. ألا تفهمين سبب غضبي؟ أنا أشعر بالسخط. أنا غاضبة… لقد دفعتِني إلى الغضب!»
«إذًا، أنتِ السادسة…»
《كلمة الختام》
عندما حاولت إيكيدنا التهرب بخفة، صرخت مينيرفا بغضب، وازداد وجهها احمرارًا حتى غمرته دموع واضحة بدأت تنساب على جانبي وجهها الرقيق.
كانت الكلمات التي قدَّمتها إيكيدنا له، بنية صادقة، تهدف إلى منحه الأمل.
«وُلدت بهذا الوجه الكئيب. ليس هذا تهديدًا موجهًا لكِ وحدكِ.»
لم يكن ما يميز حضور مينيرفا مجرد الغضب الجامح. بل ما كان غريبًا حقًّا هو ظهورها المفاجئ في هذا المكان، كأنها تجسدت هنا على غير المتوقع.
«آآه! إنها تيلا! عجبًا، مضى وقت طويل منذ آخر لقاء!»
رغم ما سمعه، أراد سوبارو، من الناحية العاطفية، تصديق إيكيدنا.
«…كيف وصلتِ إلى هنا؟»
«ماذا؟! هل تقول إنه من الخطأ أن أكون هنا بهذه الطريقة؟!»
«”سوء فهم جوهري“…؟»
«لكن هذا غريب. هذا تناقض. أعرف أنكِ قلتِ إنكِ لا تكترثين بنتائج المحاكمة. لقد وصفتِ نفسك من قبل بأنك تجسيد للجشع من أجل المعرفة، وأنك تريدين معرفة كل شيء في هذا العالم. كان الأمر كذلك في المحاكمة الأول. حتى الفشل يعتبر نتيجة تهتمين بمعرفتها.»
«ليس هذا ما أعنيه… ولكن إيكيدنا موجودة هنا أيضًا.»
«أتساءل، مَن عساه أن يكون؟»
«—لا، ليست هناك.»
بينما انتفخت وجنتا مينيرفا استياءً، أشار سوبارو نحو إيكيدنا. فمالت مينيرفا رأسها حائرة، لكن إيكيدنا قالت «آه.» وقد بدا أنها فهمت مصدر ارتباكه، وصفقت بيديها وقالت: «الآن أدركت سبب حيرتك. أنت تجد أنه من الغريب أن تكون هي وأنا في نفس المكان.»
«هـ-هذا صحيح. في المرة السابقة عندما سمحتِ لي بمقابلة الساحرات الأخريات، قلتِ إنكِ تستعيرين وجودكِ لتسمحي لهن بالظهور، لكن هذا يعني أن تلك المحادثة كانت…»
«أفهم تمامًا ما الذي ترغب في معرفته أكثر من أي شيء. هل أشرح لك عن المحاكمة إذًا؟»
«لقد كذبت عليك حينها. هذه الفتاة ذات شخصية سيئة وتميل إلى المزاح الشرير بلا سبب وجيه.»
«أقول لكِ، غيِّري هذا الأسلوب وكأنكِ شرحتِ كل شيء بوضوح! صحيح أنكِ تحدثتِ معه عن فوائد الاتفاق، لكن عن مساوئه؟ لم تقولي! كلمة! واحدة!»
«…
عندما سحقت مينيرفا اعتراضه بهذه الكلمات، قال سوبارو: «مستحيل.»، ثم نظر نحو إيكيدنا.
الجشع، الغضب، الشهوة، الكسل، الشراهة، والفخر— مع حضور هؤلاء جميعًا إلى حفلة الشاي، انضمت أخيرًا السابعة: ساحرة الحسد.
«أرجوك لا تسئ الفهم.»، بدأت إيكيدنا حديثها متجاوبة مع نظراته:
«بالتأكيد، عندما شرحت مسألة التناوب، كذبت في هذه النقطة تحديدًا. لكن ظهورهن هنا يشكل خطرًا عليَّ. فأنا، كروح مجردة في الوقت الحالي، إذا هُزمت، سينتقل الحق في السيطرة على هذا المكان إلى غيري. ولا يوجد ما يضمن أنهن لن يسعين وراء ذلك.»
«إطراء؟ هذا يبدو اتهامًا غير منصف. كل ما أفعله هو خلق فرصة لنا كي نصل إلى تفاهم أفضل. وإذا قلت ذلك، فإن الاتفاق هو ببساطة نتيجة رابطة من الثقة…»
«هذا… لكن بسبب هذا فقط…»
في الحقيقة، لولا مساعدة إيكيدنا -رغم أنه تردد في تسميتها مساعدةً بسبب انتحال كارميلا لهوية ريم- لكانت روحه قد تحطمت تمامًا، ولما تبقى له سبيل للمقاومة أو القدرة على النهوض مجددًا.
«على سبيل المثال، إذا قررت سيكميت، ساحرة الكسل، أن تفعل ذلك، فلن أملك أي فرصة للفوز. بل في الواقع، إن جعلتها خصمًا، فإنها قادرة على القضاء عليَّ وعلى الساحرات الأخريات جميعًا في ثانية واحدة.»
ومع ذلك، رغم هذا الشعور الفادح بالفقد الذي اعتصر قلبه…
غير أن غضبها لم يكن موجهًا نحو سوبارو المجمد في مكانه، بل نحو إيكيدنا التي وقفت إلى جواره. توجهت بنظرة صارمة نحوها وقالت:
أدلت إيكيدنا بهذه الحقائق بلا ذرة شعور بالذنب، بينما حاول سوبارو استيعاب كلماتها. كان هناك ما يمكنه قبوله وما لا يمكنه تقبله عاطفيًا.
ومع تكوُّن هذا الصراع المعقد في ذهنه، تابعت إيكيدنا قائلة: «علاوة على ذلك، ربما لا أحب أن تظهر الساحرات الأخريات فجأة، خشية أن تسلبك إحداهن مني.»
«هـاه… ماذا؟»
«أجد أنني أزداد تعلقًا بك مع كل عودة. لم يسبق لي، لا في الحياة ولا في الموت، أن وجدت شريكًا في الحوار يجعل قلبي يخفق بهذا الشكل. لهذا السبب أريدك لي وحدي. وإذا كان لا بد أن تعتبرني حمقاء لأجل كذبة بسيطة لهذا الغرض… فلا بأس، يمكنك الضحك إن شئت.»
«ساحرة الشهوة… كارميلا!»
«أظن أن من الطبيعي للطرف الذي يقدم العرض أن يوضح مزاياه. أراهن أن هذا قد يُميل قلبك قليلًا نحو القبول. —حسابات، تفهم؟ مجرد حسابات.»
ارتسمت على وجه إيكيدنا ابتسامة بلا حول ولا قوة بينما كانت تكشف عن رغبتها الصادقة في احتكاره.
وإن لم يكن ذلك ممكنًا، فقد كان يأمل بتأكيد. تأكيد يقول له: ”غرورك جاء على حساب تضحيات كثيرة.“
جوابها، مظهرها، وتلك الصورة التي ارتسمت في ذهن سوبارو عن الفتاة التي تنتظره أعطته الإجابة التي بحث عنها.
بقي سوبارو عاجزًا عن الكلام، غارقًا في أفكاره حول عذر إيكيدنا، وفي بحثه عن السبب الكامن وراء هوسها به. لم تكن وحدها؛ فحتى ساحرة الحسد كانت تنظر إلى سوبارو بطريقة مشابهة—
«ما الذي تفعله؟ تبتلع كلماتها بهذه السهولة؟!»
«إلسا… أوه، إلـــسا. مهلًا، هل تسمعينني؟»
«—هاه؟!»
«إذا كان الأمر كذلك، ما الذي تريدينه مني؟ ما الذي يمكنني تقديمه؟»
وفي تلك اللحظة بالذات، أدركت تمامًا الصراع والضعف الذي يسكن أعماق سوبارو.
فيما كان سوبارو غارقًا في أفكاره، تلقى ضربة قوية من الخلف على رأسه.
«لقد وُجدت تلك الفتاة لغرض معين. لكنني قررت استخدامَها لغرض آخر، مختلف عن ذلك الذي وُجدت من أجله. لهذا أرسلتها بعيدًا عن الملجأ. ولكي أعطيها هدفًا جديدًا للحياة، منحتُها أرشيف الكتب المحرَّمة، وأوكلت لها إدارة معرفتي، وجعلتها تنتظر ذلك الشخص الذي سيأتي يومًا ما. لم أضع مهلة زمنية؛ لأن الأمر لم يكن بحاجة إلى إجابة محددة مسبقًا. ربطتُ حياتها بهذا العهد، مما سمح لها بالعيش خارج الملجأ، وأتحتُ لنفسي استكشافًا جديدًا: مَن ستختاره تلك الفتاة.»
«آه، لستُ أمازح. أفكر في ذلك بصدق. مَن برأيك يمكن أن يكون ذلك الشخص الذي تنتظره بياتريس؟»
دارت عيناه تحت تأثير الصدمة، إذ كانت الضربة قوية بما يكفي لتطيح برأسه. ومع ذلك، لم يشعر بألم، بل بانتعاش شديد أزاح الخمول عن جسده كله.
«…»
وقفت الساحرة الشقراء التي وجهت الضربة بوجه يملؤه الغيظ الظريف، وقالت: «وأنت، كفى من ترك إيكيدنا تتلاعب بك بإطرائها! هذا التردد الأحمق واتخاذ القرارات بلا وعي يثيران أعصابي!!»
«إطراء؟ هذا يبدو اتهامًا غير منصف. كل ما أفعله هو خلق فرصة لنا كي نصل إلى تفاهم أفضل. وإذا قلت ذلك، فإن الاتفاق هو ببساطة نتيجة رابطة من الثقة…»
«ألا تعتقد أن هناك شيئًا كهذا؟ أنت تستهين بفكرة الاتفاقات، خصوصًا مع ساحرة الجشع؛ تلك التي تواصلت مع أكبر عدد من البشر بين جميع الساحرات، وكانت كلماتها تتلاعب بمسار التاريخ.»
«أقول لكِ، غيِّري هذا الأسلوب وكأنكِ شرحتِ كل شيء بوضوح! صحيح أنكِ تحدثتِ معه عن فوائد الاتفاق، لكن عن مساوئه؟ لم تقولي! كلمة! واحدة!»
كان هذا سؤالًا لا بد من طرحه والإجابة عنه قبل إبرام أي اتفاق. كان انغماسه في لطف إيكيدنا قد جعله ينسى أنه يجب عليه تقديم شيء في المقابل.
في نوبة غضبها، ضربت مينيرفا الأرض بقدمها، فانفجرت السهول العشبية في سحابة هائلة من الغبار. ورغم حالتها الشديدة من الانفعال، كان سوبارو مذهولًا من المعنى الكامن وراء كلماتها.
حين مدت إيكيدنا يدها نحوه مصحوبة بكلماتها القاطعة، قاطعها صوت واهن متثاقل.
بالفعل، لم يتذكر أنه ناقش مساوئ الاتفاق مع إيكيدنا خلال حديثهما المتبادل. شعر بوعيه يقظًا على إهماله في إدراك هذه النقطة.
كما عهدها، طبيعية تمامًا. كما العادة.
«مـ-ماذا؟ ما الذي تقصدينه بالمساوئ؟ لا تقصدين أن هناك شيئًا ضخمًا ومبالغًا فيه مثل…»
ونفس الأمر ينطبق على إيكيدنا. إذ أغمضت عينًا واحدة، ونظرت نحو كارميلا التي ظهرت فجأة وقالت: «الظهور المفاجئ ورمي الاتهامات أمر غير مهذب. ولماذا تقدمين له تحذيرات؟ على عكس مينيرفا، ليس لديك سبب لمساندته. لا بد أنكِ تمقتينه.»
«ألا تعتقد أن هناك شيئًا كهذا؟ أنت تستهين بفكرة الاتفاقات، خصوصًا مع ساحرة الجشع؛ تلك التي تواصلت مع أكبر عدد من البشر بين جميع الساحرات، وكانت كلماتها تتلاعب بمسار التاريخ.»
كانت هذه الاحتمالية بالتحديد هي أكثر ما يخشاه سوبارو، الذي واجه الموت مرارًا.
عيناها كانتا تحملان دوامة من المشاعر يصعب وصفها. كان فيها ظلام كئيب يشبه الحقد تجاه كل مَن يعاديها أو يكنُّ لها مشاعر مماثلة؛ وهو ما لا يمكنها أن تتسامح معه أبدًا.
«كل تلك الأفعال حدثت في حياتي… لكن لا يمكنني القول إن كل مَن أبرموا اتفاقًا معي نالوا السعادة.»
ما الذي كانت تقصده بـ ”التهذيب“؟ وما الذي كان يجري في الصمت الخفي بين إيكيدنا وسيكميت؟ سوبارو لم يعرف.
ولكن هذه المرة، تدخُّلها في المحادثة أثار حيرته وجعله يتردد.
كانت مينيرفا تكشف أمام عيني سوبارو جانبًا من إيكيدنا لم يكن يعرفه. ومع ذلك، كانت إيكيدنا تؤكد أن نواياها تجاهه خالية من الأذى، مما بدا وكأنه محاولة لتعزيز صدق كلماتها.
ولكن إيكيدنا، الساحرة التي أمرتها بانتظار ذلك الشخص، لا شك أنها تعرف الإجابة—
رغم ما سمعه، أراد سوبارو، من الناحية العاطفية، تصديق إيكيدنا.
/////
بالطبع كان يريد ذلك. فمنذ أن ارتبط بها في القبر، التقيا مرارًا. وكانت هي الشخص الوحيد الذي استطاع أن يبوح له بما لا يمكنه إخبار أحد خارجه، الشخص الذي فهم ”العودة من الموت“.
«توقفن! كفى عبثًا! ماذا تريدن مني جميعًا؟! كنت فقط… أردتُ مجرد طريقة للنجاة! أنتن تعرقلن…!»
لهذا السبب، كان عرضها للتعاون، المتمثل في الاتفاق، يمثل بالنسبة له طوق نجاة.
ثم، مع احمرار طفيف في وجهها، سعلت بوضوح قبل أن تواصل بصوت هادئ، يحمل في طياته إرادة قوية:
فيما كان سوبارو غارقًا في التفكير، تنقل ببصره بين الساحرة ذات الشعر الأبيض والساحرة ذات الشعر الأشقر. على المستوى العاطفي، كان يميل بلا شك نحو إيكيدنا. لكن وجود مينيرفا جعله يشعر بالقلق.
ما الذي دفعها للتدخل فجأة؟ في الماضي، كانت مينيرفا تظهر لتقديم الشفاء بلكماتها وإنقاذه من الموت الوشيك؛ تلك كانت غايتها كساحرة الغضب.
ولكن هذه المرة، تدخُّلها في المحادثة أثار حيرته وجعله يتردد.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه إيكيدنا بينما تابعت كلامها، وقد أعادت تلك الكلمات إلى سوبارو ذكرى حديثهما قبل أن تبدأ سلسلة الاضطرابات الأخيرة. عندها فقط، تذكر حقًا ذلك الحديث الذي دار بينهما.
لم يشعر سوبارو أن كلماتها تحمل كذبًا. وربما كان ذلك فقط لأنه أراد أن يصدقها.
«إيكيدنا. عندما يُبرم اتفاق، يجب أن يكون هناك جانب سلبي… لا، تعويض.»
«رغم أن ذلك قد يكون في هذا العالم الحلمي فحسب، إن رغبت في ذلك، فلا مانع لديَّ من استخدام جسدي لمواساتك. سأمنحك إياه بفرح. آه، ربما لن يكون هذا أفضل ما يمكنك فعله في نظر مَن تهتم لأمرهم تلك النصف جان ذات الشعر الفضي، وتلك الشيطانة ذات الشعر الأزرق… أولئك الذين أقسمت أن تنقذهم وتحميهم بلا تردد. ليس لديَّ موقف خاص تجاههم، لكن اعتبر هذا تعبيرًا عن مدى قوة مشاعري وثباتها.
«… هذا صحيح. فالاتفاق يتطلب تعويضًا. وكما سأقدم لك معرفتي، يجب عليك تقديم شيء في المقابل.»
بأمل يسكن روحه المتعبة، بدأ سوبارو يرفع يده ليضعها على يد إيكيدنا—
لقد منعت إيكيدنا ذلك الانهيار قبل وقوعه. ورغم أن سوبارو لم يستطع أن يعبر لها عن الامتنان، إلا أن سلوكها لم يستحق الهجوم عليها بهذا الشكل. وهنا وجدوا نقطة مشتركة بينهما.
«إذا كان الأمر كذلك، ما الذي تريدينه مني؟ ما الذي يمكنني تقديمه؟»
كان هذا سؤالًا لا بد من طرحه والإجابة عنه قبل إبرام أي اتفاق. كان انغماسه في لطف إيكيدنا قد جعله ينسى أنه يجب عليه تقديم شيء في المقابل.
—لكن، بقسوة، عادت كل تلك اللحظات لتسخر من سذاجة ناتسكي سوبارو
—ولكن ما نوع التعويض الذي يمكن لساحرة أن تنتزعه من شخص عاجز في طريق مسدود من القدر؟
في مواجهة إلحاح سوبارو، خرج رد إيكيدنا عن كل توقعاته. لم تكن كلماتها تلك ما يبدد الشكوك التي تملأ قلبه.
«لا داعي للقلق أو التوتر. التعويض الذي أطلبه ليس أمرًا صعبًا. في الواقع، أعتبره من أبسط الأمور مقارنةً بالاتفاقات التي أبرمتها حتى الآن.»
أشاحت إيكيدنا بنظرها بعيدًا، وراحت تلف خصلات شعرها الأبيض حول إصبعها وهي تدلي بردَّها.
«… ما هو إذًا؟»
في المحاكمة الثاني؛ رأى سلاسل من الجحيم التي مزقت منه كل ما تبقى من صلابة أو عناد أو أوهام يمكنه الاحتماء بها.
«الأمر بسيط. أريد مشاعرك وأفكارك، ما تبقى في قلبك، المستقبَلات التي تعرفها، الاحتمالات التي تصنعها، وثمار كل المجهولات التي تنبثق من وجودك… أريد أن أتذوقها.»
«آآه! إنها تيلا! عجبًا، مضى وقت طويل منذ آخر لقاء!»
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه إيكيدنا بينما تابعت كلامها، وقد أعادت تلك الكلمات إلى سوبارو ذكرى حديثهما قبل أن تبدأ سلسلة الاضطرابات الأخيرة. عندها فقط، تذكر حقًا ذلك الحديث الذي دار بينهما.
احمرَّت وجنتاها قليلًا، وكأنها تعترف كعاشقة شابة بمكنونات قلبها.
—ثم وقع الصدام.
استغرق الأمر بعض الوقت حتى يفهم ما كانت تقوله هذه الساحرة الخجولة. فقد كانت تلك العبارة بعيدة تمامًا عن الصورة التي رسمها في ذهنه عنها حتى تلك اللحظة.
أثارت الكلمات الشعرية الغامضة حيرة سوبارو، فانعقد حاجباه بتفكير عميق.
«هذا… هل تقصدين أنكِ ستنتزعين مشاعري وذكرياتي مني؟»
في كل مرة تحدث فيها سوبارو، ردت إيكيدنا دون تردد، وتدفع بكلماته جانبًا.
«تقول أمورًا مثيرة حقًا. لكنك مخطئ. كل ما أريده هو أن أرى المشاهد التي تراها، أن أسمع الأصوات التي تسمعها، وأن أقف في مكان يتيح لي معرفة تلك المجهولات التي تنبثق من داخلك. هذا كل ما أحتاجه لأشعر بالرضا.»
كما لو كانت تمسح عن ذهنه المخاوف، أوضحت إيكيدنا رغبتها بصوت مطمئن.
كل ما أرادته إيكيدنا هو أن ترى سوبارو وهو يشق طريقه نحو وجهته، وأن تشاهد المشاهد ذاتها التي يشاهدها على طول الطريق. أرادت أن تعرف ما يشعر به سوبارو، وما يعرفه، ونتائج أفعاله.
«هذا ليس كذبًا، أليس كذلك؟»
«—هاه؟!»
«—هاه؟»
«لحظة إبرام اتفاق ليست مقامًا للكذب. ولكي أحافظ على نفسي كما أنا، أتعهد بأنني لن أتنكر أبدًا لهذه الكلمات، حتى وإن كان الثمن حياتي.»
«شيييش، لقد أخبرتك منذ البداية أنه لن يسير كما كنتِ تأملين، إلسا… حسنًا، لا يمكن المساعدة. ماذا عن الذهاب للعب مع السيد هناك؟»
وضعت يدها على صدرها وأضافت: «رغم أنني ميتة بالفعل.»، واختتمت بنبرة خفيفة كما لو كانت تمازح.
«عـ… قد…؟»
وأخيرًا، إلى جميع القراء الذين اشتروا هذا الكتاب، واستمتعوا بهذه الحكاية، وشجعوا بطلنا المعذب، خالص شكري وتقديري لكم.
لم يشعر سوبارو أن كلماتها تحمل كذبًا. وربما كان ذلك فقط لأنه أراد أن يصدقها.
«أشعر أنني لو سمعت إجابتكِ، سأتمكن من اتخاذ قراري.»
لكن حتى لو كان مجرد رغبة في التصديق، فهذا كافٍ. وإذا اختار سوبارو التفكير على هذا النحو، إذًا…
كيف امتلكت هذه القوة التي تجعلها تتجاوز خطاياه بهذه البساطة؟
«أرجوك، تجاهل تدخلي في المحاكمة. كما قلتُ لك بعد المحاكمة الأول، هذه المحاكمتات من تصميمي. سيكون من المحرج أن تشكو من شيء كهذا.»
«كلامها… صحيح، لكن… لم تذكر… كل شيء؟»
أخفض سوبارو رأسه قليلًا، يخفي وجهه بين يديه، ورفع عينيه نحو السماء وكأنما ينوح بأسى بسيط.
لم يكن في كلماتها تعزية مباشرة، بل حديث بدا وكأنه يقربها من روحه بطريقة غير مألوفة.
عندما همَّ سوبارو بقبول اعتراف إيكيدنا ومحاولة صرف مينيرفا، تجمدت حركته فجأة. الصوت الذي سمعه لم يكن مألوفًا إلا منذ بضع دقائق، ولم يكن وقعه على مسامعه لطيفًا.
في عيني الساحرة مينيرفا، كان الغضب بلا حدود، وقد ازدادت حمرة وجهها الجميل مع تصاعد مشاعرها.
«ساحرة الشهوة… كارميلا!»
«تـ-توقفوا… أنا لم أفعل شيئًا… فلا تحدقوا بي بتلك النظرات المخيفة… لا…»
«نعم، سيكون ذلك حقًا، حقًا— ممتعًا.»
……… ماذا؟ .»
«وُلدت بهذا الوجه الكئيب. ليس هذا تهديدًا موجهًا لكِ وحدكِ.»
«… تطلبين مني، بدلًا من أن أحصي الذين لم أتمكن من إنقاذهم، أن أعيش من أجل الذين أنقذتهم؟»
على بعد مسافة قصيرة، وسط الأرض العشبية المتكسرة التي تفصل بين سوبارو والساحرتين، ظهرت ساحرة ثالثة. كارميلا، بزيها نفسه الذي رأته من قبل، كانت تحدق بخجل نحو قدميها.
«أنتِ تقولين إنك فعلتِ ذلك… لمنعي من الانهيار؟»
بالفعل، لم يتذكر أنه ناقش مساوئ الاتفاق مع إيكيدنا خلال حديثهما المتبادل. شعر بوعيه يقظًا على إهماله في إدراك هذه النقطة.
لم ترفع عينيها باتجاه سوبارو. لم تلتقِ نظراتها مع أحد. لكن ذلك لم يمنعها من الكلام.
لماذا كانت الساحرتان الأخريان تقاطعان حديث إيكيدنا؟
«أنت-تخبرينني أنكِ أيضًا لا تعرفين مَن هو ذلك الشخص الذي تنتظره بياتريس؟»
«إ-إيكيدنا… لا تكذب… لكنها تخفي الكثير من الأمور، حسنًا؟»
«تـ-توقفوا… أنا لم أفعل شيئًا… فلا تحدقوا بي بتلك النظرات المخيفة… لا…»
«تخفي أشياء…؟»
«إطراء؟ هذا يبدو اتهامًا غير منصف. كل ما أفعله هو خلق فرصة لنا كي نصل إلى تفاهم أفضل. وإذا قلت ذلك، فإن الاتفاق هو ببساطة نتيجة رابطة من الثقة…»
«إذا كانت تلك العوالم موجودة حقًّا، فلا يوجد سبيل لتعويض ما فعلته. لا يمكن لأيٍّ منَّا إنكار ذلك… لا أنتِ ولا أنا. لا يمكن أن أغفر لنفسي، ولا ينبغي لي أن أغفر.»
في تلك اللحظة المتأخرة، لم يشعر سوبارو بالغضب تجاه ظهور الساحرات المتتالي أمامه. لكن مزاعمهن المتكررة لم يكن من السهل تجاهلها.
ونفس الأمر ينطبق على إيكيدنا. إذ أغمضت عينًا واحدة، ونظرت نحو كارميلا التي ظهرت فجأة وقالت: «الظهور المفاجئ ورمي الاتهامات أمر غير مهذب. ولماذا تقدمين له تحذيرات؟ على عكس مينيرفا، ليس لديك سبب لمساندته. لا بد أنكِ تمقتينه.»
«كفى فلسفات سطحية، هل تعتقدين أن القليل من العلاج النفسي سيحلُّ مشاكلي؟»
كانت هذه الاحتمالية بالتحديد هي أكثر ما يخشاه سوبارو، الذي واجه الموت مرارًا.
«سـ-سبب مثل… مينيرفا؟ لديَّ سبب وجيه… مم-لا، ليس لديَّ. لكنكِ، إيكيدنا… خدعتني، أليس كذلك؟»
كانت كلمات إيكيدنا واضحة ومنظمة، على عكس حديث كارميلا المتقطع والمتلعثم. لكن رغم صوتها المتردد، كانت رسالتها حاسمة بلا تردد.
«سيكميت، أنتِ—»
«إ-إيكيدنا… لا تكذب… لكنها تخفي الكثير من الأمور، حسنًا؟»
رغم تشتت نظراتها، كان موقفها مصوبًا مباشرة نحو إيكيدنا.
«—هاه؟»
«أنا لا… أ-أحب هذا الفتى. لكن… إيكيدنا، لأنكِ… خدعتني… الأشخاص الذين يفعلون بي ما لا أحب… لا أستطيع أن أغفر لهم أبدًا.»
تملَّك الذهول سوبارو وهو يحدق بها، في حين رفعت إيكيدنا كتفيها، تبدو وكأنها حائرة فعلًا. أصيب سوبارو بالصدمة من لهجتها، لكنه سرعان ما هزَّ رأسه. لم يستطع قبول هذا.
—كانت العبارة الأخيرة واضحة بشكل استثنائي بحيث سمعها سوبارو بجلاء.
«إذًا، كيف يتم عقد هذا النوع من الاتفاقات؟»
استغرق الأمر بعض الوقت حتى يفهم ما كانت تقوله هذه الساحرة الخجولة. فقد كانت تلك العبارة بعيدة تمامًا عن الصورة التي رسمها في ذهنه عنها حتى تلك اللحظة.
《كلمة الختام》
«الأمر بسيط. أريد مشاعرك وأفكارك، ما تبقى في قلبك، المستقبَلات التي تعرفها، الاحتمالات التي تصنعها، وثمار كل المجهولات التي تنبثق من وجودك… أريد أن أتذوقها.»
في صمت، ومن دون أن تحيد بنظرتها قيد أنملة، كانت كارميلا تحدق في إيكيدنا.
عيناها كانتا تحملان دوامة من المشاعر يصعب وصفها. كان فيها ظلام كئيب يشبه الحقد تجاه كل مَن يعاديها أو يكنُّ لها مشاعر مماثلة؛ وهو ما لا يمكنها أن تتسامح معه أبدًا.
«آااه، سيكون ذلك رائعًا. على الأرجح سأحصل على فرصة لمعرفة المزيد في المجلد القادم… ولكن قبل ذلك، سينضم الفتى وأنا إلى وليمة من اللحم والدم. سيكون ذلك مذهلًا بالفعل.»
بالفعل، في نهاية حفلة الشاي السابقة، كانت إيكيدنا قد قالت ذلك؛ بأنه، إن عُقدت حفلة شاي ثالثة، هناك أمور تودُّ التحدث عنها مع سوبارو.
خطرت في ذهن سوبارو فكرة… أنها تجسيد لحب الذات.
«يا للويل. حتى وإن كان ذلك ضروريًا، فإن إجباري لكارميلا على فعل ما يخالف إرادتها كان خطأً من ناحيتي. فمعاداتكِ أمر مزعج للغاية في النهاية.»
«—هاه؟»
«ذلك لأن… الجميع حلفائي… أن تكوني مكروهة من قبلي… أمر سيئ، تعلمين…؟»
لم تكن الوداعة والعدوانية أمرين متعارضين بالضرورة. فرغم أن كارميلا بدت منطوية، ضعيفة الشخصية إلى حد أنها لم تستطع النظر في أعين الآخرين أثناء حديثها معهم، فإنها لم تُظهر رحمة تجاه أعدائها. كان الفصل بين هاتين الصفتين واضحًا.
«ما الذي… ما الذي تتحدثون عنه طوال هذا الوقت؟!»
وسط هذا الجو المشحون بين الساحرات، انفجر سوبارو أخيرًا. ومع تحوُّل أنظار الساحرات الثلاث إليه، ظهر على وجهه مزيج من الحيرة والارتباك، وكأنما كان يستجدي تفسيرًا.
«كفى فلسفات سطحية، هل تعتقدين أن القليل من العلاج النفسي سيحلُّ مشاكلي؟»
رغم ما سمعه، أراد سوبارو، من الناحية العاطفية، تصديق إيكيدنا.
«توقفن عن استبعادي من الحديث! هذا… هذا قراري أنا، بحق! تحدثن بطريقة أفهمها! ماذا تخفي إيكيدنا؟! ماذا تعرفن أنتن؟!»
«—آه.»
«سأكرر كلامي، ناتسكي سوبارو. حين تختارني وتعقد اتفاقًا معي، سأقودك بلا شك إلى المستقبل الذي تصبو إليه.»
«لا تُصغِ إلى هؤلاء الفتيات، ناتسكي سوبارو. لقد قطعت وعدًا، والتراجع هنا سيكون أشبه بالتشكيك في هذا الوعد. وذلك سيكون قسوة لا تحتمل…»
على الرغم من غضب سوبارو، حافظت إيكيدنا على نبرة هادئة ومتزنة حتى النهاية.
تردد صوتها هادئًا، لكنه حمل معه شعورًا عميقًا بالعزم.
ولكن تلك النبرة الهادئة بدأت تثير شعورًا غريبًا في داخله. ومع تبدد الحماس الذي ملأ ذهنه سابقًا، عاد لفحص كلماتها عن كثب.
«بياتريس انتظرت طوال هذا الوقت قدوم ”ذلك الشخص“، وفقًا للعهد. ولا بد أن ذلك العهد هو عهدكِ معها. أنتِ من ربطها بذلك القصر، أليس كذلك؟»
واصلت الضربة التي حطمت الطاولة اندفاعها لتشق التل، وانهارت الأرض العشبية على نحو مذهل. اهتزت الأرض بعنف أشبه بزلازل، لتطيح بسوبارو على ظهره. وعندها، وقفت هناك—
لماذا كانت الساحرتان الأخريان تقاطعان حديث إيكيدنا؟
بينما انتفخت وجنتا مينيرفا استياءً، أشار سوبارو نحو إيكيدنا. فمالت مينيرفا رأسها حائرة، لكن إيكيدنا قالت «آه.» وقد بدا أنها فهمت مصدر ارتباكه، وصفقت بيديها وقالت: «الآن أدركت سبب حيرتك. أنت تجد أنه من الغريب أن تكون هي وأنا في نفس المكان.»
لم تقل إيكيدنا شيئًا غريبًا. بل أكدت أنها لا تكذب، واعترفت الساحرتان بذلك أيضًا. إذًا، أين يكمن الخلل؟
«لماذا تفعلين كل هذا من أجلي…؟»
«سأكرر كلامي، ناتسكي سوبارو. حين تختارني وتعقد اتفاقًا معي، سأقودك بلا شك إلى المستقبل الذي تصبو إليه.»
«—هاه… أن تُلقي عبارة مثل ”بلا شك“ في النهاية… كأنها حيلة مبتذلة…»
«ألا ترغب في تبادل عقد كهذا معي؟»
«—!! مَن هذه المرة؟!»
«أفهم تمامًا ما الذي ترغب في معرفته أكثر من أي شيء. هل أشرح لك عن المحاكمة إذًا؟»
حين مدت إيكيدنا يدها نحوه مصحوبة بكلماتها القاطعة، قاطعها صوت واهن متثاقل.
نظر سوبارو نحو مصدر الصوت فرأى مخلوقًا غريبًا في الجهة المقابلة لكارميلا. كان كتلة من الشعر الأحمر المائل إلى الأرجواني تتدحرج بلا انتظام… لا، لم يكن مخلوقًا غريبًا، بل كان إنسانًا! شخصًا تفيض من رأسه كميات هائلة من الشعر حتى بدا أشبه بكتلة فراء عملاقة.
—أنت تحتاجني. وأنا أحتاجك. ما من أحد غيرك يمكنه إرضاء فضولي. فقد اكتشفتك بالفعل. لقد وسَّعت عالمي. عبرك، أنا التي قيل عنها إنها تحمل أعظم عقل في العالم، تذوقت مجددًا ثمرة المجهول.
اتسعت عيناها قليلًا، وفيهما لمح سوبارو دوامة معقدة من المشاعر. للمرة الأولى، سواء قبل انكشاف حقيقتها أو بعده، رأى الكراهية فيها.
كانت تلك المرأة ذات شعر طويل يصل إلى أطراف قدميها، ترتدي زيًا أسود كاشفًا، وتتمتع بجسد أنثوي ممتلئ. أما بشرتها فكانت شاحبة على نحو يتجاوز مفهوم البياض، ووجهها الجميل بالرغم من جاذبيته كان يشع إحساسًا بالمرض.
«أفترض أن لديك الكثير من الأمور التي ترغب في قولها، وأسئلة تود طرحها… ولكن ماذا لو بدأنا بأن تجلس وتحتسي كوبًا من الشاي؟»
جلست تلك المرأة متكئة على جانبها، تنظر إلى المشهد بعينين أرجوانيتين… ولم يكن هناك شك في أنها ساحرة.
«إ-إيكيدنا… لا تكذب… لكنها تخفي الكثير من الأمور، حسنًا؟»
بينما استرخى على مقعده، ترك جسده للنسيم العليل الذي هبَّ عبر المروج، ثم رفع عينيه إلى السحب البيضاء التي كانت تتهادى في السماء الزرقاء المصطنعة. شعر سوبارو بنوع من الراحة يتسلل إلى صدره.
«إذًا، أنتِ السادسة…»
«سيكميت، ساحرة الكسل… آه. فكرتُ أن عليَّ على الأقل أن أقدم نفسي، آه. في النهاية، وجودي هنا مجرد ضمان… لضمان المساواة في هذا المكان، آه. أنا في مهمة مراقبة، للتأكد من بقاء الأمور تحت السيطرة، آه.»
«في الواقع، هذا غير صحيح. إيكيدنا، أنتِ شخص لا يستطيع فهم مشاعر الآخرين.»
«—لعقد اتفاق رسمي، يجب أن يُربط رباط بين روحك وروحي. أما التفاصيل الدقيقة، فسأتولى أمرها… ولكن في أي حال، دعنا نبدأ بمصافحة الأيدي.»
«مساواة؟ ضمان؟»
«…»
«سأقتل أي شخص يلجأ إلى القوة، آه. أنا القوة الكابحة لهذا الغرض، آه.»
ببساطة، كان ذلك شكلًا من أشكال لطف الساحرة.
لم يكن في كلماتها تعزية مباشرة، بل حديث بدا وكأنه يقربها من روحه بطريقة غير مألوفة.
كانت سيكميت، ساحرة الكسل، تحشو حديثها بزفرات متكررة، وتتكلم بأسلوب شخصي للغاية. وعلى الرغم من هدوء نبرتها، إلا أن محتوى كلامها كان ينضح قسوة. ومع ذلك، لم تُظهر أي من الساحرات اعتراضًا على كلماتها.
كانت إيكيدنا قد قالت سابقًا: سيكميت قادرة على قتل كل الساحرات الأخريات مجتمعات.
بعد انضم سوبارو إلى حفلة الشاي، اقترحت إيكيدنا موضوع الحديث، وكأنها تريد بذلك إثبات حسن نيتها له.
ولكن ماذا عن ذلك؟ كم عدد الساحرات اللواتي سيظهرن بعد ذلك—؟
أطلقت إيكيدنا زفيرًا خافتًا، وأثناء انتظار ردَّها، ضاقت عيناها السوداوان وقالت: «كما قلت تمامًا. كانت تلك نزوة من كارميلا. حاولتُ منعها، لكنها لم تستمع إليَّ. استغلَّت المحاكمة كذريعة لتبدأ عرضًا مسرحيًا من أجل أن توقع بك.»
«أوه؟ جاء بارو؟ والجميع هنا؟ يا له من أمر نادر، أليس كذلك؟!»
«وما رأيكِ في هذا كله؟»
واحدة تلو الأخرى، بدأت الساحرات غير المدعوات يقتحمن حفل الشاي المهشم.
«كان من المفترض أن تغضبي الآن، كما ترين.»
مع انضمام الجشع والغضب والشهوة والكسل، عادت ذكرى الكابوس الذي وقع قبل أربعمئة عام إلى الحياة من جديد، وفي مركز كل هذا الفوضى، صرخ سوبارو بأعلى صوته.
«…»
الشخص الوحيد الذي وقف في وجه الساحرات المتجمعات، ذلك الفتى العادي الأحمق المسمى ناتسكي سوبارو، صاح بغضب:
«توقفن! كفى عبثًا! ماذا تريدن مني جميعًا؟! كنت فقط… أردتُ مجرد طريقة للنجاة! أنتن تعرقلن…!»
«أظن أنني أخبرتكَ، آه… الحديث المليء بالكلمات المنمقة في النهاية مبتذل جدًا، آه.»
وقف سوبارو من مكانه، وتوجه إلى الطاولة فوق التل، وانضم إلى حفلة الشاي. عند رؤيته يجلس، أطلقت إيكيدنا زفيرًا خافتًا، ومن الانفراج الطفيف في زوايا عينيها، أدرك ما كان يجول في نفسها.
«—ماذا تعني؟»
«في النهاية…؟»
سيرفض اليد التي كان قد قرر سابقًا قبولها. هذه المرة، سيختار بنفسه اليد التي سيمد إليها يده.
ظنَّ أن تلك السمات جعلتها محببة إليه، لكن بفضل سطحية مشاعرها، أدرك الحقيقة.
تثاقلت كلمات سيكميت على صرخة سوبارو المتعبة. لم تعلق الساحرات الأخريات على ما قالته سيكميت، باستثناء إيكيدنا التي ضيقت عينيها قليلًا.
«سيكميت، أنتِ—»
«لا أنحاز إلى أي طرف، آه… فقط أردتُ أن أكون مهذبة مع هذا الفتى، فوو.»
طرأ تغيير مفاجئ لم يكن أحد يرغب به.
كانت كلماتها حقيقية. بالفعل، تصرف سوبارو بانفعال وانجرف مع مجريات الأمور.
ما الذي كانت تقصده بـ ”التهذيب“؟ وما الذي كان يجري في الصمت الخفي بين إيكيدنا وسيكميت؟ سوبارو لم يعرف.
ومع ذلك، من كلمات سيكميت وما قيل من الساحرات حتى تلك اللحظة، ومن ردود فعل إيكيدنا تجاههن، بدأت تتبلور في عقل سوبارو فرضية واحدة—
«…»
نحن نسعى معًا لتحقيق الغاية المثلى لكلينا. وأنا أعرف تلك الغاية جيدًا. أستطيع أن أساعدك. عبر عدد لا نهائي من المحاولات، سوف تصل إلى المستقبل، حتى لو أرهقت تلك التجارب قلبك وملأته بالجروح. دعني أفعل ذلك. لن أخون ثقتك أبدًا. صحيح أن قلبي قد ينجذب إلى الخيارات التي تترتب على ذلك، وقد يميل فضولي نحو مسارات أخرى غير المسار الأمثل. لا أستطيع كبح جشعي بما يكفي لأقول إن هذا لن يحدث أبدًا. أعترف بذلك. لكنني لن أتغاضى عن شيء. سأكون صريحة وصادقة.
الفرضية التي لاحت في ذهنه جعلته يصمت فجأة. كان من الصعب عليه تقبلها، مما دفعه إلى شد ملامحه والتحديق في إيكيدنا.
«إيكيدنا… قلتِ إنكِ ستقودينني بلا شك إلى المستقبل الأمثل، أليس كذلك؟»
في كل مرة تحدث فيها سوبارو، ردت إيكيدنا دون تردد، وتدفع بكلماته جانبًا.
«نعم، هذا صحيح. لن يكون هناك أي خطأ؛ سأفي بهذا الاتفاق. بين معرفتي وقدرتك الخاصة، سنصل حتمًا إلى هذا المستقبل.»
كان رد إيكيدنا هو بالضبط ما أراد سوبارو سماعه، إجابة مثالية بلا شك. هذا الاتفاق، إذا أُنجز بالشكل الصحيح، سيضع سوبارو على الطريق نحو المستقبل الأمثل. لكن—
«تعاونكِ سيساعدني في الوصول إلى المستقبل الأمثل… لكن هل سيكون ذلك عبر الطريق الأمثل؟»
ما الذي دفعها للتدخل فجأة؟ في الماضي، كانت مينيرفا تظهر لتقديم الشفاء بلكماتها وإنقاذه من الموت الوشيك؛ تلك كانت غايتها كساحرة الغضب.
«سأكرر كلامي، ناتسكي سوبارو. حين تختارني وتعقد اتفاقًا معي، سأقودك بلا شك إلى المستقبل الذي تصبو إليه.»
«…»
احمرَّت وجنتاها قليلًا، وكأنها تعترف كعاشقة شابة بمكنونات قلبها.
«لماذا لا تقولين شيئًا؟ أجيبيني، إيكيدنا… أجيبيني، يا ساحرة الجشع!!»
احمرَّت وجنتاها قليلًا، وكأنها تعترف كعاشقة شابة بمكنونات قلبها.
وكأن صرخته تمزق ذلك الصمت الخانق، زأر سوبارو.
لن أزعم أنه لا توجد دوافع خفية وراء هذا. لكنني لا أريدك أن تظن أنني أحسب كل شيء بدافع فضولي فحسب. في الواقع، أنا أكن لك مشاعر طيبة، ومن قلب صادق، أتمنى أن أكون عونًا لك. وأعيد التأكيد على ما قلت: نحن مثاليان معًا بشكل فريد. يمكنني قولها بوضوح؛ سأستخدم سلطتك، وستستخدمني للوصول إلى ”مستقبلك الأمثل“.
تقدم خطوة إلى الأمام، متجاهلًا الأجواء القاتمة التي أحاطته وهو محاط بست ساحرات. كانت أمامه ساحرة واحدة فقط في نظره— إيكيدنا، ولم يكن يرى غيرها.
كما لو كانت تمسح عن ذهنه المخاوف، أوضحت إيكيدنا رغبتها بصوت مطمئن.
تحت تأثير نظرته الحادة، أطلقت إيكيدنا تنهيدة خفيفة، ثم قالت:
سوف ينقذ بياتريس، التي شعرت بالحزن على موت سوبارو. لقد اتخذ قراره.
بأيٍّ من الردَّين، كان يمكن لسوبارو أن يقاوم. فقد كان الرد بلا شك سيلومه، سيجبره على مواجهة الحقيقة كي لا ينساها أبدًا، وسيتقدم بخطى مثقلة، وأسنانه مطبقة حتى يكاد الدم ينفجر من عينيه، فيما روحه تصرخ وتئن.
«لتحقيق المستقبل الذي تطمح إليه، عليك أن تقبل بالتضحيات في الطريق. لم تكن تملك العزيمة الكافية لذلك، ناتسكي سوبارو.»
كانت تلك الشكوك ترافقه منذ البداية، لكنها ازدادت الآن وتضخمت حتى اتخذت شكلًا جليًا—
«—!! انتظري، انتظري… انتظري انتظري انتظري انتظري! انتظري، إيكيدنااا…»
بأيٍّ من الردَّين، كان يمكن لسوبارو أن يقاوم. فقد كان الرد بلا شك سيلومه، سيجبره على مواجهة الحقيقة كي لا ينساها أبدًا، وسيتقدم بخطى مثقلة، وأسنانه مطبقة حتى يكاد الدم ينفجر من عينيه، فيما روحه تصرخ وتئن.
لو كان بإمكانه الاتكال عليها، والتشبث بها، وجعلها أساسًا يسير به في حياته، لكان ذلك بلا شك أفضل حالًا.
«كلا، لن أنتظر. هذا أمرٌ يجدر بك أن تعرفه جيدًا. فكر فيه.»
«أنت مخطئ، ناتسكي سوبارو. لقد أسأت الفهم. أنا بالفعل مَن جعل بياتريس تعد بانتظار ذلك الشخص، لكنك وقعت في سوء فهم جوهري حول هذا الأمر.»
في مواجهة إلحاح سوبارو، خرج رد إيكيدنا عن كل توقعاته. لم تكن كلماتها تلك ما يبدد الشكوك التي تملأ قلبه.
في تلك اللحظة، تحوَّلت كل لقاءات سوبارو العابرة مع إيكيدنا، وكل الكلمات التي تبادلاها، إلى مشاهد باهتة بلون السيبيا.
هزَّ سوبارو رأسه بعنف، رافضًا طبيعة تلك الكلمات المشوَّهة. لكن إيكيدنا نشرت ذراعيها وكأنها تريد أن توصل إليه مشاعرها وأفكارها بوضوح—

كما عهدها، طبيعية تمامًا. كما العادة.
«قدرة ”العودة من الموت“ التي تمتلكها هي سلطة مذهلة. أنت لا تدرك كيف ينبغي استخدامها حقًا. بفضلها، يمكنك إعادة تشكيل العالم مرارًا وتكرارًا حتى تصل إلى النتيجة التي ترغب فيها. بالنسبة لباحثة مثلي، هذه السلطة هي التجسيد الأمثل للمثالية في صورة مادية. أليس كذلك؟ في الأحوال العادية، لا ينبغي للمرء أن يحصل إلا على نتيجة واحدة لأي أمر. يمكن للمرء أن يقدم استنتاجات وافتراضات لا حصر لها، لكن في النهاية لا توجد سوى نتيجة واحدة. ولا يمكن إعادة نفس الظروف تمامًا بحثًا عن نتيجة مختلفة؛ فالعوامل كلها تتغير: الزمن، والبيئة، والذاكرة، والإجراءات. فكرة ”لو كنتُ غيّرتُ أمرًا واحدًا حينها، لاختلفت النتائج“ ليست سوى وهم أو حلم.
«أتساءل، مَن عساه أن يكون؟»
«…أتساءل كيف أعبِّر عن هذا بأفضل شكل…»
لأنني أملك عقلية الباحثة، فإن سلطتك هذه تجعل لعابي يسيل. مع ضمان وجود ”ظروف متطابقة“ و”إمكانية التحقق من الفروقات“، يصبح من الممكن التمييز بين ”النتيجة الصحيحة“ و”النتيجة المتغيرة“. كيف لي ألا أطمع في ذلك؟ وكيف لي أن أقاوم محاكمة الاحتمالات المتعددة عندما تكون هذه القوة أمامي؟
في تلك اللحظة، تحوَّلت كل لقاءات سوبارو العابرة مع إيكيدنا، وكل الكلمات التي تبادلاها، إلى مشاهد باهتة بلون السيبيا.
ولكن إيكيدنا هزَّت رأسها نفيًا، مناقضة استنتاجه.
بالطبع، لن أُجبرك على استخدام ”العودة من الموت“. ستستخدم هذه السلطة بنفسك لتحقيق النتيجة التي تتطلع إليها. وأنا سأقدم لك ذكائي بكل ما أستطيع حتى يتحقق مرادك. لديَّ آمال كبيرة بأن النتائج العديدة التي ستولد من ذلك ستروي فضولي اللامتناهي. فلا أحد قد يعاقب فتاة على طموح صغير كهذا، أليس كذلك؟
رغبتك في المستقبل وفضولي سيجدان إشباعهما معًا. ربما يشعرك هذا بعدم الراحة، لأنني لا أعرف المستقبل أيضًا. لكنني لن أتعمد توجيهك نحو مستقبل خاطئ لمحاكمة النتائج. فبالنسبة لي، كل المجهولات متساوية. وبمكابدتنا لنفس المشكلات، سيأتي الحل. لهذا، فإن العلاقة بيننا يجب أن تكون في أعلى درجاتها.
عندها فقط، لأول مرة منذ بداية حديثها، بدأت إيكيدنا تتردد في كلماتها.
لم تقل إيكيدنا شيئًا غريبًا. بل أكدت أنها لا تكذب، واعترفت الساحرتان بذلك أيضًا. إذًا، أين يكمن الخلل؟
أقسم أنني سأحميك بكل ما أملك من قوة. لكن هذا لا يغير حقيقة أنني لا أستطيع التدخل في الواقع. إذا واجهت عائقًا ماديًا أمامك، قد يتطلب اجتيازه تحطيم عقلك وجسدك مرات عديدة. وإذا حدث ذلك، فإنني عازمة على بذل قصارى جهدي لحماية عقلك.
لن أزعم أنه لا توجد دوافع خفية وراء هذا. لكنني لا أريدك أن تظن أنني أحسب كل شيء بدافع فضولي فحسب. في الواقع، أنا أكن لك مشاعر طيبة، ومن قلب صادق، أتمنى أن أكون عونًا لك. وأعيد التأكيد على ما قلت: نحن مثاليان معًا بشكل فريد. يمكنني قولها بوضوح؛ سأستخدم سلطتك، وستستخدمني للوصول إلى ”مستقبلك الأمثل“.
إنها رغبتي الصادقة… أن أكون امرأة تُستخدم لتحقيق راحتك ومصلحتك الخاصة.»
سيمسح تلك الابتسامة الأخيرة التي رآها ترتسم على الفتاة المحفورة في ذهنه.
أمام عينيه مباشرة، رأى الابتسامة الخفية على شفتي الساحرة، ابتسامة لم تخفِ فرحتها. زفر سوبارو زفرة أشبه بخروج السموم من صدره، وكأن الهواء قد أصبح نقيًّا فجأة.
«رغم أن ذلك قد يكون في هذا العالم الحلمي فحسب، إن رغبت في ذلك، فلا مانع لديَّ من استخدام جسدي لمواساتك. سأمنحك إياه بفرح. آه، ربما لن يكون هذا أفضل ما يمكنك فعله في نظر مَن تهتم لأمرهم تلك النصف جان ذات الشعر الفضي، وتلك الشيطانة ذات الشعر الأزرق… أولئك الذين أقسمت أن تنقذهم وتحميهم بلا تردد. ليس لديَّ موقف خاص تجاههم، لكن اعتبر هذا تعبيرًا عن مدى قوة مشاعري وثباتها.
مصاعب كثيرة ستعترض طريقك في المستقبل. وعزيمتك هي التي ستدفعك لمواجهتها، ولكن هذا أمر مؤلم. سأكون الشعلة التي تنير مسارك. وسأكون كذلك الروابط التي تسعى لحمايتها. تساؤلاتك، أثقالك، مشاعرك، وآمالك. لقد علمتني عبر التجربة قيمة كل هذه الأمور. قد تكون تلك المشاهد التي رأيتها في التجربة أشبه بجحيم لك، لكن بين معرفة الحقيقة مسبقًا أو الجهل بها، أود أن أشيد بإرادتك لمعرفة حتى أكثر الحقائق إيلامًا.
تحوَّلت أنظار الساحرات خلف سوبارو. ومن هناك، انبثقت هالة طاغية لا يمكن تجاهلها.
بهذه التجارب كزاد، ستمد يدك نحو المستقبل، حتى وإن كان الثمن حياتك. كانت تلك التجربة ضرورية لكي تدرك أن هناك تضحيات قد تُقدَّم في سبيل ذلك المستقبل. ومع استخدامك المتكرر لـ ”اللعودة من الموت“، قد تتآكل مشاعرك، وقد يفقد موت أحبَّائك تأثيره على قلبك، بل قد تضطر لفقدان جزء من ذاتك للوصول إلى وجهتك المحتومة.
لقد كانت تلك التجربة هي الحاجز الذي منعك من فقدان ذاتك. فعلتُ ذلك من أجلك، لحمايتك. وإذا كانت تلك المشاهد قد جرحت قلبك ووضعتك على شفير الانهيار، فأنا لا أُبالغ حين أقول إنني فعلت ذلك لأجلك. لأنها ستكون المحور الذي يدفعك للمضي قُدمًا، قبلتُ بذلك.
هزَّ سوبارو رأسه بعنف، رافضًا طبيعة تلك الكلمات المشوَّهة. لكن إيكيدنا نشرت ذراعيها وكأنها تريد أن توصل إليه مشاعرها وأفكارها بوضوح—
«…»
بكلماتي، سأمنحك القوة لتتقدم. سأواسيك، سأوبِّخك، وسأحبُّك. وإذا كان الكره ما تحتاجه، فسأمنحك ذلك أيضًا، كلُّه من أجلك. أليس الفتيات المكرسات لك هنَّ ما تحب؟ أنت بحاجة إليَّ. لا تستطيع وحدك أن تمسك بالمستقبل. وأنا الفتاة الأنسب لك.
تباينت ردود أفعال الساحرات اللواتي كنَّ يراقبن الحدث الجاري.
«سيكميت، أنتِ—»
—أنت تحتاجني. وأنا أحتاجك. ما من أحد غيرك يمكنه إرضاء فضولي. فقد اكتشفتك بالفعل. لقد وسَّعت عالمي. عبرك، أنا التي قيل عنها إنها تحمل أعظم عقل في العالم، تذوقت مجددًا ثمرة المجهول.
إذا كنت ترغب في استخدام تلك القوة لإنقاذ أحدهم، فأنقذني. حتى لو كانت مجرد بقايا من تلك الفكرة النبيلة، فهي تكفيني.
«أشعر أنني لو سمعت إجابتكِ، سأتمكن من اتخاذ قراري.»
أرجوك. أريدك أن تثق بي.»
جلست تلك المرأة متكئة على جانبها، تنظر إلى المشهد بعينين أرجوانيتين… ولم يكن هناك شك في أنها ساحرة.
«همم؟»
«ربما تعتقد أنني خدعتك لأنني لم أكشف مسبقًا عن ما كنت أفكر فيه بصدق. أردتُ أن أختار الوقت المناسب. لو كنتُ قد أفصحت عن هذه المشاعر بينما كانت علاقتنا لا تزال سطحية، لربما دفعتني بعيدًا عنك. ولم أرغب في ذلك، ولم أكن لأتحمله. أليس الأمر كذلك بالنسبة لك أيضًا؟ لو فقدتني كمتعاونة، لكان قلبك قد انكسر بلا شك.
«في الواقع، كنت متورطة جدًا في خلفية ذلك الحادث، كما تعلمين. الكتاب الآخر سيصدر قريبًا من هذا المجلد الثاني عشر، لذا تأكدي من إلقاء نظرة عليه، حسنًا؟»
نحن نسعى معًا لتحقيق الغاية المثلى لكلينا. وأنا أعرف تلك الغاية جيدًا. أستطيع أن أساعدك. عبر عدد لا نهائي من المحاولات، سوف تصل إلى المستقبل، حتى لو أرهقت تلك التجارب قلبك وملأته بالجروح. دعني أفعل ذلك. لن أخون ثقتك أبدًا. صحيح أن قلبي قد ينجذب إلى الخيارات التي تترتب على ذلك، وقد يميل فضولي نحو مسارات أخرى غير المسار الأمثل. لا أستطيع كبح جشعي بما يكفي لأقول إن هذا لن يحدث أبدًا. أعترف بذلك. لكنني لن أتغاضى عن شيء. سأكون صريحة وصادقة.
غير أن غضبها لم يكن موجهًا نحو سوبارو المجمد في مكانه، بل نحو إيكيدنا التي وقفت إلى جواره. توجهت بنظرة صارمة نحوها وقالت:
حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بثقتك، فلن أتردد في السعي لاستعادتها. مهما حدث، سأوصلك إلى المستقبل الذي تريده، بلا أدنى شك. بالتأكيد، بالتأكيد سأفعل. ومع اتضاح الخيارات الضرورية لذلك، ألا تسمح لي بأن أكون مَن يتخذ تلك الخيارات؟
سيكون الأمر تمامًا وفقًا لما اتفقنا عليه: سأمنحك ما تسعى إليه، بلا زيادة ولا نقصان. وبعد ذلك، ما تقبل أن يُبتر من جسدك في سبيل تلك الرغبة والغاية سيكون اختيارك. لقد أوضحتُ عزيمتي. والآن، أريد أن أسمع عزمك أنت. أريد منك أن تثبت أنك، مَن ترغب في عقد هذا العهد معي والاستفادة من تعاوني، تمتلك الروح الصامدة اللازمة للوصول إلى المستقبل بلا فشل. أنت وحدك، أول مَن تجاوز المحاكمة الثاني، مَن يحق له أن يرفع رأسه بفخر ويتحدث بهذه الكلمات.
كانت إيكيدنا تمارس هذا التمثيل الأخرق، لا لشيء سوى لمراعاة الحالة النفسية لسوبارو.
افعل ذلك، أرضني، وسأحررك من القبر وأرشدك إلى المحاكمة الثالث. وما بعد ذلك سيجلب تحرير الملجأ. وبهذا، سيتم إنقاذ أحبائك الثمينين، أولئك الذين تهتم لأمرهم ويُحتجزون في الملجأ. من أجل هذا، ستخوض تجربة حقيقية. ومن أجل ذلك، اغتنم فرصتي، استخدمني، وافعل بي ما تشاء بينما تطلق العنان لجشعك، وسنمسك معًا بالمستقبل.
هذا كل ما أقدمه لمساعدتك في تحقيق ما تسعى إليه. أنوي أن أكشف لك كل شيء بصدق وأمانة. لن أسمح لأي فتاة من حولنا بالتدخل بعد الآن. كما قلتَ: هذا الأمر بيني وبينك وحدنا. أريد منك جوابًا. لقد أخبرتك بكل شيء… الحقيقة الكاملة. بصدق متقد. ربما يكون هذا قريبًا من الحب. عهد حب. فكيف سيكون ردك على حبي؟ أريد إجابة. بعد كل شيء، ستكون هذه الإجابة أمرًا آخر يشبع فضولي».
—وبهذه الكلمات، ارتسمت ابتسامة جذابة على وجه إيكيدنا.
«…»
ومع تكوُّن هذا الصراع المعقد في ذهنه، تابعت إيكيدنا قائلة: «علاوة على ذلك، ربما لا أحب أن تظهر الساحرات الأخريات فجأة، خشية أن تسلبك إحداهن مني.»

«أنت مخطئ، ناتسكي سوبارو. لقد أسأت الفهم. أنا بالفعل مَن جعل بياتريس تعد بانتظار ذلك الشخص، لكنك وقعت في سوء فهم جوهري حول هذا الأمر.»
شَعَّت خصلات شعرها البيضاء كالثلج في نسيم خفيف، وتوردت وجنتاها قليلًا بفعل الانفعال، تقف هناك كعذراء في أضعف حالاتها، تفيض بمشاعرها بعد اعترافها، تنتظر بلهفة وصدق جواب سوبارو.
حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بثقتك، فلن أتردد في السعي لاستعادتها. مهما حدث، سأوصلك إلى المستقبل الذي تريده، بلا أدنى شك. بالتأكيد، بالتأكيد سأفعل. ومع اتضاح الخيارات الضرورية لذلك، ألا تسمح لي بأن أكون مَن يتخذ تلك الخيارات؟
رفعت عينيها نحوه، تنعكس صورته بوضوح في سواد عينيها. نقل سوبارو ببطء بصره عنها، موجهًا نظره إلى الساحرات الأخريات المتحلقات حوله. كانت الساحرات الخمس الأخريات، عدا إيكيدنا، يراقبن المشهد، كل منهن بطريقتها الخاصة.
نظرت إليه مباشرة، ببطء يسمح له باستيعاب كلماتها بالكامل، وكأنها تمنحه الوقت الكافي لفهمها.
«أنتِ… ستستخدمينني؟»
سيكميت بكسل؛ كارميلا بلا اهتمام؛ دافني بابتسامة مشؤومة؛ تايفون برأس مائل ونظرة مستفسرة؛ ولسبب ما، كانت مينيرفا وحدها على وشك الانفجار بالبكاء.
كان الأمر مضحكًا. شعر بإغراء ضحكة تتسلل إلى أعماقه… لكنه لم يضحك حقًّا.
«إيكيدنا.»
لم يكن في كلماتها تعزية مباشرة، بل حديث بدا وكأنه يقربها من روحه بطريقة غير مألوفة.
«ماذا؟»
«الأمر بسيط للغاية. من الآن فصاعدًا، عندما تواجه جدارًا لا تستطيع تجاوزه، سنفحصه معًا. عندما ترغب في سماع كلمات من أحدهم، أو ترغب في إيصال كلماتك لشخص ما، سأبذل كل جهدي من أجلك. وعندما توشك على الانهيار تحت وطأة خطاياك، سأحملها عنك على عاتقي.»
«أنتِ… ستستخدمينني؟»
وضعت إيكيدنا يدها على صدره، وخفضت رأسها قليلًا، فتردد صوتها في أذني سوبارو، متسللًا إلى جسده بارتعاش خفيف.
شَعَّت خصلات شعرها البيضاء كالثلج في نسيم خفيف، وتوردت وجنتاها قليلًا بفعل الانفعال، تقف هناك كعذراء في أضعف حالاتها، تفيض بمشاعرها بعد اعترافها، تنتظر بلهفة وصدق جواب سوبارو.
كررت هذه الكلمات على مسمعه مرارًا وتكرارًا وهي تتحدث. فأومأت إيكيدنا دون تردد، مؤكدة ذلك.
انتشرت تلك الرعشة في جسده تدريجيًا، ممتزجة بحرارة دافئة، ومع دوران الدم في عروقه، بدأت تسري في كل جزء منه.
«أجل. وينبغي عليكَ أن تستخدمني بالمثل. هذه هي غاية عهدنا. وإن كنتَ تنوي توبيخي لأنني أستغل هذا العهد لأبقيك بجانبي، فسأسمعك بسرور. فهذا هو الواقع.»
«—حتى لو استعدتُ ريم يومًا، هل ستكون هي ذاتها ريم التي رغبت في إنقاذها؟»
أخفض سوبارو رأسه قليلًا، يخفي وجهه بين يديه، ورفع عينيه نحو السماء وكأنما ينوح بأسى بسيط.
«مهـ-مهلًا… هذا الأمر… لم يعد يعنيني الآن… لذا، آآآه…»
«لكن… هذا كثير عليَّ…»
«…»
«…»
أطلقت إيكيدنا زفيرًا خافتًا، وأثناء انتظار ردَّها، ضاقت عيناها السوداوان وقالت: «كما قلت تمامًا. كانت تلك نزوة من كارميلا. حاولتُ منعها، لكنها لم تستمع إليَّ. استغلَّت المحاكمة كذريعة لتبدأ عرضًا مسرحيًا من أجل أن توقع بك.»
تبلدت أجواء إيكيدنا بشيء من الحيرة أمام نبرة صوت سوبارو المرتعشة. وكان هذا كافيًا ليحسم الأمر.
《٢》
كل شيء بينهما، منذ لقائهما الأول وحتى تلك اللحظة، فقد معناه وانهار في لحظة.
توقفت إيكيدنا عن الكلام للحظة، وظهرت على وجهها ابتسامة متحرجة، وكأنها تخفي شيئًا من الحرج.
خلال تعارفهما الأول، وحفلة الشاي في لقاءهما الثاني، والفصل الوهمي في المحاكمة، والعراقيل التي واجهاها في الواقع، كانت كلماتها ووجودها طوق نجاة لسوبارو في أشد لحظات انكساره. وكانت تلك الروابط بالذات ما دفعه لاتخاذ قراره بعقد العهد.
—لكن، بقسوة، عادت كل تلك اللحظات لتسخر من سذاجة ناتسكي سوبارو
تثاقلت كلمات سيكميت على صرخة سوبارو المتعبة. لم تعلق الساحرات الأخريات على ما قالته سيكميت، باستثناء إيكيدنا التي ضيقت عينيها قليلًا.
سوف ينقذ بياتريس، التي شعرت بالحزن على موت سوبارو. لقد اتخذ قراره.
«لا أفهم حقًّا ما مشكلتك. إذا كنتَ تريد الوصول إلى النتيجة المثلى، فعليك أن تتقبل قدرًا من الألم. هذا خيارك، وأظنني قد اعترفت بذلك مسبقًا، إذًا…»
«…»
«إذا فعلتُ كذا أو كذا، يمكنني أن أغفر لنفسي… كيف لي أن أقبل مثل هذا التفكير؟ رغم أنني رفضت يدكِ الممدودة… تلك اليد التي تنكرت بوجه ريم المزيف…»
«أنا أتقبل الألم… ليس الأمر أنني أستسلم له، لكن هذا يتماشى مع مخططاتكِ، أليس كذلك؟»
«…أتساءل كيف أعبِّر عن هذا بأفضل شكل…»
«كما توقعت، تجد صعوبة في تقبُّل ذلك. في النهاية، أنت مَن يتوجب عليه اتخاذ القرار. أنا فقط أساعدك على الوصول إليه. وإن أردتَ أن تلقي بالمسؤولية عليَّ، فهذا سيضعني في مأزق. أليس هذا أمرًا فظيعًا؟»
«لم أحدد المكان، لكنني بالفعل مَن أمرها بحراسة أرشيف الكتب المحرمة والانتظار حتى يأتي ذلك الشخص.»
زمَّت إيكيدنا شفتيها في احتجاج طفولي، تصنع وجهًا متجهمًا بطريقة بدت غير مناسبة تمامًا، مما كان ليبعث على الضحك لولا أن ذلك زاد من شكوك سوبارو.
كانت تلك الشكوك ترافقه منذ البداية، لكنها ازدادت الآن وتضخمت حتى اتخذت شكلًا جليًا—
خطرت في ذهن سوبارو فكرة… أنها تجسيد لحب الذات.
«—لا أجد أي جدية في كلامكِ أو أفعالكِ. كل شيء فيكِ يبدو… سطحيًّا.»
استنتجت إيكيدنا إمكانية وجود عوالم موازية؛ ما يُعرف بنظرية الأكوان المتعددة. وفق هذا التصور، فإن كل اختيار يتخذه أي شخص في العالم يؤدي إلى تشعب الواقع إلى احتمالات متعددة، مما يُفضي إلى عدد لا نهائي من المستويات الوجودية.
«عندما تضحكين، حتى وأنتِ غاضبة، تصرفاتكِ تبدو طفولية وسطحية. حتى الآن، في لحظة تستدعي الغضب، لا تفعلين سوى التجهُّم… الأمر لا يتعلق بسعة الصدر أو الانفتاح. طريقتكِ… تصرفاتكِ غريبة. لقد ظننتُ أنكِ شخص يسهل التفاهم معه، لكن…»
«—لا أحد يمكنه أن يقبلني.»
«…»
كانت إيكيدنا قد قالت سابقًا: سيكميت قادرة على قتل كل الساحرات الأخريات مجتمعات.
«في الواقع، هذا غير صحيح. إيكيدنا، أنتِ شخص لا يستطيع فهم مشاعر الآخرين.»
في تلك اللحظة، تحوَّلت كل لقاءات سوبارو العابرة مع إيكيدنا، وكل الكلمات التي تبادلاها، إلى مشاهد باهتة بلون السيبيا.
—وبهذه الكلمات، ارتسمت ابتسامة جذابة على وجه إيكيدنا.
ظنَّ أن تلك السمات جعلتها محببة إليه، لكن بفضل سطحية مشاعرها، أدرك الحقيقة.
«إذا فعلتُ كذا أو كذا، يمكنني أن أغفر لنفسي… كيف لي أن أقبل مثل هذا التفكير؟ رغم أنني رفضت يدكِ الممدودة… تلك اليد التي تنكرت بوجه ريم المزيف…»
ومع تلك الكلمات الجارحة، لم تتغير تعابير وجه إيكيدنا مطلقًا، مما زاد الأمور سوءًا.
«كان من المفترض أن تغضبي الآن، كما ترين.»
«وما رأيكِ في هذا كله؟»
ولكن إيكيدنا، الساحرة التي أمرتها بانتظار ذلك الشخص، لا شك أنها تعرف الإجابة—
«…حقًّا؟ كان عليَّ إذًا أن أُغلظ صوتي وأمطرُك بالشتائم؟ حسنًا، سأدون ذلك. إذا التقينا مجددًا، سأستفيد من هذه المعرفة.»
وعندما التفت أخيرًا، وقعت عيناه على الوافدة الجديدة.
عندما أجابت بهذه الكلمات، تلاشت كل المشاعر من وجهها. اختفت جميع الأحاسيس التي تستحق وصفها بالعواطف، وظهرت الساحرة التي تخفيها. لأول مرة، واجه سوبارو ساحرة الجشع الحقيقية.
«…»
«…»
أمام سوبارو الذي ابتلع صمته، نقرت إيكيدنا بأصابعها الجافة. ومع هذه الحركة، استعادت الهضبة والسهل المزعومين هيئتهما الأصلية، وعادت الطاولة والكراسي المحطمة إلى حالتها الأولى.
انتشرت تلك الرعشة في جسده تدريجيًا، ممتزجة بحرارة دافئة، ومع دوران الدم في عروقه، بدأت تسري في كل جزء منه.
أُعدت سبع كراسٍ في حفلة الشاي، واحدة لسوبارو وأخرى لكل ساحرة. أغلقت إيكيدنا عينًا واحدة وهي تومئ له.
……
«آه! في الواقع، تقرر أن يتم نشر كتاب رسوم خاص بسلسلة Re:ZERO -Starting Life in Another World- يضم جميع رسوم المعلم شينيتشيرو أوتسوكا! الرسوم جميلة وظريفة للغاية، وأخيرًا سيُطرح كتاب ممتع بهذا المفهوم. مهلًا، أليست هذه أخبار رائعة؟ ألا تشعرين بالسعادة؟»
«هل تجلس أولًا؟ أرغب في الحديث قليلًا عن العهود.»
نظرت إليه مباشرة، ببطء يسمح له باستيعاب كلماتها بالكامل، وكأنها تمنحه الوقت الكافي لفهمها.
«…ألا تزالين تأملين أن أعقد عهدًا معكِ في هذه الظروف؟»
نهض من وضعه المتكئ، مستغلًّا زخمه لينتصب واقفًا. رفعت إيكيدنا بصرها نحوه بسبب الفارق الطفيف في الطول، وارتسمت على وجهها لمحة خافتة من القلق.
«لا تقل لي أنك سترفضني بسبب هذا الاختلاف الطفيف في وجهات النظر؟ لا يمكن اعتبار الانجراف العاطفي المؤقت تصرفًا حكيمًا. عليك اتخاذ القرار الواقعي والعقلاني.»
افعل ذلك، أرضني، وسأحررك من القبر وأرشدك إلى المحاكمة الثالث. وما بعد ذلك سيجلب تحرير الملجأ. وبهذا، سيتم إنقاذ أحبائك الثمينين، أولئك الذين تهتم لأمرهم ويُحتجزون في الملجأ. من أجل هذا، ستخوض تجربة حقيقية. ومن أجل ذلك، اغتنم فرصتي، استخدمني، وافعل بي ما تشاء بينما تطلق العنان لجشعك، وسنمسك معًا بالمستقبل.
«أظن أن من الطبيعي للطرف الذي يقدم العرض أن يوضح مزاياه. أراهن أن هذا قد يُميل قلبك قليلًا نحو القبول. —حسابات، تفهم؟ مجرد حسابات.»
استند كلام إيكيدنا إلى المنطق، ما دفع سوبارو إلى إغلاق عينيه وأخذ نفس عميق مرة بعد مرة.
«فضولك الذي لا يعرف الشر، وكلماتك التي لم تحمل أي خبث، قد كبَّلت فتاة لمدى أربعة قرون. لقد قررت. سأختار يد تلك الفتاة. لا أستطيع أن أتركها معكِ.»
كانت كلماتها حقيقية. بالفعل، تصرف سوبارو بانفعال وانجرف مع مجريات الأمور.
«أليس هناك… أي طريقة… للتأكد؟»
في النهاية، لم تفعل إيكيدنا شيئًا سوى إخفاء نواياها الحقيقية. كان يمكنه تصديق أن كل ما عدا ذلك صادق، وأنها ستتصرف كما زعمت. عقد عهد معها هنا كان أشبه بمفتاح مضمون للمستقبل.
إلى المحرر آي، لقد كان كل شيء على حافة الهاوية هذه المرة، لكنني واثق أن سوبارو عانى أكثر منا جميعًا. شكرًا على ثقتك بي. المجلد الثالث عشر سيكون قاسيًا أيضًا!
حقًا، لم يُهدر سطر واحد! ربما كان هذا العمل الأكثر توترًا بالنسبة لي حتى الآن!
المفتاح في يده؛ كل ما عليه فعله هو أن يقبض عليه—
توقف للحظة، ملتقطًا أنفاسه، وقد تجعد وجهه واهتزت ملامحه وهو يعبر عن أسوأ مخاوفه بالكلمات:
«تذكرتُ أنني كنت أرغب في سؤال شيء ما لو التقينا مجددًا.»
«—!! مَن هذه المرة؟!»
«…مم، ما هو؟»
الفرضية التي لاحت في ذهنه جعلته يصمت فجأة. كان من الصعب عليه تقبلها، مما دفعه إلى شد ملامحه والتحديق في إيكيدنا.
«أشعر أنني لو سمعت إجابتكِ، سأتمكن من اتخاذ قراري.»
عيناها كانتا تحملان دوامة من المشاعر يصعب وصفها. كان فيها ظلام كئيب يشبه الحقد تجاه كل مَن يعاديها أو يكنُّ لها مشاعر مماثلة؛ وهو ما لا يمكنها أن تتسامح معه أبدًا.
«أنتِ… ستستخدمينني؟»
انتظرت إيكيدنا سؤال سوبارو، الذي طرح عليها لغزًا يتعلق بها، كان قد لازمه طوال الدورة التي بدأت مع الملجأ. ذلك السؤال هو—
انحبست أنفاس سوبارو وهو يراقب تلك التصرفات، وصوتها الذي بدا عنيدًا على نحو غير متوقع. وفجأة، بدا له أن غضبه الذي شعر به نحو الساحرة ليس في محله، بل بدا سطحيًا.
إذا كنت ترغب في استخدام تلك القوة لإنقاذ أحدهم، فأنقذني. حتى لو كانت مجرد بقايا من تلك الفكرة النبيلة، فهي تكفيني.
«—أنت تعرفين بياتريس، أليس كذلك، إيكيدنا؟»
«بالطبع أعرفها. لي علاقة وثيقة بميلاد تلك الفتاة. ماذا في ذلك؟»
«لكن هذا غريب. هذا تناقض. أعرف أنكِ قلتِ إنكِ لا تكترثين بنتائج المحاكمة. لقد وصفتِ نفسك من قبل بأنك تجسيد للجشع من أجل المعرفة، وأنك تريدين معرفة كل شيء في هذا العالم. كان الأمر كذلك في المحاكمة الأول. حتى الفشل يعتبر نتيجة تهتمين بمعرفتها.»
لم يخفَ شيء في رد إيكيدنا. لم تستطع ببساطة تخمين ما الذي يرمي إليه سوبارو.
«لا أنحاز إلى أي طرف، آه… فقط أردتُ أن أكون مهذبة مع هذا الفتى، فوو.»
أغلق عينيه، وعلى ظهر جفنيه استعاد تلك اللحظة الأخيرة حين اختفت الفتاة أمامه. لم يكن هناك شيء أكثر إيلامًا من تلك النظرة التي جمعت بين الراحة والحزن في آنٍ واحد.
بالطبع كان يريد ذلك. فمنذ أن ارتبط بها في القبر، التقيا مرارًا. وكانت هي الشخص الوحيد الذي استطاع أن يبوح له بما لا يمكنه إخبار أحد خارجه، الشخص الذي فهم ”العودة من الموت“.
لم يستطع سوبارو إنقاذ بياتريس من القرون التي قضتها في الوحدة. عندما صرخ لها في تلك اللحظة، كان ابتسامتها الأخيرة، التي حملت طيف ارتياح، قد انغرست في ذاكرته إلى الأبد. ولهذا—
عندما دفع ذلك الرد سوبارو إلى عض شفتيه، تهاوت كتفا إيكيدنا بتنهيدة واضحة من الإنهاك. ثم رفعت الكأس التي كانت على الطاولة إلى شفتيها وهي تتابع الحديث:
«بياتريس انتظرت طوال هذا الوقت قدوم ”ذلك الشخص“، وفقًا للعهد. ولا بد أن ذلك العهد هو عهدكِ معها. أنتِ من ربطها بذلك القصر، أليس كذلك؟»
«أشعر أنني لو سمعت إجابتكِ، سأتمكن من اتخاذ قراري.»
«لم أحدد المكان، لكنني بالفعل مَن أمرها بحراسة أرشيف الكتب المحرمة والانتظار حتى يأتي ذلك الشخص.»
حفلة شاي الساحرات
«إذًا… إذًا مَن هو ذلك الشخص؟ ما الذي يجب فعله لتحريرها؟»
على مدار أربعة قرون، ظلَّت بياتريس تنتظر ”ذلك الشخص“ وحدها في أرشيف الكتب المحرَّمة.
في مواجهة إلحاح سوبارو، خرج رد إيكيدنا عن كل توقعاته. لم تكن كلماتها تلك ما يبدد الشكوك التي تملأ قلبه.
وعدٌ هو ما ألزمها بذلك، وعهدٌ عزَّز عزلتها. حتى بياتريس نفسها لم تكن تعرف مَن هو ذلك الشخص، ولم يجد سوبارو أي دليل يقود إلى ذلك.
«الأمر بسيط. أريد مشاعرك وأفكارك، ما تبقى في قلبك، المستقبَلات التي تعرفها، الاحتمالات التي تصنعها، وثمار كل المجهولات التي تنبثق من وجودك… أريد أن أتذوقها.»
ولكن إيكيدنا، الساحرة التي أمرتها بانتظار ذلك الشخص، لا شك أنها تعرف الإجابة—
«أتساءل، مَن عساه أن يكون؟»
«ربما يكون ذلك أمرًا جيدًا…»
«توقفن عن استبعادي من الحديث! هذا… هذا قراري أنا، بحق! تحدثن بطريقة أفهمها! ماذا تخفي إيكيدنا؟! ماذا تعرفن أنتن؟!»
«—هاه؟»
للحصول على أخبار عن أحدث المانغا، والروايات المصورة، والروايات الخفيفة من Yen Press، إلى جانب عروض خاصة ومحتوى حصري، اشتركوا في نشرتهم الإخبارية.
غير أن التغيير سبقها.
«آه، لستُ أمازح. أفكر في ذلك بصدق. مَن برأيك يمكن أن يكون ذلك الشخص الذي تنتظره بياتريس؟»
عندما رفض سوبارو كلمات العزاء بصوت مشحون باليأس، نطقت إيكيدنا بهدوء.
تملَّك الذهول سوبارو وهو يحدق بها، في حين رفعت إيكيدنا كتفيها، تبدو وكأنها حائرة فعلًا. أصيب سوبارو بالصدمة من لهجتها، لكنه سرعان ما هزَّ رأسه. لم يستطع قبول هذا.
«متأخر بعض الشيء لتلطيف الأمور الآن. لحظة، أنا لم أطلب منك ذلك… لا، ليس هذا هو المهم. في النهاية، من السخيف الحديث عن مَن بدأ أولًا.»
«أنت-تخبرينني أنكِ أيضًا لا تعرفين مَن هو ذلك الشخص الذي تنتظره بياتريس؟»
«همم، لا أعرف. لا أعلم مَن يمكن أن يكون ذلك الشخص المنتظر.»
«إذا لم أستطع قبولك، فسأرفض النسخة من نفسك التي لا تغفر لنفسها.»
«لكن كيف…؟ أنتِ من أمرتها بالانتظار، أليس كذلك؟ كيف لا تعرفين…؟»
شعر سوبارو أن الخيط الذي كان يتمسك به قُطع أمامه بكل بساطة.
«أعترف أنني أتجاوز حدود الموتى. لكن بما أننا وصلنا إلى هذا الحد، فلا أرى ضررًا في المتابعة. —إن سمحت لي بذلك…»
لابد أن ذلك الشخص موجود، وإلا لما أُمِرت بياتريس بانتظاره. فهل يُعقل أن إيكيدنا لا تعرف؟ أم أن جهة أخرى ستظهر فجأة وتوضح الأمور—
«—؟ أعتقد أن الأمر رائع جدًا.»
«قدرة ”العودة من الموت“ التي تمتلكها هي سلطة مذهلة. أنت لا تدرك كيف ينبغي استخدامها حقًا. بفضلها، يمكنك إعادة تشكيل العالم مرارًا وتكرارًا حتى تصل إلى النتيجة التي ترغب فيها. بالنسبة لباحثة مثلي، هذه السلطة هي التجسيد الأمثل للمثالية في صورة مادية. أليس كذلك؟ في الأحوال العادية، لا ينبغي للمرء أن يحصل إلا على نتيجة واحدة لأي أمر. يمكن للمرء أن يقدم استنتاجات وافتراضات لا حصر لها، لكن في النهاية لا توجد سوى نتيجة واحدة. ولا يمكن إعادة نفس الظروف تمامًا بحثًا عن نتيجة مختلفة؛ فالعوامل كلها تتغير: الزمن، والبيئة، والذاكرة، والإجراءات. فكرة ”لو كنتُ غيّرتُ أمرًا واحدًا حينها، لاختلفت النتائج“ ليست سوى وهم أو حلم.
«أنت مخطئ، ناتسكي سوبارو. لقد أسأت الفهم. أنا بالفعل مَن جعل بياتريس تعد بانتظار ذلك الشخص، لكنك وقعت في سوء فهم جوهري حول هذا الأمر.»
«آااه، سيكون ذلك رائعًا. على الأرجح سأحصل على فرصة لمعرفة المزيد في المجلد القادم… ولكن قبل ذلك، سينضم الفتى وأنا إلى وليمة من اللحم والدم. سيكون ذلك مذهلًا بالفعل.»
«”سوء فهم جوهري“…؟»
ومع ذلك، رغم هذا الشعور الفادح بالفقد الذي اعتصر قلبه…
«كما تشاء. على أي حال، أثناء مراقبتي لك من بعيد خلال المحاكمة، خطر لي هذا التفكير: إذا تركتك وحدك، فإن المحاكمة سيسحق قلبك حتى لا يبقى منه شيء.»
«لقد أخطأت في فهم سبب العهد الذي عقدته مع بياتريس. تظن أنني جعلت بياتريس تنتظر من أجل تسليم أرشيف الكتب المحرَّمة لذلك الشخص، أليس كذلك؟»
«كنا نتحدث عن هذا قبل أن تغادر في المرة السابقة، أليس كذلك؟ كنتُ أشير إلى هذا بالضبط.»
لكن حتى لو كان مجرد رغبة في التصديق، فهذا كافٍ. وإذا اختار سوبارو التفكير على هذا النحو، إذًا…
لم يستوعب سوبارو ما قصدته إيكيدنا بكلامها. من الطبيعي، بل من البديهي، أن يفهم الأمر على هذا النحو.
لقد طُلِب منها الاحتفاظ بشيء والانتظار حتى يظهر شخص ما. وبالتالي، كان الهدف الواضح هو تسليم ذلك الشيء لذلك الشخص.
حسنًا، لنلتقي في المجلد الثالث عشر! شكرًا لكم! شكرًا جزيلًا!
ولكن إيكيدنا هزَّت رأسها نفيًا، مناقضة استنتاجه.
عندما رفض سوبارو كلمات العزاء بصوت مشحون باليأس، نطقت إيكيدنا بهدوء.
«هذا لم يكن هدفي. الحقيقة أنني أردتُ أن أعرف مَن ستختاره تلك الفتاة ليكون ذلك الشخص.»
كانت الساحرة تتلاعب بكل تعابيرها بدهاء… ومع ذلك، كان هذا هو خلاصه.
بأمل يسكن روحه المتعبة، بدأ سوبارو يرفع يده ليضعها على يد إيكيدنا—
«…
……
……… ماذا؟ .»
تحت تأثير نظرته الحادة، أطلقت إيكيدنا تنهيدة خفيفة، ثم قالت:
«لقد وُجدت تلك الفتاة لغرض معين. لكنني قررت استخدامَها لغرض آخر، مختلف عن ذلك الذي وُجدت من أجله. لهذا أرسلتها بعيدًا عن الملجأ. ولكي أعطيها هدفًا جديدًا للحياة، منحتُها أرشيف الكتب المحرَّمة، وأوكلت لها إدارة معرفتي، وجعلتها تنتظر ذلك الشخص الذي سيأتي يومًا ما. لم أضع مهلة زمنية؛ لأن الأمر لم يكن بحاجة إلى إجابة محددة مسبقًا. ربطتُ حياتها بهذا العهد، مما سمح لها بالعيش خارج الملجأ، وأتحتُ لنفسي استكشافًا جديدًا: مَن ستختاره تلك الفتاة.»
توقفت إيكيدنا لحظة وكأنها تقيم كلامها ثم أضافت:
«…لماذا تفعلين شيئًا كهذا؟»
«…أريد أن أقول شيئًا واحدًا فقط.»
«أليس ذلك منطقيًا؟ بالطبع، مرور أربعة قرون دون أن تختار أحدًا يُعدُّ نتيجة في حد ذاته. عجزها عن اختيار أي شخص من بين مَن التقت بهم، استسلامها للقلق وهي تواصل الالتزام بالعهد، ورغبتها في الموت، كل ذلك يمثل نتيجة أخرى.»
«لحظة إبرام اتفاق ليست مقامًا للكذب. ولكي أحافظ على نفسي كما أنا، أتعهد بأنني لن أتنكر أبدًا لهذه الكلمات، حتى وإن كان الثمن حياتي.»
«وما رأيكِ في هذا كله؟»
«أجل. بإمكانك أن تقدم حساباتك العقلانية على الغضب الذي قد يُفسد الفرصة. أنت تفضِّل الحديث معي على طردي. هذا هو القرار الذي اتخذته داخليًا، أليس كذلك؟»
«—؟ أعتقد أن الأمر رائع جدًا.»
كما لو كانت تجيب على سؤال بديهي، أمالت إيكيدنا رأسها ببراءة تامة، دون أدنى شعور بالخجل.
نظر سوبارو نحو مصدر الصوت فرأى مخلوقًا غريبًا في الجهة المقابلة لكارميلا. كان كتلة من الشعر الأحمر المائل إلى الأرجواني تتدحرج بلا انتظام… لا، لم يكن مخلوقًا غريبًا، بل كان إنسانًا! شخصًا تفيض من رأسه كميات هائلة من الشعر حتى بدا أشبه بكتلة فراء عملاقة.
توقفت إيكيدنا عن الكلام للحظة، وظهرت على وجهها ابتسامة متحرجة، وكأنها تخفي شيئًا من الحرج.
جوابها، مظهرها، وتلك الصورة التي ارتسمت في ذهن سوبارو عن الفتاة التي تنتظره أعطته الإجابة التي بحث عنها.
—ولكن ما نوع التعويض الذي يمكن لساحرة أن تنتزعه من شخص عاجز في طريق مسدود من القدر؟
لقد اتخذ قراره. فهم الآن بوضوح تام.
—كانت العبارة الأخيرة واضحة بشكل استثنائي بحيث سمعها سوبارو بجلاء.
—في هذه اللحظة، سيواجهها ويبيِّن بمنتهى الوضوح مَن المخطئ حقًا.
«سأكرر كلامي، ناتسكي سوبارو. حين تختارني وتعقد اتفاقًا معي، سأقودك بلا شك إلى المستقبل الذي تصبو إليه.»
«إيكيدنا، أنتِ… ساحرة.»
«…»
كررت هذه الكلمات على مسمعه مرارًا وتكرارًا وهي تتحدث. فأومأت إيكيدنا دون تردد، مؤكدة ذلك.
«عوالم موازية…»
«أنتِ وحش يتجاوز حدود المعرفة والفهم البشري.»
«—لا أحد يمكنه أن يقبلني.»
«أليس هناك… أي طريقة… للتأكد؟»
أعلن ذلك صراحةً، وعبَّر عن الجواب الذي تبلور بداخله.
حين حاول سوبارو التمسك بأمل في تفسيرها، أغلقت إيكيدنا بعينيها اللتين تشعان بالمنطق ذلك الباب أمامه، وسدَّت بوضوح طريق الهروب الذي كان قد لاح في الأفق. فاختنقت كلماته في حلقه، وأغمضت إيكيدنا عينًا وهي تقول:
سيرفض اليد التي كان قد قرر سابقًا قبولها. هذه المرة، سيختار بنفسه اليد التي سيمد إليها يده.
«لم تخطُ أي خطوة عبثية في الطريق التي سلكتها حتى الآن. لا يملك أحد الحق في الادعاء بأن روحك لم تكن كافية. لقد فعلتَ كل ما في وسعك، ضحيتَ بحياتك مرارًا، وحتى في هذه اللحظة، تواصل السير. وهذا شيء ينبغي أن تفخر به.»
تردد صوتها هادئًا، لكنه حمل معه شعورًا عميقًا بالعزم.
«لا… لا أستطيع أن آخذ يدكِ. لقد قررت اليد التي سأمد لها يدي.»
لكن ذلك ليس ممكنًا. لم يكن هذا شيئًا يمكن أن يخفف معاناته، لأن الألم الذي اعتصره لم يكن أمرًا سطحيًّا—
«—!! مَن هذه المرة؟!»
«…»
«أقول لكِ، غيِّري هذا الأسلوب وكأنكِ شرحتِ كل شيء بوضوح! صحيح أنكِ تحدثتِ معه عن فوائد الاتفاق، لكن عن مساوئه؟ لم تقولي! كلمة! واحدة!»
«فضولك الذي لا يعرف الشر، وكلماتك التي لم تحمل أي خبث، قد كبَّلت فتاة لمدى أربعة قرون. لقد قررت. سأختار يد تلك الفتاة. لا أستطيع أن أتركها معكِ.»
كان هذا وداعًا. كان يبعد اليد التي ربما كانت ستصبح رفيقته، تلك التي كان سيخطو معها نحو مستقبل مشترك.
سيمسح تلك الابتسامة الأخيرة التي رآها ترتسم على الفتاة المحفورة في ذهنه.
—كانت قد خافت من الموت، ووجهها على وشك الانهيار بالبكاء، لكنها حين حمت سوبارو، ارتسمت على ملامحها تعابير ارتياح.
«—هذا ما أقوله لك.»
سوف ينقذ بياتريس، التي شعرت بالحزن على موت سوبارو. لقد اتخذ قراره.
من ثوبها الأسود، شعرها الطويل، وبشرتها البيضاء، خمَّن أن لها وجهًا بالغ الجمال— لكن، رغم يقينه من ذلك، لم يرَ وجه الساحرة، بل حجابًا من الظلام الكثيف يحجبه تمامًا.
«…»
كانت ساحرة الغضب تحدِّق بالثنائي بنظرة مشحونة بالغضب الشديد.
ضاقت عينا إيكيدنا، وامتلأت حدقتاها السوداوان بأفكار لا حصر لها؛ ربما كانت تنوي قول شيء من شأنه أن يغيِّر قرار سوبارو.
«…»
غير أن التغيير سبقها.
طرأ تغيير مفاجئ لم يكن أحد يرغب به.
عندما ضغط سوبارو عليها في السؤال، خفضت إيكيدنا نبرة صوتها، وللمرة الأولى في ذلك الحديث، تردد صدى كلماتها في أذنيه بطريقة أثارت قلقه بدلًا من غضبه.
«لهذا السبب تدخلت. تدخلتُ لأنني رأيتُ احتمالًا بأن يكسر المحاكمة روحك ويدفعك للاستسلام للمستقبل.»
«—إذًا، لقد جاءت.»
«مهـ-مهلًا… هذا الأمر… لم يعد يعنيني الآن… لذا، آآآه…»
«…»
«لكن، رغم كل ذلك… ألا توجد حتى… إجابة؟»
«لقد جاءت تلك الفتاة المزعجة في وقت مزعج، لتثير مزيدًا من المتاعب، هووه.»
«آآه… بطني يؤلمني بشدة… يبدو أننا الآن جميعًا هنا، أليس كذلك؟»
«عوالم موازية…»
«سـ-سبب مثل… مينيرفا؟ لديَّ سبب وجيه… مم-لا، ليس لديَّ. لكنكِ، إيكيدنا… خدعتني، أليس كذلك؟»
تباينت ردود أفعال الساحرات اللواتي كنَّ يراقبن الحدث الجاري.
إحداهن عضَّت على شفتها؛ أخرى أمسكت برأسها؛ واحدة تنهدت؛ وأخرى لعقت شفتيها.
تحوَّلت أنظار الساحرات خلف سوبارو. ومن هناك، انبثقت هالة طاغية لا يمكن تجاهلها.
بينما كان سوبارو يواجه إيكيدنا، أبصرت هي ”ذلك الشيء“ مباشرة أمامها.
أشاحت إيكيدنا بنظرها بعيدًا، وراحت تلف خصلات شعرها الأبيض حول إصبعها وهي تدلي بردَّها.
اتسعت عيناها قليلًا، وفيهما لمح سوبارو دوامة معقدة من المشاعر. للمرة الأولى، سواء قبل انكشاف حقيقتها أو بعده، رأى الكراهية فيها.
«…»
رؤية تلك الكراهية جعلته يلتفت ببطء. تردد للحظة، ثم بتزامن مع أنفاسه ودقات قلبه، تحرَّك.
وعندما التفت أخيرًا، وقعت عيناه على الوافدة الجديدة.
وقفت مينيرفا في مركز الحفرة التي أحدثتها بقبضتها، مكتفة ذراعيها فوق صدرها الذي ارتجَّ مع كل حركة غاضبة، بينما عضَّت على شفتها بشدة.
من ثوبها الأسود، شعرها الطويل، وبشرتها البيضاء، خمَّن أن لها وجهًا بالغ الجمال— لكن، رغم يقينه من ذلك، لم يرَ وجه الساحرة، بل حجابًا من الظلام الكثيف يحجبه تمامًا.
وفي تلك اللحظة بالذات، أدركت تمامًا الصراع والضعف الذي يسكن أعماق سوبارو.
الجشع، الغضب، الشهوة، الكسل، الشراهة، والفخر— مع حضور هؤلاء جميعًا إلى حفلة الشاي، انضمت أخيرًا السابعة: ساحرة الحسد.
«آآه! إنها تيلا! عجبًا، مضى وقت طويل منذ آخر لقاء!»
«… يجب أن أشير إلى أن ركن الإعلانات لا يتضمن عادةً محتوى يجعل إلسا سعيدة. الغرض منه هو تقديم معلومات حول Re:ZERE فحسب.»
كانت الوحيدة التي رحَّبت بساحرة الحسد هي الطفلة الساحرة، ملوحة بيدها في مرح.
«…»
«لا أحد يمكنه أن يغفر لي.»
—حفلة شاي الساحرات كانت قد استضافت ضيفها الوحيد. والآن، وقد تحولت إلى وليمة، كان المشهد الأخير يوشك أن يبدأ.
«في الواقع، كنت متورطة جدًا في خلفية ذلك الحادث، كما تعلمين. الكتاب الآخر سيصدر قريبًا من هذا المجلد الثاني عشر، لذا تأكدي من إلقاء نظرة عليه، حسنًا؟»
《النهاية》
تحوَّلت أنظار الساحرات خلف سوبارو. ومن هناك، انبثقت هالة طاغية لا يمكن تجاهلها.
«—لعقد اتفاق رسمي، يجب أن يُربط رباط بين روحك وروحي. أما التفاصيل الدقيقة، فسأتولى أمرها… ولكن في أي حال، دعنا نبدأ بمصافحة الأيدي.»
《كلمة الختام》
عندها فقط، لأول مرة منذ بداية حديثها، بدأت إيكيدنا تتردد في كلماتها.
مرحبًا بالجميع! أنا تابي ناغاتسوكي، المعروف أيضًا بـالقط ذو اللون الرمادي، وأدين لكم بالكثير!
«أشعر أنني لو سمعت إجابتكِ، سأتمكن من اتخاذ قراري.»
شكرًا لشراء وقراءة المجلد الثاني عشر من Re:ZERO! أعتذر لأن تحيتي مكتوبة بحروف أصغر من المعتاد. لكن… مَن قرأ الكتاب سيفهم السبب، فقد استغللنا كل صفحة، وكل سطر، وكل جملة بأقصى طاقتنا هذه المرة!
كانت تلك المرأة ذات شعر طويل يصل إلى أطراف قدميها، ترتدي زيًا أسود كاشفًا، وتتمتع بجسد أنثوي ممتلئ. أما بشرتها فكانت شاحبة على نحو يتجاوز مفهوم البياض، ووجهها الجميل بالرغم من جاذبيته كان يشع إحساسًا بالمرض.
حقًا، لم يُهدر سطر واحد! ربما كان هذا العمل الأكثر توترًا بالنسبة لي حتى الآن!
بأمل يسكن روحه المتعبة، بدأ سوبارو يرفع يده ليضعها على يد إيكيدنا—
أما عن محتوى هذا المجلد الثاني عشر، الذي كان معركة ضارية للمؤلف، فلا بد أن أقول إن سوبارو مرَّ بأوقات عصيبة للغاية. أولئك الذين تابعوني منذ النسخة الأصلية على الإنترنت انتظروا طويلًا هذا الجزء، حيث تم التطرق أخيرًا إلى العواقب التي لا مفر منها لقدرته على ”العودة بالموت“.
«أشعر أنني لو سمعت إجابتكِ، سأتمكن من اتخاذ قراري.»
لقد تعرض سوبارو لمحن قاسية من الظروف ومن الأشخاص حوله، وأخيرًا واجه حتى ”العودة بالموت“ التي أرهقت قلبه. لكني أحثكم على التطلع لما سيحدث لاحقًا في المجلد الثالث عشر!
حين مدت إيكيدنا يدها نحوه مصحوبة بكلماتها القاطعة، قاطعها صوت واهن متثاقل.
حسنًا، كان هذا مختصرًا، ولكن كما ترون، الوقت والمساحة المخصصة لي هذه المرة محدودة، لذا دعوني أواصل بسرعة تقاليد تقديم الشكر!
إلى المحرر آي، لقد كان كل شيء على حافة الهاوية هذه المرة، لكنني واثق أن سوبارو عانى أكثر منا جميعًا. شكرًا على ثقتك بي. المجلد الثالث عشر سيكون قاسيًا أيضًا!
كما لو كانت تمسح عن ذهنه المخاوف، أوضحت إيكيدنا رغبتها بصوت مطمئن.
إلى الفنان أوتسوكا، هذه المرة أظهرنا الساحرتين الأخيرتين وعودة سيد الوحوش، وغيرها. شكرًا على الرسومات الساحرة والأنيقة. دائمًا ما تُضيف مهارتك في الرسم الكثير، وأشكرك حقًا على المساهمة في جعل هذا المجلد قويًا جدًا!
انتظرت إيكيدنا سؤال سوبارو، الذي طرح عليها لغزًا يتعلق بها، كان قد لازمه طوال الدورة التي بدأت مع الملجأ. ذلك السؤال هو—
«وما رأيكِ في هذا كله؟»
إلى مصمم الغلاف كوسانو، يشرفني أنك صقلت التصميم إلى هذا الغلاف الأنيق، لدرجة أنه يبدو غير مألوف بالنسبة لسلسلة Re:ZERO (؟). الغلاف يعبر عن ”الأخوات المظلمات“ على نحوٍ مذهل. شكرًا جزيلًا.
«لقد وُجدت تلك الفتاة لغرض معين. لكنني قررت استخدامَها لغرض آخر، مختلف عن ذلك الذي وُجدت من أجله. لهذا أرسلتها بعيدًا عن الملجأ. ولكي أعطيها هدفًا جديدًا للحياة، منحتُها أرشيف الكتب المحرَّمة، وأوكلت لها إدارة معرفتي، وجعلتها تنتظر ذلك الشخص الذي سيأتي يومًا ما. لم أضع مهلة زمنية؛ لأن الأمر لم يكن بحاجة إلى إجابة محددة مسبقًا. ربطتُ حياتها بهذا العهد، مما سمح لها بالعيش خارج الملجأ، وأتحتُ لنفسي استكشافًا جديدًا: مَن ستختاره تلك الفتاة.»
أمام سوبارو الذي ابتلع صمته، نقرت إيكيدنا بأصابعها الجافة. ومع هذه الحركة، استعادت الهضبة والسهل المزعومين هيئتهما الأصلية، وعادت الطاولة والكراسي المحطمة إلى حالتها الأولى.
بالنسبة للنسخ المصورة، فإن دايتشي ماتسوسي وماكوتو فوجيتسو يعملان على نشر الكوميكس في نفس الشهر! نسخة فوجيتسو أكملت أخيرًا الأرك الثاني، بينما وصلت نسخة ماتسوسي إلى ”البداية من الصفر“. إنه شعور رائع أن أراهما يصلان إلى النقاط التي كان من المفترض أن يصلا إليها دائمًا! ومع ذلك، بما أننا سنستمر معًا لفترة أطول، أطلب دعمكم المتواصل!
أما بالنسبة للآخرين، مثل جميع أفراد قسم التحرير في MF Bunko J وكل من شارك في التوزيع في المكتبات، شكرًا جزيلاً لكم دائمًا. أشعر بعظمة تعاونكم في كل مرة أكثر من السابقة.
توقفت إيكيدنا لحظة وكأنها تقيم كلامها ثم أضافت:
وأخيرًا، إلى جميع القراء الذين اشتروا هذا الكتاب، واستمتعوا بهذه الحكاية، وشجعوا بطلنا المعذب، خالص شكري وتقديري لكم.
أعمل بجد على *Re:ZER في عام ٢٠١٧ أيضًا! أرجو أن تستمروا في دعمي كما في السابق!
«مهـ-مهلًا… هذا الأمر… لم يعد يعنيني الآن… لذا، آآآه…»
حسنًا، لنلتقي في المجلد الثالث عشر! شكرًا لكم! شكرًا جزيلًا!
«لكن—»
بالنسبة للنسخ المصورة، فإن دايتشي ماتسوسي وماكوتو فوجيتسو يعملان على نشر الكوميكس في نفس الشهر! نسخة فوجيتسو أكملت أخيرًا الأرك الثاني، بينما وصلت نسخة ماتسوسي إلى ”البداية من الصفر“. إنه شعور رائع أن أراهما يصلان إلى النقاط التي كان من المفترض أن يصلا إليها دائمًا! ومع ذلك، بما أننا سنستمر معًا لفترة أطول، أطلب دعمكم المتواصل!
فبراير ٢٠١٧
«حماسي مشتعل بعد حضوري فعالية اختتام سلسلة Re:ZERO»
«إلسا… أوه، إلـــسا. مهلًا، هل تسمعينني؟»
لو كان سوبارو إنسانًا أفضل، لربما كانت تلك الكلمات ستنجح في تضميد جروحه وتخفيف وطأة ذنبه، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة له.؛ فهو لا يستطيع أن يسمح لنفسه بالتفكير بهذه الطريقة.
«أجل، أستمع. ما الأمر؟ هل هذا إعلان عن المجلد القادم؟ يبدو أنه عقدي الجديد. سيكون ممتعًا أن أرى كيف تبدو أحشاء الخصم القادم.»
«ماذا؟! هل تقول إنه من الخطأ أن أكون هنا بهذه الطريقة؟!»
«… يجب أن أشير إلى أن ركن الإعلانات لا يتضمن عادةً محتوى يجعل إلسا سعيدة. الغرض منه هو تقديم معلومات حول Re:ZERE فحسب.»
لم يكن في كلماتها تعزية مباشرة، بل حديث بدا وكأنه يقربها من روحه بطريقة غير مألوفة.
«—؟ إذًا لا أفهم لماذا تم التعاقد معنا للقيام بهذا…»
«في الواقع، كنت متورطة جدًا في خلفية ذلك الحادث، كما تعلمين. الكتاب الآخر سيصدر قريبًا من هذا المجلد الثاني عشر، لذا تأكدي من إلقاء نظرة عليه، حسنًا؟»
«لم أعتقد أن إلسا قد تكون بهذه الدرجة من عدم الاعتماد. على أي حال، إر لنبدأ. أولًا، في نفس شهر مارس الذي يُطرح فيه المجلد الثاني عشر من Re:ZERO، يبدو أن النسخ المصورة لكل من الأركين الثاني والثالث ستكون متوفرة أيضًا.»
حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بثقتك، فلن أتردد في السعي لاستعادتها. مهما حدث، سأوصلك إلى المستقبل الذي تريده، بلا أدنى شك. بالتأكيد، بالتأكيد سأفعل. ومع اتضاح الخيارات الضرورية لذلك، ألا تسمح لي بأن أكون مَن يتخذ تلك الخيارات؟
«هذا يعني أن المجلد الخامس من إصدار Alive والمجلد الرابع من إصدار *BG* سيصدران. الفصل الثاني اكتمل أخيرًا… ويبدو أن القصة تتضمن ذلك الفتى الذي قطعت بطنه وهو يُنقل إلى القصر.»
«…»
«في الواقع، كنت متورطة جدًا في خلفية ذلك الحادث، كما تعلمين. الكتاب الآخر سيصدر قريبًا من هذا المجلد الثاني عشر، لذا تأكدي من إلقاء نظرة عليه، حسنًا؟»
لم يستطع سوبارو إنقاذ بياتريس من القرون التي قضتها في الوحدة. عندما صرخ لها في تلك اللحظة، كان ابتسامتها الأخيرة، التي حملت طيف ارتياح، قد انغرست في ذاكرته إلى الأبد. ولهذا—
«…مم، ما هو؟»
«بعد ذلك، يجب أن يكون هناك عرض للمجلد القادم، ولكن متى سيصدر المجلد الثالث عشر، يا تُرى؟»
خطرت في ذهن سوبارو فكرة… أنها تجسيد لحب الذات.
«أوه-هو-هو. يبدو أن المجلد الثالث عشر مقرر أن يصدر في يونيو. وأيضًا، أيضًا، هذا ليس الإعلان المهم الوحيد. هل تريدين سماعه؟»
«أعتقد ذلك. على الرغم من أنه ليس لديَّ أي اهتمام خاص، بصراحة…»
بهذه التجارب كزاد، ستمد يدك نحو المستقبل، حتى وإن كان الثمن حياتك. كانت تلك التجربة ضرورية لكي تدرك أن هناك تضحيات قد تُقدَّم في سبيل ذلك المستقبل. ومع استخدامك المتكرر لـ ”اللعودة من الموت“، قد تتآكل مشاعرك، وقد يفقد موت أحبَّائك تأثيره على قلبك، بل قد تضطر لفقدان جزء من ذاتك للوصول إلى وجهتك المحتومة.
كانت الكلمات التي قدَّمتها إيكيدنا له، بنية صادقة، تهدف إلى منحه الأمل.
«بوو. إلسا، لا تستطيعين قراءة الأجواء أبدًا…»
استنتجت إيكيدنا إمكانية وجود عوالم موازية؛ ما يُعرف بنظرية الأكوان المتعددة. وفق هذا التصور، فإن كل اختيار يتخذه أي شخص في العالم يؤدي إلى تشعب الواقع إلى احتمالات متعددة، مما يُفضي إلى عدد لا نهائي من المستويات الوجودية.
«ولكن بما أنك ترغبين في الحديث عنه، فسأستمع. تفضلي.»
«آه! في الواقع، تقرر أن يتم نشر كتاب رسوم خاص بسلسلة Re:ZERO -Starting Life in Another World- يضم جميع رسوم المعلم شينيتشيرو أوتسوكا! الرسوم جميلة وظريفة للغاية، وأخيرًا سيُطرح كتاب ممتع بهذا المفهوم. مهلًا، أليست هذه أخبار رائعة؟ ألا تشعرين بالسعادة؟»
«نعم، هذا رائع جدًا. من الجيد رؤيتك سعيدة بهذا، ميلي.»
«يبدو أن هذا ينهي الإعلانات… أجد هذا صعب الفهم إلى حد ما.»
«بالطبع أعرفها. لي علاقة وثيقة بميلاد تلك الفتاة. ماذا في ذلك؟»
«رد فعلك كان مختلفًا عما توقعته، لكن لا بأس. بالنسبة إلى موعد الإصدار المهم، فمن المقرر أن يكون في سبتمبر ٢٠١٧. انتظروا التحديثات على الصفحة الرسمية وتويتر، حسنًا؟»
وضعت يدها على صدرها وأضافت: «رغم أنني ميتة بالفعل.»، واختتمت بنبرة خفيفة كما لو كانت تمازح.
«يبدو أن هذا ينهي الإعلانات… أجد هذا صعب الفهم إلى حد ما.»
«هذا ليس كذبًا، أليس كذلك؟»
«شيييش، لقد أخبرتك منذ البداية أنه لن يسير كما كنتِ تأملين، إلسا… حسنًا، لا يمكن المساعدة. ماذا عن الذهاب للعب مع السيد هناك؟»
«آااه، سيكون ذلك رائعًا. على الأرجح سأحصل على فرصة لمعرفة المزيد في المجلد القادم… ولكن قبل ذلك، سينضم الفتى وأنا إلى وليمة من اللحم والدم. سيكون ذلك مذهلًا بالفعل.»
بالفعل، لم يتذكر أنه ناقش مساوئ الاتفاق مع إيكيدنا خلال حديثهما المتبادل. شعر بوعيه يقظًا على إهماله في إدراك هذه النقطة.
«هوه-هوه-هوه. مسكين ذلك السيد. قبل أن أسمح لإلسا بمضايقته، من الأفضل أن ألهو معه كثيرًا أولًا. سيكون ذلك ممتعًا للغاية.»
«نعم، سيكون ذلك حقًا، حقًا— ممتعًا.»
شكرًا لكم لشراء هذا الكتاب الإلكتروني، الذي نشرته Yen On.
ترك خلفه عوالم لا تُحصى. وفي تلك العوالم، ترك الكثيرين ممن أنقذهم، والكثيرين ممن أنقذوه.
للحصول على أخبار عن أحدث المانغا، والروايات المصورة، والروايات الخفيفة من Yen Press، إلى جانب عروض خاصة ومحتوى حصري، اشتركوا في نشرتهم الإخبارية.
«—!! مَن هذه المرة؟!»
/////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
«لا أحد يمكنه أن يغفر لي.»
وضعت إيكيدنا يدها على صدره، وخفضت رأسها قليلًا، فتردد صوتها في أذني سوبارو، متسللًا إلى جسده بارتعاش خفيف.
