Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 5

5 - قائمة النهايات.
PDF
ملوك الروايات

حمّل تطبيق ملوك الروايات الآن!

تابع أحدث الفصول براحة تامة، بدون إعلانات مزعجة، مع ميزة التحميل للقراءة أوفلاين.

تحميل التطبيق

5 - قائمة النهايات.

١

«—إذا استمررتَ أكثر، فستكون حياتك في خطر.»

 

 

وُضِع وعي سوبارو مجددًا أمام الإحساس نفسه بأرضيةٍ باردة وقاسية.

 

 

 

«…»

《٧》

 

كل شيء، كل ما حدث، كان خطأ سوبارو وحده.

مستلقٍ على ظهره، فتح عينيه وبصق التراب الذي علق في فمه. تجهم وجهه متأثرًا برائحة الأرض، وأخذ يتفحص المكان من حوله، ليجد نفسه في غرفة حجرية ذات إضاءة خافتة— عاد إلى القبر من جديد.

حين تمتمت كارميلا بهذه الكلمات المتكسرة، أدرك سوبارو ما كان يثير غضبه منها.

 

وكأنُّه أراد تعميق ذلك الألم، وضع سوبارو يده على صدره، مظهرًا ضراوة تعكس روحه الجريحة.

عاد إلى نفس النقطة التي انتهت فيها حياته السابقة، كما لو أنه تراجع في الزمن فحسب.

«نعم. أنا ريم الخاصة بسوبارو.»

 

«لأنني ضعيف.»

عاد بصره إلى عينه اليسرى، مستعيدًا رؤيته الكاملة. شعر بالراحة لذلك، غير أن خوفًا ثقيلًا تملكه؛ خوف من أن تشهد هذه العين الجحيم مرة أخرى، وإحساسًا بالحصار وكأن الجرح الذي لم يعد موجودًا لا يزال يؤلمه.

 

 

 

لكن ما كبح شعوره باليأس ومنعه من الانغماس في قناعة أنه سيصل إلى طريق مسدود آخر، كان وجود الفتاة المستلقية بجواره.

 

 

لقد أنهكته الأزمات حتى لم يعد يعلم الطريق الذي يسلكه، ولا الاتجاه الذي يتوجه إليه. لذلك، فكر في الاستسلام؛ أن يتخلى عن كل شيء—

شعرها الفضي الجميل انتشر على الأرض، وهي تتأوه بوجع، تلك الفتاة التي عاش معها نهايته المحتومة؛ إميليا، غارقة في عذاب المحاكمة، محبوسة في كابوس من ماضٍ لا تستطيع الإفاقة منه.

 

 

تأرجح شعرها الطويل بجنون، كطفلة ضائعة، وهي تبكي وتصرخ كأنها أصيبت بالجنون.

«…»

«…»

 

 

بهدوء، مدَّ سوبارو أصابعه، لكن لم يلمس إميليا، بل لمس شفتيه الجافتين.

—ومع ذلك، فإن سوبارو، الذي كان يتوق إلى العقاب، لم يُمنح سوى عناقٍ لطيف يعجُّ بالغفران.

 

 

في أعماق ذهنه، عادت إليه تلك اللحظة قبل العودة بالموت، عندما وضعت إميليا سوبارو المحتضر على حجرها، ولم تدرك خسارته وهي تطبع قبلة على شفتيه.

 

 

لقد تحقق ما كان يريده.

لم يكن قادرًا على تخيل حالتها النفسية في اللحظة التي قبلت فيها شفتيه الغارقتين بالدماء، كما لم يستطع، وهو على أعتاب الموت، أن يحمل معه إحساسات أو مشاعر تلك اللحظة الأخيرة التي سبقت رحيله.

 

 

 

كانت تلك القبلة أول قبلة بينه وبين إميليا في حياته… ولكن الموت كان قد حال بينهما.

فكر: إن لم يرَ الأمور على هذا النحو، إن لم يتمسك بهذا الفهم—

 

 

«…»

 

 

أكانت حقًا عوالم زائفة وُلدت من الهواجس؟ أم أن واقعه كان يلتهمه واقع آخر؟

لكن لو سُئل سوبارو إن كان قد ندم على الشعور بملامسة شفتيها، لأجاب بلا تردد: ”لا.“

 

 

 

استحضار تلك القبلة في لحظته الأخيرة كان بمثابة تأكيد جديد على إحساسه بالخطر وهو يرى إميليا تنهار نفسيًا وتصبح معتمدة كليًا عليه، هاربة من واقعها المتدهور.

«قـ-قبل قليل؟»

 

بذراعين قويتين، احتضنت ريم، بابتسامة ساحرة، سوبارو بإحكام، حتى استطاع أن يشعر بأنفاسها القريبة.

فقدت قدرتها على الاعتماد على باك، تحمَّلت الضغوط المتزايدة من حولها، وغياب كلمات سوبارو المطمئنة دفع عقلها إلى حافة الانهيار.

—لتستمر المحاكمة، ويعاقَب ناتسكي سوبارو بما يفوق الجحيم.

 

«ماذا؟»

كان قد شعر بالفخر لتحقيق أفضل بداية حتى ذلك الحين، ولكن إن كان انهيار إميليا هو النتيجة…

ناولها يوليوس منديلًا أبيض وهو يخاطبها برفق، فيما كانت غارقة في شرود عميق.

 

 

«إذا لم أكن بجانبها… فسيحدث ذلك. لا أريد… أن أجعلها حزينة…»

عندما تردد الهمس للمرة الثالثة، تساءل عن السبب وراء شعوره بألفة مع هذا الصوت، ثم أدرك الحقيقة.

 

 

حتى لو استعادت توازنها مؤقتًا بعد خروجها من القبر، فإن الحديث الليلي والرسالة انقلبا ضدها.

افتقار جسده للحم والدم ولَّد نوعًا جديدًا من التشوش، لكن باستحضار مفهوم التنفس العميق في ذهنه، حاول استعادة هدوء مصطنع في داخله.

 

《٢١》

ابتلعتهم الثلوج الغزيرة، وأصبح كثيرون ضحايا لغزو الأرنب العظيم. قتل روزوال رام وغارفيل في نوبة جنون، وفي النهاية، قبلة إميليا على شفتيه كانت اللحظة الأخيرة في حياة سوبارو قبل أن يلقى حتفه.

لكن في محاولته للهروب من الواقع، ارتطم بالحائط، فانتهى تدحرجه بعنف.

 

نظر ويلهيلم إلى وجه سوبارو الميت، ثم قبض يده ندمًا وضرب الأرض بقوة.

«علمت ذلك. وجب أن أعلم.»

على النقيض من مشاعر ويلهيلم الجارفة، زفر فيلكس ببطء وقال:

 

من تلك المسافة القريبة، كانت عيناها الزرقاوان الفاتحتان، المملوءتان بحب خالص، تحاولان إغراق سوبارو بلطفها.

بدت تلك الحياة التي عاشها سوبارو كأنها قدَّمت له أقسى المصائر وأشدها عبثية. وكأنها، بتصميم متعمد، رتَّبت إميليا، وبياتريس، وحتى إلزا وروزوال، في أقوى تكوين ممكن.

 

 

فيما بدا صوت الوحش العملاق وكأنه يندب النهاية، جاءه صوت رقيق وجميل، متزن وسط عواصف الثلج.

«سأنقذ… إميليا، والملجأ، والقصر. سأنقذهم جميعًا. وإن لم أفعل…»

وبينما عُرضت أمامه عوالم منتهية، الواحد تلو الآخر، لم يكن بوسع سوبارو إلا أن يستلقي على الأرض بلا حراك.

 

 

هل تستطيع فعل ذلك؟  

ومع ذلك، لم يشعر سوبارو بذلك. بدا له أن الفراق امتد لدهور.

 

 

ليس الأمر سؤالًا عن قدرتي. بل عليَّ أن أفعل. وسأفعل. أنا.

 

 

«—سوبارو؟»

كشف سوبارو عن أنيابه، وكتم ذلك الصوت الداخلي الذي تكرر كثيرًا في ذهنه. لن يسمح لنفسه بالأعذار، ولن يبحث عن طوق نجاة. أقسم عهدًا لن يتراجع عنه أبدًا.

 

 

 

ما عليه سوى أن يسرد المشاكل، ويحدد العقبات والجدران التي تعترض طريقه، ثم يصوغ شروط انتصاره بوضوح. عليه أن يرتبها زمنيًا ويخوض التجارب مرة بعد أخرى، بقدر ما يسمح له به عقله ووقته.

في ذهنه، رسم صورة للساحرة ذات الشعر الأبيض، ورتب مشاعره لتصبح جوقة تناديها، باحثًا بجنون عن أفضل احتمال يمكن أن يُقرب تلك المصائر المتشابكة.

 

«ما الذي… لا بأس به؟ لا يمكن أن…!»

حتى لو أُنهِك عقله مع كل فشل، فإنه سيظل راضيًا طالما بقيت هناك نهاية تستحق التمسك بها… مهما كانت الفظائع التي يتعين عليه مشاهدتها، مثل تلك التي رأى بعضها بالفعل.

 

 

 

وهكذا—

في تلك اللحظة، رأى رموشها الطويلة ترتجف، وعينيها البنفسجيتين تفتحان ببطء. عندها، اتخذ قراره.

 

 

«—إميليا، هل أنتِ بخير؟»

 

 

سقط وعيه في هوة مظلمة، ثم تلاشى بسرعة.

مدَّ يده وهزَّ كتف الفتاة المستلقية برقة، ليعيدها إلى الواقع بلطف.

«هـ-هذا… ليس ما كان ينبغي أن يحدث…»

 

 

في تلك اللحظة، رأى رموشها الطويلة ترتجف، وعينيها البنفسجيتين تفتحان ببطء. عندها، اتخذ قراره.

«سوبارو، هل أنت بخير؟»

 

إضافة إلى ذلك، وجهها الذي كان على وشك أن يقترب حتى تلتقي شفاههما، وجد نفسه محجوبًا بيد سوبارو.

جدد عهده داخل نفسه، عهدًا صلبًا وقويًا، لا ينكسر أبدًا.

هل أنقذه ذلك الصوت؟ وإن كان كذلك، هل ينبغي أن يقبل بذلك بأدب؟

 

 

سأحمي إميليا وأُنقذ الجميع. حتى لو كلف ثمن ذلك حياتي.

 

 

 

٢

 

 

«أ… لكـ—»

في ذهنه، بدأ سوبارو بترتيب المعلومات التي لم يُتح له الوقت الكافي لاستيعابها في نهاية محاولته الأخيرة، نظرًا للفوضى التي سادت في لحظاتها الأخيرة واقتراب موته.

«إيهاه، نغه… غواغ، هاغه…!»

 

 

كان الأهم بينها هو الرجل الذي عرف بسر عودة سوبارو بعد الموت؛ روزوال إل ميزرس. وجب على سوبارو أن يدرس موقفه ويحدد أفضل طريقة لمواجهة مخططاته.

كان مشوش العواطف، وروحه الحائرة تبحث عن شخص يمدُّ له يد العون، وريم التي تفهم كل شيء عن سوبارو، كانت تنقذه مرة أخرى.

 

بالنسبة لسوبارو، الذي عاد مرارًا عبر الموت، لم يكن للزمن المادي أي معنى. ما كان يهم هو اللحظات التي خَبِرَها قلبه وروحه.

لم يعرف روزوال أن الموت هو الشرط الذي يُفعِّل قدرة سوبارو، لكنه علم أن سوبارو يمر بدورات متكررة. ليس واضحًا ما إذا كان قد أدرك ذلك منذ وصول سوبارو إلى الملجأ أو قبل ذلك بكثير، لكن ما كشف له الحقيقة لا بد أن يكون الكتاب السحري الذي يمتلكه؛ كتاب المعرفة.

أسرع سوبارو في خطواته، متقدًا بنفاد صبر لم يعد قادرًا على احتماله.

 

 

هذا الكتاب السحري له نفس الأصل الذي أتى منه الكتاب الفارغ الذي تمتلكه بياتريس، وهما المجلدان الوحيدان من نوعهما في العالم.

كان سوبارو، الذي مات وخرج من جسده، يحدِّق من علٍ في الجسد الذي فارقته الحياة. المشهد كان كريهًا على نحوٍ لا يحتمل. لم يختبر سوبارو في حياته -حتى بعد عدد الوفيات التي تجاوزت العشر مرات- مشهدًا أشد رعبًا من هذا.

 

ولهذا—

لم يكن سوبارو متأكدًا مما إذا كانت محتويات الكتاب تتنبأ بالمستقبل بدقة، لكن إذا أخذ كلمات روزوال على ظاهرها، فقد تصرف روزوال وفقًا لما تمليه عليه إرشادات الكتاب.

 

 

لم يسبق له أن شهد مثل هذا المشهد. ففي ذلك العالم، كان قد مات بالفعل.

تصرفاته في الملجأ وحتى تقديمه نفسه كقربان للأرنب العظيم في النهاية كانت جزءًا من التزامه التام بتعليمات الكتاب. دوافعه في هذا كانت مشابهة لما حرَّك أتباع طائفة الساحرة، من بيتلجيوس فما دونه.

وسط أصوات خطوات وئيدة على العشب، اقتربت شخصية ما من دائرة الفرسان التي أحاطت بالجثة. بخطوات مترنحة، تقدمت تلك الشخصية حتى وصلت إلى الفتى المسجَّى في مركزها.

 

 

لكن ثمة فرق جوهري بينهما؛ فجوة لا يمكن سدها تفصل بين كيفية التزام كل منهما بإرشادات كتبهما.

 

 

الأمور التي أراد معرفتها، والتحقق منها، والتفكير فيها معًا كانت بعدد لا يحصى، كنجوم السماء.

فسر بيتلجيوس النبوءات الناقصة بنفسه وتأقلم مع الظروف المتغيرة أثناء تنفيذه لأوامر الكتاب. أما روزوال، فقد التزم بحذافير تعليمات كتابه، ولا يسمح بوجود أي تناقض معها، حتى لو تطلب الأمر تكرار الأحداث مرارًا لتحقيقها.

«—سوبارو.»

 

«مَن… بحق تكونين؟»

كلاهما نوى الالتزام التام بكتابه، لكن دوافعهما ومنهجيتهما كانتا مختلفتين تمامًا.

 

 

على النقيض من مشاعر ويلهيلم الجارفة، زفر فيلكس ببطء وقال:

ومع استعداد روزوال لاستخدام عودة سوبارو بعد الموت كوسيلة لتحقيق غايته، أصبح الموقف معه أشد خطورة مما كان مع بيتلجيوس.

 

 

—سأحمي إميليا وأُنقذ الجميع. حتى لو كلف ثمن ذلك حياتي.

ما الهدف الذي يدفع روزوال إلى اللجوء إلى هذه التطرفات؟  

بكلمات متسارعة، وبرعب ينبع من أعماق جسده المرتعش، أقرَّ سوبارو بجرائمه.

 

اختفت تلك التي كانت تشبه ريم في مظهرها فحسب، وظهر مكانها وجه فتاة غريبة.

إذا كانت تعليمات الكتاب تتطلب إنهاء الأحداث في الملجأ والقصر بالشكل الذي يريده، فإن روزوال سيعيد تلك المآسي مرارًا حتى يحصل على النتيجة المرغوبة.

 

 

 

إن كان الأمر كذلك، فلماذا لا يجثو سوبارو على ركبتيه ويسأل روزوال مباشرة عما كتبه الكتاب السحري؟ لماذا لا يعقد معه عهدًا صريحًا بالالتزام بما تنص عليه التعليمات، ويكرس كل قوته حتى تتحقق أمنية روزوال؟

لم يكن سوبارو متأكدًا مما إذا كانت محتويات الكتاب تتنبأ بالمستقبل بدقة، لكن إذا أخذ كلمات روزوال على ظاهرها، فقد تصرف روزوال وفقًا لما تمليه عليه إرشادات الكتاب.

 

رفع عينيه نحو السماء التي تلونت بألوان الغروب، وغشى الحزن عينيه، وهمس بصوتٍ ضعيف:

لكن النتيجة الفعلية لاتباع روزوال للكتاب هي صنع الثلج الذي غطى الملجأ. كان المشهد الثلجي قد أثار الشكوك تجاه إميليا، وعزلتها تلك هي التي أدخلتها في دوامة من الألم النفسي.

 

 

شعر بقطرة دافئة من دموع لا ينبغي لها أن تسيل، تنحدر على وجنته.

إذا كان هذا هو مراد روزوال… إذا كان هذا ما تريده صفحات الكتاب السحري، فلا يمكن لسوبارو القبول بذلك.

«…سو…بارو؟»

 

بناءً على ذلك، واسى إميليا المجروحة، شجعها برفق، ورافقها حتى ذهبت إلى النوم. بعد ذلك، عندما أتت رام لتخبره بموعده المقرر مع روزوال، تجاهلها واندفع مسرعًا خارج المنزل.

أهداف سوبارو وروزوال كانت غير قابلة للتوفيق.

 

 

أراد أن يُسكتها بالقوة، تلك الفم المرتجفة التي تواصل بثَّ الكلمات الباكية، وأن يصبَّ غضبه عليها حتى تفهم ما فعلته—

بالنسبة إلى سوبارو، الذي يخاطر بحياته لحمل كل شيء على عاتقه، كان روزوال قد قال له: ”حرِّر نفسك من كل شيء إلا مما هو مهم حقًا بالنسبة لك.“

 

 

 

وأضاف أنه إن فعل ذلك، فسيصبح سوبارو مثله.

كان سوبارو يشاهد شيئًا ما. يُعرض عليه شيء ما.

 

«عليَّ أن أمنعك من إلحاق أي أذى آخر. إن كان لا بد أن تكره أحدًا، فلتكرهني أنا.»

لم يرغب سوبارو في أن يشبهه ولو قليلًا، لكن كان من الواضح أن روزوال يلتزم بكلماته، حتى لو تطلب الأمر التضحية بحياته.

استعد كلاهما لضربة واحدة، تلك الضربة الحاسمة الأخيرة، رغم أن النتيجة كانت واضحة سلفًا—

 

«—إميليا، هل أنتِ بخير؟»

عبر التزامه المتعصب بتعليمات الكتاب، عزل إميليا، وكان واثقًا أن تحقيق النهاية التي يتوق إليها الكتاب ستمنحه القدرة على حماية الشيء الوحيد المهم لديه.

 

 

 

كانت جميع أفعال روزوال من أجل هذا الهدف. وإذا كان الأمر كذلك، فلدى سوبارو رد واحد فقط:

لم يعكس تعبيرها الأسى على موت سوبارو بقدر ما كان غضبًا يكاد يكون غير محتمل تجاه تلك النهاية.

 

سواء كان ذلك صوابًا أم لا، ريم ستغفر له، أليس كذلك؟

«تتخلَّى عن كل شيء آخر؟ هراء. لا مجال لذلك.»

 

 

 

لن يسمح بإيذاء إميليا، ولا ريم، ولا رام، ولا بيترا، ولا أوتو، ولا فريدريكا، ولا سكان قرية إيرلهام، ولا سكان الملجأ، ولا ريوزو، ولا حتى غارفيل.

في ذلك العالم، ليس هناك سوى شخص واحد يستطيع سحب هذا السيف المتلألئ المتوهج واستخدامه: قديس السيف، راينهارد فان أستريا.

 

إذا سقط أي واحد منهم، ستصبح حياة سوبارو عالمًا باهتًا لا يطاق. وبالنسبة إلى سوبارو الجشع والأناني، كان هذا أمرًا لا يمكن احتماله.

تمكَّن سوبارو من رؤية قطرات شفافة تتساقط من زوايا عينيها الزرقاوين على وجنتيها.

 

 

«روزوال، لن أصبح مثلك.»

 

 

 

لجعل هذا العهد حقيقة، على سوبارو أن يجد إجابة تتحدى تعليمات الكتاب السحري.

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

طريقتها في الحديث، تشتت نظراتها، الهشاشة التي أبدتها حين خفضت عينيها… كل شيء فيها كان يثير حنقه. ما الذي تحاول فعله بهذه الكلمات المرتبكة وتلك النظرة المتذمرة؟

ليس هناك مَن يعتمد عليه. كان عليه أن يقلق، ويحيا، ويكافح بمفرده. ولكن إن كان هناك شخص واحد يمكنه الاعتماد عليه—

رفع راينهارد سيف التنين بثقة، موجَّهًا إياه نحو الوحش الهائل.

 

لكن عندما أدرك أن هذا التشوش مألوف لديه، كان من السهل أن يستعيد هدوءه.

«هل أستطيع الاعتماد عليك مجددًا؟…»

كان أحمقًا. كان عليه أن يرحب بذلك التشوش. فقد كان شعور السكر ذاك رحمةً سماوية بذاتها—

 

 

—ليس هناك سوى ساحرة واحدة في هذا العالم يمكن لسوبارو أن يبوح لها بمشكلاته.

 

 

«…»

٣

 

 

 

أسرع سوبارو في خطواته، متقدًا بنفاد صبر لم يعد قادرًا على احتماله.

ناولها يوليوس منديلًا أبيض وهو يخاطبها برفق، فيما كانت غارقة في شرود عميق.

 

 

بعد عودته مع إميليا التي أكملت محاولتها في اجتياز المحاكمة داخل القبر، انتهى الاجتماع الاعتيادي في مقر إقامة ريوزو. ومع غرق الملجأ في ظلمة الليل العميق، انطلق سوبارو بجدية، يركض بمفرده.

افتقار جسده للحم والدم ولَّد نوعًا جديدًا من التشوش، لكن باستحضار مفهوم التنفس العميق في ذهنه، حاول استعادة هدوء مصطنع في داخله.

 

 

بصراحة، لم يتذكر سوبارو الكثير من النقاشات التي جرت خلال الاجتماع. لكنه ليس بحاجة إلى تذكرها ليفهم فحواها.

«حينما كنتُ عالقًا في طريق مسدود، متقوقعًا في حزني على الماضي… اعتقدت أنكِ ستأتين وتواسيني.»

 

«لأنني دائمًا أفكر… أريد أن أكون أكثر النساء ملاءمة لسوبارو.»

هذه المرة، عانت إميليا تحت وطأة ماضيها. وقد أظهرت عبر تفسيرات متعثرة، يمكن ملاحظة تصنُّعها بسهولة، إصرارها على مواجهة كابوسها مرة أخرى في اليوم التالي وما بعده، وسط دموعها.

لسوبارو العاجز، الهش، والجاهل، كانت ريم تمنحه قوتها.

 

لقد أنهكته الأزمات حتى لم يعد يعلم الطريق الذي يسلكه، ولا الاتجاه الذي يتوجه إليه. لذلك، فكر في الاستسلام؛ أن يتخلى عن كل شيء—

احترم سوبارو إحساسها بالمسؤولية ونبل عزمها، لكنه علم يقينًا أنها ستفشل.

ومع ذلك، لم يشعر سوبارو بذلك. بدا له أن الفراق امتد لدهور.

 

لماذا كان هنا؟ لماذا لاحظ وجوده هنا؟

بناءً على ذلك، واسى إميليا المجروحة، شجعها برفق، ورافقها حتى ذهبت إلى النوم. بعد ذلك، عندما أتت رام لتخبره بموعده المقرر مع روزوال، تجاهلها واندفع مسرعًا خارج المنزل.

«حتى اللحظة الأخيرة… كنت تقول أشياء لا معنى لها تمامًا…»

 

 

يلهث بصعوبة، وجبينه غارق في العرق، اتجه مباشرة نحو قبر الساحرة المضاء بنور القمر؛ هناك تكمن المفاتيح التي قد تساعده في التعامل مع الوضع الراهن، وحتى إن لم يكن كذلك، فثمة حليفة تنتظره هناك، يمكنه معها حل بعض من مشكلاته التي تؤرقه.

 

 

 

خَشِيَ أن يعترضه أحد وهو في طريقه إلى القبر، لكنه لحسن حظه لم يوقفه لا ريوزو، ولا غارفيل، ولا حتى روزوال.

 

 

 

في تلك الليلة، للمرة الثانية، أو الثالثة إذا احتسبنا ما جرى خلال النهار، اندفع نحو القبر بلا تردد.

 

 

 

«…»

حين تمتمت كارميلا بهذه الكلمات المتكسرة، أدرك سوبارو ما كان يثير غضبه منها.

 

استيقظ في ذعر.

عند وصوله إلى المدخل، التقط أنفاسه في الممر الذي تملؤه نسائم باردة وهادئة. وبما أن المحاكمة قد انتهى لليلة، لم يعد المكان مضاءً بالنور الذي يستقبل المتحدِّين المؤهلين. ورغم ذلك، ضيَّق عينيه محاولًا تحديد مدخل قلعة الأحلام التي ينبغي أن تكون هناك.

 

 

 

لكن رؤيته لم تكن جيدة بما يكفي للعثور على ذلك الباب. ومع ذلك، كان واثقًا من الكلمات التي نطقتها الساحرة…

 

 

فيما بدا صوت الوحش العملاق وكأنه يندب النهاية، جاءه صوت رقيق وجميل، متزن وسط عواصف الثلج.

«إذا كنت ترغب في المعرفة…»

 

 

 

قالت إيكيدنا إن هذا هو الشرط ليُدعى مرة أخرى إلى حفلة الشاي الخاصة بها.

 

 

«سأنقذ… إميليا، والملجأ، والقصر. سأنقذهم جميعًا. وإن لم أفعل…»

وأخبرته أيضًا أن عليه أن يجعل صوته أعلى من المرة السابقة، عندما مزقت الوحوش الشيطانية جسده بالكامل.

 

 

 

هل يوجد ألم أو خوف يفوق ما اختبره حينذاك، بما يكفي ليدفعه إلى الجنون؟

 

 

في احتضان بارد وحنون للتدمير، غرق العالم ببطء نحو نهايته كما لو كان يخلد إلى النوم.

نعم، يوجد. الصرخة التي أطلقها هذه المرة، طلبًا للخلاص من تلك النهاية المسدودة، كانت تضاهي صرخته السابقة.

«لماذا؟»

 

 

«…»

كان صوتًا واهنًا، بالكاد مسموعًا. لكنه، في سكون الغرفة الذي خلفه استسلام ويلهيلم وفيلكس، ارتطم بوعي سوبارو كأنه وتد يخترق روحه.

 

 

الأمور التي أراد معرفتها، والتحقق منها، والتفكير فيها معًا كانت بعدد لا يحصى، كنجوم السماء.

تذكَّر بكل جوارحه كيف كانت أصابعها النحيلة، ومدى دفء بشرتها حينما احتضنته بقربها، وحجم الحب الهائل الذي منحته له.

 

 

بينما اشتعلت مشاعر لا قاع لها بهدوء في عينيه، ترددت خطوات سوبارو في أرجاء الممر وهو يتقدم إلى الأمام. ومع تسرب البرد إلى جسده، وصل بعد بضع عشرات من الثواني إلى الغرفة الحجرية التي غُمرت بضوء شاحب.

«آه…؟»

 

 

قبل ساعة قصيرة فقط، غادر هذا المكان برفقة إميليا وقبل ساعة قصيرة أيضًا، مات سوبارو في هذا المكان نفسه، لتُعيد قدرة ”العودة بعد الموت“ تشغيل العالم من جديد.

 

 

عندما أجاب الوحش بصوت هادر يملؤه الغضب، هزَّ الشاب رأسه قليلًا وأمسك بمقبض السيف المثبَّت على وركه. كان غمده الأبيض يحمل آثار مخالب محفورة عليه، دليلًا على أنه السيف الأسطوري الذي خلَّفه التنين منذ زمن بعيد؛ سيف التنين.

في هذا المكان، حيث تلاقت معاناة سوبارو مع موته وعودته، اشتاق سوبارو إلى لقاء الساحرة.

ومع ذلك، لم يخرج صوته من جسده عديم الحنجرة، ولم يستطع إدارة وجهه الخالي من العيون، ولا حتى حجب الصوت عن رأسه الخالي من الأذنين. كانت نهاية هذا العالم تُنقش في وعيه، ووجوده الآن ليس أكثر من مجرد إدراك.

 

 

«أرجوكِ، ادعيني إليكِ، إيكيدنا…!»

 

 

وهكذا—

لقد ضحى بحياته مرارًا وتكرارًا. وإن كان التخلِّي عن كبريائه كافيًا، فسيقدم حتى ذلك.

 

 

 

فإظهار ضعفه بكل ما أوتي من قوة هو كل ما استطاع ناتسكي سوبارو العاجز والجاهل أن يفعله.

كان ذلك الركن من العالم المحتضر يحمل بدايات النهاية، لكن ذلك الصوت لم يفتقر للحياة. وقف صاحب الصوت، شاب ذو شعر أحمر مشتعل، بجسد مرفوع ووقفة منتصبة، يواجه الوحش العملاق.

 

 

«…»

 

 

 

راكعًا في وسط الغرفة الحجرية، رفع سوبارو صوته، متمسكًا بأمله في لقاء الساحرة مجددًا.

الجواب كان واضحًا…

 

 

في ذهنه، رسم صورة للساحرة ذات الشعر الأبيض، ورتب مشاعره لتصبح جوقة تناديها، باحثًا بجنون عن أفضل احتمال يمكن أن يُقرب تلك المصائر المتشابكة.

 

 

 

سعى إليها بشغف يائس.

اتخذت كلمات إميليا التي كانت مليئة باللوم نغمة أشبه بلعنة، وكأنها نطقت بها بمرارة عميقة. سحبها ويلهيلم بلطف بعيدًا عن جسد سوبارو، وهي لا تزال تتشبث به، ثم ترنحت وسقطت على الأرض. لكنه لم يكن معنيًا بسقوطها، فقد ركز كل انتباهه على محاولة إنقاذ سوبارو.

 

 

بكل كيانه، اشتاق إليها.

وهكذا—

 

«إذا كنت ترغب في المعرفة…»

ومع استمراره في التمني دون توقف، تساقطت قطرات العرق من جبينه.

«…»

 

 

—ثم، في لحظة.

《٢٠》

 

 

«—أوو».

 

 

 

فجأة، لمح سوبارو ضوءًا أبيض خلف جفونه المغلقة. هل كانت هلوسة؟ لا، ليست كذلك.

ما هذا الذي يُجبر على رؤيته؟

 

لكن كمية كبيرة من الدم كانت قد أُزهقت، والروح التي انسلت منه لم تعد موجودة.

قبل أن يدرك الأمر، وجد جسده الراكع مستلقيًا على الأرض. لم يستطع تحريك أطرافه، ولم تعد شفتاه قادرتين على التنفس أو التلفظ بأي شيء. سُحب وعيه تدريجيًا بعيدًا عن الواقع.

 

 

تذكَّر كيف فقد أعصابه حين علم بفقدان ريم، وكيف كانت تلك اللحظة هي ما قاده إلى هذا الموت.

لقد تحقق ما كان يريده.

 

 

 

لقد دُعي إلى قلعة الأحلام ووسط هذا، شعر سوبارو بالامتنان لهذا النذير غير المتوقع.

«أليس واضحًا؟ أفعال شريرة. أنا ساحرة، كما تعلَم.»

 

 

ومع تلاشي وعيه تدريجيًا، شعر بالراحة لأن هناك مَن يُشير إلى طريق نحو مستقبل كان مغلقًا من قبل—

«سوبارو.»

 

 

«—انظر الحاضر المجهول».  

لا، هو مَن تخلى عنهم، هاربًا بموته الأناني، تاركًا العالم خلفه بينما هو وحده يبدأ من جديد في عالم آخر.

 

ولهذا السبب، كان عليه أن يدفع ثمن ضعفه بانتقاص عمره. —هكذا اعتقد… ومع ذلك…

وفي اللحظة التي اختفى فيها وعيه تمامًا، شعر وكأنه سمع همسًا بتلك الكلمات.

«أنتِ… كان يجب أن تكوني…!»

 

في ذهنه، بدأ سوبارو بترتيب المعلومات التي لم يُتح له الوقت الكافي لاستيعابها في نهاية محاولته الأخيرة، نظرًا للفوضى التي سادت في لحظاتها الأخيرة واقتراب موته.

٤

وقفت إميليا متسمَّرة بجوار جسد سوبارو الهامد، وعلى مقربة منها وقف فارس آخر؛ يوليوس.

 

 

تأرجحت مشاعر سوبارو في داخله كأنه تحت تأثير الخمر.

«لن أضربك. لن أفعل… لكن ماذا كنتِ تحاولين فعله قبل قليل؟»

 

ولكنه لم يستطع ذلك.

لم يعرف ما الذي حدث. فقدانه للوعي جاء فجأة، ولم يلبث أن وجد نفسه مستيقظًا دون سابق إنذار.

 

 

 

شعر بالارتباك ذاته الذي اعتاد عليه عند تنقله العشوائي بين الماضي والحاضر، حين تنشط قدرة ”العودة بعد الموت“. عقله كان في فوضى وهو يحاول التوفيق بين العالم الذي تركه في اللحظة السابقة، والعالم الجديد الذي استقبله فورًا بعد استيقاظه.

«—انظر الحاضر المجهول».  

 

 

لكن عندما أدرك أن هذا التشوش مألوف لديه، كان من السهل أن يستعيد هدوءه.

 

 

«ليا تغطُّ في نوم أبدي. عالم بلا تلك الفتاة هو عالم لا أرغب في وجوده. لذا، ووفقًا للميثاق، سأجعل هذا العالم أرضًا متجمدة.»

أخذ نفسًا عميقًا وطويلًا، محاولًا تهدئة أفكاره المضطربة وقلبه الخافق. لكن ما صدمه هو أنه لم يشعر بفمه، ولا بحنجرته، ولا حتى برئتَيه، اللازمة لأخذ هذا النفس.

غمر هذا النداء قلب سوبارو الجاف بحنان عائلي وشغف حقيقي، كأنما يطفئ عطشه العاطفي.

 

 

«—؟»

«إذا كنت ترغب في المعرفة…»

 

كانت تعرف أن سوبارو ضعيف، عاجز، هش لدرجة تجعله بحاجة إلى التعلق بشيء ما ليتمكن من المضي قدمًا. كان مترددًا، فاقد الثقة.

حاول أن يتحقق بيده من وجود تلك الأعضاء، ولكنه لم يستطع لمسها. كان السبب واضحًا وبسيطًا: لم يشعر بيده أيضًا. بل لم يكن الأمر مقتصرًا على يده فحسب. رأسه، جسده، كل شيء -تلك اللحظة- لم يكن له وجود مادي على الإطلاق.

 

 

 

— كان وجوده محصورًا في وعيه فقط، كأنه عقل عارٍ بلا جسد.

وعلى السرير، إلى جانب ريم المستلقية بلا حراك، كان جثمان سوبارو، وقد أنهى حياته بطعنة قصيرة في عنقه.

 

تلوَّى جسده في اضطراب. وعندما استعاد إدراكه، وجد نفسه ممددًا على أرضية باردة وصلبة.

وجد نفسه وعيًا منفردًا في فضاء لا متناهٍ، قادرًا فقط على الرؤية من مكان مرتفع وكأنه يُشرف على العالم من الأعلى.

 

 

 

افتقار جسده للحم والدم ولَّد نوعًا جديدًا من التشوش، لكن باستحضار مفهوم التنفس العميق في ذهنه، حاول استعادة هدوء مصطنع في داخله.

‹كفى… توقفوا. لا فائدة. لا فائدة على الإطلاق. لقد مات بالفعل…›

 

 

نحَّى حيرته جانبًا، وقاوم شعور السكر الذي راوده، وركَّز بجدية على استيعاب ما يحدث. في عمق تلك الأفكار، كان يبحث عن إجابة: أين هو الآن؟ وماذا يفعل هنا؟

تحدَّث يوليوس وهو يوجه حديثه إلى جثمان سوبارو. استخدم أصابعه لينقر على غمد سيفه، وكرر الحركة مرةً تلو الأخرى، بينما ازدادت الفواصل بينها قصرًا شيئًا فشيئًا.

 

—سأحمي إميليا وأُنقذ الجميع. حتى لو كلف ثمن ذلك حياتي.

«—أرو».

 

 

 

فجأة، جاءه صوت ضعيف، مشوش ومهشَّم.

 

 

هذه الغرفة تقع داخل قبر الساحرة، حيث تقام المحاكمةات. وبعد عبور البوابة الأولى، من الطبيعي أن يواجه الثانية. لكن رغم ذلك، كان هذا التطور طبيعيًّا ومفاجئًا على حد سواء بالنسبة لسوبارو.

كان الصوت واهنًا لدرجة أن الكلمات بالكاد وصلت إلى سمعه.

وُضِع وعي سوبارو مجددًا أمام الإحساس نفسه بأرضيةٍ باردة وقاسية.

 

 

ومع ذلك، عرف سوبارو فورًا، وعلى نحو غريزي—

 

 

 

—هذا صوت يجب ألا يُصغي إليه، يجب ألا يلاحظه: صوت ينبغي تجاهله تمامًا.

 

 

«ما الذي حدث…؟ لا، يا سيدة إميليا، سامحيني!»

ولكنه لم يستطع ذلك.

لكن كمية كبيرة من الدم كانت قد أُزهقت، والروح التي انسلت منه لم تعد موجودة.

 

غمر هذا النداء قلب سوبارو الجاف بحنان عائلي وشغف حقيقي، كأنما يطفئ عطشه العاطفي.

لم يكن يمتلك جسدًا ليدير رأسه بعيدًا، وليس بوسعه حتى أن يغلق عينيه.

«…»

 

«هل كان هذا أيضًا وفقًا لتوقعاتك، يا سيدة بياتريس؟! هل لهذا السبب عرقلتِ طريق رام؟!»

كان محكومًا عليه أن يُشاهد، أن يُسجل المشهد في وعيه عن قرب، وكأن الذاكرة نفسها تُفرض عليه قسرًا.

ولهذا السبب، كان عليه أن يدفع ثمن ضعفه بانتقاص عمره. —هكذا اعتقد… ومع ذلك…

 

 

كان أحمقًا. كان عليه أن يرحب بذلك التشوش. فقد كان شعور السكر ذاك رحمةً سماوية بذاتها—

 

 

 

«كاذب… كاذب، كاذب كاذب كاذب كاذب كاذب كاذب…!»

طريقتها في الحديث، تشتت نظراتها، الهشاشة التي أبدتها حين خفضت عينيها… كل شيء فيها كان يثير حنقه. ما الذي تحاول فعله بهذه الكلمات المرتبكة وتلك النظرة المتذمرة؟

 

 

تكرر الصوت، متحولًا من كلمات بالكاد مسموعة إلى نبرة تفيض بالدموع.

 

 

 

كان مشهدًا مؤلمًا. صوتٌ يكاد يقتل النفس من شدة البؤس. هذا المشهد من بين أشد اللحظات التي خشي أن يشهدها، وأكثرها قسوة على قلبه.

—ومع ذلك، فإن سوبارو، الذي كان يتوق إلى العقاب، لم يُمنح سوى عناقٍ لطيف يعجُّ بالغفران.

 

لم يكن حتى باك، بقوته الحقيقية المطلقة، قادرًا على زعزعة الهدوء الذي ارتسم على وجه راينهارد. بضربة واحدة من سيف التنين، كان بإمكان قديس السيف أن يشطر هذه الروح إلى نصفين.

لماذا كان هنا؟ لماذا لاحظ وجوده هنا؟

 

 

 

لقد أخطأ. سوء تقدير قاتل. لا ينبغي له أن يعرف. ليس من المفترض أن يدرك ما رآه. فقد كان عليه أن يدرك—

 

 

«…»

—لو لم يفكر مطلقًا بأن هذا مستحيل الحدوث.

 

 

 

«كاذب! كاذب! سوبارو… أنت كاذب! كاذب—!!»

 

 

 

انهمرت الدموع من عيني إميليا البنفسجيتين كنافورة مفتوحة، وانهارت وهي تصرخ بصوت حاد، وكأن خيانة مريرة انكشفت أمامها.

 

 

 

تأرجح شعرها الطويل بجنون، كطفلة ضائعة، وهي تبكي وتصرخ كأنها أصيبت بالجنون.

 

 

 

وعلى السرير، إلى جانب ريم المستلقية بلا حراك، كان جثمان سوبارو، وقد أنهى حياته بطعنة قصيرة في عنقه.

 

 

 

٥

الأمور التي أراد معرفتها، والتحقق منها، والتفكير فيها معًا كانت بعدد لا يحصى، كنجوم السماء.

 

بصوت خافت، أعاد راينهارد سيف التنين إلى غمده الأبيض مرة أخرى.

—ما الذي أراه الآن بحق؟

«—تأمل الحاضر المجهول.»

 

«د-داخل… القبر…»

«…»

ومع استمراره في التمني دون توقف، تساقطت قطرات العرق من جبينه.

 

 

واصلت إميليا نحيبها، تنادي اسم سوبارو مرة بعد مرة، بصوت متهدج يملأه الحزن.

أفاق سوبارو على ألم اصطدام وجهه بالأرض.

 

 

لكن بكاءها كان عبثًا. جسد سوبارو الملطخ بالدماء، الملقى على بطنه فوق السرير، لم يتحرك حتى ولو بمقدار أُنملة.

 

 

«مهلًا، لا تقل لي… هل كان ذلك المحاكمة للتو؟ ليس محاكمة الماضي… بل المحاكمة الثاني؟!»

بالطبع لم يفعل. فهذا الجسد لم يعد أكثر من جثة هامدة.

 

 

«أ-أنا… لم أكن أريد فعل ذلك، لكن إيكيدنا… كـ-كذبت عليَّ…»

كان سوبارو، الذي مات وخرج من جسده، يحدِّق من علٍ في الجسد الذي فارقته الحياة. المشهد كان كريهًا على نحوٍ لا يحتمل. لم يختبر سوبارو في حياته -حتى بعد عدد الوفيات التي تجاوزت العشر مرات- مشهدًا أشد رعبًا من هذا.

 

 

 

لأول مرة، رأى سوبارو بعينيه ألم إميليا على فقدانه.

 

 

 

«…»

 

 

 

نظر إلى أثاث الغرفة، وإلى الأشخاص المجتمعين فيها، وإلى جسده الميت على السرير، وكذلك إلى السبب الذي أوصله إلى هذا المصير.

«—إذا استمررتَ أكثر، فستكون حياتك في خطر.»

 

«…»

في تلك اللحظة، سرت فيه صدمة الفهم، كأن صاعقة ضربت وعيه؛ أدرك متى وقع هذا المشهد.

 

 

ذلك المشهد غمر قلب سوبارو بإحساس عميق بالذنب، ألم لا يُحتمل وكأنه ابتلع رصاصًا مصهورًا.

كان هذا بعد القضاء على بيتلجيوس روماني كونتي، كبير أساقفة خطايا الموت، وإنقاذ إميليا من قبضة طائفة الساحرة.

لن يسمح بإيذاء إميليا، ولا ريم، ولا رام، ولا بيترا، ولا أوتو، ولا فريدريكا، ولا سكان قرية إيرلهام، ولا سكان الملجأ، ولا ريوزو، ولا حتى غارفيل.

 

«آآغه…؟»

تذكَّر كيف فقد أعصابه حين علم بفقدان ريم، وكيف كانت تلك اللحظة هي ما قاده إلى هذا الموت.

 

 

وعلى السرير، إلى جانب ريم المستلقية بلا حراك، كان جثمان سوبارو، وقد أنهى حياته بطعنة قصيرة في عنقه.

بعد أن أسرع إلى العاصمة واكتشف أن العالم قد محا ذكريات الجميع عن ريم التي هاجمتها طائفة الساحرة، دفعته اليأس والغضب إلى أن يغرس خنجرًا في عنقه، متمنيًا بكل جوارحه أن يستعيدها.

واصلت إميليا نحيبها، تنادي اسم سوبارو مرة بعد مرة، بصوت متهدج يملأه الحزن.

 

إن كان الأمر كذلك، فلماذا لا يجثو سوبارو على ركبتيه ويسأل روزوال مباشرة عما كتبه الكتاب السحري؟ لماذا لا يعقد معه عهدًا صريحًا بالالتزام بما تنص عليه التعليمات، ويكرس كل قوته حتى تتحقق أمنية روزوال؟

—لكن أمنيته لم تتحقق.

 

 

«ظننتُ أنكِ ستستمعين إلى ضعفي، وستجعلينني أخرج كل كلماتي الدامعة، حتى أفرغ من كل شيء…»

حين عاد بالزمن بفضل ”العودة بعد الموت“، كان في لحظة أقرب إلى الحاضر مما توقَّع، مما يعني أنه فقد الفرصة لإنقاذ ريم.

 

 

 

رغم ذلك، أقسم في قلبه ألا يستسلم، وأن يستمر في دعم إميليا، حتى لو كانت فرصته ضئيلة. ولكن—

 

 

 

لم أكن أعلملم أرَ هذا المشهد من قبل. لم أكن أعرفمحال أن أعرف!›

 

 

 

لم يسبق له أن شهد مثل هذا المشهد. ففي ذلك العالم، كان قد مات بالفعل.

 

 

 

حتى بوجود قدرة ”العودة بعد الموت“، ليس بوسعه معرفة ما يحدث في العالم بعد وفاته. —لكن، فكر لوهلة؛ ربما لم يكن ذلك صحيحًا تمامًا.

في تلك اللحظة، ذلك الصوت الهامس في أذنه أعاده إلى رشده.

 

«—تأمل الحاضر المجهول.»

بالنسبة إلى سوبارو، الذي عاد بالزمن مرارًا ليعيد صياغة المصير مقابل حياته، كان العالم الذي مات فيه مجرد نقطة عبور نحو مستقبل أمل أن يصنعه.

«—تأمل الحاضر المجهول.»  

 

 

فكر: إن لم يرَ الأمور على هذا النحو، إن لم يتمسك بهذا الفهم—

طريقتها في الحديث، تشتت نظراتها، الهشاشة التي أبدتها حين خفضت عينيها… كل شيء فيها كان يثير حنقه. ما الذي تحاول فعله بهذه الكلمات المرتبكة وتلك النظرة المتذمرة؟

 

 

—عندها، سينهار عالم ناتسكي سوبارو بالكامل.

 

 

 

توقَّفتوقَّفتوقَّف توقَّف توقَّف توقَّف توقَّف توقَّف توقَّف توقَّف تــوقَّــف، أرجوك، توقَّف…›

 

 

 

لم يستطع سوبارو تقبُّل المشهد الذي كان يتكشف أمام عينيه، فصرخ صرخة مشوشة لا معنى لها.

«—؟»

 

لم يرغب سوبارو في أن يشبهه ولو قليلًا، لكن كان من الواضح أن روزوال يلتزم بكلماته، حتى لو تطلب الأمر التضحية بحياته.

ومع ذلك، لم يخرج صوته من جسده عديم الحنجرة، ولم يستطع إدارة وجهه الخالي من العيون، ولا حتى حجب الصوت عن رأسه الخالي من الأذنين. كانت نهاية هذا العالم تُنقش في وعيه، ووجوده الآن ليس أكثر من مجرد إدراك.

 

 

 

—كانت هذه عقوبة على الفعل المتهور الذي اقترفه سوبارو.

فإذا كانت العوالم التي تركها خلفه تواصلت بعد موته، فإن كل ما فعله سوبارو سينهار في داخله.

 

«—؟»

«يا سيدة إميليا! هذا—»

 

 

وهكذا—

بينما استمرت إميليا في البكاء والنحيب، اندفع شخص ما إلى الغرفة بصوت حاد.

 

 

 

كان شعره أبيض ويرتدي زيَّ خادم أسود. هذا المكان هو قصر كروش في العاصمة الملكية، والرجل الذي وقف هناك بذهول هو ويلهيلم، ”شيطان السيف“، الذي ينتمي لهذا المكان بكل تأكيد.

بتردد، انسكبت الكلمة بصوت مفعم بالحزن.

 

 

وفي تلك اللحظة، وجد وعي سوبارو المجرد نفسه على شفا الانهيار، لرؤيته ذلك المحارب المخضرم وقد أصيب بصدمة عميقة من منظر جثة سوبارو أمامه.

 

 

 

«سوبارو… سوبارو… أيها الكاذب… قلت إننا سنبقى معًا…»

 

 

بينما بقي سوبارو صامتًا دون أي إجابة، واصلت إميليا الضغط بيدها المرتجفة على وجنته، تناديه بصوتٍ لا يمكن أن يصله.

«ما الذي حدث…؟ لا، يا سيدة إميليا، سامحيني!»

«هل كان هذا أيضًا وفقًا لتوقعاتك، يا سيدة بياتريس؟! هل لهذا السبب عرقلتِ طريق رام؟!»

 

 

اتخذت كلمات إميليا التي كانت مليئة باللوم نغمة أشبه بلعنة، وكأنها نطقت بها بمرارة عميقة. سحبها ويلهيلم بلطف بعيدًا عن جسد سوبارو، وهي لا تزال تتشبث به، ثم ترنحت وسقطت على الأرض. لكنه لم يكن معنيًا بسقوطها، فقد ركز كل انتباهه على محاولة إنقاذ سوبارو.

 

 

ذلك المشهد غمر قلب سوبارو بإحساس عميق بالذنب، ألم لا يُحتمل وكأنه ابتلع رصاصًا مصهورًا.

«فيلكس! تعال بسرعة! الأمر طارئ! بالغ الأهمية!!»

 

 

 

خلع ويلهيلم سترته بسرعة وضغط بها على الجرح، ووجهه الجاد ينطق بخطورة الموقف. أخذ يضرب صدر سوبارو في محاولة يائسة لإعادة قلبه إلى الحياة، بينما لطخت قطرات الدم ملامحه المريعة.

ومع ذلك، حتى في تلك اللحظة التي تجلَّت فيها هشاشته على نحو مكشوف، لم يتسلل أدنى احتقار من صوتها. لم تفقد إيمانها به أبدًا.

 

 

كان الدم الذي فقده سوبارو كثيرًا جدًا. وكان المحارب العجوز، الذي شهد الكثير من الموت في حياته، يعلم في أعماقه أن روح سوبارو لم تعد حاضرة. ومع ذلك، لم يتوقف عن محاولاته المحمومة لإعادته إلى الحياة.

 

 

 

«يا عم ويل، لماذا تصرخ هكذا…؟ إيه؟»

«…»

 

 

«فيلكس، أسرع! سكين اخترقت حلقه! لا وقت نضيعه!»

بكى سوبارو من العار الذي شعر به تجاه نفسه الجبانة.

 

إميليا، التي ابتسمت بدموعها عند سماعها، هي مَن تركها سوبارو خلفه.

بصوت مشحون بالحدة، نقل ويلهيلم الحقائق إلى فيلكس الذي وصل للتو. وبحركة سريعة، غلف فيلكس راحة يده بتوهج أزرق، محولًا كمية كبيرة من المانا إلى طاقة علاجية صبَّها في جرح سوبارو.

《١٤》

 

 

سيطر تركيز شديد على فيلكس وهو يحاول إنقاذ سوبارو؛ لم يشعر بمثل هذا اليأس من قبل. أما وعي سوبارو، الذي كان يراقب من فوق، فقد غمره الأسى وهو يشاهدهم يحاولون جاهدين إنعاش جسد فارغ بلا روح.

 

 

《٦》

كفىتوقفوا. لا فائدة. لا فائدة على الإطلاق. لقد مات بالفعل…›

شعر بقطرة دافئة من دموع لا ينبغي لها أن تسيل، تنحدر على وجنته.

 

 

كانت النتيجة واضحة. مات سوبارو هناك.

 

 

 

مهما حاولوا، مهما بكت إميليا، فقد انتهى الأمر؛ مات سوبارو.

 

 

 

لقد تجاهل كل شيء. نسي ما سيحدث بعد موته، وتناسى كل من حوله، واختار أن يموت بأنانية.

أكانت حقًا عوالم زائفة وُلدت من الهواجس؟ أم أن واقعه كان يلتهمه واقع آخر؟

 

ما الهدف الذي يدفع روزوال إلى اللجوء إلى هذه التطرفات؟  

«لن أسمح لك بالموت! مستحيل… كيف لي أن أدع مَن ساعدني يموت بهذه الطريقة؟!»

 

 

ولكنه لم يستطع ذلك.

«كيف تجرؤ على قول هذا في مثل هذا الوقت…؟ كفى عبثًا، فقط… كفى!!»

«… ثم ستقولين لي: انهض.»

 

«روزوال، لن أصبح مثلك.»

صاح ويلهيلم بينما كان يضغط بجنون على الجرح، في حين اهتز صوت فيلكس غضبًا وهو يستخدم أحنَّ أنواع السحر في العالم.

 

 

 

تلاحقت المشاعر المتدفقة من كلاهما لتضرب قلب سوبارو بكل عنف، لكن مهما كانت جهودهما صادقة—

اتخذت كلمات إميليا التي كانت مليئة باللوم نغمة أشبه بلعنة، وكأنها نطقت بها بمرارة عميقة. سحبها ويلهيلم بلطف بعيدًا عن جسد سوبارو، وهي لا تزال تتشبث به، ثم ترنحت وسقطت على الأرض. لكنه لم يكن معنيًا بسقوطها، فقد ركز كل انتباهه على محاولة إنقاذ سوبارو.

 

 

«فيلكس! لماذا؟! لماذا توقفت عن العلاج؟! إذا استمر الأمر هكذا، فسوف…»

عندما سألها بتلك النبرة المنخفضة، هزَّت ريم رأسها بخوف، وكأنها تدافع عن نفسها.

 

كانت تجلس على كرسي أبيض أمام طاولة بيضاء في حقل من العشب، وأسندت خدها إلى راحة يدها بابتسامة ساحرة، تنضح غموضًا.

«لقد انتهى، يا عم ويل. لم تبقَ هنا أي روح على الإطلاق.»

«لأنني ضعيف.»

 

مرة أخرى، انتُزع وعيه قسرًا؛ ومرة أخرى، عُرض عليه مشهد ما بعد موته.

اقترب ويلهيلم بقلق، غير أن فيلكس هز رأسه بلطف، وأخذ يمسح بمنديل الجرح الذي سُدَّ بسترة ويلهيلم. كان الجرح قد التئم بمهارة لدرجة أن المسح لم يُبقِ أثرًا، وكأن الجرح لم يوجد يومًا.

في الواقع، حين وقعت عيناه عليها، خفضت الفتاة رأسها وكأنها تخشى نظرات الرجال.

 

مرة أخرى، انتُزع وعيه قسرًا؛ ومرة أخرى، عُرض عليه مشهد ما بعد موته.

لكن كمية كبيرة من الدم كانت قد أُزهقت، والروح التي انسلت منه لم تعد موجودة.

 

 

 

«لماذا…؟! لماذا، سيد سوبارو…؟! كيف فعلت هذا بهذه السهولة…!»

 

 

«سأنقذ… إميليا، والملجأ، والقصر. سأنقذهم جميعًا. وإن لم أفعل…»

نظر ويلهيلم إلى وجه سوبارو الميت، ثم قبض يده ندمًا وضرب الأرض بقوة.

وبحثًا عن المستقبل الأمثل، عقد العزم على اجتياز ذلك الجحيم مهما تكرر.

 

 

انشقت الأرض تحت قبضته، وتبعثرت الشظايا مختلطة بدم سوبارو، حتى أن يده نفسها أصبحت تنزف. رفع وجهه نحو السماء، ملطخًا بالدماء، يصرخ في حزن شديد.

 

 

 

على النقيض من مشاعر ويلهيلم الجارفة، زفر فيلكس ببطء وقال:

كان هروبه الجبان قد أتى بثماره المريرة؛ ذلك هو جوهر ما خلق الجحيم الذي يتجاوز الجحيم نفسه.

 

 

«…جبان. ضعيف. كل الناس يفقدون أحباءهم، أليس كذلك؟ …أن ترمي كل آلامك وأعبائك على الآخرين… هل تشعر بالرضا عن ذلك؟»

… ثم، أمام عينيه، حدث أمر أشبه بشاشة تلفاز تعطلت لتغرق في تشويش الليل الساكن. وسط ذلك التشويش، بدأت ملامح ”ريم“ تتلاشى وتذوب تدريجيًا.

 

عندما أجاب الوحش بصوت هادر يملؤه الغضب، هزَّ الشاب رأسه قليلًا وأمسك بمقبض السيف المثبَّت على وركه. كان غمده الأبيض يحمل آثار مخالب محفورة عليه، دليلًا على أنه السيف الأسطوري الذي خلَّفه التنين منذ زمن بعيد؛ سيف التنين.

كلماته كانت قاسية كسخرية، ورغم ذلك، بدت اتهاماته وكأنها شفقة عميقة.

 

 

«د-داخل… القبر…»

تاه وعي سوبارو وسط هذا التعقيد، غير قادر على فك ألغاز هذه المشاعر المختلطة. لكن من سلوك ويلهيلم وفيلكس، كان هناك شيء واحد واضح تمامًا:

وقفت إميليا متسمَّرة بجوار جسد سوبارو الهامد، وعلى مقربة منها وقف فارس آخر؛ يوليوس.

 

«حتى اللحظة الأخيرة… كنت تقول أشياء لا معنى لها تمامًا…»

— سوبارو ترك جروحًا عميقة ودائمة في قلوبهم.

 

 

 

«…»

 

 

كان صوتًا واهنًا، بالكاد مسموعًا. لكنه، في سكون الغرفة الذي خلفه استسلام ويلهيلم وفيلكس، ارتطم بوعي سوبارو كأنه وتد يخترق روحه.

حتى في حالته الباهتة، ككيان واعٍ مجرد، اخترق هذا الإدراك أعماقه بقسوة.

«… ثم ستقولين لي: انهض.»

 

 

كان سوبارو يشاهد شيئًا ما. يُعرض عليه شيء ما.

 

 

 

ما هذا الذي يُجبر على رؤيته؟

كان الصوت واهنًا لدرجة أن الكلمات بالكاد وصلت إلى سمعه.

 

«أ-أنا لم أتحول…؟ عـ-عندما ينظر إليَّ أحدهم، فإنَّ ذلك… يـ-يحدث… لأنك كنت تنظر إليَّ؟»

لقد كان يُعرض عليه جُرمه.

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

«من السهل الاستسلام.»

«—رغم أنك أخبرتني…»

 

 

«…»

كان صوتًا واهنًا، بالكاد مسموعًا. لكنه، في سكون الغرفة الذي خلفه استسلام ويلهيلم وفيلكس، ارتطم بوعي سوبارو كأنه وتد يخترق روحه.

 

 

 

بينما استسلم الرجلان للواقع، بقيت إميليا جالسة خلفهما، تضم ركبتيها إلى صدرها وتبكي. خدودها غطتها آثار دموع جافة، لكنها لم تهتم بذلك وهي تواصل الحديث بصوت مرتعش:

كان سوبارو، الذي أراد إنقاذ الآخرين، هو مَن تخلَّى عنهم في نهاية المطاف.

 

 

«رغم أنك قلت لي إنك تحبني…!»

ليس هناك مَن يعتمد عليه. كان عليه أن يقلق، ويحيا، ويكافح بمفرده. ولكن إن كان هناك شخص واحد يمكنه الاعتماد عليه—

 

بينما ما زال مستلقيًا على الأرض، اقتربت ريم وجثت أمامه، وعيناها تفيض بالحنان.

نعم، كان قد قالها بالفعل. أخيرًا تمكَّن من البوح بتلك الكلمات التي طالما أراد قولها.

 

 

 

إميليا، التي ابتسمت بدموعها عند سماعها، هي مَن تركها سوبارو خلفه.

 

 

 

وفجأة، وكأن أحدهم أطفأ الأنوار، انطفأ العالم الذي كان يشاهده واختفى تمامًا.

 

 

وفي تلك اللحظة، وجد وعي سوبارو المجرد نفسه على شفا الانهيار، لرؤيته ذلك المحارب المخضرم وقد أصيب بصدمة عميقة من منظر جثة سوبارو أمامه.

٦

«—أرو».

 

 

«—هـ… هـ…»

تمددت بقايا سوبارو على ظهره، فيما كان فارس ذو شعر أرجواني يتأمل جثته بصمت. إلى جواره، جلس فيريس منهارًا على الأرض، في حالة يرثى لها، ومن الواضح أنَّه فقد كل قوته.

 

 

أفاق سوبارو على ألم اصطدام وجهه بالأرض.

 

 

 

أنَّ وهو يمسك بذقنه التي ارتطمت بالسطح البارد، ثم هزَّ رأسه ليتأكد من إحساسه بجسده. أحسَّ بيده تلامس ذقنه المصابة، ليتيقن من وجوده الجسدي. كل شيء كان في مكانه.

أراد أن يُخرج كل شيء، أن يكشف عن كل ما يثقل قلبه في تلك اللحظة. قبل أن يستنزف عقله بالكامل، احتاج إلى شخص بجانبه… شخص يستحق أن يحكم على خطاياه.

 

بتردد، انسكبت الكلمة بصوت مفعم بالحزن.

«د-داخل… القبر…»

كانت الأجواء مصبوغة بالبياض، وسيطر البرد الشديد على العالم حتى بدا وكأن سماء الليل ذاتها قد تتجمَّد.

 

 

تمتم بصوت مرتجف وهو ينقل بصره ليتحقق من مكانه الحالي. فجأة وجد نفسه في غرفة المحاكمة التي كان بها قبل فقدانه للوعي، دون أن يكون قد انتقل عبر الزمن أو المكان.

«إن لم تتحرك، أعدك بصدق أنك لن تعاني.»

 

صاح ويلهيلم بينما كان يضغط بجنون على الجرح، في حين اهتز صوت فيلكس غضبًا وهو يستخدم أحنَّ أنواع السحر في العالم.

لم تكن إميليا هناك. ولم يعُد بواسطة ”العودة من الموت“. لقد عاد مباشرةً بعد تحقق أمنيته.

«نوعًا ما… لكن غير صحيح… أظن. إيكيدنا تراقب المحاكمة، والمحاكمة دائمًا… تبدو كأنها حلم، لذلك… نعم.»

 

كانت ريم قد قالت ذات يوم إن سوبارو هو بطلها.

«لكن… ما رأيته ليس وهمًا أو شيئًا قريبًا من ذلك…»

«إذا كنت ترغب في المعرفة…»

 

 

وضع يده على فمه، ليشعر بتشنج أعضائه الداخلية دفعة واحدة عند استعادة المشهد الذي طُبع في أعماق ذهنه.

 

 

 

كان مشهدًا غير متوقع، عالمًا مستحيلًا، مكانًا لم يعد له وجود؛ ذلك كان بلا شك ”مشهد ما بعد موت سوبارو“.

قبل ساعة قصيرة فقط، غادر هذا المكان برفقة إميليا وقبل ساعة قصيرة أيضًا، مات سوبارو في هذا المكان نفسه، لتُعيد قدرة ”العودة بعد الموت“ تشغيل العالم من جديد.

 

 

«أ… لكـ—»

لقد تجاهل كل شيء. نسي ما سيحدث بعد موته، وتناسى كل من حوله، واختار أن يموت بأنانية.

 

«—تأمل الحاضر المجهول.»

في اللحظة التي تكشَّفت فيها الحقيقة أمامه، بلغ اضطراب أحشائه مداه، فتقيأ ما في معدته.

«هـ-هذا… ليس ما كان ينبغي أن يحدث…»

 

اتخذت كلمات إميليا التي كانت مليئة باللوم نغمة أشبه بلعنة، وكأنها نطقت بها بمرارة عميقة. سحبها ويلهيلم بلطف بعيدًا عن جسد سوبارو، وهي لا تزال تتشبث به، ثم ترنحت وسقطت على الأرض. لكنه لم يكن معنيًا بسقوطها، فقد ركز كل انتباهه على محاولة إنقاذ سوبارو.

خرج طعام العشاء الذي لم يعد يذكر متى تناوله مختلطًا بسوائل المعدة، مسفوحًا على الأرض. لم يكن كثيرًا، لكن شعور الغثيان خفَّ بعض الشيء بعد أن أفرغ معدته مرات عدة.

《٢١》

 

إميليا، التي ابتسمت بدموعها عند سماعها، هي مَن تركها سوبارو خلفه.

«هاه… هاه… ما-ما هذا…؟»

 

 

كان محكومًا عليه أن يُشاهد، أن يُسجل المشهد في وعيه عن قرب، وكأن الذاكرة نفسها تُفرض عليه قسرًا.

تأوه سوبارو من الألم اللاذع في حلقه جراء سوائل معدته الحمضية، غارقًا في التفكير.

«لو كنتُ أقوى… لو كنتُ أذكى… لو كنتُ رجلًا يستطيع فعل المزيد… لما اضطر أحد إلى المعاناة، أو الحزن، أو المرور بتلك الأوقات الصعبة…»

 

هذا الكتاب السحري له نفس الأصل الذي أتى منه الكتاب الفارغ الذي تمتلكه بياتريس، وهما المجلدان الوحيدان من نوعهما في العالم.

ماذا حدث بحق؟ هل سقط في موقف غريب وهو يحاول دخول قلعة الأحلام؟ بالنظر إلى المكان، كان هناك احتمال وحيد يخطر في ذهنه—

«فيلكس! تعال بسرعة! الأمر طارئ! بالغ الأهمية!!»

 

 

«مهلًا، لا تقل لي… هل كان ذلك المحاكمة للتو؟ ليس محاكمة الماضي… بل المحاكمة الثاني؟!»

 

 

‹توقَّف… توقَّف… توقَّف توقَّف توقَّف توقَّف توقَّف توقَّف توقَّف توقَّف تــو…قَّــ…ف، أرجوك، توقَّف…›

هذه الغرفة تقع داخل قبر الساحرة، حيث تقام المحاكمةات. وبعد عبور البوابة الأولى، من الطبيعي أن يواجه الثانية. لكن رغم ذلك، كان هذا التطور طبيعيًّا ومفاجئًا على حد سواء بالنسبة لسوبارو.

《١٢》

 

«مَن أنتِ؟»

غير أن ما أثار رعبه لم يكن مجرد بدء المحاكمة، بل محتواه ذاته.

 

 

«يا سيدة إميليا! هذا—»

إذا كان ما شاهده للتو هو المحاكمة الثاني، فإن ذلك كان أسوأ سيناريو يمكن تخيله لسوبارو.

 

 

«…»

رأى سوبارو ”الجحيم“ مرارًا. كان مدركًا تمامًا لحقيقته.

 

 

لم تجبه إميليا، بل وقفت مكانها بعينين متسعتين، تائهة بين مشاعر شتى لم تستطع التعبير عنها.

وبحثًا عن المستقبل الأمثل، عقد العزم على اجتياز ذلك الجحيم مهما تكرر.

 

 

«عليَّ أن أمنعك من إلحاق أي أذى آخر. إن كان لا بد أن تكره أحدًا، فلتكرهني أنا.»

لكن كيف له أن يحافظ على عزيمته بعد أن واجه شيئًا أفظع من الجحيم ذاته؟

«إذًا هذا هو سبب سعيك لتدمير هذا العالم؟»

 

 

«—انظر الى الحاضرالمجهول

ومع استقرار تلك الضربة العارمة، استعاد الهواء البارد الذي غطَّى العالم صفاءه.

 

 

«ما—؟!»

لكن في محاولته للهروب من الواقع، ارتطم بالحائط، فانتهى تدحرجه بعنف.

 

«…»

شعر سوبارو بدمه يتجمد في عروقه بينما اهتز جسده من الهلع.

«—إذًا… لقد أتيت.»

 

 

صوت غامض همس في أذنه فجأة، كأنه نسمة برد حادة. ومع صرخته، شُلَّت أطرافه في الحال. وفي تلك اللحظة—

في اللحظة التالية، رفع راينهارد سيف التنين فوق رأسه، واندلعت ومضة ضوء واحد؛ شقَّت السماء، وامتدت الشقوق عبر الهواء نفسه، وتفتتت الأرض، ودوَّمت المانا في دوامة عاتية، وعلى طول قوس ضربته… انزلق العالم.

 

 

—فقد وعيه مرة أخرى.

كان مشهدًا غير متوقع، عالمًا مستحيلًا، مكانًا لم يعد له وجود؛ ذلك كان بلا شك ”مشهد ما بعد موت سوبارو“.

 

 

مدَّ ذراعيه محاولًا التمسك بشيء، لكنه لم يتمكن من الإمساك بأي شيء. ارتطم كتفه بالأرض، وعجز عن فتح عينيه.

في ذهنه، بدأ سوبارو بترتيب المعلومات التي لم يُتح له الوقت الكافي لاستيعابها في نهاية محاولته الأخيرة، نظرًا للفوضى التي سادت في لحظاتها الأخيرة واقتراب موته.

 

صرخ سوبارو معلنًا ذلك وهو يمد قبضته نحو تلك ”ريم“ المزيفة.

سقط وعيه في هوة مظلمة، ثم تلاشى بسرعة.

 

 

 

—لتستمر المحاكمة، ويعاقَب ناتسكي سوبارو بما يفوق الجحيم.

 

 

فيما بدا صوت الوحش العملاق وكأنه يندب النهاية، جاءه صوت رقيق وجميل، متزن وسط عواصف الثلج.

٧

 

 

 

بحدَّة سطحية وأناقة آسرة، كانت الضربة التي أنهت حياته مدهشة في دقتها.

سقط وعيه في هوة مظلمة، ثم تلاشى بسرعة.

 

كان قد شعر بالفخر لتحقيق أفضل بداية حتى ذلك الحين، ولكن إن كان انهيار إميليا هو النتيجة…

لم يكد الدم يسيل، إذ حملت الطعنة المميتة بصمة مهارة فائقة. لكن قطرات من ذلك الدم القليل علقت بردائه الأبيض، شاهدة على الجريمة التي اقترفها الفارس.

 

 

وكأن الهمس قرب أذنيه كان يخبره بلا مبالاة: «لن تتمكن من الفرار.» 

تمددت بقايا سوبارو على ظهره، فيما كان فارس ذو شعر أرجواني يتأمل جثته بصمت. إلى جواره، جلس فيريس منهارًا على الأرض، في حالة يرثى لها، ومن الواضح أنَّه فقد كل قوته.

تلاشى همس يوليوس بين أشجار الغابة بلا جدوى.

 

 

«…»

 

 

كل ما تطلَّب الأمر كان جملة واحدة؛ كم من القوة منحته تلك الكلمات؟

في تلك اللحظة، وأثناء نظر سوبارو إلى ما وراء الجحيم ذاته، أحسَّ بوعيه يتآكل شيئًا فشيئًا.

ولكنه لم يستطع ذلك.

لم يبق له سوى إدراكه العاجز، بلا قدرة على التدخل أو حتى إبعاد نظره عن المشهد. جريمته لم تندثر، بل بقيت شاهدةً على عذابه، فيما حقد العالم الذي تركه خلفه يمزق روحه كما لو كان مبردًا يكشطها بلا هوادة.

 

 

أمام عينيه… وقفت ريم، التي لطالما اشتاق إليها.

ومع ذلك، كانت هذه اللحظة ضربة أشد وطأة من كل ما سبق.

 

 

 

«…سو…بارو؟»

 

 

بمجرد أن لامست جبينها جبينه، همست بحبها بهدوء.

وسط أصوات خطوات وئيدة على العشب، اقتربت شخصية ما من دائرة الفرسان التي أحاطت بالجثة. بخطوات مترنحة، تقدمت تلك الشخصية حتى وصلت إلى الفتى المسجَّى في مركزها.

«…»

 

تأرجحت مشاعر سوبارو في داخله كأنه تحت تأثير الخمر.

وقفت إميليا متسمَّرة بجوار جسد سوبارو الهامد، وعلى مقربة منها وقف فارس آخر؛ يوليوس.

 

 

فيما هبت الرياح، تصدعت الأشجار المتجمدة وتكسرت، ثم تحولت إلى غبار، إذ امتصت المانا التي تحفظ وجود الغابة.

«آنسة إميليا، من فضلك، امسحي وجهه… وجه سوبارو».

في ذلك العالم، ليس هناك سوى شخص واحد يستطيع سحب هذا السيف المتلألئ المتوهج واستخدامه: قديس السيف، راينهارد فان أستريا.

 

لم يبق له سوى إدراكه العاجز، بلا قدرة على التدخل أو حتى إبعاد نظره عن المشهد. جريمته لم تندثر، بل بقيت شاهدةً على عذابه، فيما حقد العالم الذي تركه خلفه يمزق روحه كما لو كان مبردًا يكشطها بلا هوادة.

«…»

اتخذت كلمات إميليا التي كانت مليئة باللوم نغمة أشبه بلعنة، وكأنها نطقت بها بمرارة عميقة. سحبها ويلهيلم بلطف بعيدًا عن جسد سوبارو، وهي لا تزال تتشبث به، ثم ترنحت وسقطت على الأرض. لكنه لم يكن معنيًا بسقوطها، فقد ركز كل انتباهه على محاولة إنقاذ سوبارو.

 

 

«أظن أنه كان ليفضل أن تكوني أنتِ مَن يفعل ذلك، لا أنا. على الأقل، يجب أن يتم ذلك بيدكِ.»

«د-داخل… القبر…»

 

 

ناولها يوليوس منديلًا أبيض وهو يخاطبها برفق، فيما كانت غارقة في شرود عميق.

وعلى السرير، إلى جانب ريم المستلقية بلا حراك، كان جثمان سوبارو، وقد أنهى حياته بطعنة قصيرة في عنقه.

 

بدت تلك نبرة جميلة، تنتمي لشخص عزيز على قلبه.

لم تجبه إميليا، بل وقفت مكانها بعينين متسعتين، تائهة بين مشاعر شتى لم تستطع التعبير عنها.

—وما تبقى واقفًا أمامه لم يكن سوى فتاة غريبة، لم يرها من قبل.

 

رغم ذلك، أقسم في قلبه ألا يستسلم، وأن يستمر في دعم إميليا، حتى لو كانت فرصته ضئيلة. ولكن—

ببطء شديد، رفعت يدها المرتعشة ولمست وجه سوبارو. دون اكتراث بما قد تلطَّخ من كفها، أخذت تمسح براحتيها العرق اليابس وآثار الدم الخفيف الذي خرج من فمه.

«…»

 

 

وعندما بدأت تمسح ملامح وجهه الميت شيئًا فشيئًا، تمتمت بصوت متحشرج:
«لماذا…؟ لماذا عاد سوبارو… ليكون هذا مصيره؟»

شعرها الفضي الجميل انتشر على الأرض، وهي تتأوه بوجع، تلك الفتاة التي عاش معها نهايته المحتومة؛ إميليا، غارقة في عذاب المحاكمة، محبوسة في كابوس من ماضٍ لا تستطيع الإفاقة منه.

 

 

وكأنَّ الأمر لم يكن إلا خطأً ما، همست إميليا بتساؤلها، موجهةً سؤالًا لشخصٍ لن يتمكن أبدًا من الإجابة.

لقد ضحى بحياته مرارًا وتكرارًا. وإن كان التخلِّي عن كبريائه كافيًا، فسيقدم حتى ذلك.

 

 

الجثة الميتة لا تملك آذانًا تسمع بها، ولا فمًا يردُّ به على أي تساؤل. ووعي سوبارو، الغارق في توبيخ نفسه على جريمته، لم يملك أي قدرة على التدخل في هذا العالم.

فقدت قدرتها على الاعتماد على باك، تحمَّلت الضغوط المتزايدة من حولها، وغياب كلمات سوبارو المطمئنة دفع عقلها إلى حافة الانهيار.

 

«—أستطيع أن أفهم إلى حد ما ما الذي حدث… وهذا يزيد الأسف عمقًا.»

«…»

 

 

راكعًا في وسط الغرفة الحجرية، رفع سوبارو صوته، متمسكًا بأمله في لقاء الساحرة مجددًا.

أدرك سوبارو تمامًا أي موتٍ يُعاد تمثيله في هذا العالم الجديد، الواقع بعد الجحيم. كان هذا مشهد موته بعد المعركة ضد بيتلجيوس.

 

 

«مَن أنتِ؟»

بعد أن هزموا الحوت الأبيض، وفي المعركة الأولى التي واجه فيها سوبارو وقوة الحملة بيتلجيوس، لم يتمكن من كشف قدرة السيطرة التي امتلكها المجنون. سُرقت روحه وجسده، ولم يكن أمام سوبارو خيار سوى أن يستعين بقوة يوليوس وفيريس ليختار موته بنفسه، متجنبًا أسوأ السيناريوهات التي لن تتيح له حتى العودة بالموت.

«معاملة خشنة، لكن على الأقل أعادتك إلى وعيك. —سلطة ”العروسه عديمة الوجه“ من كارميلا تجعل ضحاياها ينسون كيفية التنفس، وفي النهاية، تجعل قلوبهم تنسى كيف تنبض.»

 

لأول مرة، رأى سوبارو بعينيه ألم إميليا على فقدانه.

أفسدت تعويذات فيريس الدورة الحيوية داخل جسده بشدة، تاركة وجهه مشوَّهًا بموتٍ قاسٍ. ولولا تدخل يوليوس، لبقي سوبارو بملامحٍ مروعة في لحظة رحيله.

 

 

 

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان ذلك عزاءً حقيقيًا لمَن تبقَّى خلفه؟

 

 

 

«السيد سوبارو… أعذرني… أنا آسف للغاية!»

«أنت بطل يا راينهارد وهذا كل مايمكنك ان تكونه.»

 

فقدت قدرتها على الاعتماد على باك، تحمَّلت الضغوط المتزايدة من حولها، وغياب كلمات سوبارو المطمئنة دفع عقلها إلى حافة الانهيار.

كان ويلهيلم جاثيًا على ركبتيه، وجسده المثخن بالجراح ينحني في خزيٍ عميق.

تلاحقت المشاعر المتدفقة من كلاهما لتضرب قلب سوبارو بكل عنف، لكن مهما كانت جهودهما صادقة—

 

 

دفع نفسه الجريحة، وبكى بصوتٍ عالٍ على موت سوبارو، فيما ارتسمت على وجهه ملامح ندمٍ ثقيل. حوله، وقف الفرسان المسنون الذين قاتلوا إلى جانب سوبارو، وقد ارتسمت على وجوههم ذات تعابير الألم الصامت.

 

 

لقد أخطأ. سوء تقدير قاتل. لا ينبغي له أن يعرف. ليس من المفترض أن يدرك ما رآه. فقد كان عليه أن يدرك—

كان هؤلاء رفاقه الذين شاركوا معه في مواجهة الحوت الأبيض، وأقسموا معًا أن يعودوا منتصرين إلى العاصمة الملكية. لم يستطع أيٌّ منهم الإيفاء بذلك العهد، ما أثقل قلوبهم وأدمع أعين بعضهم.

 

 

 

حدَّق سوبارو بدهشةٍ في مدى الألم الذي خلَّفه موته في نفوسهم. وربما كانت تلك الدموع تؤلمه أكثر لأنه يشهدها الآن من عالم ما بعد الموت.

وعندما بدأت تمسح ملامح وجهه الميت شيئًا فشيئًا، تمتمت بصوت متحشرج: «لماذا…؟ لماذا عاد سوبارو… ليكون هذا مصيره؟»

 

نعم، كان قد قالها بالفعل. أخيرًا تمكَّن من البوح بتلك الكلمات التي طالما أراد قولها.

«لماذا جاء سوبارو ليساعدني… ليكون هذا مصيره في النهاية؟ لماذا حدث هذا؟»

«لأن هذا الضعف ملك لها. لأن ريم خاصتي هي التي تخفي ضعفي بإحكام، حتى لو شعرت برغبة في الاستسلام، لن يجد مخرجًا.»

 

 

بينما بقي سوبارو صامتًا دون أي إجابة، واصلت إميليا الضغط بيدها المرتجفة على وجنته، تناديه بصوتٍ لا يمكن أن يصله.

عندما سألها بتلك النبرة المنخفضة، هزَّت ريم رأسها بخوف، وكأنها تدافع عن نفسها.

 

«اختفِ، أيتها المزيفة. لا تحاولي خداعي بوجه، وبصوت ريم التي أحبها!!»

من ذلك المشهد الحزين، أدرك سوبارو جيدًا ما يدور في قلبها. في ذلك العالم، لم يكن قد أعطاها أي إجابة على سؤالها. وبموته، أُجِّلت الإجابة إلى الأبد.

بينما كان سوبارو يتلوى ويسعل، حاول استعادة وعيه وسط ومضات بيضاء وحمراء في ذهنه.

 

«كاذب! كاذب! سوبارو… أنت كاذب! كاذب—!!»

وبذلك، لن تعرف إميليا أبدًا سبب تفانيه من أجلها.

 

 

 

«لطالما كانت طائفة الساحرة سببًا في معاناة هذا العالم. لكن قائدها، رئيس أساقفة خطيئة الكسل، قد قُضي عليه. بالنسبة للعالم، هذا انتصارٌ عظيم. ولكن…»

لكن في محاولته للهروب من الواقع، ارتطم بالحائط، فانتهى تدحرجه بعنف.

 

 

تحدَّث يوليوس وهو يوجه حديثه إلى جثمان سوبارو. استخدم أصابعه لينقر على غمد سيفه، وكرر الحركة مرةً تلو الأخرى، بينما ازدادت الفواصل بينها قصرًا شيئًا فشيئًا.

 

 

«ري…م.»

«لكن هذا لا يعني أن التضحيات التي قُدِّمت في سبيل ذلك يمكن مسامحتها. كنتُ آمل أن أبادلَك حديثًا أطول يا ناتسكي سوبارو…»

 

 

 

همس يوليوس بهذه الكلمات المؤلمة، ثم صرف نظره عن وجه سوبارو الميت.

 

 

 

رفع عينيه نحو السماء التي تلونت بألوان الغروب، وغشى الحزن عينيه، وهمس بصوتٍ ضعيف:

 

 

«… كنت أود أن أناديك صديقًا.»

«لأنني ضعيف.»

 

 

تلاشى همس يوليوس بين أشجار الغابة بلا جدوى.

 

 

 

٨

 

 

هل كان في الواقع؟ أم في الحلم؟ هل كان محض وعي مجرد؟ هل يمتلك جسدًا؟

انطفأت أنوار المسرح فجأة، وعاد وعيه إلى الحاضر.

أفسدت تعويذات فيريس الدورة الحيوية داخل جسده بشدة، تاركة وجهه مشوَّهًا بموتٍ قاسٍ. ولولا تدخل يوليوس، لبقي سوبارو بملامحٍ مروعة في لحظة رحيله.

 

 

استيقظ في ذعر.

«…»

 

من حيث الأيام الفعلية، لم يكن غيابها طويلًا. بالكاد مرَّ أسبوع على رؤيتها من قبل معارفها وأهلها.

«—بواهه، وااا! مـ-ما هذا؟! آآآه؟!»

《٢٠》

 

 

تلوَّى جسده في اضطراب. وعندما استعاد إدراكه، وجد نفسه ممددًا على أرضية باردة وصلبة.

 

 

 

في تلك الغرفة، التي كان هواؤها البارد يكاد يؤلم أنفه، أضاع سوبارو نفسه وهو يتدحرج على الأرض بلا هدف. لم يكن في حركته معنى، بل كانت محاولة بائسة للهروب من التفكير.

لقد ضحى بحياته مرارًا وتكرارًا. وإن كان التخلِّي عن كبريائه كافيًا، فسيقدم حتى ذلك.

 

من حيث الأيام الفعلية، لم يكن غيابها طويلًا. بالكاد مرَّ أسبوع على رؤيتها من قبل معارفها وأهلها.

لم يستطع السماح لنفسه بالتفكير فيما رآه. لم يستطع أن يتحمل فكرة فهم ما جرى.

 

 

 

استمر بالتدحرج، حتى شعر بدوار وأذنيه تؤلمانه، بينما احتكَّ رأسه بالأرض الخشنة وكأنه يحاول الهرب من العاصفة التي اجتاحت أحشاءه. أراد، ولو بقدر بسيط، أن يقلل فرصة التفكير الواعي.

«—تأمل الحاضر المجهول.»  

 

 

«غاه…!!»

 

 

ببطء شديد، رفعت يدها المرتعشة ولمست وجه سوبارو. دون اكتراث بما قد تلطَّخ من كفها، أخذت تمسح براحتيها العرق اليابس وآثار الدم الخفيف الذي خرج من فمه.

لكن في محاولته للهروب من الواقع، ارتطم بالحائط، فانتهى تدحرجه بعنف.

فيما هبت الرياح، تصدعت الأشجار المتجمدة وتكسرت، ثم تحولت إلى غبار، إذ امتصت المانا التي تحفظ وجود الغابة.

 

مستلقٍ على ظهره، فتح عينيه وبصق التراب الذي علق في فمه. تجهم وجهه متأثرًا برائحة الأرض، وأخذ يتفحص المكان من حوله، ليجد نفسه في غرفة حجرية ذات إضاءة خافتة— عاد إلى القبر من جديد.

أصابته الضربة القوية في ظهره، وأصدرت عظامه صوت احتكاك مؤلم. نزفت جبهته من خدوش السطح الصلب، غير أن دموعه لم تكن بسبب الألم. بل انهمرت دموعه خزيًا من ضعفه الذي لم يفارقه.

في ذهنه، بدأ سوبارو بترتيب المعلومات التي لم يُتح له الوقت الكافي لاستيعابها في نهاية محاولته الأخيرة، نظرًا للفوضى التي سادت في لحظاتها الأخيرة واقتراب موته.

 

فكر: إن لم يرَ الأمور على هذا النحو، إن لم يتمسك بهذا الفهم—

بكى سوبارو من العار الذي شعر به تجاه نفسه الجبانة.

حين عاد بالزمن بفضل ”العودة بعد الموت“، كان في لحظة أقرب إلى الحاضر مما توقَّع، مما يعني أنه فقد الفرصة لإنقاذ ريم.

 

ومنذ تلك اللحظة، اتخذ ناتسكي سوبارو قرارًا—

إلى متى سيظل ضعف ناتسكي سوبارو يطارده بلا رحمة؟

ومع ذلك، عرف سوبارو فورًا، وعلى نحو غريزي—

 

 

كيف يمكنه أن يحصل على قلب من حديد لا يتزعزع، مهما كانت المحنة، مهما كان العذاب؟

 

 

في الواقع، حين وقعت عيناه عليها، خفضت الفتاة رأسها وكأنها تخشى نظرات الرجال.

كان ضعفه هو السبب في كل مرة سابقة، والسبب في أن…

 

 

«د-داخل… القبر…»

«الأشياء التي ادَّعيتُ أنني لم أرَها… الأشياء التي تجاهلتها… هل هذا ما هي عليه…؟»

 

 

 

ليس الأمر… أنه لم يفكر في هذا من قبل.

«لكن هذا لا يعني أن التضحيات التي قُدِّمت في سبيل ذلك يمكن مسامحتها. كنتُ آمل أن أبادلَك حديثًا أطول يا ناتسكي سوبارو…»

 

فيما هبت الرياح، تصدعت الأشجار المتجمدة وتكسرت، ثم تحولت إلى غبار، إذ امتصت المانا التي تحفظ وجود الغابة.

بل لقد طافت هذه الفكرة في ركن من ذهنه مرارًا، لكن خوفه حال دون مواجهتها بصدق.

《١٢》

 

 

رفض عقله حتى مجرد التفكير في هذا الاحتمال، خشية أن يتحطم أساس كل ما بناه لنفسه.

كم مضى من الوقت منذ أن سمع تلك النبرة تدوي في أذنيه؟

 

 

فإذا كانت العوالم التي تركها خلفه تواصلت بعد موته، فإن كل ما فعله سوبارو سينهار في داخله.

كانت الأجواء مصبوغة بالبياض، وسيطر البرد الشديد على العالم حتى بدا وكأن سماء الليل ذاتها قد تتجمَّد.

 

 

كان سوبارو، الذي أراد إنقاذ الآخرين، هو مَن تخلَّى عنهم في نهاية المطاف.

 

 

«يا سيدة إميليا! هذا—»

لا، هو مَن تخلى عنهم، هاربًا بموته الأناني، تاركًا العالم خلفه بينما هو وحده يبدأ من جديد في عالم آخر.

 

 

 

كان هروبه الجبان قد أتى بثماره المريرة؛ ذلك هو جوهر ما خلق الجحيم الذي يتجاوز الجحيم نفسه.

 

 

 

«—تأمل الحاضر المجهول.»  

 

 

 

وكأن الهمس قرب أذنيه كان يخبره بلا مبالاة: «لن تتمكن من الفرار.» 

 

 

«…»

في لحظة، جُرِد وعيه مرة أخرى، وسقط في عالم أبيض نقي.

 

 

«أ… لكـ—»

عندما تردد الهمس للمرة الثالثة، تساءل عن السبب وراء شعوره بألفة مع هذا الصوت، ثم أدرك الحقيقة.

بصوت مختنق، وبأنين ضعيف ومتهالك، تهاوى سوبارو تمامًا.

 

 

لم يكن هناك أدنى شك، الصوت الذي سمعه… كان صوته هو.

«من السهل الاستسلام.»

 

أراد أن يُخرج كل شيء، أن يكشف عن كل ما يثقل قلبه في تلك اللحظة. قبل أن يستنزف عقله بالكامل، احتاج إلى شخص بجانبه… شخص يستحق أن يحكم على خطاياه.

٩

لقد أنهكته الأزمات حتى لم يعد يعلم الطريق الذي يسلكه، ولا الاتجاه الذي يتوجه إليه. لذلك، فكر في الاستسلام؛ أن يتخلى عن كل شيء—

 

كان سوبارو، الذي مات وخرج من جسده، يحدِّق من علٍ في الجسد الذي فارقته الحياة. المشهد كان كريهًا على نحوٍ لا يحتمل. لم يختبر سوبارو في حياته -حتى بعد عدد الوفيات التي تجاوزت العشر مرات- مشهدًا أشد رعبًا من هذا.

كانت هناك فتاة. كانت جاثمة أمام جثة تهشَّمت جمجمتها تمامًا.

 

 

 

لم يتحمل الجسد السقوط من علو شاهق، فازدهر على الأرض كزهرة من الدم. ومن الشظايا المتناثرة بوحشية، بالكاد يمكن تمييز أن هذا الجسد كان ذات يوم فتى بشعر أسود.

 

 

 

«…»

 

 

«حينما كنتُ في مأزق لا أستطيع الخروج منه، وحين تمنيت من أعماق قلبي أن يقوم أحدٌ بشيء ما من أجلي… ظننتُ أنكِ ستكونين هناك.»

لم يعد سوبارو يستغرب استيقاظه بوعيه وحده.

 

 

مرة أخرى، انتُزع وعيه قسرًا؛ ومرة أخرى، عُرض عليه مشهد ما بعد موته.

ابتلعتهم الثلوج الغزيرة، وأصبح كثيرون ضحايا لغزو الأرنب العظيم. قتل روزوال رام وغارفيل في نوبة جنون، وفي النهاية، قبلة إميليا على شفتيه كانت اللحظة الأخيرة في حياة سوبارو قبل أن يلقى حتفه.

 

 

الشيء الوحيد الذي لم يستطع سوبارو توقعه هو أي مشهد موت سيُجبر على مشاهدته هذه المرة—

《١٤》

 

 

«حتى اللحظة الأخيرة… كنت تقول أشياء لا معنى لها تمامًا…»

 

 

 

أمام سوبارو الذي تهاوى حتى الموت، كانت هناك فتاة ذات شعر وردي تلفظ هذه الكلمات؛ رام.

وجود رام بالقرب منها لم يترك أثرًا في بياتريس؛ فقد كان نظرها مثبتًا على سوبارو الميت وحده.

 

 

بدا مظهرها مضطربًا، وزيَّها ممزق في أماكن عدة. تعابير وجه رام، التي كانت عادةً تسعى إلى التزام الهدوء، حملت مزيجًا معقدًا من مشاعر لا تُطاق، إلى جانب غضب مشتعِل.

كان هروبه الجبان قد أتى بثماره المريرة؛ ذلك هو جوهر ما خلق الجحيم الذي يتجاوز الجحيم نفسه.

 

 

لم يعكس تعبيرها الأسى على موت سوبارو بقدر ما كان غضبًا يكاد يكون غير محتمل تجاه تلك النهاية.

 

 

 

«هل كان هذا أيضًا وفقًا لتوقعاتك، يا سيدة بياتريس؟! هل لهذا السبب عرقلتِ طريق رام؟!»

«لقد انتهى، يا عم ويل. لم تبقَ هنا أي روح على الإطلاق.»

 

 

بطريقة غير مألوفة منها، قذفت رام اتهامات متلاحقة قبل أن تقطع كلماتها فجأة.

 

 

 

كانت عيناها الورديتان تتأملان جثة سوبارو وبياتريس الواقفة بجانبه. لم تعبأ رام بالأوساخ التي لوَّثت طرف تنورتها، وحدَّقت في الجسد المحطم قبل أن تنطق بكلمة واحدة:

 

 

 

«لماذا؟»

فإظهار ضعفه بكل ما أوتي من قوة هو كل ما استطاع ناتسكي سوبارو العاجز والجاهل أن يفعله.

 

 

بتردد، انسكبت الكلمة بصوت مفعم بالحزن.

 

 

 

وجود رام بالقرب منها لم يترك أثرًا في بياتريس؛ فقد كان نظرها مثبتًا على سوبارو الميت وحده.

 

 

رفض عقله حتى مجرد التفكير في هذا الاحتمال، خشية أن يتحطم أساس كل ما بناه لنفسه.

تمكَّن سوبارو من رؤية قطرات شفافة تتساقط من زوايا عينيها الزرقاوين على وجنتيها.

 

 

 

كانت بياتريس… تبكي.

فقدت قدرتها على الاعتماد على باك، تحمَّلت الضغوط المتزايدة من حولها، وغياب كلمات سوبارو المطمئنة دفع عقلها إلى حافة الانهيار.

 

 

ذلك المشهد غمر قلب سوبارو بإحساس عميق بالذنب، ألم لا يُحتمل وكأنه ابتلع رصاصًا مصهورًا.

«أظن أنه كان ليفضل أن تكوني أنتِ مَن يفعل ذلك، لا أنا. على الأقل، يجب أن يتم ذلك بيدكِ.»

 

 

مزَّق هذا الشعور حفرة في قلبه، وأشعل حرارة لا تطاق في أعماق عينيه الخفيتين. في تلك اللحظة تحديدًا، أراد أن يندفع نحو الفتاة، أن يهمس لها بكلمات مواساة. أراد أن يُوقف دموعها.

 

 

كان شعره أبيض ويرتدي زيَّ خادم أسود. هذا المكان هو قصر كروش في العاصمة الملكية، والرجل الذي وقف هناك بذهول هو ويلهيلم، ”شيطان السيف“، الذي ينتمي لهذا المكان بكل تأكيد.

لكن سوبارو افتقد القدمين والذراعين والفم الذي يمكنه من فعل ذلك—

 

 

 

«كنت أعلم… أنك لست ذلك الشخص… ولكن…»

—هذا صوت يجب ألا يُصغي إليه، يجب ألا يلاحظه: صوت ينبغي تجاهله تمامًا.

 

ومع ذلك، حتى سوبارو أدرك من النظرة الأولى مَن منهما يمتلك القوة القتالية الأعظم.

وقد تلاشت كل تعابير وجهها، بدت بياتريس وكأنها شاردة، فيما استمرت قطرات الدموع في الانهمار.

 

 

 

ربما كان المشهد مؤلمًا إلى حد جعل رام تتخلى عن استجواب بياتريس. أطلقت تنهيدة هادئة، ثم أمالت عينيها نحو جثة سوبارو بنظرة ملؤها السخرية، وهمست بصوت خافت وهي تتأمل مصيره البائس:

«…»

 

 

«ما هذا الحب؟ حقًا، إنها قصة ميؤوس منها.»

 

 

سواء كان ذلك صوابًا أم لا، ريم ستغفر له، أليس كذلك؟

١٠

لم يعرف ما الذي حدث. فقدانه للوعي جاء فجأة، ولم يلبث أن وجد نفسه مستيقظًا دون سابق إنذار.

 

رغم ذلك، أقسم في قلبه ألا يستسلم، وأن يستمر في دعم إميليا، حتى لو كانت فرصته ضئيلة. ولكن—

«—تأمَّل الحاضر المجهول.»  

 

 

«ري…م.»

١١

«لا وجود للسيدة إميليا ولا لسوبارو في هذا المكان.»

 

 

كانت الأجواء مصبوغة بالبياض، وسيطر البرد الشديد على العالم حتى بدا وكأن سماء الليل ذاتها قد تتجمَّد.

 

 

تمكَّن سوبارو من رؤية قطرات شفافة تتساقط من زوايا عينيها الزرقاوين على وجنتيها.

فيما هبت الرياح، تصدعت الأشجار المتجمدة وتكسرت، ثم تحولت إلى غبار، إذ امتصت المانا التي تحفظ وجود الغابة.

«معاملة خشنة، لكن على الأقل أعادتك إلى وعيك. —سلطة ”العروسه عديمة الوجه“ من كارميلا تجعل ضحاياها ينسون كيفية التنفس، وفي النهاية، تجعل قلوبهم تنسى كيف تنبض.»

 

«أنت بطل يا راينهارد وهذا كل مايمكنك ان تكونه.»

الأشجار والمباني والمخلوقات الحية، وحتى العالم ذاته، بدأت تتلاشى تدريجيًا نحو ذلك المصير الأبيض.

 

 

 

«…»

لا، هو مَن تخلى عنهم، هاربًا بموته الأناني، تاركًا العالم خلفه بينما هو وحده يبدأ من جديد في عالم آخر.

 

 

المشهد التالي الذي وقعت عليه عين سوبارو كان نهاية العالم بعينها.

 

 

 

في احتضان بارد وحنون للتدمير، غرق العالم ببطء نحو نهايته كما لو كان يخلد إلى النوم.

 

 

《١٧》

ولكن—

لكن كيف له أن يحافظ على عزيمته بعد أن واجه شيئًا أفظع من الجحيم ذاته؟

 

«… ثم ستقولين لي: انهض.»

«—إذًا… لقد أتيت.»

«تتخلَّى عن كل شيء آخر؟ هراء. لا مجال لذلك.»

 

 

صوت منخفض جعل الهواء يهتز وارتجفت الأجواء كأنها تردد أصداء الاعتراف بصدى مدوٍّ.

ما هذا الذي يُجبر على رؤيته؟

 

كان سوبارو، الذي أراد إنقاذ الآخرين، هو مَن تخلَّى عنهم في نهاية المطاف.

وفي اللحظة التالية، اهتزت الأرض وكأن زلزالًا ضربها، وانطلقت صدمة هائلة عبرها غيَّرت ملامح المشهد في طرفة عين.

 

 

 

اجتاحت الرياح العاتية الأشجار وأسقطتها كأنها أعمدة ثلج، وتحولت مساحة واسعة من الغابة إلى سهول جرداء مغطاة بالثلوج.

 

 

وعلى السرير، إلى جانب ريم المستلقية بلا حراك، كان جثمان سوبارو، وقد أنهى حياته بطعنة قصيرة في عنقه.

تم تسوية الغابة المتجمدة حتى لم يتبق سوى أرض مسطحة، وكان سبب هذا الدمار وحشًا رباعي الأرجل مكسوًا بفراء رمادي طويل، يُوحي بمظهره بأنه مخلوق شبيه بالسنوريات، لكنه هائل الحجم لدرجة اضطر سوبارو إلى رفع رأسه للنظر إليه.

على النقيض من مشاعر ويلهيلم الجارفة، زفر فيلكس ببطء وقال:

 

ومع استمراره في التمني دون توقف، تساقطت قطرات العرق من جبينه.

غير أن الأنياب في فم الوحش العملاق كانت مكسورة، وأنفاسه الثقيلة تنبض بإرهاق واضح. ورغم ذلك، كانت عيناه الذهبيتان اللامعتان، وهما الجزء الوحيد الذي بقي محتفظًا بقوة هائلة، تحدَّقان بثبات نحو الأمام.

«يا عم ويل، لماذا تصرخ هكذا…؟ إيه؟»

 

 

«ما أشدَّ الأسى… حتى مع علمي بأن الأمر سينتهي هكذا، لا أستطيع تغيير النتيجة؟»

 

 

«كنت أعلم… أنك لست ذلك الشخص… ولكن…»

«—أستطيع أن أفهم إلى حد ما ما الذي حدث… وهذا يزيد الأسف عمقًا.»

في احتضان بارد وحنون للتدمير، غرق العالم ببطء نحو نهايته كما لو كان يخلد إلى النوم.

 

 

فيما بدا صوت الوحش العملاق وكأنه يندب النهاية، جاءه صوت رقيق وجميل، متزن وسط عواصف الثلج.

 

 

«…»

كان ذلك الركن من العالم المحتضر يحمل بدايات النهاية، لكن ذلك الصوت لم يفتقر للحياة. وقف صاحب الصوت، شاب ذو شعر أحمر مشتعل، بجسد مرفوع ووقفة منتصبة، يواجه الوحش العملاق.

 

 

 

حمل الشاب في عينيه، اللتين استحضرتا صفاء السماء الزرقاء، لمحة من الحزن الخافت وهو يحدق في الوحش.

 

 

ابتلعتهم الثلوج الغزيرة، وأصبح كثيرون ضحايا لغزو الأرنب العظيم. قتل روزوال رام وغارفيل في نوبة جنون، وفي النهاية، قبلة إميليا على شفتيه كانت اللحظة الأخيرة في حياة سوبارو قبل أن يلقى حتفه.

«لا وجود للسيدة إميليا ولا لسوبارو في هذا المكان.»

 

 

«ولم تكن لتخبرني بالتخلي عن كل شيء وتركه على عاتق ريم.»

«ليا تغطُّ في نوم أبدي. عالم بلا تلك الفتاة هو عالم لا أرغب في وجوده. لذا، ووفقًا للميثاق، سأجعل هذا العالم أرضًا متجمدة.»

 

 

«لا أدري… هل أنا متعب…؟ مع أنني… لم أنجز شيئًا بعد…»

ثم أضاف بصوت كئيب: «أنا وذلك الرجل نشترك في هذه الجريمة—».

كان ذلك الركن من العالم المحتضر يحمل بدايات النهاية، لكن ذلك الصوت لم يفتقر للحياة. وقف صاحب الصوت، شاب ذو شعر أحمر مشتعل، بجسد مرفوع ووقفة منتصبة، يواجه الوحش العملاق.

 

«إن لم تتحرك، أعدك بصدق أنك لن تعاني.»

«إذًا هذا هو سبب سعيك لتدمير هذا العالم؟»

 

 

بكلمات متسارعة، وبرعب ينبع من أعماق جسده المرتعش، أقرَّ سوبارو بجرائمه.

«كنت أعلم أنك ستحاول منعي. ولكن إن لم أفعل هذا، فلن يكون بالإمكان إنقاذ تلك الفتاة.»

 

 

«سوبارو، هل أنت بخير؟»

عندما أجاب الوحش بصوت هادر يملؤه الغضب، هزَّ الشاب رأسه قليلًا وأمسك بمقبض السيف المثبَّت على وركه. كان غمده الأبيض يحمل آثار مخالب محفورة عليه، دليلًا على أنه السيف الأسطوري الذي خلَّفه التنين منذ زمن بعيد؛ سيف التنين.

استمر بالتدحرج، حتى شعر بدوار وأذنيه تؤلمانه، بينما احتكَّ رأسه بالأرض الخشنة وكأنه يحاول الهرب من العاصفة التي اجتاحت أحشاءه. أراد، ولو بقدر بسيط، أن يقلل فرصة التفكير الواعي.

 

 

في ذلك العالم، ليس هناك سوى شخص واحد يستطيع سحب هذا السيف المتلألئ المتوهج واستخدامه: قديس السيف، راينهارد فان أستريا.

بينما كان سوبارو يتلوى ويسعل، حاول استعادة وعيه وسط ومضات بيضاء وحمراء في ذهنه.

 

 

رفع راينهارد سيف التنين بثقة، موجَّهًا إياه نحو الوحش الهائل.

 

 

 

«أفهم ما يؤرقك، وأشعر بالأسى ذاته. ولكن لا أستطيع أن أسمح لك بأن تندفع بهذه المشاعر لتدمير كل شيء. عهدك هذا يجرح العالم نفسه، وهذا ما لا يمكنني غفرانه أبدًا.»

«هـ-هذا… ليس ما كان ينبغي أن يحدث…»

 

 

«لأنه ليس عادلًا؟»

تذكَّر بكل جوارحه كيف كانت أصابعها النحيلة، ومدى دفء بشرتها حينما احتضنته بقربها، وحجم الحب الهائل الذي منحته له.

 

 

«نعم، لأنه ليس عادلًا. فالعدل هو معياري. وسيفي… وُجد لتصحيح الأخطاء. ولهذا السبب، سأقطعك هنا والآن، أيها الروح العظيمة.»

 

 

كان ويلهيلم جاثيًا على ركبتيه، وجسده المثخن بالجراح ينحني في خزيٍ عميق.

كان هناك فارق شاسع في الكتلة بين الوحش الكبير والشاب؛ بين باك وراينهارد.

 

 

«سوبارو، هل أنت بخير؟»

ومع ذلك، حتى سوبارو أدرك من النظرة الأولى مَن منهما يمتلك القوة القتالية الأعظم.

 

 

— هل تستطيع فعل ذلك؟  

لم يكن حتى باك، بقوته الحقيقية المطلقة، قادرًا على زعزعة الهدوء الذي ارتسم على وجه راينهارد. بضربة واحدة من سيف التنين، كان بإمكان قديس السيف أن يشطر هذه الروح إلى نصفين.

 

 

 

كانت الروح الجبارة التي تدفقت من السيف تنتشر في الأرجاء بشكل لا لبس فيه، معلنة عن عظمة قوته.

ومع استمراره في التمني دون توقف، تساقطت قطرات العرق من جبينه.

 

 

«إن لم تتحرك، أعدك بصدق أنك لن تعاني.»

 

 

 

«هذا ما لا أستطيع فعله. سأكافح في سبيل عهدي حتى تلفظ حياتي أنفاسها الأخيرة… طالما بقيت على قيد الحياة.»

 

 

وبينما عُرضت أمامه عوالم منتهية، الواحد تلو الآخر، لم يكن بوسع سوبارو إلا أن يستلقي على الأرض بلا حراك.

اهتز سيف التنين وأطلق هالة مرعبة، حتى بدا الهواء المتجمد وكأنه يتصدَّع ويصرخ طلبًا للرحمة.

 

 

 

أمام هذه القوة الهائلة، نهض الوحش الكبير على قوائمه الأمامية، مُجبرًا جسده على الوقوف، عاضًا على أنيابه.

 

 

 

استعد كلاهما لضربة واحدة، تلك الضربة الحاسمة الأخيرة، رغم أن النتيجة كانت واضحة سلفًا—

«—إميليا، هل أنتِ بخير؟»

 

 

«عليَّ أن أمنعك من إلحاق أي أذى آخر. إن كان لا بد أن تكره أحدًا، فلتكرهني أنا.»

 

 

 

«أنا لا أكنُّ لك أي ضغينة يا راينهارد. أنت… أنت بطل. وللبطل دور واحد فقط يؤديه. لا ألومك، ولا أكنُّ لك أي كراهية لأنك اخترت أن تتصالح مع هذا الواقع.»

 

 

 

«…»

بصوت مختنق، وبأنين ضعيف ومتهالك، تهاوى سوبارو تمامًا.

 

استحضار تلك القبلة في لحظته الأخيرة كان بمثابة تأكيد جديد على إحساسه بالخطر وهو يرى إميليا تنهار نفسيًا وتصبح معتمدة كليًا عليه، هاربة من واقعها المتدهور.

«أنت بطل يا راينهارد وهذا كل مايمكنك ان تكونه.»

 

 

 

في تلك الكلمات وحدها، عند النهاية الحتمية، ظهرت كراهية خالصة، منفصلة تمامًا عن الغضب أو الندم.

لم يعرف ما الذي حدث. فقدانه للوعي جاء فجأة، ولم يلبث أن وجد نفسه مستيقظًا دون سابق إنذار.

 

«يا سيدة إميليا! هذا—»

في اللحظة التالية، رفع راينهارد سيف التنين فوق رأسه، واندلعت ومضة ضوء واحد؛ شقَّت السماء، وامتدت الشقوق عبر الهواء نفسه، وتفتتت الأرض، ودوَّمت المانا في دوامة عاتية، وعلى طول قوس ضربته… انزلق العالم.

«…»

 

 

«…»

كان أحمقًا. كان عليه أن يرحب بذلك التشوش. فقد كان شعور السكر ذاك رحمةً سماوية بذاتها—

 

 

ومع استقرار تلك الضربة العارمة، استعاد الهواء البارد الذي غطَّى العالم صفاءه.

لكن ثمة فرق جوهري بينهما؛ فجوة لا يمكن سدها تفصل بين كيفية التزام كل منهما بإرشادات كتبهما.

 

الشيء الوحيد الذي لم يستطع سوبارو توقعه هو أي مشهد موت سيُجبر على مشاهدته هذه المرة—

أصلح العالم انزلاقه، وعادت الأجزاء التي تحوَّلت إلى دوامات من المانا إلى هيئتها الصحيحة، وتبرعمت الأزهار من الأرض المحطمة، وانتشر السلام في الهواء المتصدِّع. وأخذت أشعة شمس متألقة تنهمر من السماء.

 

 

 

كانت ضربة قديس السيف قد أنهت العالم وأعادت إصلاحه في آنٍ واحد—

 

 

 

أما الوحش الهائل الذي غمرته تلك الضربة… فقد تلاشى من الوجود بلا أثر. لم يبقَ أي دليل يشير إلى الدمار، وكأن المعركة ذاتها لم تكن سوى حلم عابر.

 

 

«—تأمل الحاضر المجهول.»

بصوت خافت، أعاد راينهارد سيف التنين إلى غمده الأبيض مرة أخرى.

 

 

 

وفيما كانت نسمة عابرة تحرُّك خصلات شعره الأحمر، ضيَّق عينيه وهو يتأمل ضوء الشمس، ورفع وجهه نحو السماء. تشدَّدت شفتاه قليلًا، ومع زفيره، همس بصوت بالكاد يُسمع—

شعر بقطرة دافئة من دموع لا ينبغي لها أن تسيل، تنحدر على وجنته.

 

«—تأمل الحاضر المجهول.»

«—لابد أن السيدة فيلت… ستحزن.»

«اختفِ، أيتها المزيفة. لا تحاولي خداعي بوجه، وبصوت ريم التي أحبها!!»

 

«لكن هذا لا يعني أن التضحيات التي قُدِّمت في سبيل ذلك يمكن مسامحتها. كنتُ آمل أن أبادلَك حديثًا أطول يا ناتسكي سوبارو…»

أغمض قديس السيف عينيه بهمسة أخيرة.

 

 

فسر بيتلجيوس النبوءات الناقصة بنفسه وتأقلم مع الظروف المتغيرة أثناء تنفيذه لأوامر الكتاب. أما روزوال، فقد التزم بحذافير تعليمات كتابه، ولا يسمح بوجود أي تناقض معها، حتى لو تطلب الأمر تكرار الأحداث مرارًا لتحقيقها.

١٢

—كانت هذه عقوبة على الفعل المتهور الذي اقترفه سوبارو.

 

لم يسبق له أن شهد مثل هذا المشهد. ففي ذلك العالم، كان قد مات بالفعل.

«—تأمل الحاضر المجهول.»

 

 

«لأن هذا الضعف ملك لها. لأن ريم خاصتي هي التي تخفي ضعفي بإحكام، حتى لو شعرت برغبة في الاستسلام، لن يجد مخرجًا.»

١٣

 

 

«فيلكس! تعال بسرعة! الأمر طارئ! بالغ الأهمية!!»

«—تأمل الحاضر المجهول.»

في لحظة، جُرِد وعيه مرة أخرى، وسقط في عالم أبيض نقي.

 

لأول مرة، رأى سوبارو بعينيه ألم إميليا على فقدانه.

١٤

 

 

«كاذب! كاذب! سوبارو… أنت كاذب! كاذب—!!»

«—تأمل الحاضر المجهول.»

《١٨》

 

 

١٥

في تلك الليلة، للمرة الثانية، أو الثالثة إذا احتسبنا ما جرى خلال النهار، اندفع نحو القبر بلا تردد.

 

«كأنما، حين أفكر بأشد اللحظات، وأتمنى أن يتدخل أحدهم… وكأنكِ ستكونين دائمًا موجودة… الأمور لا تسير بهذه السهولة…»

«—تأمل الحاضر المجهول.»

《٥》

 

 

١٦

 

 

كان من الأفضل لو امتلك سوبارو القوة الكافية لحمل كل شيء على عاتقه وحده.

«—تأمل الحاضر المجهول.»

 

 

«اختفِ، أيتها المزيفة. لا تحاولي خداعي بوجه، وبصوت ريم التي أحبها!!»

١٧

 

 

 

«—تأمل الحاضر المجهول.»

 

 

لم يتحمل الجسد السقوط من علو شاهق، فازدهر على الأرض كزهرة من الدم. ومن الشظايا المتناثرة بوحشية، بالكاد يمكن تمييز أن هذا الجسد كان ذات يوم فتى بشعر أسود.

١٨

كانت هناك فتاة. كانت جاثمة أمام جثة تهشَّمت جمجمتها تمامًا.

«—تأمل الحاضر المجهول.»

 

 

 

١٩

 

 

في الواقع، حين وقعت عيناه عليها، خفضت الفتاة رأسها وكأنها تخشى نظرات الرجال.

«—تأمل الحاضر المجهول.»

ببطء شديد، رفعت يدها المرتعشة ولمست وجه سوبارو. دون اكتراث بما قد تلطَّخ من كفها، أخذت تمسح براحتيها العرق اليابس وآثار الدم الخفيف الذي خرج من فمه.

 

إميليا، التي ابتسمت بدموعها عند سماعها، هي مَن تركها سوبارو خلفه.

٢٠

 

 

حتى في حالته الباهتة، ككيان واعٍ مجرد، اخترق هذا الإدراك أعماقه بقسوة.

—هو قد تأمل الحاضر المجهول.

لم يعرف روزوال أن الموت هو الشرط الذي يُفعِّل قدرة سوبارو، لكنه علم أن سوبارو يمر بدورات متكررة. ليس واضحًا ما إذا كان قد أدرك ذلك منذ وصول سوبارو إلى الملجأ أو قبل ذلك بكثير، لكن ما كشف له الحقيقة لا بد أن يكون الكتاب السحري الذي يمتلكه؛ كتاب المعرفة.

 

«…»

وبينما عُرضت أمامه عوالم منتهية، الواحد تلو الآخر، لم يكن بوسع سوبارو إلا أن يستلقي على الأرض بلا حراك.

واصلت إميليا نحيبها، تنادي اسم سوبارو مرة بعد مرة، بصوت متهدج يملأه الحزن.

 

 

لم يعرف في تلك اللحظة أين يوجد.

 

 

سعى إليها بشغف يائس.

هل كان في الواقع؟ أم في الحلم؟ هل كان محض وعي مجرد؟ هل يمتلك جسدًا؟

 

 

كانت تجلس على كرسي أبيض أمام طاولة بيضاء في حقل من العشب، وأسندت خدها إلى راحة يدها بابتسامة ساحرة، تنضح غموضًا.

بعد كل تلك الكوابيس المتكررة… هل يصح حتى تسميتها كوابيس؟ أم هي جريمته التي يتوجب عليه تقبُّلها؟

«كيف تجرؤ على قول هذا في مثل هذا الوقت…؟ كفى عبثًا، فقط… كفى!!»

 

 

هل كانت مجرد أوهام احتمالية؟ أم أنه شهد فعلًا جحيمًا يتجاوز أي جحيم؟

 

 

 

وربما خُلِقت عوالم مريحة من ذكرياته؟ ولكن كيف وصلت إليها معلومات بعد وفاته، وهي أمور لم يكن يعلمها؟

بالنسبة إلى سوبارو، الذي يخاطر بحياته لحمل كل شيء على عاتقه، كان روزوال قد قال له: ”حرِّر نفسك من كل شيء إلا مما هو مهم حقًا بالنسبة لك.“

 

استحضار تلك القبلة في لحظته الأخيرة كان بمثابة تأكيد جديد على إحساسه بالخطر وهو يرى إميليا تنهار نفسيًا وتصبح معتمدة كليًا عليه، هاربة من واقعها المتدهور.

أكانت حقًا عوالم زائفة وُلدت من الهواجس؟ أم أن واقعه كان يلتهمه واقع آخر؟

رفع عينيه نحو السماء التي تلونت بألوان الغروب، وغشى الحزن عينيه، وهمس بصوتٍ ضعيف:

 

«أنا لا أكنُّ لك أي ضغينة يا راينهارد. أنت… أنت بطل. وللبطل دور واحد فقط يؤديه. لا ألومك، ولا أكنُّ لك أي كراهية لأنك اخترت أن تتصالح مع هذا الواقع.»

مهما يكن الجواب، فقد تلقى سوبارو ضربة هائلة على نفسيته؛ ضربة منعته من مواجهة ما حدث، من النهوض، أو حتى رفع رأسه.

لأنها كانت تعرف.

 

 

ولهذا—

 

 

—كانت هذه عقوبة على الفعل المتهور الذي اقترفه سوبارو.

«—آه، هل تستطيع الوقوف بعد كل هذا يا سوبارو؟»

«—تأمل الحاضر المجهول.»

 

فإظهار ضعفه بكل ما أوتي من قوة هو كل ما استطاع ناتسكي سوبارو العاجز والجاهل أن يفعله.

سمع صوتًا بجواره، صوتًا ناعمًا يحاول بلطف أن ينقذه من شتات روحه المنهكة.

انهمرت الدموع من عيني إميليا البنفسجيتين كنافورة مفتوحة، وانهارت وهي تصرخ بصوت حاد، وكأن خيانة مريرة انكشفت أمامها.

 

 

بدت تلك نبرة جميلة، تنتمي لشخص عزيز على قلبه.

فجأة، هاجمه ألم اختناق حاد، حيث تذكر جسده بعد غياب طويل كيف يتنفس من جديد، وبدأ قلبه ينبض بعنف كأنه يحاول إعادة ضخ الدم في عروقه.

 

 

«—آه…»

حين تمتمت كارميلا بهذه الكلمات المتكسرة، أدرك سوبارو ما كان يثير غضبه منها.

 

كانت النتيجة واضحة. مات سوبارو هناك.

شعر بقطرة دافئة من دموع لا ينبغي لها أن تسيل، تنحدر على وجنته.

لسوبارو العاجز، الهش، والجاهل، كانت ريم تمنحه قوتها.

 

 

كم مضى من الوقت منذ أن سمع تلك النبرة تدوي في أذنيه؟

 

 

«—آه، هل تستطيع الوقوف بعد كل هذا يا سوبارو؟»

من حيث الأيام الفعلية، لم يكن غيابها طويلًا. بالكاد مرَّ أسبوع على رؤيتها من قبل معارفها وأهلها.

 

 

 

ومع ذلك، لم يشعر سوبارو بذلك. بدا له أن الفراق امتد لدهور.

افتقار جسده للحم والدم ولَّد نوعًا جديدًا من التشوش، لكن باستحضار مفهوم التنفس العميق في ذهنه، حاول استعادة هدوء مصطنع في داخله.

 

 

بالنسبة لسوبارو، الذي عاد مرارًا عبر الموت، لم يكن للزمن المادي أي معنى. ما كان يهم هو اللحظات التي خَبِرَها قلبه وروحه.

رغم ذلك، أقسم في قلبه ألا يستسلم، وأن يستمر في دعم إميليا، حتى لو كانت فرصته ضئيلة. ولكن—

 

 

وبالنسبة له، مرت حقبة طويلة منذ أن أنصتت روحه لصوتها مرة أخرى.

 

 

وبحثًا عن المستقبل الأمثل، عقد العزم على اجتياز ذلك الجحيم مهما تكرر.

«سوبارو، هل أنت بخير؟»

همس يوليوس بهذه الكلمات المؤلمة، ثم صرف نظره عن وجه سوبارو الميت.

 

الجواب كان واضحًا…

همس الصوت برفق، مطمئنًا، مفعمًا بالحب.

تركت كلماته الطرف الآخر عاجزًا عن الرد، فأطالت الفتاة النظر للحظة، ثم خفضت رأسها بهدوء، ووقفت بصمت—

 

 

غمر هذا النداء قلب سوبارو الجاف بحنان عائلي وشغف حقيقي، كأنما يطفئ عطشه العاطفي.

قالت إيكيدنا إن هذا هو الشرط ليُدعى مرة أخرى إلى حفلة الشاي الخاصة بها.

 

 

امتلأت تلك الجرة الفارغة في أعماق قلبه، التي كانت تغرق في الفراغ، بالدفء.

 

 

«…»

كل ما تطلَّب الأمر كان جملة واحدة؛ كم من القوة منحته تلك الكلمات؟

《١٤》

 

 

«—هذا… كذب.»

 

 

«…هاه؟»

«لا، ليس كذبًا.»

ما زالت جاثية على ركبتيها، حدقت ريم في سوبارو في صمت، وقد بدا الحزن على ملامحها بسبب رفضه لها، وكأنها على وشك الانكسار في أي لحظة.

 

«…»

«لا يمكنكِ أن تكوني هنا.»

تاه وعي سوبارو وسط هذا التعقيد، غير قادر على فك ألغاز هذه المشاعر المختلطة. لكن من سلوك ويلهيلم وفيلكس، كان هناك شيء واحد واضح تمامًا:

 

 

«إن كنت تريدني، سأكون دائمًا إلى جانبك، يا سوبارو.»

 

 

 

«كأنما، حين أفكر بأشد اللحظات، وأتمنى أن يتدخل أحدهم… وكأنكِ ستكونين دائمًا موجودة… الأمور لا تسير بهذه السهولة…»

 

 

صرخ سوبارو معلنًا ذلك وهو يمد قبضته نحو تلك ”ريم“ المزيفة.

«لأنني دائمًا أفكر… أريد أن أكون أكثر النساء ملاءمة لسوبارو.»

 

 

لم يكن الأمر غير متوقع تمامًا بالنظر إلى الظاهرة الغريبة التي عاشها—

بصوت مختنق، وبأنين ضعيف ومتهالك، تهاوى سوبارو تمامًا.

 

 

 

ومع ذلك، حتى في تلك اللحظة التي تجلَّت فيها هشاشته على نحو مكشوف، لم يتسلل أدنى احتقار من صوتها. لم تفقد إيمانها به أبدًا.

«…»

 

كان مشهدًا مؤلمًا. صوتٌ يكاد يقتل النفس من شدة البؤس. هذا المشهد من بين أشد اللحظات التي خشي أن يشهدها، وأكثرها قسوة على قلبه.

لأنها كانت تعرف.

رفض عقله حتى مجرد التفكير في هذا الاحتمال، خشية أن يتحطم أساس كل ما بناه لنفسه.

 

 

كانت تعرف أن سوبارو ضعيف، عاجز، هش لدرجة تجعله بحاجة إلى التعلق بشيء ما ليتمكن من المضي قدمًا. كان مترددًا، فاقد الثقة.

 

 

 

لكنها كانت الفتاة التي، رغم معرفتها بضعفه، قالت له ذات يوم: «أنا أحبك.»

 

 

 

«—ريم.»

—هو قد تأمل الحاضر المجهول.

 

«سوبارو.»

«نعم. أنا ريم الخاصة بسوبارو.»

 

 

مدَّ يده وهزَّ كتف الفتاة المستلقية برقة، ليعيدها إلى الواقع بلطف.

رفع سوبارو رأسه. ومن خلال الرؤية المغبشة بدموعه، تسرَّبت ألوان الزرقة إلى بصره. مسح عينيه بعنف بكم ملابسه المتسخة، ليكشف بوضوح عن المشهد الذي كان يتوق إليه بشدة.

 

 

وبينما عُرضت أمامه عوالم منتهية، الواحد تلو الآخر، لم يكن بوسع سوبارو إلا أن يستلقي على الأرض بلا حراك.

أمام عينيه… وقفت ريم، التي لطالما اشتاق إليها.

 

 

 

«ريييم…»

 

 

«إن لم تتحرك، أعدك بصدق أنك لن تعاني.»

«نعم، أنا ريم. خادمة سوبارو المخلصة والمتفانية في كل شيء.»

«—هـ… هـ…»

 

 

«لماذا… أنتِ…؟»

«ريم ستتحمل كل مشاعر سوبارو بدلًا منه.»

 

كانت هي وحدها من يحق لها لوم ناتسكي سوبارو -ذلك الأحمق الضعيف غير الكافي- على فشله.

بإمالة طفيفة لرأسها، أبدت ريم لمسة مرحة أربكت سوبارو. وقبل أن يتمكن من قول شيء، شعر بشيء ثقيل يتساقط من صدره. هدأ تنفُّسه، واختفت تلك النبرة التشاؤمية التي كانت تسكن داخله.

كل شيء، كل ما حدث، كان خطأ سوبارو وحده.

 

«—تأمل الحاضر المجهول.»

كان مذهولًا من السهولة -نعم، السهولة البالغة- التي أُعتق بها من قيوده بمجرد ابتسامة فتاة.

شعر بالارتباك ذاته الذي اعتاد عليه عند تنقله العشوائي بين الماضي والحاضر، حين تنشط قدرة ”العودة بعد الموت“. عقله كان في فوضى وهو يحاول التوفيق بين العالم الذي تركه في اللحظة السابقة، والعالم الجديد الذي استقبله فورًا بعد استيقاظه.

 

ببطء شديد، رفعت يدها المرتعشة ولمست وجه سوبارو. دون اكتراث بما قد تلطَّخ من كفها، أخذت تمسح براحتيها العرق اليابس وآثار الدم الخفيف الذي خرج من فمه.

«ريم… أنتِ رائعة…»

 

 

نحَّى حيرته جانبًا، وقاوم شعور السكر الذي راوده، وركَّز بجدية على استيعاب ما يحدث. في عمق تلك الأفكار، كان يبحث عن إجابة: أين هو الآن؟ وماذا يفعل هنا؟

«شكرًا جزيلًا. وأنت أيضًا رائع، سوبارو.»

 

 

«—ريم.»

تلك الكلمات المبتسمة، بلهجتها التي بدت غير متزامنة ولكن متناغمة تمامًا، كانت مألوفة جدًا؛ وكأن كل شيء عاد كما كان.

وقد تلاشت كل تعابير وجهها، بدت بياتريس وكأنها شاردة، فيما استمرت قطرات الدموع في الانهمار.

 

«كاذب! كاذب! سوبارو… أنت كاذب! كاذب—!!»

ذلك التبادل الحميم ترك سوبارو على شفا البكاء، غير قادر على كبح دموعه مهما حاول.

 

 

«إذا لم أكن بجانبها… فسيحدث ذلك. لا أريد… أن أجعلها حزينة…»

بينما ما زال مستلقيًا على الأرض، اقتربت ريم وجثت أمامه، وعيناها تفيض بالحنان.

—ثم، في لحظة.

 

 

«هل أنت بخير؟ هل تشعر بالتعب؟»

《١٩》

 

بينما كان سوبارو يتلوى ويسعل، حاول استعادة وعيه وسط ومضات بيضاء وحمراء في ذهنه.

«لا أدري… هل أنا متعب…؟ مع أنني… لم أنجز شيئًا بعد…»

«—إميليا، هل أنتِ بخير؟»

 

 

لم يُنجز شيئًا. لم يفعل شيئًا. لم يكن يملك الحق في الشعور بالتعب.

سواء كان ذلك صوابًا أم لا، ريم ستغفر له، أليس كذلك؟

 

 

الجميع يعاني أكثر منه. الجميع يمر بألم أكبر. لماذا على الجميع أن يعاني هكذا؟

«—هذا… كذب.»

 

 

الجواب كان واضحًا…

 

 

 

«لأنني ضعيف.»

عندما سمع سوبارو صوتها الغريب، حبس أنفاسه…

 

 

«…»

«ريييم…»

 

 

«لأنني لا أملك القوة الكافية.»

تاه وعي سوبارو وسط هذا التعقيد، غير قادر على فك ألغاز هذه المشاعر المختلطة. لكن من سلوك ويلهيلم وفيلكس، كان هناك شيء واحد واضح تمامًا:

 

 

«…»

 

 

كانت بياتريس… تبكي.

«لو كنتُ أقوى… لو كنتُ أذكى… لو كنتُ رجلًا يستطيع فعل المزيد… لما اضطر أحد إلى المعاناة، أو الحزن، أو المرور بتلك الأوقات الصعبة…»

 

 

 

كان من الأفضل لو امتلك سوبارو القوة الكافية لحمل كل شيء على عاتقه وحده.

 

 

لم يعرف روزوال أن الموت هو الشرط الذي يُفعِّل قدرة سوبارو، لكنه علم أن سوبارو يمر بدورات متكررة. ليس واضحًا ما إذا كان قد أدرك ذلك منذ وصول سوبارو إلى الملجأ أو قبل ذلك بكثير، لكن ما كشف له الحقيقة لا بد أن يكون الكتاب السحري الذي يمتلكه؛ كتاب المعرفة.

حزن إميليا، وحدة بياتريس، المصائب التي حلت ببِيترا وفريدريكا، تهديد الأرنب العظيم، وغارفيل الذي كان يحمي بشدة شيئًا ما… كان يجب أن يتمكن من فعل… شيء.

 

 

بكلمات متسارعة، وبرعب ينبع من أعماق جسده المرتعش، أقرَّ سوبارو بجرائمه.

كل شيء، كل ما حدث، كان خطأ سوبارو وحده.

«—تأمل الحاضر المجهول.»

 

بصوت مختنق، وبأنين ضعيف ومتهالك، تهاوى سوبارو تمامًا.

ولهذا السبب، كان عليه أن يدفع ثمن ضعفه بانتقاص عمره. —هكذا اعتقد… ومع ذلك…

وبذلك، لن تعرف إميليا أبدًا سبب تفانيه من أجلها.

 

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان ذلك عزاءً حقيقيًا لمَن تبقَّى خلفه؟

«هل أنقذتُ… أحدًا…؟»

بدت تلك الحياة التي عاشها سوبارو كأنها قدَّمت له أقسى المصائر وأشدها عبثية. وكأنها، بتصميم متعمد، رتَّبت إميليا، وبياتريس، وحتى إلزا وروزوال، في أقوى تكوين ممكن.

 

«…سو…بارو؟»

«سوبارو.»

«هـ-هذا… ليس ما كان ينبغي أن يحدث…»

 

لم يكن حتى باك، بقوته الحقيقية المطلقة، قادرًا على زعزعة الهدوء الذي ارتسم على وجه راينهارد. بضربة واحدة من سيف التنين، كان بإمكان قديس السيف أن يشطر هذه الروح إلى نصفين.

«إذا كانت تلك العوالم قد استمرت بعد موتي… كم مرة تركت الجميع ليموتوا؟»

«…»

 

«بلى، هو كذلك. لماذا ريم هنا؟ لماذا تغفر لسوبارو؟ لماذا تحتضنه؟ لأن ذلك هو الجواب على كل شيء.»

«سوبارو.»

 

 

«أظن أنه كان ليفضل أن تكوني أنتِ مَن يفعل ذلك، لا أنا. على الأقل، يجب أن يتم ذلك بيدكِ.»

«كم مرة… جعلتكِ تموتين؟ كم مرة… عليَّ أن أقتلكِ؟»

 

 

لكن بكاءها كان عبثًا. جسد سوبارو الملطخ بالدماء، الملقى على بطنه فوق السرير، لم يتحرك حتى ولو بمقدار أُنملة.

بكلمات متسارعة، وبرعب ينبع من أعماق جسده المرتعش، أقرَّ سوبارو بجرائمه.

 

 

تاه وعي سوبارو وسط هذا التعقيد، غير قادر على فك ألغاز هذه المشاعر المختلطة. لكن من سلوك ويلهيلم وفيلكس، كان هناك شيء واحد واضح تمامًا:

أراد أن يُخرج كل شيء، أن يكشف عن كل ما يثقل قلبه في تلك اللحظة. قبل أن يستنزف عقله بالكامل، احتاج إلى شخص بجانبه… شخص يستحق أن يحكم على خطاياه.

 

 

«…»

لقد قرر في قلبه ألَّا يخطئ بعد الآن، ومع ذلك، كان يسير في طريق خاطئ منذ أول خطوة. أراد لذلك الأحمق الذي لا أمل في خلاصه أن يُعاقب.

 

 

 

«—سوبارو.»

 

 

 

«—آه.»

«نعم، أنا ريم. خادمة سوبارو المخلصة والمتفانية في كل شيء.»

 

«معاملة خشنة، لكن على الأقل أعادتك إلى وعيك. —سلطة ”العروسه عديمة الوجه“ من كارميلا تجعل ضحاياها ينسون كيفية التنفس، وفي النهاية، تجعل قلوبهم تنسى كيف تنبض.»

—ومع ذلك، فإن سوبارو، الذي كان يتوق إلى العقاب، لم يُمنح سوى عناقٍ لطيف يعجُّ بالغفران.

كانت النتيجة واضحة. مات سوبارو هناك.

 

 

«ري…م.»

كانت بياتريس… تبكي.

 

«أحبك يا سوبارو. لهذا السبب، كل شيء بخير.»

«لا بأس، لا بأس يا سوبارو.»

قال سوبارو بحدة: «سأُريك ضعفي. سأريك عيوبي. وسأريك أيضًا كم أنا شخص حقير لا يُرجى إصلاحه. لكن الشيء الوحيد الذي لن أريك إياه هو أنني أستسلم.»

 

 

«ما الذي… لا بأس به؟ لا يمكن أن…!»

‹توقَّف… توقَّف… توقَّف توقَّف توقَّف توقَّف توقَّف توقَّف توقَّف توقَّف تــو…قَّــ…ف، أرجوك، توقَّف…›

 

 

لم يُنجز سوبارو شيئًا. ولا حتى أمرًا واحدًا.

 

 

كانت عيناها الورديتان تتأملان جثة سوبارو وبياتريس الواقفة بجانبه. لم تعبأ رام بالأوساخ التي لوَّثت طرف تنورتها، وحدَّقت في الجسد المحطم قبل أن تنطق بكلمة واحدة:

كان هناك كثيرون لا يمكن إنقاذهم إلا إذا أنقذهم سوبارو. وكثيرون كانت نهاياتهم المفجعة تنتظرهم. حتى ريم… كان يجب على سوبارو إنقاذها.

 

 

أمام هذه القوة الهائلة، نهض الوحش الكبير على قوائمه الأمامية، مُجبرًا جسده على الوقوف، عاضًا على أنيابه.

كانت هي وحدها من يحق لها لوم ناتسكي سوبارو -ذلك الأحمق الضعيف غير الكافي- على فشله.

همس يوليوس بهذه الكلمات المؤلمة، ثم صرف نظره عن وجه سوبارو الميت.

 

«ولم تكن لتخبرني بالتخلي عن كل شيء وتركه على عاتق ريم.»

«أنتِ… كان يجب أن تكوني…!»

 

 

«روزوال، لن أصبح مثلك.»

«—أحبك.»

كان هناك فارق شاسع في الكتلة بين الوحش الكبير والشاب؛ بين باك وراينهارد.

 

بينما استمرت إميليا في البكاء والنحيب، اندفع شخص ما إلى الغرفة بصوت حاد.

بمجرد أن لامست جبينها جبينه، همست بحبها بهدوء.

كان قد شعر بالفخر لتحقيق أفضل بداية حتى ذلك الحين، ولكن إن كان انهيار إميليا هو النتيجة…

 

 

«…»

غمر الغضب رؤيته، وأراد أن يجعل الفتاة الواقفة أمامه تدفع الثمن. الشعور بالغضب كان يحرق صدره كأنه نار مشتعلة، وصوته الخشن خرج من رئتيه المحترقتين من شدة الانفعال. ضاق ذرعًا بها.

 

 

أُغلقت كلماته تمامًا. لم يتمكن من قول… شيء.

 

 

 

من تلك المسافة القريبة، كانت عيناها الزرقاوان الفاتحتان، المملوءتان بحب خالص، تحاولان إغراق سوبارو بلطفها.

«…»

 

 

«أحبك يا سوبارو. لهذا السبب، كل شيء بخير.»

 

 

 

«هذا… ليس جوابًا…»

مالت برأسها الصغير، وشعرها الأزرق يهتز بخفة، وهي تحاول بصعوبة أن تصوغ كلماتها المتقطعة.

 

 

«بلى، هو كذلك. لماذا ريم هنا؟ لماذا تغفر لسوبارو؟ لماذا تحتضنه؟ لأن ذلك هو الجواب على كل شيء.»

 

 

 

بذراعين قويتين، احتضنت ريم، بابتسامة ساحرة، سوبارو بإحكام، حتى استطاع أن يشعر بأنفاسها القريبة.

 

 

بصوت مختنق، وبأنين ضعيف ومتهالك، تهاوى سوبارو تمامًا.

لم يتمكن من الحركة. لم يستطع حتى أن يرتعش. كانت ذراعا ريم قويتين، قويتين إلى حد جعله عاجزًا تمامًا.

«غاه…!!»

 

كان ضعفه هو السبب في كل مرة سابقة، والسبب في أن…

«لقد مررت بأوقات صعبة حقًا، أليس كذلك يا سوبارو؟»

 

 

 

«…»

 

 

 

«أن يتحمل شخص واحد كل هذا الألم… لا بد أنه كان صعبًا عليك.»

 

 

إذا كان هذا هو مراد روزوال… إذا كان هذا ما تريده صفحات الكتاب السحري، فلا يمكن لسوبارو القبول بذلك.

«…»

 

 

 

«لا بأس. لم يعد عليك أن تمرَّ بالأشياء الحزينة وحدك بعد الآن.»

 

 

 

بينما كان سوبارو يحاول بشدة التماسك، كان عاجزًا عن الرد. فقد استمرت نغمة ريم الحانية، وكأنها تحاول تفكيك قيود قلبه برفق، وإذابة مشاعره المتصلبة.

 

 

 

«ريم ستتحمل كل مشاعر سوبارو بدلًا منه.»

 

 

 

«…»

بذراعين قويتين، احتضنت ريم، بابتسامة ساحرة، سوبارو بإحكام، حتى استطاع أن يشعر بأنفاسها القريبة.

 

«معاملة خشنة، لكن على الأقل أعادتك إلى وعيك. —سلطة ”العروسه عديمة الوجه“ من كارميلا تجعل ضحاياها ينسون كيفية التنفس، وفي النهاية، تجعل قلوبهم تنسى كيف تنبض.»

«ليس هناك سبب يجعلك تتحمل كل شيء وحدك يا سوبارو. دعها لريم. الآن… استرح. لا بأس أن تنام. وبعد ذلك…»

كانت تعرف أن سوبارو ضعيف، عاجز، هش لدرجة تجعله بحاجة إلى التعلق بشيء ما ليتمكن من المضي قدمًا. كان مترددًا، فاقد الثقة.

 

《١》

«…أنا… أ… أنا…»

وفيما كانت نسمة عابرة تحرُّك خصلات شعره الأحمر، ضيَّق عينيه وهو يتأمل ضوء الشمس، ورفع وجهه نحو السماء. تشدَّدت شفتاه قليلًا، ومع زفيره، همس بصوت بالكاد يُسمع—

 

 

«أرني سوبارو الذي تحبه ريم بشدة مرة أخرى.»

«من السهل الاستسلام.»

 

—هو قد تأمل الحاضر المجهول.

وضعت ريم يدها على جبين سوبارو، ونظرت مباشرة في عينيه السوداوين من مسافة قريبة.

في هذا المكان، حيث تلاقت معاناة سوبارو مع موته وعودته، اشتاق سوبارو إلى لقاء الساحرة.

 

اجتاحت الرياح العاتية الأشجار وأسقطتها كأنها أعمدة ثلج، وتحولت مساحة واسعة من الغابة إلى سهول جرداء مغطاة بالثلوج.

تردد للحظة، ثم بدأت ملامح وجهها تقترب ببطء.

وقفت إميليا متسمَّرة بجوار جسد سوبارو الهامد، وعلى مقربة منها وقف فارس آخر؛ يوليوس.

 

رأى سوبارو ”الجحيم“ مرارًا. كان مدركًا تمامًا لحقيقته.

حتى وعيه المتباطئ أدرك ما كانت تنوي فعله. تساءل عمَّا إذا كان من الصواب أن يسمح لها بذلك، أن يترك نفسه يغرق ويتلاشى ويندثر في أحضانها…

 

 

 

سواء كان ذلك صوابًا أم لا، ريم ستغفر له، أليس كذلك؟

ومع تلاشي وعيه تدريجيًا، شعر بالراحة لأن هناك مَن يُشير إلى طريق نحو مستقبل كان مغلقًا من قبل—

 

 

كان مشوش العواطف، وروحه الحائرة تبحث عن شخص يمدُّ له يد العون، وريم التي تفهم كل شيء عن سوبارو، كانت تنقذه مرة أخرى.

 

 

كانت جميع أفعال روزوال من أجل هذا الهدف. وإذا كان الأمر كذلك، فلدى سوبارو رد واحد فقط:

لسوبارو العاجز، الهش، والجاهل، كانت ريم تمنحه قوتها.

وأضاف أنه إن فعل ذلك، فسيصبح سوبارو مثله.

 

 

إذا كان التمسك بهذا العطف، الاحتماء به، والاعتماد عليه هو ما سيقوده إلى الإجابة الصحيحة، فـ…

 

 

 

لقد أنهكته الأزمات حتى لم يعد يعلم الطريق الذي يسلكه، ولا الاتجاه الذي يتوجه إليه. لذلك، فكر في الاستسلام؛ أن يتخلى عن كل شيء—

 

 

بدا مظهرها مضطربًا، وزيَّها ممزق في أماكن عدة. تعابير وجه رام، التي كانت عادةً تسعى إلى التزام الهدوء، حملت مزيجًا معقدًا من مشاعر لا تُطاق، إلى جانب غضب مشتعِل.

«من السهل الاستسلام

 

  

 

«ولكن…»  

احترم سوبارو إحساسها بالمسؤولية ونبل عزمها، لكنه علم يقينًا أنها ستفشل.

 

 

«—ذلك لا يليق بك يا سوبارو.»  

 

 

 

سمع صوتًا.

«علمت ذلك. وجب أن أعلم.»

 

إذا كان التمسك بهذا العطف، الاحتماء به، والاعتماد عليه هو ما سيقوده إلى الإجابة الصحيحة، فـ…

«—سوبارو؟»

«حينما كنتُ في مأزق لا أستطيع الخروج منه، وحين تمنيت من أعماق قلبي أن يقوم أحدٌ بشيء ما من أجلي… ظننتُ أنكِ ستكونين هناك.»

 

كان هذا بعد القضاء على بيتلجيوس روماني كونتي، كبير أساقفة خطايا الموت، وإنقاذ إميليا من قبضة طائفة الساحرة.

سمع صوت ريم يأتي من الأمام، وكأنها تسأله باستغراب.

 

 

 

إضافة إلى ذلك، وجهها الذي كان على وشك أن يقترب حتى تلتقي شفاههما، وجد نفسه محجوبًا بيد سوبارو.

 

 

 

من بين أصابعه، رأى الارتباك في عينيها الزرقاوين المترددتين. حينها قال بهدوء:

حزن إميليا، وحدة بياتريس، المصائب التي حلت ببِيترا وفريدريكا، تهديد الأرنب العظيم، وغارفيل الذي كان يحمي بشدة شيئًا ما… كان يجب أن يتمكن من فعل… شيء.

«مَن أنتِ؟»

 

 

وقفت إميليا متسمَّرة بجوار جسد سوبارو الهامد، وعلى مقربة منها وقف فارس آخر؛ يوليوس.

«…هاه؟»

 

 

 

«أسألكِ، مَن أنتِ؟»

 

 

تصرفاته في الملجأ وحتى تقديمه نفسه كقربان للأرنب العظيم في النهاية كانت جزءًا من التزامه التام بتعليمات الكتاب. دوافعه في هذا كانت مشابهة لما حرَّك أتباع طائفة الساحرة، من بيتلجيوس فما دونه.

«سـ-سوبارو، ماذا تقصد…؟ مَن؟ هذا أنا…!»

 

 

 

عندما سألها بتلك النبرة المنخفضة، هزَّت ريم رأسها بخوف، وكأنها تدافع عن نفسها.

حمل الشاب في عينيه، اللتين استحضرتا صفاء السماء الزرقاء، لمحة من الحزن الخافت وهو يحدق في الوحش.

 

 

تعمقت نظرة الألم في عينيها، وأمسكت بقميص سوبارو بتعبير يملؤه العذاب.

«…أنا… أ… أنا…»

 

«أسألكِ، مَن أنتِ؟»

وكأنُّه أراد تعميق ذلك الألم، وضع سوبارو يده على صدره، مظهرًا ضراوة تعكس روحه الجريحة.

 

 

 

كان ذلك لقاءً عابرًا ما كان يجب أن يحدث، وإنقاذًا ما كان ينبغي أن يُمنح، فقد انكشفت روح ناتسكي سوبارو بأكملها—

 

 

نعم، يوجد. الصرخة التي أطلقها هذه المرة، طلبًا للخلاص من تلك النهاية المسدودة، كانت تضاهي صرخته السابقة.

«حينما كنتُ في مأزق لا أستطيع الخروج منه، وحين تمنيت من أعماق قلبي أن يقوم أحدٌ بشيء ما من أجلي… ظننتُ أنكِ ستكونين هناك.»

 

 

 

«…»

«مَن… بحق تكونين؟»

 

يجب على سوبارو أن يكون قويًا، ولا يظهر ضعفه لأحد سوى ريم.

«حينما كنتُ عالقًا في طريق مسدود، متقوقعًا في حزني على الماضي… اعتقدت أنكِ ستأتين وتواسيني.»

«…»

 

 

«…»

 

 

 

«ظننتُ أنكِ ستستمعين إلى ضعفي، وستجعلينني أخرج كل كلماتي الدامعة، حتى أفرغ من كل شيء…»

كان مشوش العواطف، وروحه الحائرة تبحث عن شخص يمدُّ له يد العون، وريم التي تفهم كل شيء عن سوبارو، كانت تنقذه مرة أخرى.

 

 

«…»

«نوعًا ما… لكن غير صحيح… أظن. إيكيدنا تراقب المحاكمة، والمحاكمة دائمًا… تبدو كأنها حلم، لذلك… نعم.»

 

 

«… ثم ستقولين لي: انهض.»

كان ويلهيلم جاثيًا على ركبتيه، وجسده المثخن بالجراح ينحني في خزيٍ عميق.

 

كانت تجلس على كرسي أبيض أمام طاولة بيضاء في حقل من العشب، وأسندت خدها إلى راحة يدها بابتسامة ساحرة، تنضح غموضًا.

تحت تلك السماء الزرقاء الصافية، كانت تلك الكلمات هي ما همست بها ريم لناتسكي سوبارو عندما سُحق تحت وطأة اليأس.

 

 

كان ذلك الركن من العالم المحتضر يحمل بدايات النهاية، لكن ذلك الصوت لم يفتقر للحياة. وقف صاحب الصوت، شاب ذو شعر أحمر مشتعل، بجسد مرفوع ووقفة منتصبة، يواجه الوحش العملاق.

تذكَّر بكل جوارحه كيف كانت أصابعها النحيلة، ومدى دفء بشرتها حينما احتضنته بقربها، وحجم الحب الهائل الذي منحته له.

«ولم تكن لتخبرني بالتخلي عن كل شيء وتركه على عاتق ريم.»

 

«… ثم ستقولين لي: انهض.»

لهذا السبب تمكَّن سوبارو من أن يقول بثبات إن ريم التي أمام عينيه… ليست حقيقية.

«…هاه؟»

 

 

«لم تكن لتقول لي أبدًا: ”استرح الآن“.»

 

 

 

«…»

لم يعرف في تلك اللحظة أين يوجد.

 

 

«ولم تكن لتخبرني بالتخلي عن كل شيء وتركه على عاتق ريم.»

«هـ-هذا السبب… في أن الجميع… يـ-يضايقونني… حتى إيكيدنا فعلت… جعلتني أفعل هذا الشيء الفظيع… الفظيع جدًا…»

 

«—أوو».

«…»

 

 

 

«لأنها، بحبها لي، جعلتني أحب نفسي. ولأنها لطيفة معي، ولأنها تحبني. في هذا العالم، لا يوجد من هو أشدُّ صرامة معي، ولا أقلُّ تساهلًا تجاهي، من ريم!!»

بالطبع كانت كذلك؛ فهي قد اقترفت فعلًا لا يُغتفر. ومن شدَّة قلقها من تلك النظرة الصارمة، توسلت كارميلا بخوف:

 

 

نهض سوبارو بغتة، وكأن قواه عادت إليه، وصرخ، مبتعدًا عن تلك ”ريم“ الواقفة أمامه.

في مواجهة نظراته المليئة بالكراهية، مسحت الساحرة ذات الشعر الأبيض خصلاتها بهدوء.

 

لسوبارو العاجز، الهش، والجاهل، كانت ريم تمنحه قوتها.

ما زالت جاثية على ركبتيها، حدقت ريم في سوبارو في صمت، وقد بدا الحزن على ملامحها بسبب رفضه لها، وكأنها على وشك الانكسار في أي لحظة.

حتى وعيه المتباطئ أدرك ما كانت تنوي فعله. تساءل عمَّا إذا كان من الصواب أن يسمح لها بذلك، أن يترك نفسه يغرق ويتلاشى ويندثر في أحضانها…

 

 

«أنت مخطئ. أرجوك، استمع إليَّ يا سوبارو! ريم… ريم فقط لم تستطع رؤية سوبارو يتألم هكذا وأرادت مساعدته… هذا كل ما في الأمر!!»

فسر بيتلجيوس النبوءات الناقصة بنفسه وتأقلم مع الظروف المتغيرة أثناء تنفيذه لأوامر الكتاب. أما روزوال، فقد التزم بحذافير تعليمات كتابه، ولا يسمح بوجود أي تناقض معها، حتى لو تطلب الأمر تكرار الأحداث مرارًا لتحقيقها.

 

كان شعره أبيض ويرتدي زيَّ خادم أسود. هذا المكان هو قصر كروش في العاصمة الملكية، والرجل الذي وقف هناك بذهول هو ويلهيلم، ”شيطان السيف“، الذي ينتمي لهذا المكان بكل تأكيد.

قال سوبارو بحدة: «سأُريك ضعفي. سأريك عيوبي. وسأريك أيضًا كم أنا شخص حقير لا يُرجى إصلاحه. لكن الشيء الوحيد الذي لن أريك إياه هو أنني أستسلم.»

غمزت إيكيدنا وهي تتحدث.

 

 

كانت ريم قد قالت ذات يوم إن سوبارو هو بطلها.

وفجأة، وكأن أحدهم أطفأ الأنوار، انطفأ العالم الذي كان يشاهده واختفى تمامًا.

 

 

ومنذ تلك اللحظة، اتخذ ناتسكي سوبارو قرارًا—

 

 

 

—في ذلك العالم، ناتسكي سوبارو سيُظهر ضعفه لريم وحدها.

«ماذا؟»

 

«يا سيدة إميليا! هذا—»

فقط أمام ريم، التي عرفت ضعفه، لكنها آمنت بأنه سيتجاوز ذلك ليصبح قويًا، كان سوبارو على استعداد لأن يكشف عن هشاشته، بلا تردد أو إخفاء.

 

 

 

لن يُظهر ذلك لأي شخص آخر، لا لإميليا، ولا حتى لبياتريس.

 

 

 

يجب على سوبارو أن يكون قويًا، ولا يظهر ضعفه لأحد سوى ريم.

«سـ-سوبارو، ماذا تقصد…؟ مَن؟ هذا أنا…!»

 

 

«لأن هذا الضعف ملك لها. لأن ريم خاصتي هي التي تخفي ضعفي بإحكام، حتى لو شعرت برغبة في الاستسلام، لن يجد مخرجًا.»

لم تكن إميليا هناك. ولم يعُد بواسطة ”العودة من الموت“. لقد عاد مباشرةً بعد تحقق أمنيته.

 

 

«…»

كانت بياتريس… تبكي.

 

 

«اختفِ، أيتها المزيفة. لا تحاولي خداعي بوجه، وبصوت ريم التي أحبها!!»

 

 

《١٦》

صرخ سوبارو معلنًا ذلك وهو يمد قبضته نحو تلك ”ريم“ المزيفة.

بعد كل تلك الكوابيس المتكررة… هل يصح حتى تسميتها كوابيس؟ أم هي جريمته التي يتوجب عليه تقبُّلها؟

 

إذا كان هذا هو مراد روزوال… إذا كان هذا ما تريده صفحات الكتاب السحري، فلا يمكن لسوبارو القبول بذلك.

تركت كلماته الطرف الآخر عاجزًا عن الرد، فأطالت الفتاة النظر للحظة، ثم خفضت رأسها بهدوء، ووقفت بصمت—

 

 

 

«هـ-هذا… ليس ما كان ينبغي أن يحدث…»

 

 

 

مالت برأسها الصغير، وشعرها الأزرق يهتز بخفة، وهي تحاول بصعوبة أن تصوغ كلماتها المتقطعة.

 

 

 

عندما سمع سوبارو صوتها الغريب، حبس أنفاسه…

عندما أجاب الوحش بصوت هادر يملؤه الغضب، هزَّ الشاب رأسه قليلًا وأمسك بمقبض السيف المثبَّت على وركه. كان غمده الأبيض يحمل آثار مخالب محفورة عليه، دليلًا على أنه السيف الأسطوري الذي خلَّفه التنين منذ زمن بعيد؛ سيف التنين.

 

وكأنَّ الأمر لم يكن إلا خطأً ما، همست إميليا بتساؤلها، موجهةً سؤالًا لشخصٍ لن يتمكن أبدًا من الإجابة.

«آه…؟»

كان شعره أبيض ويرتدي زيَّ خادم أسود. هذا المكان هو قصر كروش في العاصمة الملكية، والرجل الذي وقف هناك بذهول هو ويلهيلم، ”شيطان السيف“، الذي ينتمي لهذا المكان بكل تأكيد.

 

أما الوحش الهائل الذي غمرته تلك الضربة… فقد تلاشى من الوجود بلا أثر. لم يبقَ أي دليل يشير إلى الدمار، وكأن المعركة ذاتها لم تكن سوى حلم عابر.

… ثم، أمام عينيه، حدث أمر أشبه بشاشة تلفاز تعطلت لتغرق في تشويش الليل الساكن. وسط ذلك التشويش، بدأت ملامح ”ريم“ تتلاشى وتذوب تدريجيًا.

 

 

 

—وما تبقى واقفًا أمامه لم يكن سوى فتاة غريبة، لم يرها من قبل.

 

 

 

٢١

 

 

حزن إميليا، وحدة بياتريس، المصائب التي حلت ببِيترا وفريدريكا، تهديد الأرنب العظيم، وغارفيل الذي كان يحمي بشدة شيئًا ما… كان يجب أن يتمكن من فعل… شيء.

اختفت تلك التي كانت تشبه ريم في مظهرها فحسب، وظهر مكانها وجه فتاة غريبة.

 

 

في أعماق ذهنه، عادت إليه تلك اللحظة قبل العودة بالموت، عندما وضعت إميليا سوبارو المحتضر على حجرها، ولم تدرك خسارته وهي تطبع قبلة على شفتيه.

كانت الفتاة ذات شعر طويل وردي فاتح، تنبعث منها هالة من الهشاشة. وجهها كان شديد الرقة، لكن ما أضفى عليها جاذبية لم يكن الجمال البارز، بل تلك البراءة اللطيفة غير المعتادة.

 

 

 

التفَّ وشاح حول عنقها، طويلًا إلى حد أن نهايته بدت تلامس الأرض، متناغمًا مع ملابسها البيضاء ذات الأكمام التي غطتها حتى معصميها. من هذا، استنتج سوبارو أنها شديدة التحفظ في كشف بشرتها.

 

 

 

في الواقع، حين وقعت عيناه عليها، خفضت الفتاة رأسها وكأنها تخشى نظرات الرجال.

 

 

لم تكن إميليا هناك. ولم يعُد بواسطة ”العودة من الموت“. لقد عاد مباشرةً بعد تحقق أمنيته.

«مَن… بحق تكونين؟»

《١١》

 

 

«أنا… كارميلا؟… سـ-ساحرة الشهوة… تـ-تشرفت بلقائك…»

«إذًا هذا هو سبب سعيك لتدمير هذا العالم؟»

 

 

حين أعطت الفتاة -كارميلا- إجابتها، شعر سوبارو بنفسه يحبس أنفاسه بلا وعي.

 

 

 

لم يكن الأمر غير متوقع تمامًا بالنظر إلى الظاهرة الغريبة التي عاشها—

 

 

 

«هل هذه المساحة العبثية… حلم إيكيدنا؟»

وبينما عُرضت أمامه عوالم منتهية، الواحد تلو الآخر، لم يكن بوسع سوبارو إلا أن يستلقي على الأرض بلا حراك.

 

وبحثًا عن المستقبل الأمثل، عقد العزم على اجتياز ذلك الجحيم مهما تكرر.

«نوعًا ما… لكن غير صحيح… أظن. إيكيدنا تراقب المحاكمة، والمحاكمة دائمًا… تبدو كأنها حلم، لذلك… نعم.»

 

 

«السيد سوبارو… أعذرني… أنا آسف للغاية!»

«…»

 

 

 

أكدت كارميلا تكهناته بأدب، لكن النظرة التي رمقها بها سوبارو كانت حادة.

 

 

 

بالطبع كانت كذلك؛ فهي قد اقترفت فعلًا لا يُغتفر. ومن شدَّة قلقها من تلك النظرة الصارمة، توسلت كارميلا بخوف:

/////

 

كان سوبارو، الذي أراد إنقاذ الآخرين، هو مَن تخلَّى عنهم في نهاية المطاف.

«تـ-توقف… لا تضربني…»

افتقار جسده للحم والدم ولَّد نوعًا جديدًا من التشوش، لكن باستحضار مفهوم التنفس العميق في ذهنه، حاول استعادة هدوء مصطنع في داخله.

 

 

«لن أضربك. لن أفعل… لكن ماذا كنتِ تحاولين فعله قبل قليل؟»

 

 

الجثة الميتة لا تملك آذانًا تسمع بها، ولا فمًا يردُّ به على أي تساؤل. ووعي سوبارو، الغارق في توبيخ نفسه على جريمته، لم يملك أي قدرة على التدخل في هذا العالم.

«قـ-قبل قليل؟»

 

 

إذا كان هذا هو مراد روزوال… إذا كان هذا ما تريده صفحات الكتاب السحري، فلا يمكن لسوبارو القبول بذلك.

«أن تقفي أمامي وأنتِ تبدين كأنكِ ريم! هل هذه هي قدرتكِ؟!»

رفع عينيه نحو السماء التي تلونت بألوان الغروب، وغشى الحزن عينيه، وهمس بصوتٍ ضعيف:

 

«أرني سوبارو الذي تحبه ريم بشدة مرة أخرى.»

مع كارميلا، كان هذا خامس لقاء يجمع سوبارو بالساحرات اللواتي يحملن ألقاب الخطايا المميتة. وبما أن لكل ساحرة منهنَّ سلطة فريدة من نوعها، فقد خمَّن أن التحول الذي شهدته قد يكون إحدى تلك السلطات. ومع ذلك—

 

 

وبذلك، لن تعرف إميليا أبدًا سبب تفانيه من أجلها.

«التنكر بهيئة الآخرين يبدو أمرًا بسيطًا مقارنةً بقدرات الساحرات الأخريات.»

«—إذا استمررتَ أكثر، فستكون حياتك في خطر.»

 

غمر الغضب رؤيته، وأراد أن يجعل الفتاة الواقفة أمامه تدفع الثمن. الشعور بالغضب كان يحرق صدره كأنه نار مشتعلة، وصوته الخشن خرج من رئتيه المحترقتين من شدة الانفعال. ضاق ذرعًا بها.

«أ-أنا لم أتحول…؟ عـ-عندما ينظر إليَّ أحدهم، فإنَّ ذلك… يـ-يحدث… لأنك كنت تنظر إليَّ؟»

 

 

 

«ماذا؟»

لم يعرف ما الذي حدث. فقدانه للوعي جاء فجأة، ولم يلبث أن وجد نفسه مستيقظًا دون سابق إنذار.

 

 

ما الهدف الذي يدفع روزوال إلى اللجوء إلى هذه التطرفات؟  

 

 

«أ-أنا… لم أكن أريد فعل ذلك، لكن إيكيدنا… كـ-كذبت عليَّ…»

غمر هذا النداء قلب سوبارو الجاف بحنان عائلي وشغف حقيقي، كأنما يطفئ عطشه العاطفي.

 

أدرك سوبارو تمامًا أي موتٍ يُعاد تمثيله في هذا العالم الجديد، الواقع بعد الجحيم. كان هذا مشهد موته بعد المعركة ضد بيتلجيوس.

حين تمتمت كارميلا بهذه الكلمات المتكسرة، أدرك سوبارو ما كان يثير غضبه منها.

 

 

 

طريقتها في الحديث، تشتت نظراتها، الهشاشة التي أبدتها حين خفضت عينيها… كل شيء فيها كان يثير حنقه. ما الذي تحاول فعله بهذه الكلمات المرتبكة وتلك النظرة المتذمرة؟

《٧》

 

 

«هل… هل أدركتِ ما كنتِ تفعلينه بي؟…»

تم تسوية الغابة المتجمدة حتى لم يتبق سوى أرض مسطحة، وكان سبب هذا الدمار وحشًا رباعي الأرجل مكسوًا بفراء رمادي طويل، يُوحي بمظهره بأنه مخلوق شبيه بالسنوريات، لكنه هائل الحجم لدرجة اضطر سوبارو إلى رفع رأسه للنظر إليه.

 

 

«إيكيدنا… قالت إن تدليلك سيكون أمرًا جيدًا، لكن… لـ-لا…»

《١١》

 

 

«—!! استمعي إليَّ!!»

 

 

لكن بكاءها كان عبثًا. جسد سوبارو الملطخ بالدماء، الملقى على بطنه فوق السرير، لم يتحرك حتى ولو بمقدار أُنملة.

«هـ-هذا السبب… في أن الجميع… يـ-يضايقونني… حتى إيكيدنا فعلت… جعلتني أفعل هذا الشيء الفظيع… الفظيع جدًا…»

 

 

من بين أصابعه، رأى الارتباك في عينيها الزرقاوين المترددتين. حينها قال بهدوء:

«هل سمعتني حينما قلت لك استمعي—؟!!»

«ما الذي… لا بأس به؟ لا يمكن أن…!»

 

فقدت قدرتها على الاعتماد على باك، تحمَّلت الضغوط المتزايدة من حولها، وغياب كلمات سوبارو المطمئنة دفع عقلها إلى حافة الانهيار.

غمر الغضب رؤيته، وأراد أن يجعل الفتاة الواقفة أمامه تدفع الثمن. الشعور بالغضب كان يحرق صدره كأنه نار مشتعلة، وصوته الخشن خرج من رئتيه المحترقتين من شدة الانفعال. ضاق ذرعًا بها.

ومع ذلك، حتى في تلك اللحظة التي تجلَّت فيها هشاشته على نحو مكشوف، لم يتسلل أدنى احتقار من صوتها. لم تفقد إيمانها به أبدًا.

 

«أليس واضحًا؟ أفعال شريرة. أنا ساحرة، كما تعلَم.»

أراد أن يُسكتها بالقوة، تلك الفم المرتجفة التي تواصل بثَّ الكلمات الباكية، وأن يصبَّ غضبه عليها حتى تفهم ما فعلته—

 

 

«نوعًا ما… لكن غير صحيح… أظن. إيكيدنا تراقب المحاكمة، والمحاكمة دائمًا… تبدو كأنها حلم، لذلك… نعم.»

«—إذا استمررتَ أكثر، فستكون حياتك في خطر.»

 

 

الصوت الهادئ الذي تردد في أذنيه بدا وكأنه يهدئ أعصابه، مما جعله يتنفس ببطء ونبضه يستقر تدريجيًا.

«…»

 

 

 

في تلك اللحظة، ذلك الصوت الهامس في أذنه أعاده إلى رشده.

 

 

ولهذا السبب، كان عليه أن يدفع ثمن ضعفه بانتقاص عمره. —هكذا اعتقد… ومع ذلك…

«آآغه…؟»

 

 

 

فجأة، هاجمه ألم اختناق حاد، حيث تذكر جسده بعد غياب طويل كيف يتنفس من جديد، وبدأ قلبه ينبض بعنف كأنه يحاول إعادة ضخ الدم في عروقه.

«كاذب! كاذب! سوبارو… أنت كاذب! كاذب—!!»

 

 

«إيهاه، نغه… غواغ، هاغه…!»

 

 

 

«معاملة خشنة، لكن على الأقل أعادتك إلى وعيك. —سلطة ”العروسه عديمة الوجه“ من كارميلا تجعل ضحاياها ينسون كيفية التنفس، وفي النهاية، تجعل قلوبهم تنسى كيف تنبض.»

«أن تقفي أمامي وأنتِ تبدين كأنكِ ريم! هل هذه هي قدرتكِ؟!»

 

ولكنه لم يستطع ذلك.

بينما كان سوبارو يتلوى ويسعل، حاول استعادة وعيه وسط ومضات بيضاء وحمراء في ذهنه.

 

 

 

الصوت الهادئ الذي تردد في أذنيه بدا وكأنه يهدئ أعصابه، مما جعله يتنفس ببطء ونبضه يستقر تدريجيًا.

 

 

«—إذا استمررتَ أكثر، فستكون حياتك في خطر.»

هل أنقذه ذلك الصوت؟ وإن كان كذلك، هل ينبغي أن يقبل بذلك بأدب؟

«أ-أنا… لم أكن أريد فعل ذلك، لكن إيكيدنا… كـ-كذبت عليَّ…»

 

—هو قد تأمل الحاضر المجهول.

مع تصاعد هذا التفكير في ذهنه، رفع سوبارو وجهه بينما كان يجثو على يديه وركبتيه. نظر مباشرة إلى مَن كانت جالسة أمامه، تلك التي تسببت في كل ما حدث.

«—سوبارو؟»

 

 

«ما الذي كنتِ تخططين له… إيكيدنا؟»

 

 

همس يوليوس بهذه الكلمات المؤلمة، ثم صرف نظره عن وجه سوبارو الميت.

في مواجهة نظراته المليئة بالكراهية، مسحت الساحرة ذات الشعر الأبيض خصلاتها بهدوء.

«هـ-هذا السبب… في أن الجميع… يـ-يضايقونني… حتى إيكيدنا فعلت… جعلتني أفعل هذا الشيء الفظيع… الفظيع جدًا…»

 

 

كانت تجلس على كرسي أبيض أمام طاولة بيضاء في حقل من العشب، وأسندت خدها إلى راحة يدها بابتسامة ساحرة، تنضح غموضًا.

وقد تلاشت كل تعابير وجهها، بدت بياتريس وكأنها شاردة، فيما استمرت قطرات الدموع في الانهمار.

 

كان ويلهيلم جاثيًا على ركبتيه، وجسده المثخن بالجراح ينحني في خزيٍ عميق.

«أليس واضحًا؟ أفعال شريرة. أنا ساحرة، كما تعلَم.»

«…»

 

 

غمزت إيكيدنا وهي تتحدث.

 

 

 

 

تلاشى همس يوليوس بين أشجار الغابة بلا جدوى.

 

 

/////

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

لم يكد الدم يسيل، إذ حملت الطعنة المميتة بصمة مهارة فائقة. لكن قطرات من ذلك الدم القليل علقت بردائه الأبيض، شاهدة على الجريمة التي اقترفها الفارس.

اختفت تلك التي كانت تشبه ريم في مظهرها فحسب، وظهر مكانها وجه فتاة غريبة.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن أداء الصلوات فى أوقاتها، و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

اشترك الان من هنا. ولا مزيد من الإعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط