Switch Mode

هذا المحتوى ترفيهي فقط ولايمت لديننا بأي صلة. لا تجعلوا القراءة تلهيكم عن صلواتكم و واجباتكم.

ري زيرو: بدء الحياة في عالم أخر من الصفر 1

1 - رحلة الذكريات.

1 - رحلة الذكريات.

١

«أوه… أ-أنا كنت فتاة مطيعة؟ نعم، نعم، كنت مطيعة جدًا.»

 

 

اجتاحت الذكريات عقلها بعنف.

 

 

«ياااه!! أمي! جيوس! لماذا لا تلاحقاني؟!»

بدا وكأن البداية كانت بعيدة، بعيدة جدًا.

 

 

 

«—آسفة. أنا آسفة جدًا

ما سمعته في الساحة اليوم يجب أن يبقى سرًا. فقد أدركت أن الختم مهم جدًا، وبدأت تتيقن أن الختم يعني مكانًا مخفيًا.

 

«هل تعتقدين أن هذا التعاطف الشفَّاف سيغير رأيي فيكِ؟ كم أنتِ ساذجة حقًا.»

صوت غارق في البكاء كان يعتذر.

رمشت إميليا الصغيرة بعينيها الواسعتين مرارًا، وهي تنظر إلى الباب الغامض الذي يقف أمامها.

 

 

كان الصوت معذَّبًا بالحزن، يتوسل المغفرة تحت وطأة إحساس لا يُحتمل بالذنب.

 

 

حتى في تلك المرحلة من طفولتها، كانت ملامح جمالها الاستثنائي قد بدأت تتفتح— جمال سيجعلها حين تكبر قادرة على إبهار الناس بابتسامة واحدة. أما الآن، فقد استخدمت إميليا جزءًا صغيرًا فقط من تلك الجاذبية الطفولية في إقناع صديقتها الباهرة.

«لماذا؟» تذكَّرت أنها سألت ذاك الصوت.

 

 

 

«—لأنني تركتك وحيدة تمامًا.»  

أهم من إهانات إيكيدنا -وأهم من لقاء ذاتها الطفولية- كان الشخص الآخر الذي كان في الغرفة.

 

لم يكن هذا الثلج. هنا، بدت الأشجار بكل ما فيها -من أوراق وفروع إلى جذور- ناصعة البياض.

«هل فعلتِ؟»

تلاشت كل التساؤلات التي دارت في ذهن إميليا فور سماعها كلمات فورتونا. قفزت بسرعة من الشجرة وكادت أن تتعثر، لتتجه مسرعة عائدة إلى غرفة الأميرة.

 

تلاعبت إيكيدنا بشفتيها باشمئزاز، لكن إميليا، التي أدركت أن ”هو“ المقصود هو ناتسكي سوبارو، نفخت صدرها قليلًا بشعور طفيف بالفخر.

«—لأنني طوال هذا الوقت لم أتمكن من العثور عليكِ.»  

دون أن تدرك أن أمها كانت قلقة بشأن أصدقائها غير المرئيين، نادت إميليا عليهم برفق. وفي اللحظة ذاتها، تدفقت أضواء لا حصر لها من حولها، مما جعل فورتونا وجيوس يحدِّقان بدهشة.

 

هزت إميليا رأسها نافية الاتهام بأنها تبحث عن أعذار. أثارت كلماتها انزعاج إيكيدنا، التي قطبت حاجبيها بامتعاض. وفي تلك اللحظة، انحسرت الأعشاب تحت أقدامهما، وخرجا من أعماق الغابة التي سارا فيها طويلًا.

«لكني هنا، أليس كذلك؟»

 

 

 

أرادت أن تقول لذلك الصوت الباكي شيئًا.

 

 

«—سيدي رئيس الأساقفة روماني كونتي، هل أنت مستعد؟»

أرادت أن تشرح له أنه لا داعي للاعتذار أو الحزن. لهذا السبب، بدلًا من تلك الكلمات، هناك شيء كانت تريد أن تعرفه:

برفَّة خفيفة من أذنيها الطويلتين، شدَّت إميليا سمعها لتلتقط أجزاء من الحوار الذي دار بين فورتونا وجيوس. ورغم قدرتها على سماع الكلمات، لم تفهم معناها تمامًا، لكنها شعرت بشيء من المودة في الابتسامة الحزينة التي علت وجه والدتها.

 

كان قد نقش عبارات تشجيع ومشاعر لا تحصى على جدران القبر لتدعمها في مواجهتها للمحاكمة. تلك الكلمات التي رافقتها هي ما أوصلها إلى هذه المرحلة.

«ما هو… اسمك؟»

كان صوت الساحرة، الوحيدة التي تعيش الزمن كما تعيشه إميليا في هذا العالم من الذكريات.

 

«—لأنني طوال هذا الوقت لم أتمكن من العثور عليكِ.»  

«اسمي هو…»  

 

 

رأت نفسها وهي طفلة صغيرة، تميل برأسها ببراءة بينما تحدق في الباب الغامض.

في الماضي، رأت هذا الحلم مرارًا وتكرارًا.

شعره أبيض لا طويل ولا قصير، وبشرته شاحبة لا تحمل أدنى أثر للشمس. ارتدى ثيابًا ناصعة البياض، لم تخالطها أي ألوان أخرى، وكأن جسده يرفض أي تدخل خارجي من الألوان.

 

 

انتهى الحلم دائمًا بابتلاع الضوء له، يتكرر مرة بعد أخرى، دون أن تسمع يومًا ما يلي تلك الكلمات—

 

 

«—آسفة. أنا آسفة جدًا.»

بالنسبة إليها، كان معرفة نهاية ذلك الحلم والعثور على عائلتها بمثابة البداية لكل شيء.

 

 

أمامها، كان ضوء فوسفوري خافت ينساب بخفة. وما وراءه—

—لكن الذكريات التي عادت إليها اليوم امتدت إلى ما قبل تلك الروابط المتجمدة.

أحالت تلك الكلمات مشاعر فورتونا إلى جليد، مما زاد من حذرها. غير أن الفتى خفض كتفيه بنبرة مُحبطة، متأملًا بعين السخط نظرات العداء الموجهة إليه.

 

 

قليلًا قليلًا، بدأت تتبع آثار ماضيها، تتوغل أعمق فأعمق في ذكريات كانت محبوسة في قلبها—

«بدلًا من طرح الأسئلة بلا نهاية، لماذا لا تحاولين استخدام عقلكِ مرة واحدة؟ أم أن هذا كثير عليكِ، وأنتِ الطفلة المدللة التي اعتادت الحصول على كل ما تريد؟»

 

 

٢

 

 

 

وسط الأشجار العالية، سارت إميليا بهدوء في ممر بالكاد يظهر، محمَّلة بشعور راسخ بأنها كانت هنا من قبل.

 

 

«إميليا، هل كنتِ فتاة مطيعة اليوم أيضًا؟»

بينما كانت تخطو فوق السجاد الأخضر، حرصت على تجنُّب الأزهار المختبئة في ظلال الأشجار وهي تتقدم. شعرت بصلابة الأرض تحت قدميها، فمالت برأسها في حيرة، إذ تسلَّل إلى قلبها إحساس غريب.

في الأصل، كانت فورتونا قد منعتها من دخول هذا الجزء من الغابة، ولهذا لم تكتشف الختم لفترة طويلة. ‹أمي ذكية للغاية.›

 

في تلك الحالة، حتى لو التقت شخصًا كان عليها أن تتذكره بطريقة ما، كانت الذكريات المختومة ستمنعها من استيعاب ما يجري، لتبقى فقط في دوامة من الألم والأسى— كل ذلك لحماية قلب إميليا من ذكرياتها.

بعد كل شيء، كان هذا عالمًا خياليًا، حلمًا يستند إلى ذكريات وطن عالق في أعماق عقل إميليا.

 

 

وفي أثناء حديثهما عن إميليا، ردَّ جيوس بإجابة ناعمة جعلت فورتونا تتجمد في مكانها، وكأن كلماته قد تسللت عبر فجوة في درعها. عندها، احمرَّت قليلًا وهي تحدق به بنظرة غاضبة لكن مرتبكة.

«ولكني أستطيع أن أشمَّ الرياح وأشعر بالأرض هنا… الأمر غريب جدًا، هاه؟»

 

 

«لكن… ربما لم أكن لأتمكن من قبولها حتى وقت قريب.»

«…»

 

 

«هاه؟ آه، فهمت.»

«إيكيدنا؟ هل تسمعينني؟ …آه!»

 

 

لكن بعيدًا عن تلك اللحظات العاصفة، كانت ترى فورتونا أمًا مثالية. حتى نظراتها الحادة، بالنسبة لإميليا، نبضت بدفء وحنان.

استدارت إميليا لتتفقد الساحرة عندما لم تتلقَّ أي إجابة. وعندما التفتت، رأت الساحرة الجميلة ذات الشعر الأبيض الكثيف تتأخر خلفها، وهي تكافح للمضي قدمًا عبر الغابة.

دون أن تدرك أن أمها كانت قلقة بشأن أصدقائها غير المرئيين، نادت إميليا عليهم برفق. وفي اللحظة ذاتها، تدفقت أضواء لا حصر لها من حولها، مما جعل فورتونا وجيوس يحدِّقان بدهشة.

 

«أفترض أن تلك الطفلة هي أنتِ. رغم أنها لا تعرف شيئًا عما ينتظرها، فإن ملامحها الطفولية الخالية من الهموم تجعلني أرغب في التنهد.»

كانت إكييدنا تستند إلى شجرة، وتمدُّ يدها إلى الأمام بينما يعيقها طول فستانها. عندها، هرعت إميليا نحوها بقلق.

«آه!»

 

 

«أنا آسفة، هل أنتِ بخير؟ هل سرت بسرعة كبيرة؟»

«…أفهم… إذًا هذا هو المعنى.»

 

أخذت إميليا نفسًا عميقًا، ثم تقدمت نحو الشخص الآخر بخطوات حذرة. ما إن وقفت أمامه، حتى رفعت نظرها نحو الشخصية التي كانت تتحدث إلى طفولتها— إلى امرأة جان ذات ملامح أنيقة وآذان أطول قليلًا من آذان البشر.

«هل تعتقدين أن هذا التعاطف الشفَّاف سيغير رأيي فيكِ؟ كم أنتِ ساذجة حقًا.»

بدت تمثيلية إميليا ناجحة، فقد انخدعت فورتونا على ما يبدو. ورغم إحساس خفي بالذنب بدأ يتسلل إلى قلبها، أصرت إميليا على الصمود، مذكرة نفسها بأنه لا مجال للتراجع الآن.

 

«أنا أحد أعضاء طائفة الساحرة، رئيس أساقفة الخطايا السبع الذي أُسند إليه ”الجشع“— ريغولوس كورنياس.»

رفعت الساحرة -إيكيدنا- وجهها وأزاحت شعرها الأبيض الثلجي عن وجهها، ووجهت لإميليا توبيخًا مباشرًا. انفجرت إميليا في نفخ وجنتيها، منزعجة من نبرة إيكيدنا الساخرة.

 

 

—كانوا هناك ليستقبلوا إميليا بحنان حين عادت إلى وطنها الذي كان يقطن ذاكرتها.

«مهلًا، هل هكذا تتحدثين مع مَن يشعر بالقلق عليكِ؟ إذا كان حذاؤكِ لا يصلح للسير هنا، قد يكون من الأفضل أن تمشي حافية القدمين. عشب الغابة ناعم، لذا لن تواجهكِ مشكلة.»

«هذا ليس عدلًا! انتظر! انتظر!»

 

في أثناء سيرها في المسار غير المألوف، توقفت فجأة عندما بدأت الجنيات تومض بغير انتظام، متناثرة عبر مجال رؤيتها قبل أن تنجرف نحو غابة كثيفة على جانب الطريق.

«… هل يمكنكِ أن تكوني أكثر خطأ؟ قلقكِ لا لزوم له إطلاقًا. كل ما في الأمر أنني غصت في الحلم قليلًا أكثر من اللازم. ضبط الأمر سيستغرق لحظة فقط— مثل هذا.»

عندما لمست إميليا ذلك الضوء الشاحب، شعرت بالدفء وهو يشفي الجروح والخدوش التي غطت جسدها. وفي ثوانٍ قليلة، اختفت العلامات دون أثر. بقيت مشكلة الطين، لكن إذا وجدت حلًا لذلك، فستكون في أمان.

 

 

«واو.»

 

 

—كان على إميليا أن تقبل المحاكمة القادمة بكل ما تحمله.

خلعت إميليا حذاءها كمحاولة للمساعدة، لكن إيكيدنا اكتفت بابتسامة باردة. وضعت الساحرة يدها على شجرة قريبة، ليعبر كفها عبر جذعها السميك وكأنه غير موجود. وبطريقة مشابهة، راحت قدماها تنغمس في الأرض العشبية التي سببت لها معاناة قبل قليل.

عندما هدأ جيوس أخيرًا، توجها معًا حيث كانت والدتها. والآن عليها أن تخبر والدتها بكل شيء— عن لقائها بجيوس، وعن مغامرتها في أعماق الغابة، وعن كيف بكى جيوس كطفل صغير رغم كونه رجلًا بالغًا.

 

«ماذا—؟!»

اتسعت عينا إميليا، مندهشة من هذا الخرق الواضح لقوانين الطبيعة.

 

 

«ماذا هناك؟»

«بالنسبة لأسئلتكِ غير المهذبة السابقة، فإن وصف هذا المكان بعالم الحلم ليس سوى تعبير مجازي. على وجه الدقة، هذا بُعد يمكن وصفه على نحو أدق بأنه مستوى بديل من الوجود يسكن داخل العقل، يُعيد عرض ذكريات الشخص الذي يخضع للمحاكمة. ولأنه يعيد تكوين تجاربكِ، ألا يبدو طبيعيًا أن تكون للمكان ألوان وأشكال وطعم؟»

 

 

بدت في حديثهما نبرة احترام، لكن اختلط بها شعور خفي من الحسد. ورغم هذا، لم يظهر بينهما الكثير من الألفة، إذ بدا حديثهما رسميًّا ومتباعدًا.

«لا أفهم تمامًا، لكن… هل يعني هذا أنني لو بدأت بإثارة الفوضى هنا، ستتدمر الغابة؟»

«هـ… هـذا صحيح؟ لكن إن كان ذلك في مصلحة السيدة إميليا، فأنا… أنا…!»

 

 

«إنها فكرة تنم عن عقلية ساحرة همجية. ومع ذلك، ما تتخيلينه غير ممكن. فأنتِ الآن كيان نصفه خارج هذا العالم، مما يعني أنكِ غير قادرة على التدخل بشكل كافٍ للتأثير فيه، ولا يمكنكِ أيضًا التواصل مع الأشخاص داخل الذكرى. ولو كان بإمكانكِ ذلك، لأصبحت المحاكمة ذا طبيعة مختلفة.»

 

 

 

«هممم… وما الذي ستكون عليه تلك الطبيعة؟»

 

 

 

«بدلًا من طرح الأسئلة بلا نهاية، لماذا لا تحاولين استخدام عقلكِ مرة واحدة؟ أم أن هذا كثير عليكِ، وأنتِ الطفلة المدللة التي اعتادت الحصول على كل ما تريد؟»

 

 

«أ-أطلب معاملة لطيفة كأسير بين يديك…»

أطلقت إيكيدنا ضحكة ساخرة واختفت تدريجيًا، تنزلق بسلاسة بين أشجار الغابة. ورغم شعورها بالسخرية بسبب جهلها، لامت إميليا نفسها، إذ أدركت أن في كلمات الساحرة شيئًا من الصواب.

أظهرت إميليا إصرارًا واضحًا، بينما بدت فورتونا وكأنها رفعت يديها مستسلمة. أما جيوس، فقد وجد نفسه عالقًا بينهما، محتارًا ومتوترًا. هذا المشهد جعل إميليا تضيق عينيها وتقول متأملة:

 

 

إذا اكتفت بطرح الأسئلة فقط، فهذا يعني أنها لا تستطيع التوقف عن الاعتماد على الآخرين. كان عليها أن تفكر بنفسها أكثر—

«نعم، إنه وعد. وعد بالغ الأهمية بيني وبين إميليا.»

 

 

«لقد فكرتُ في الأمر، لكني ما زلت لا أفهم. هل يمكنكِ إخباري بالإجابة؟»

 

 

داخل التجويف، وفي ضوء شاحب وخفيف، وقعت عيناها على قاطني الشجرة.

«…»

 

 

 

«ما الأمر؟ هل تشعرين بألم في معدتكِ؟»

«لهذا السبب—»

 

《٧》

«يا له من تصرف مزعج… إلى جانب ذلك الشخص وأصدقائي، قد تكونين الوحيدة التي تنجح في استفزاز مشاعري إلى هذا الحد، رغم أنها مشاعر نفور بحتة.»

أرادت أن تقول لذلك الصوت الباكي شيئًا.

 

وفي اللحظة التي همَّت فيها إميليا بالعودة إلى ”غرفة الأميرة“—

قالت إميليا بحسد: «إذًا حتى أنتِ لديكِ أصدقاء، يا إيكيدنا. هذا رائع جدًا.»

«عندما ترغب في معرفة اسم شخص ما، أليس من اللباقة أن تبدأ بذكر اسمك أولًا؟»

 

أصابتها تلك الكلمات في موضع مؤلم، فغطَّت إميليا فمها بيديها.

لكن كلماتها أثارت انزعاج الساحرة، التي نقرت بلسانها بضيق، إذ لم تبدُ وكأنها اعتبرت ذلك إطراء.

 

 

 

«—الندم الذي قد يظهر في المحاكمة يتخذ أشكالًا عديدة، كثيرة لدرجة يصعب معها تصنيفها.»

 

 

 

«هاه؟ آه، فهمت.»

 

 

 

«هناك لحظات في الحياة تصبح بذورًا للندم وتتجذر في قلب الشخص. وفي الوقت ذاته، يمكن أن تصبح تلك اللحظات أساسًا للعلاقات. الطريقة التي يواجه بها المرء ندمه تعتمد على الظروف المحيطة به. فهناك ماضٍ لا يمكن تجاوزه دون تكوين روابط والتحدث مع الآخرين.»

 

 

«—جيوس!»

«…أفهم… إذًا هذا هو المعنى.»

«…أفهم. هذا جيد إذًا…»

 

 

تأملت إميليا كلمات إيكيدنا بعمق.

 

 

 

بدت فكرة منطقية أن الندم لا يمكن تلخيصه في صورة بسيطة ومباشرة. على سبيل المثال، إذا كان ندم شخص ما ناتجًا عن شجار في الماضي، فإن بقاء العلاقة متوترة قد يكون سببًا في ألم لا ينتهي.

نادى عليه أحد الرجال في مؤخرة القافلة، فردَّ جوس وهو يفتح ذراعيه بحرارة:

 

«ولكني لا أريد أن أعرض صغيرتي إميليا لأي شيء قد يكون خطرًا عليها…»

حتى لو مرَّ الناس بالتجربة ذاتها، فإن الطريقة التي يتجاوزون بها ماضيهم تتباين باختلاف كل فرد.

«يا للعجب، أيتها الفتاة الصغيرة اللطيفة، هل جئتِ لزيارتـ… ها؟»

 

 

«همم، شكرًا… على الشرح… وعلى إجابتكِ عن سؤالي رغم أنكِ تكرهينني.»

 

 

كانت ملامحه عادية، بوسامة متواضعة، بلا شيء يلفت الأنظار. انطباعه العام كان أشبه بشخص يُنسى فور اختفائه وسط الزحام. لكن ذلك الانطباع بذاته كان دليلًا صارخًا على كونه كائنًا شاذًا.

«آخر ما أريده هو أن تظني أنني شخص طيب، كما قد تصفين الأمر. لم أعرف في حياتي إذلالًا أكبر من ذلك. إجابتي عن سؤالكِ ليست سوى جزء من طبيعتي.»

«أ-أرجوكِ، سيدتي فورتونا، لا تمزحي بشأن هذا…»

 

«لماذا لا تسقط بارتطام مدوٍ؟»

«أجل، أجل.»

 

 

أرادت أن تشرح له أنه لا داعي للاعتذار أو الحزن. لهذا السبب، بدلًا من تلك الكلمات، هناك شيء كانت تريد أن تعرفه:

رغم حدة كلمات إيكيدنا وبرودتها، فإن مجرد ردها على حديث إميليا كان يعني أنها لم تجد صعوبة كبيرة في التعامل معها. حتى لو كانت إيكيدنا تكره إميليا، فإن الأخيرة لم تبادلها ذلك الشعور. فهي بالكاد تعرف الساحرة معرفة تكفي لتكوين مشاعر قوية تجاهها، سواء سلبية أو إيجابية.

نفخت إميليا وجنتيها، معبرة عن استيائها من انتهاء الحديث في منتصفه. إلا أن فورتونا ضغطت بإصبعها على إحدى وجنتي إميليا، لتتسرب منها نفخة هواء صغيرة مع صوت “بُوو“.

 

 

واصل هذا الثنائي المتنافر التقدم بعمق أكبر داخل الغابة التي تستقر في ذكريات إميليا عن موطنها. كانت إميليا متأكدة أن ما ينتظرها في الأمام له صلة بالندوب التي لا تزال عالقة في قلبها.

 

 

 

«هل تتذكرين أن محاولتكِ السابقة للمحاكمة انتهت بفشل بائس ومؤلم؟»

«بدلًا من طرح الأسئلة بلا نهاية، لماذا لا تحاولين استخدام عقلكِ مرة واحدة؟ أم أن هذا كثير عليكِ، وأنتِ الطفلة المدللة التي اعتادت الحصول على كل ما تريد؟»

 

«لماذا؟» تذكَّرت أنها سألت ذاك الصوت.

«أجل، أذكر أنني كنتُ عاجزة إلى درجة لا أستطيع إنكارها.»

 

 

 

رفضت إيكيدنا أن تمشي بجانب إميليا، وواصلت التهكم عليها من الخلف.

 

 

 

كانت هذه المرة الثانية التي تحاول فيها إميليا اجتياز المحاكمة، لكن محاولتها السابقة باءت بفشل ذريع تركها تتمنى لو تختفي من شدة الخجل. والأسوأ من ذلك، أنها لم تتمكن حتى من تذكر ما حدث بالضبط.

«لماذا لا تسقط بارتطام مدوٍ؟»

 

 

إميليا لم تستطع تذكر ما رأته في المحاكمة السابقة.

—كان على إميليا أن تقبل المحاكمة القادمة بكل ما تحمله.

 

 

«ربما أغلقتُ تلك الذكريات بنفسي لأني لا أريد رؤيتها. لهذا السبب، لا أستطيع استعادتها بمفردي. حتى الآن… لست مستعدة لمواجهتها.»

«حسنًا، تعالي أيتها الجنية.»

 

 

«إذًا، لو فشلتِ مجددًا، فهل يعني ذلك أن الأمر حتمي؟ يا لها من فكرة جبانة.»

«هل تتذكرين أن محاولتكِ السابقة للمحاكمة انتهت بفشل بائس ومؤلم؟»

 

 

«لا، لم أقصد ذلك. هذا… هو الوقت الذي أبدأ فيه بالاستعداد.»

 

 

 

هزت إميليا رأسها نافية الاتهام بأنها تبحث عن أعذار. أثارت كلماتها انزعاج إيكيدنا، التي قطبت حاجبيها بامتعاض. وفي تلك اللحظة، انحسرت الأعشاب تحت أقدامهما، وخرجا من أعماق الغابة التي سارا فيها طويلًا.

 

 

—لا بد لأحد أن يتحدث إليه. لا بد لأحد أن يمسك بيده.

ظهرت أمامهما شجرة عملاقة، أكبر من أي شيء آخر في غابة إيليور الكبرى—

«واو.»

 

«ما الأمر؟ هل تشعرين بألم في معدتكِ؟»

«—إنها أكثر من مجرد شجرة ضخمة، أليس كذلك؟ هناك باب عند الجذور. هل يوجد شيء داخل تجويف الجذع؟»

 

 

كان المتحدث شابًا ذا شعر ذهبي مربوط في ضفيرة ثلاثية. بعد أن انحنى أمام فورتونا، استدار هذا الجان، الذي ارتدى ثوبًا أبيض، لمخاطبة جوس.

وجهت إيكيدنا نظرتها نحو الشجرة الهائلة، ولاحظت بحدسها وجود شيء غريب في مركز جذورها المرتفعة عن الأرض. كان التجويف في قلب الشجرة بحجم غرفة متوسطة، وباب المدخل مغلق بإحكام ومزود بقفل يمكن تثبيته من الخارج.

«… جيوس، ماذا تفعل؟»

 

داخل ذلك الحضن، تحررت من مخاوفها، وغالبًا ما تشعر برغبة في البكاء دون سبب. ربما شعر جيوس الآن بشيء مشابه لما كانت تشعر به حينها.

«يبدو أن هناك مَن يرغب بشدة في إبقاء ما بالداخل محبوسًا.»

لم ترغب في أن تتحمَّل والدتها، التي أحبتها حبًّا جمًّا، أعباء الحزن والوحدة. فحملت في قلبها أمنية طفولية بأن ربط عبارات فورتونا المفضَّلة بذكريات جميلة قد يمحو كل الذكريات السيئة.

 

أرادت أن تشرح له أنه لا داعي للاعتذار أو الحزن. لهذا السبب، بدلًا من تلك الكلمات، هناك شيء كانت تريد أن تعرفه:

«…إيكيدنا… هل تعرفين شيئًا عن هذا المكان؟»

«آه…»

 

 

«سؤال غامض كهذا لا يجلب سوى الإزعاج. ما الذي تعنينه تحديدًا؟»

«بالنسبة لأسئلتكِ غير المهذبة السابقة، فإن وصف هذا المكان بعالم الحلم ليس سوى تعبير مجازي. على وجه الدقة، هذا بُعد يمكن وصفه على نحو أدق بأنه مستوى بديل من الوجود يسكن داخل العقل، يُعيد عرض ذكريات الشخص الذي يخضع للمحاكمة. ولأنه يعيد تكوين تجاربكِ، ألا يبدو طبيعيًا أن تكون للمكان ألوان وأشكال وطعم؟»

 

 

حدقت إميليا إليها بعينين متوسلتين، لكن إيكيدنا اكتفت بهز كتفيها، متظاهرة بالجهل. هل كانت حقًا تجهل الأمر، أم أنها تعرف ما يحدث لكنها تخفي ذلك؟ اعتقدت إميليا أن الاحتمال الثاني هو الأرجح.

 

 

«ماذا هناك؟»

«هذا هي غرفة الأميرة؛ المكان الذي اعتادوا أن يجعلوني ألعب فيه عندما كنت صغيرة جدًا.»

انتهى الحلم دائمًا بابتلاع الضوء له، يتكرر مرة بعد أخرى، دون أن تسمع يومًا ما يلي تلك الكلمات—

 

«ميــاهه! أ-أنا مستيقظة! مستيقظة، أمي! لـ-لكن…»

بمجرد أن وصفت المكان بصوت عالٍ، عادت الذكريات واضحة إلى ذهنها. كان هذا مكانًا خاصًا، حيث عوملت إميليا كأميرة في الغابة، ولعبت هنا بمفردها بأمان.

 

 

 

جُلبت إلى هذا المكان مرات عديدة، وقضت فيه الكثير من الوقت وحدها.

 

 

 

«أوه، صحيح؛ لا أستطيع لمس الباب. هل يمكنني العبور من خلاله؟»

كان الصوت معذَّبًا بالحزن، يتوسل المغفرة تحت وطأة إحساس لا يُحتمل بالذنب.

 

أطلقت همهمة سعيدة وهي تنتفخ صدرها اعتزازًا، بينما امتلأ شعرها بالأوراق التي تناثرت عليها.

«نعم، بناءً على طريقة إدراك هذا العالم لكِ. لكن، الشخص الذي يفتقر إلى المرونة في تفكيره قد…»

 

 

 

«واو، هذا حقيقي. لقد عبرتُ الباب… هل ستأتين، إيكيدنا؟»

 

 

 

«…»

 

 

«ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟!»

ضيَّقت إيكيدنا عينيها بصمت، وهي تراقب إميليا تخترق الباب نصفًا بجسدها. بدا أن تعبيرها ينم عن كآبة، لكنها لم تبدُ راغبة في تفسير السبب. قررت إميليا المضي قدمًا، فزحفت عبر الباب إلى الداخل.

رسمت بسرعة بعض الصور، وغيَّرت ملابس الدمى، واستمتعت بتناول مختلف أنواع الحلوى. وبعد انتهائها من كل ذلك، كانت تمسح العرق عن جبينها عندما سمعت صوت فورتونا يناديها من الخارج.

 

«ماااذا؟ أمي…؟ حقًا، أمي متساهلة جدًا… هممم!»

داخل التجويف، وفي ضوء شاحب وخفيف، وقعت عيناها على قاطني الشجرة.

 

 

«—لأنني تركتك وحيدة تمامًا.»  

«آه…»

لكن ما جذب انتباهها أكثر من خيانة آرتشي كان وجود مجموعة من الأشخاص يرتدون ثيابًا سوداء— ضيوف لم تعرفهم إميليا من قبل.

 

—ربما، وربما فقط، كان يقصد بـ ”الاثنين“ والديها الحقيقيين؟

أمامها، كان هناك شخص بالغ وطفلة يتبادلان الحديث وهما يتطلعان إلى بعضهما البعض. وبمجرد أن وقعت عيناها على أعينهما البنفسجية، شعرت إميليا بارتعاشة خفيفة في حلقها.

أخيرًا، نجحت في تحديد موقع الختم الذي كان فورتونا والآخرون يخفونه. كان البحث العشوائي في غابة كبيرة مهمة شاقة، حتى بمساعدة الجنية. لكن—

 

حين شددت على كلمة ”حقًا“ كما اعتادت، ظهر على وجهها تعبير حزين للغاية، يعكس وحدة عميقة.

كانت الفتاة الصغيرة التي التفتت نحو المدخل ذات شعر فضي طويل وعينين دائريتين بنفسجيتين. وما إن عرفت ذلك الوجه من ذاكرتها، حتى أدركت على الفور أنها كانت ترى نفسها في طفولتها.

«—آسفة. أنا آسفة جدًا.»

 

«هـ… هـذا صحيح؟ لكن إن كان ذلك في مصلحة السيدة إميليا، فأنا… أنا…!»

توقفت إميليا منذ زمن طويل عن النظر في المرايا. لم تتغير الصورة الذهنية التي تحملها عن نفسها طيلة تلك السنين، حتى لحظتها هذه.

«إجابتي الآن كانت تقليدية تمامًا، لكنني أعتقد أن أي شخص سيتفهم رغبتي في الرد بهذه الطريقة في مثل هذا الموقف. نحن نلتقي للمرة الأولى ونقف على أرض متساوية، فلماذا تنظرين إليَّ باحتقار وتطالبين باسمي بهذا الشكل؟ هل تدركين أنك صنَّفتني بلا وعي ودون اكتراث على أنني أدنى منكِ؟»

 

«يا للعجب، أيتها الفتاة الصغيرة اللطيفة، هل جئتِ لزيارتـ… ها؟»

«أفترض أن تلك الطفلة هي أنتِ. رغم أنها لا تعرف شيئًا عما ينتظرها، فإن ملامحها الطفولية الخالية من الهموم تجعلني أرغب في التنهد.»

غادر جوس الفسحة بابتسامة أخيرة لطيفة، ومضى في طريقه. تابعت فورتونا بعينيها القافلة حتى توارت عن الأنظار، ثم أغمضت عينيها للحظة واحدة وأطلقت زفرة عميقة.

 

 

«لا تبدأي بالشكوى من نفسي الصغيرة أيضًا. إلى جانب ذلك، هناك الآن أمر أهم…»

 

 

توقفت إميليا منذ زمن طويل عن النظر في المرايا. لم تتغير الصورة الذهنية التي تحملها عن نفسها طيلة تلك السنين، حتى لحظتها هذه.

أهم من إهانات إيكيدنا -وأهم من لقاء ذاتها الطفولية- كان الشخص الآخر الذي كان في الغرفة.

 

 

 

«…»

 

 

 

أخذت إميليا نفسًا عميقًا، ثم تقدمت نحو الشخص الآخر بخطوات حذرة. ما إن وقفت أمامه، حتى رفعت نظرها نحو الشخصية التي كانت تتحدث إلى طفولتها— إلى امرأة جان ذات ملامح أنيقة وآذان أطول قليلًا من آذان البشر.

«أنا في صف جيوس اليوم! سأصبح ساحرة أرواح مهما حدث!»

 

 

تمامًا مثل إميليا، كانت المرأة ذات شعر فضي وعينين بنفسجيتين. لكنها قصَّت شعرها الفضي اللامع ليصبح أقصر لاعتبارات عملية، وكانت عيناها الجميلتان اللتان تشبهان الأحجار الكريمة لوزيتي الشكل وحادتين.

 

 

«نـ-نعم… فعلتُ ذلك…»

 

 

تذكرت الرجل الطويل بردائه الأسود الذي لم يكن موجودًا الآن، فأخرجت لسانها بسخرية. كان عدوًّا رأى جانبًا من والدتها الغالية لم يظهر لأحد سواها— دون إذن منها. بتصميم على المواجهة القادمة، عقدت العزم على إعداد خطة لإلحاق الهزيمة بجيوس.

رغم أن تلك المرأة وصفت نفسها دائمًا بأنها بشعة، كانت إميليا تحب مظهرها كثيرًا.

أهم من إهانات إيكيدنا -وأهم من لقاء ذاتها الطفولية- كان الشخص الآخر الذي كان في الغرفة.

 

 

بدت شجاعة ومهيبة، وشكلها كان محفورًا في ذاكرة إميليا بعمق لدرجة تكاد تسبب لها الألم. فهذا الشخص كان—

تحوَّل النقاش حول تعليم إميليا إلى جدال بين الاثنين، وحين لاحظت إميليا ذلك، تسللت خلف جيوس وأخرجت لسانها في وجه فورتونا بمكر.

 

 

«—أمي، فورتونا.»

 

 

 

هذه المرأة التي عاشت مع إميليا في غابة إليور العظيمة بدور الأم البديلة. وبالنسبة لإميليا، كانت عائلتها تمامًا كما لو كانت أمها الحقيقية.

«إذًا، لقد تذكرتِ والدتك، وصديقًا قديمًا، وهذه الجنية. هل هذا هو الماضي الذي كنتِ تتوقين لاستعادته؟»

 

تغيَّرت ملامح الفتى مع مقاطعة الحوار. شحب وجهه قليلًا، لكن شفتيه اللتين كانتا متجمدتين قبل لحظات، ارتسمت عليهما ابتسامة باهتة وغامضة.

«…»

«قولك ”بالنسبة لرجل“ هو في حد ذاته مقارنة ظالمة، مبنية على مظهري فقط. إن الرجال في هذا العالم لا يُحصون، فبأي معيار تحكمين عليَّ؟ هذا التصرف… لا أستطيع التغاضي عنه. إنه يتجاهل فرديتي وحقوقي.»

 

 

—في تلك اللحظة، طفت ذكرى كانت نائمة في أعماق النسيان بهدوء إلى السطح.

 

 

 

كانت ذكرى تتعلق بما كانت تتحدث عنه مع والدتها في غرفة الأميرة حينها.

«لقد انتهت المقدمات، أليس كذلك؟»

 

 

٣

 

 

«إذا نشأتِ بصحة جيدة وظلَّت الأرواح تحبكِ كما الآن، يا سيدة إميليا، فلا شك في ذلك…»

«—إميليا، لديَّ الآن شيء بالغ الأهمية عليَّ فعله، لذا عليك أن تتصرفي كما ينبغي وتبقي هنا، حسنًا؟»

 

 

أطلقت إيكيدنا ضحكة ساخرة واختفت تدريجيًا، تنزلق بسلاسة بين أشجار الغابة. ورغم شعورها بالسخرية بسبب جهلها، لامت إميليا نفسها، إذ أدركت أن في كلمات الساحرة شيئًا من الصواب.

شعرت إميليا الصغيرة بغيظ شديد حينذاك لأنها حُبست في غرفة الأميرة. من حين لآخر، كان الكبار في مستوطنة الجان بغابة إليور العظيمة يغادرون لتدبير أمر مهم، تاركين إميليا وراءهم. رغم حبهم الشديد لها، إلا أن البالغين لم يتهاونوا في هذه المسألة أبدًا.

بسبب تكرار هروبها، اكتشفت أنها تُركت دائمًا وحدها في غرفة الأميرة عندما يأتي جوس ومَن معه إلى الغابة. كانوا يحضرون عربات محمَّلة بالطعام والملابس، ويتجمع الجميع في الساحة لتوزيع تلك المؤن.

 

«ما-ما الأمر يا أمي؟ لا تنظري إليَّ هكذا. لم أفعل شيئًا. أكلت بعض الحلوى، ورسمت صورًا، ولعبت بالدمى. لم أخرج إلى الخارج أو أي شيء من هذا القبيل.»

كان من المهم الوفاء بالوعد واحترام الآخرين والالتزام بما تقرر. هكذا علمتها أمها البديلة، فورتونا.

 

 

 

كان وصف ”الأم البديلة“ مصطلحًا ملتفًّا إلى حد ما، لكن فورتونا نفسها مَن أصرت على هذا الوصف، مدعية بإلحاح أنها مجرد بديل لا أكثر.

رغم صغر حجمها، كان الفراغ أضيق مما توقعت. لكن بإصرارها، أوسخت وجهها وملابسها بالطين، ونجحت أخيرًا في الزحف إلى خارج تجويف الشجرة.

 

 

«أنا الأخت الصغرى لوالدكِ يا إميليا. أخي… والدكِ ووالدتكِ مشغولان للغاية، لذلك لا يمكنهما البقاء معكِ الآن. ولهذا السبب وثقا بي لأعتني بكِ جيدًا.»

 

 

أصابتها تلك الكلمات في موضع مؤلم، فغطَّت إميليا فمها بيديها.

هذا ما أخبرتها به فورتونا لأول مرة. وكان الأثر الذي تركه ذلك في نفس إميليا صعب النسيان.

استمرت فورتونا في عناق ابنتها، ملتصقة بخدها. لم تكن عادة ما تقول كلمات مماثلة تجعلها تشعر بالحرج، مما جعل إميليا تشعر بأن والدتها بدت حزينة على نحو غير مألوف. ومن ثم—

 

«—إنها أكثر من مجرد شجرة ضخمة، أليس كذلك؟ هناك باب عند الجذور. هل يوجد شيء داخل تجويف الجذع؟»

لكن ليس لأن إميليا شعرت بالأذى أو الهجر، بل على العكس تمامًا، شعرت بفرح غامر.

 

 

 

رغم الحقائق، كانت ترى فورتونا كأمها الحقيقية. وفكرة أنها تمتلك أمًّا أخرى أدهشتها. فقد كان من المعتاد أن يعيش الناس مع والد واحد وأم واحدة، لكن إميليا كان لديها اثنتان— وكان هذا مفاجئًا وسعيدًا في آنٍ واحدًا.

 

 

غادر جوس الفسحة بابتسامة أخيرة لطيفة، ومضى في طريقه. تابعت فورتونا بعينيها القافلة حتى توارت عن الأنظار، ثم أغمضت عينيها للحظة واحدة وأطلقت زفرة عميقة.

«لقد ورثتِ شعركِ الفضي من أخي، هاه؟ ويبدو أن هذا اللون البنفسجي في أعيننا يسري في العائلة أيضًا… لكن هذا الوجه اللطيف، بلا شك، من والدتكِ. جميع أفراد عائلتنا يحملون نظرات حادة في أعينهم.»

 

 

«كفى عن هرائك الأناني! مَن تكون؟!»

«… لكنني أحب عينيكِ حقًا.»

 

 

صوت غارق في البكاء كان يعتذر.

كانت عينا فورتونا حادتين مثل نصل وحش مفترس. وكثيرًا ما كانت إميليا تخرق القواعد، مما يدفع والدتها البديلة إلى إطلاق نظرات أكثر شراسة. كلما حدث ذلك، كانت إميليا ترتجف خوفًا.

 

 

«نعم، هذا يكفي. لنرحل الآن، نحن المذنبين سيدتي فورتونا، سنلتقي قريبًا.»

لكن بعيدًا عن تلك اللحظات العاصفة، كانت ترى فورتونا أمًا مثالية. حتى نظراتها الحادة، بالنسبة لإميليا، نبضت بدفء وحنان.

 

 

 

كأم، جمعت فورتونا بين الصرامة واللطف. وكانت حتى صرامتها مشوبة برقة خفية.

كانت الوعود ذات أهمية كبيرة؛ لهذا، هزَّت إميليا رأسها مطمئنة إلى وعد والدتها.

 

وقع جيوس في مأزق بين محبته الأبوية وقلقه الشديد، فأمسك برأسه متحيرًا. زادت ابتسامة فورتونا المتأملة عمقًا وهي ترى حيرته، وعينيها الضيقتين لمعتا بمزيج من الحب والغيرة الأبوية.

«أحمل في قلبي حقًا الكثير من الندم. كان يجب أن أكون أكثر لطفًا مع كثير من الناس. لو أنني فكرت في ذلك مبكرًا، ربما ما كنت سأعتمد على أخي حتى النهاية.»

 

 

 

حين شددت على كلمة ”حقًا“ كما اعتادت، ظهر على وجهها تعبير حزين للغاية، يعكس وحدة عميقة.

تأكدت إميليا من خلو المكان من أي خصوم، فنادت على الوهج الفوسفوري الذي كان يطفو في الأعلى. منذ لقائهما الأول، أصبحت إميليا والوهج أصدقاء مقربين، وأطلقت عليه بمحبة لقب ”الجنية“.

 

 

بسبب هذا التأثير العميق الذي تركته والدتها في نفسها، تعمَّدت إميليا أن تقلِّد تصرفاتها بعد سنوات. لكن لم يكن ذلك في لحظات الحزن، بل عندما تشعر بالسعادة، وعندما ترتسم الابتسامة على وجهها.

كان باب غرفة الأميرة مغلقًا بإحكام، ولا يمكن فتحه إلا عند عودة فورتونا. بمعنى آخر، بالنسبة لإميليا، قد تصبح هذه الفجوة طريقها إلى الحرية. لكنها كانت تعلم أيضًا أن والدتها أمرتها بالبقاء في الغرفة مهما حدث. انقسم قلبها بين فضولها الشخصي وأمر والدتها.

 

«انتظر، جيوس. لا تزرع أفكارًا غريبة في رأسها. مجرد قدرتها على التواصل مع الأرواح الصغرى لا يعني أنها ستكون ساحرة أرواح… ليس هذا ما تحتاج إليه هذه الفتاة.»

لم ترغب في أن تتحمَّل والدتها، التي أحبتها حبًّا جمًّا، أعباء الحزن والوحدة. فحملت في قلبها أمنية طفولية بأن ربط عبارات فورتونا المفضَّلة بذكريات جميلة قد يمحو كل الذكريات السيئة.

 

 

 

«آآآه… ممل.»

وفي وسط هذا الفضاء المقدس—

 

 

عائدة إلى المشهد السابق، كانت إميليا الصغيرة قد تُركت وحيدة في غرفة الأميرة.

 

 

 

كان الكبار يعاملونها كما لو كانت فراشة جميلة أو زهرة نادرة، وبذلوا كل ما بوسعهم لتسليتها، فملؤوا الغرفة بكتب الصور، والدمى، ومجموعة متنوعة من أدوات الرسم. ورغم ذلك، ظل الملل على حاله. لم تحب إميليا قضاء الوقت في تلك الغرفة.

«ليس خطيرًا على الإطلاق! أنت مَن يقع دومًا ويجرح ركبتيه يا جيوس.»

 

 

«وأمي هي مَن تقول لي دائمًا إن الكذب وإخفاء الأشياء خطأ، أليس كذلك؟»

 

 

 

لم يكن الكبار منصفين. يعلمون الأطفال قاعدة معينة، ثم يكسرونها هم أنفسهم بحجة ما أو عذر آخر.

هزَّت إميليا رأسها ردًّا على سؤال إيكيدنا وهي تغادر التجويف أسفل الشجرة العملاقة. لم تكن تتجه نحو مشهد عالق في ذاكرتها، بل كانت تمضي أعمق في الغابة، نحو طريق تعترضه أشجار كثيفة. كان هناك شيء ما بانتظارها لتتذكره. أمامها كان…

 

«—جيوس، هل أنتَ بخير؟»

كانت ترغب في أن تعرف ما اللعبة التي يلعبونها، وأن تشاركهم لو استطاعت. لكن ما كبح هذه الرغبة في أفكارها هو أن والدتها عادت دائمًا إليها عندما انتظرتها كما يجب. لكن مع ذلك…

 

 

«ولكني أستطيع أن أشمَّ الرياح وأشعر بالأرض هنا… الأمر غريب جدًا، هاه؟»

«أريد أن أخرج…»

للحظة، تسببت الذكريات التي عادت لتطفو إلى السطح في شعور إميليا بدوار شديد.

 

 

كانت كلماتها الخافتة مجرد همس، لم يكن موجَّهًا لأحد بعينه، بل مجرد رغبة عبَّرت عنها لنفسها. لكن هذه الرغبة لم تصل إلى الكبار، بل استجاب لها… شيء آخر.

بعد كل شيء، كان هذا عالمًا خياليًا، حلمًا يستند إلى ذكريات وطن عالق في أعماق عقل إميليا.

 

لم يكن الكبار منصفين. يعلمون الأطفال قاعدة معينة، ثم يكسرونها هم أنفسهم بحجة ما أو عذر آخر.

«—؟»

إميليا لم تستطع تذكر ما رأته في المحاكمة السابقة.

 

«—إنها أكثر من مجرد شجرة ضخمة، أليس كذلك؟ هناك باب عند الجذور. هل يوجد شيء داخل تجويف الجذع؟»

في ركن الغرفة، انبثق فجأة ضوء باهت، عائم في الهواء. كان ضوءًا خافتًا وواهِنًا، لدرجة أنه بدا وكأنه سيختفي في أي لحظة. فتحت إميليا فمها بدهشة، تحدِّق في ذلك الضوء المفاجئ. وبينما سرق الضوء الفسفوري أنظارها، عبر الغرفة وتغلغل في الجدار، ثم اختفى.

«أوه، صحيح؛ لا أستطيع لمس الباب. هل يمكنني العبور من خلاله؟»

 

وإذا كرهتها فورتونا، فستكون تلك نهايتها، وكأن العالم كله قد انهار. إن لم تخفِ الخدوش على جسدها، ستدرك فورتونا فورًا ما حدث. حتى فكرة دخول الحمام مع هذه الخدوش باتت ترعبها.

«هذا ليس عدلًا! انتظر! انتظر!»

«هممم؟ لماذا تبدين في عجلة من أمرك…؟ ها؟»

 

 

غلبتها الغيرة الطفولية على المفاجأة. فأسرعت نحو ركن الغرفة ولمست الجدار الذي امتص الضوء. رغم شعورها ببعض التردد، تغلب فضولها بسهولة.

 

 

هذه المرأة التي عاشت مع إميليا في غابة إليور العظيمة بدور الأم البديلة. وبالنسبة لإميليا، كانت عائلتها تمامًا كما لو كانت أمها الحقيقية.

«آه!»

رأت نفسها وهي طفلة صغيرة، تميل برأسها ببراءة بينما تحدق في الباب الغامض.

 

 

اكتشفت إميليا فجوة صغيرة في الجدار يمكن لذراعها أن تنزلق عبرها. ليس هناك شك في أن هذا هو الطريق الذي هرب منه الضوء. بدا لها أنها إذا حاولت جاهدة، قد تتمكن من توسيع تلك الفجوة، التي بدت ناتجة عن تداخل جذور الشجرة في ذلك الموضع.

 

 

 

«اننغ—»

 

 

 

وبذراعها ما زالت داخل الفجوة، خطرت لإميليا فكرة مقلقة.

 

 

وإذا كرهتها فورتونا، فستكون تلك نهايتها، وكأن العالم كله قد انهار. إن لم تخفِ الخدوش على جسدها، ستدرك فورتونا فورًا ما حدث. حتى فكرة دخول الحمام مع هذه الخدوش باتت ترعبها.

كان باب غرفة الأميرة مغلقًا بإحكام، ولا يمكن فتحه إلا عند عودة فورتونا. بمعنى آخر، بالنسبة لإميليا، قد تصبح هذه الفجوة طريقها إلى الحرية. لكنها كانت تعلم أيضًا أن والدتها أمرتها بالبقاء في الغرفة مهما حدث. انقسم قلبها بين فضولها الشخصي وأمر والدتها.

‹لا يمكنني التهاون على الإطلاق› فكرت وهي تشد قبضتيها بإصرار.

 

لم ترغب في أن تتحمَّل والدتها، التي أحبتها حبًّا جمًّا، أعباء الحزن والوحدة. فحملت في قلبها أمنية طفولية بأن ربط عبارات فورتونا المفضَّلة بذكريات جميلة قد يمحو كل الذكريات السيئة.

«… حسنًا، مادامت أمي والكبار يفعلون أمرًا سريًّا، فهذا يجعلنا متعادلين.»

 

 

 

في النهاية، استخدمت هذا العذر الأخير قبل أن تحشر جسدها الصغير في الفراغ بين جذور الشجرة.

«—الختم.»

 

«هذا غير عادل! لا يمكنك فعل هذا يا أمي! هذا لا يُحتسب! لقد غششتِ! عليكِ التفكير في ما فعلتِ!»

رغم صغر حجمها، كان الفراغ أضيق مما توقعت. لكن بإصرارها، أوسخت وجهها وملابسها بالطين، ونجحت أخيرًا في الزحف إلى خارج تجويف الشجرة.

في النهاية، استخدمت هذا العذر الأخير قبل أن تحشر جسدها الصغير في الفراغ بين جذور الشجرة.

 

 

«—آه.»

«امم، أمي، أنا…»

 

 

شعرت إميليا بنسيم الرياح على خدها، واشتعلت عيناها بشعور غريب من الإنجاز.

 

 

«لقد انتهت المقدمات، أليس كذلك؟»

رغم أنها خرقت القواعد للتو، راودتها رغبة في الركض إلى فورتونا لتتباهى بما فعلت وتقول: ”هيهي! لقد فعلتها!“ لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة، مدركة أن ما ينتظرها سيكون توبيخًا أشبه بعاصفة عاتية. لقد كادت أن تتهوَّر.

«… هل يمكنكِ أن تكوني أكثر خطأ؟ قلقكِ لا لزوم له إطلاقًا. كل ما في الأمر أنني غصت في الحلم قليلًا أكثر من اللازم. ضبط الأمر سيستغرق لحظة فقط— مثل هذا.»

 

«يبدو أن هناك مَن يرغب بشدة في إبقاء ما بالداخل محبوسًا.»

بخطوات خفيفة، انطلقت إميليا في جري مرح، تاركة غرفة الأميرة خلفها. بالنسبة لها، كانت هذه الغابة بمثابة فناء بيتها الخلفي. بطريقة ما، عرفت بالغريزة أين تتواجد فورتونا وبقية الكبار.

 

 

 

في وقت قصير، عثرت على البالغين الذين تجمعوا في فسحة وسط الغابة. كان بينهم آرتشي، الطفل الوحيد بعد إميليا في القرية. ورغم أنه كان قريبًا منها في السن وكأنه شقيق أكبر، إلا أنه شارك في حرمانها من الانضمام إليهم، شأنه شأن الكبار. كان ذلك أمرًا يصعب على إميليا مسامحته.

 

 

 

لكن ما جذب انتباهها أكثر من خيانة آرتشي كان وجود مجموعة من الأشخاص يرتدون ثيابًا سوداء— ضيوف لم تعرفهم إميليا من قبل.

اندفعت إميليا بحماس عبر الأعشاب الطويلة، متقدمة على ممر حيوانات ضيق، فيما علقت أغصان الأشجار بشعرها الفضي مرارًا أثناء عبورها. حتى وصلت إلى—

 

 

«سأتسلل خلسة…»

بدا وكأن البداية كانت بعيدة، بعيدة جدًا.

 

 

مدركة أنها تقوم بعمل سيئ، اختارت الاختباء ومراقبة ما يجري من وراء غطاء. لتجنب أن يراها أحد، تسلقت شجرة كبيرة برشاقة واعتلت أغصانها. فقد كان تسلق الأشجار مهارة تتقنها، رغم أنه كان دائمًا يثير قلق آرتشي والباقين.

 

 

 

«… دائمًا ما تبذلين جهدًا كبيرًا من أجلنا بهذه الطريقة.»

 

 

«آه!»

سمعت إميليا صوتًا لحظة استقرارها فوق أحد الأغصان الكبيرة. ومن موقعها المرتفع، رأت جميع سكان المستوطنة الذين تجمعوا في الفسحة. كان عددهم خمسين فردًا تقريبًا، دون احتساب إميليا. أما الضيوف الذين يرتدون السواد، فكان عددهم حوالي عشرين.

 

 

 

في وسط الفسحة، تحدث ممثلو الطرفين. فورتونا، ممثلة الجان، بدت وكأنها تحاول إخفاء شيء ما، إذ كانت تمسك بزمام الحديث منذ البداية ولا تزال مسيطرة عليه.

«إميليا، أريدكِ أن تعاهدي أمك الآن. عِديني بأنكِ ستلتزمين بوعودكِ دائمًا.»

 

 

«هذه أشياء يصعب الحصول عليها في الغابة، لذلك نحن جميعًا ممتنون لكم.»

 

 

 

«نحن نقبل كلماتكم اللطيفة بامتنان. يؤلمنا أن نقول إن هذه هي الطريقة الوحيدة التي نستطيع بها تقديم الدعم. سيدة فورتونا، نعلم أننا نلقي عليكم عبئًا كبيرًا في كل مرة.»

«…حسنًا. سأعود إلى غرفتي إذًا.»

 

 

«ينطبق هذا على كلينا، جيوس.»

《١》

 

وضعت إميليا خلفها لتحميها، ثم رفعت صوتها غاضبة وهي تحدق به بحزم:

برفَّة خفيفة من أذنيها الطويلتين، شدَّت إميليا سمعها لتلتقط أجزاء من الحوار الذي دار بين فورتونا وجيوس. ورغم قدرتها على سماع الكلمات، لم تفهم معناها تمامًا، لكنها شعرت بشيء من المودة في الابتسامة الحزينة التي علت وجه والدتها.

 

 

«هـ… هـذا صحيح؟ لكن إن كان ذلك في مصلحة السيدة إميليا، فأنا… أنا…!»

كانت تلك المودة موجهة نحو الرجل الطويل الذي يرتدي رداءً أسود، والذي خاطبته والدتها باسم جيوس.

«لماذا؟» تذكَّرت أنها سألت ذاك الصوت.

 

 

كان الرداء واسعًا، لكن إميليا استطاعت أن تميِّز فورًا أن جسد الرجل كان رشيقًا وممشوقًا. على عكس الجان، الذين كانوا عادة نحيفين، كان هذا مظهرًا جديدًا بالنسبة لها. تحت شعره الأخضر المرتب، بدا وجهه يقظًا، لكن عينيه المنخفضتين أظهرتا تواضعًا عميقًا أثناء حديثه مع فورتونا.

«آه!»

 

«اسمي هو…»  

شعرت إميليا بفخر غريب. كانت والدتها عظيمة بما يكفي لتكسب احترام رجل بهذا الحجم.

في نهاية تلك اللحظة الصامتة، بدأ الضيوف ذوو الأثواب السوداء بقيادة العربات خارج الفسحة—

 

«نعم، بناءً على طريقة إدراك هذا العالم لكِ. لكن، الشخص الذي يفتقر إلى المرونة في تفكيره قد…»

«أيضًا، كما ينبغي أن أؤكد في كل مرة… هل الختم ما زال سليمًا؟»

ضيَّقت إيكيدنا عينيها بصمت، وهي تراقب إميليا تخترق الباب نصفًا بجسدها. بدا أن تعبيرها ينم عن كآبة، لكنها لم تبدُ راغبة في تفسير السبب. قررت إميليا المضي قدمًا، فزحفت عبر الباب إلى الداخل.

 

 

كان صدر إميليا قد انتفخ شعورًا بالفخر، لكن كلمات الرجل التالية بددت ذلك الشعور تمامًا. استطاعت أن تشعر بوطأة المشاعر المعقدة التي طغت على صوته.

 

 

بطريقة ما، نجحت في العودة عبر الفتحة التي هربت منها، متدحرجة داخل الغرفة. شعرت بالارتياح للحظة بعد أن نهضت، لكنها سرعان ما أصيبت باليأس عندما أدركت أن ثيابها قد غطها الطين تمامًا، كما لو كانت تلعب في الخارج.

«أود أن أمزح وأقول إنك تقلق أكثر من اللازم، لكنني لا أشعر بالرغبة في الضحك. لا بأس، الختم سليم ولم يطرأ عليه أي تغيير. مهما حدث، لا يمكنني السماح برفعه ولو للحظة— فلن أستطيع النظر في عيني أخي أو زوجته حينها.»

 

 

 

«بشأن أخيكِ الأكبر وزوجته…»

«أفترض أن تلك الطفلة هي أنتِ. رغم أنها لا تعرف شيئًا عما ينتظرها، فإن ملامحها الطفولية الخالية من الهموم تجعلني أرغب في التنهد.»

 

تمتمت فورتونا بعينيها نصف مغمضتين بينما كانت إميليا، المحتضَنة في حضنها، تلامس شعرها الفضي القصير وتداعبه. ومع ذلك، لم تطلب منها التوقف. بل تقبلت الأم بصمت لمسات ابنتها على رأسها.

«لا بأس. أفهم ذلك. فقط… لن أنسى أبدًا ثقل المسؤولية التي أوكلت إليَّ. لا أنوي التخلي عنها، ولا القيام بها بتهاون. وهذا ينطبق عليكَ أيضًا، صحيح؟»

 

 

 

«أنا… هذا هو الشيء الوحيد المتبقي لي. قد يكون شعوري بالواجب مختلفًا عن شعورك، سيدة فورتونا. الإكراه والندم الذي يلازمني… أتمسك بهما بعناد، وكأنهما كل ما أملك.»

في أثناء سيرها في المسار غير المألوف، توقفت فجأة عندما بدأت الجنيات تومض بغير انتظام، متناثرة عبر مجال رؤيتها قبل أن تنجرف نحو غابة كثيفة على جانب الطريق.

 

«حسنًا، لا فائدة من البكاء الآن. علينا أن نخرجك من هذه الملابس ونغسل عنك الحبر. أما بالنسبة لتغيير الملابس… آآه، ها نحن ذا. لو لم أجد شيئًا، لاضطررت إلى أن أعيد إميليا إلى البيت عارية معي.»

عندما ارتسمت على وجه جوس ابتسامة خاوية، أطرقت فورتونا بعينيها وقد غمرها الألم. خلفهما، كان الكبار الآخرون منشغلين بتفريغ بعض الأمتعة من العربات التي أحضرها أصحاب الأثواب السوداء. ومن مسافة بعيدة، بدا أن الحمولة تتكون من ملابس وأطعمة وكتب وما شابه— أشياء يصعب العثور عليها في الغابة.

 

 

«لا تبدأي بالشكوى من نفسي الصغيرة أيضًا. إلى جانب ذلك، هناك الآن أمر أهم…»

«بفضل بركات الأرواح، لا تؤثر تغيُّرات الفصول كثيرًا على هذه الغابة، لكن الحصول على الملابس والكتب يبقى أمرًا مفيدًا للغاية. نحن ممتنون لكم دائمًا.»

«إذًا، لو فشلتِ مجددًا، فهل يعني ذلك أن الأمر حتمي؟ يا لها من فكرة جبانة.»

 

 

«في الحقيقة، تستحقون أفضل من هذا. ليس من العدل أن تُجبروا على العيش في مكان صعب كهذا.»

 

 

«لا تقلق. إميليا طفلة مفعمة بالحيوية، وستكبر لتصبح فتاة جيدة. فتاة بهذا اللطف تكاد تكون نعمة زائدة عن حاجتنا… لكنني أعتذر، لا يمكنني السماح لها بمقابلتها بعد.»

«هيا الآن— لا تتحدث بهذا الشكل. نحن نحب الغابة، كما تعلم.»

 

 

«—جيوس!»

ابتسمت فورتونا برفق وهي تتحدث بنبرة مازحة. انعكست تلك الابتسامة اللطيفة على شفتي جوس، فرسمت عليهما ابتسامة رفيعة. للحظة، أحاطت بهما أجواء هادئة ولطيفة—

بدت تمثيلية إميليا ناجحة، فقد انخدعت فورتونا على ما يبدو. ورغم إحساس خفي بالذنب بدأ يتسلل إلى قلبها، أصرت إميليا على الصمود، مذكرة نفسها بأنه لا مجال للتراجع الآن.

 

 

«—سيدتي فورتونا، انتهينا من التفريغ. أود شكر جميع التلاميذ.»

لم تُعر كلامه أي اهتمام، وكررت سؤالها بنبرة صارمة.

 

لم تتحدث فورتونا كثيرًا عن والدي إميليا الحقيقيين، وكانت تتردد في فتح هذا الموضوع. لذا، اعتبرت إميليا أحاديث فورتونا مع جيوس فرصة ذهبية لمعرفة المزيد عن والديها.

«نعم، شكرًا لك، آرتشي.»

«جيوس… هذه طريقة صارمة للغاية للعيش…»

 

تحوَّل النقاش حول تعليم إميليا إلى جدال بين الاثنين، وحين لاحظت إميليا ذلك، تسللت خلف جيوس وأخرجت لسانها في وجه فورتونا بمكر.

كان المتحدث شابًا ذا شعر ذهبي مربوط في ضفيرة ثلاثية. بعد أن انحنى أمام فورتونا، استدار هذا الجان، الذي ارتدى ثوبًا أبيض، لمخاطبة جوس.

 

 

«ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟!»

«سيدي رئيس الأساقفة، باسم جميع سكان الغابة، نشكركم على دعمكم المستمر لنا.»

 

 

 

«هذا أقل ما يمكنني فعله. أرى أنك أصبحت أكثر جدية، سيد آرتشي.»

جعلت كلمات إيكيدنا إميليا تهز رأسها موافقة، وفي اللحظة ذاتها تغيَّر المشهد من حولها.

 

 

«لا يمكن للوصي القادم أن يُعامل كطفل إلى الأبد.»

 

 

 

بدت في حديثهما نبرة احترام، لكن اختلط بها شعور خفي من الحسد. ورغم هذا، لم يظهر بينهما الكثير من الألفة، إذ بدا حديثهما رسميًّا ومتباعدًا.

«سيدة إميليا، الكائنات التي تدعينها جنيات هي في الواقع أرواح صغرى. إنها موجودة في كل مكان في هذا العالم. الساحر الروحي هو مَن يستطيع نقل قلبه إليها، ويستعير قوتها عبر إبرام عهد معها.»

 

 

«حافظ على صحتك، من أجل الغابة، ومن أجل الختم، ومن أجلك أنتَ وأسرتك أيضًا.»

 

 

«—إنه باب… مشهد عجيب حقًا.»

بهذه الكلمات، أنهى جيوس حديثه مع آرتشي، ثم ألقى نظرة أخيرة مترددة على الفسحة، وانحنى انحناءة بسيطة. تبعه في ذلك جميع مَن يرتدون السواد. بعد ذلك، وضع آرتشي وفورتونا والكبار الآخرون أيديهم على صدورهم وأغمضوا أعينهم، في إشارة تقليدية بين الجان تعبِّر عن الاحترام.

 

 

 

في نهاية تلك اللحظة الصامتة، بدأ الضيوف ذوو الأثواب السوداء بقيادة العربات خارج الفسحة—

 

 

 

«أوه، شيء أخير— كيف حال السيدة إميليا؟»

 

 

 

«—!»

 

 

 

توقف قلب إميليا عن الخفقان تقريبًا عند سماع اسمها فجأة. لم يخطر لها أبدًا أن تُذكر في لحظة كهذه. وضعت يدها بسرعة على فمها، مانعة نفسها من إصدار أي صوت.

«إيه…؟»

 

تحوَّل النقاش حول تعليم إميليا إلى جدال بين الاثنين، وحين لاحظت إميليا ذلك، تسللت خلف جيوس وأخرجت لسانها في وجه فورتونا بمكر.

«لا تقلق. إميليا طفلة مفعمة بالحيوية، وستكبر لتصبح فتاة جيدة. فتاة بهذا اللطف تكاد تكون نعمة زائدة عن حاجتنا… لكنني أعتذر، لا يمكنني السماح لها بمقابلتها بعد.»

«…حسنًا. سأعود إلى غرفتي إذًا.»

 

«… ما أوقحك! لا تعاملني وكأنني عجوز بعد. قد أكون أكبر سنًا من شاب مثلك بكل حيويته، لكنني ما زلت في كامل قوتي.»

«لا بأس. هذا أكثر مما أتمناه. يكفيني أن السيدة إميليا تُربى جيدًا. فلا يمكن لمذنب مثلي أن يتطلع إلى أكثر من ذلك.»

 

 

«… حسنًا، مادامت أمي والكبار يفعلون أمرًا سريًّا، فهذا يجعلنا متعادلين.»

لم تكن هذه مجرد كلمات تواضع عابرة؛ بدا واضحًا أن صوت الرجل حمل إحساسًا عميقًا بالخزي والندم.

 

 

 

عندما أطرق جيوس بعينيه نحو الأرض، لم تحاول فورتونا أن تخفف عنه بكلمات مواساة مبتذلة. اكتفى هو بإيماءة بسيطة، وكأن صمتها ذاته كان شكلًا من أشكال الخلاص.

في الأصل، كانت فورتونا قد منعتها من دخول هذا الجزء من الغابة، ولهذا لم تكتشف الختم لفترة طويلة. ‹أمي ذكية للغاية.›

 

 

«—سيدي رئيس الأساقفة روماني كونتي، هل أنت مستعد؟»

«سيدة إميليا، الكائنات التي تدعينها جنيات هي في الواقع أرواح صغرى. إنها موجودة في كل مكان في هذا العالم. الساحر الروحي هو مَن يستطيع نقل قلبه إليها، ويستعير قوتها عبر إبرام عهد معها.»

 

هذا ما أخبرتها به فورتونا لأول مرة. وكان الأثر الذي تركه ذلك في نفس إميليا صعب النسيان.

نادى عليه أحد الرجال في مؤخرة القافلة، فردَّ جوس وهو يفتح ذراعيه بحرارة:

 

 

«أوه، صحيح؛ لا أستطيع لمس الباب. هل يمكنني العبور من خلاله؟»

«نعم، هذا يكفي. لنرحل الآن، نحن المذنبين سيدتي فورتونا، سنلتقي قريبًا.»

جعلت كلمات إيكيدنا إميليا تهز رأسها موافقة، وفي اللحظة ذاتها تغيَّر المشهد من حولها.

 

لم تُعر كلامه أي اهتمام، وكررت سؤالها بنبرة صارمة.

«… حتى إن لم يقلها أحد غيري، نحن ممتنون لكم جميعًا. أقصد ذلك حقًّا.»

«أود أن أمزح وأقول إنك تقلق أكثر من اللازم، لكنني لا أشعر بالرغبة في الضحك. لا بأس، الختم سليم ولم يطرأ عليه أي تغيير. مهما حدث، لا يمكنني السماح برفعه ولو للحظة— فلن أستطيع النظر في عيني أخي أو زوجته حينها.»

 

 

«لا شك أنني عشت قرنًا من العذاب من أجل سماع هذه الكلمات فقط.»

فكرت في البداية أن تعتذر، على أمل أن يغفر لها الأمر. لكن بعد استراقها السمع لما دار في الفسحة، لم تعد تعتقد أن ذلك ممكن. أصبحت متأكدة أن فورتونا لم ترغب في أن تستمع إلى ذلك الحديث.

 

 

غادر جوس الفسحة بابتسامة أخيرة لطيفة، ومضى في طريقه. تابعت فورتونا بعينيها القافلة حتى توارت عن الأنظار، ثم أغمضت عينيها للحظة واحدة وأطلقت زفرة عميقة.

 

 

استسلمت إميليا لفكرة أنها لن تتمكن من خداعه، فنطقت بكلمات استسلام لم تفهمها تمامًا. وما إن رفعت راية بيضاء حتى ارتسمت ابتسامة على وجه الرجل— جيوس.

«سيدتي فورتونا، هل أنتِ مرهقة؟ إن كان الأمر شاقًا عليكِ، يمكننا تولي ما تبقى…»

«ميــاهه! أ-أنا مستيقظة! مستيقظة، أمي! لـ-لكن…»

 

«ماذا هناك؟»

«… ما أوقحك! لا تعاملني وكأنني عجوز بعد. قد أكون أكبر سنًا من شاب مثلك بكل حيويته، لكنني ما زلت في كامل قوتي.»

في وسط الفسحة، تحدث ممثلو الطرفين. فورتونا، ممثلة الجان، بدت وكأنها تحاول إخفاء شيء ما، إذ كانت تمسك بزمام الحديث منذ البداية ولا تزال مسيطرة عليه.

 

 

«لـ-لم أقصد ذلك إطلاقًا! فقط ظننت أن مهمة الوصي قد تكون مرهقة جدًا…»

 

 

—في تلك اللحظة، طفت ذكرى كانت نائمة في أعماق النسيان بهدوء إلى السطح.

ارتبك آرتشي وامتقع وجهه خوفًا من أن يكون سوء الفهم قد وقع. لكنه أدرك أنها كانت تمازحه حين انفجرت ضاحكة.

 

 

 

«على الرغم من كفاءتك، إلا أنك ساذج للغاية. هذا ما يجعلني قلقة من أنك قد لا تكون مناسبًا لدور الوصي. عليك أن تكون أكثر اعتمادًا على نفسك إذا كنت سأعهد إليك بكنزي الثمين.»

ابتسمت فورتونا برفق وهي تتحدث بنبرة مازحة. انعكست تلك الابتسامة اللطيفة على شفتي جوس، فرسمت عليهما ابتسامة رفيعة. للحظة، أحاطت بهما أجواء هادئة ولطيفة—

 

 

«أ-أرجوكِ، سيدتي فورتونا، لا تمزحي بشأن هذا…»

 

 

كانت إكييدنا تستند إلى شجرة، وتمدُّ يدها إلى الأمام بينما يعيقها طول فستانها. عندها، هرعت إميليا نحوها بقلق.

«حسنًا، حسنًا، آسفة. لكن هل أقبل عرضك وأترك ما تبقى لك؟ أشعر أن هناك أميرة ملَّت كثيرًا وعليَّ إخراجها قريبًا.»

داخل التجويف، وفي ضوء شاحب وخفيف، وقعت عيناها على قاطني الشجرة.

 

«…»

«—؟!»

«حسنًا، لا فائدة من البكاء الآن. علينا أن نخرجك من هذه الملابس ونغسل عنك الحبر. أما بالنسبة لتغيير الملابس… آآه، ها نحن ذا. لو لم أجد شيئًا، لاضطررت إلى أن أعيد إميليا إلى البيت عارية معي.»

 

 

تلاشت كل التساؤلات التي دارت في ذهن إميليا فور سماعها كلمات فورتونا. قفزت بسرعة من الشجرة وكادت أن تتعثر، لتتجه مسرعة عائدة إلى غرفة الأميرة.

كانت ذكرى تتعلق بما كانت تتحدث عنه مع والدتها في غرفة الأميرة حينها.

 

 

بطريقة ما، نجحت في العودة عبر الفتحة التي هربت منها، متدحرجة داخل الغرفة. شعرت بالارتياح للحظة بعد أن نهضت، لكنها سرعان ما أصيبت باليأس عندما أدركت أن ثيابها قد غطها الطين تمامًا، كما لو كانت تلعب في الخارج.

 

 

«—سيدي رئيس الأساقفة روماني كونتي، هل أنت مستعد؟»

«ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟!»

 

 

 

فكرت في البداية أن تعتذر، على أمل أن يغفر لها الأمر. لكن بعد استراقها السمع لما دار في الفسحة، لم تعد تعتقد أن ذلك ممكن. أصبحت متأكدة أن فورتونا لم ترغب في أن تستمع إلى ذلك الحديث.

 

 

 

وإذا كرهتها فورتونا، فستكون تلك نهايتها، وكأن العالم كله قد انهار. إن لم تخفِ الخدوش على جسدها، ستدرك فورتونا فورًا ما حدث. حتى فكرة دخول الحمام مع هذه الخدوش باتت ترعبها.

«حافظ على صحتك، من أجل الغابة، ومن أجل الختم، ومن أجلك أنتَ وأسرتك أيضًا.»

 

 

«إيه…؟»

«هذا غير عادل! لا يمكنك فعل هذا يا أمي! هذا لا يُحتسب! لقد غششتِ! عليكِ التفكير في ما فعلتِ!»

 

 

إذا لم أتصرف بسرعة…

كانت ملامحه عادية، بوسامة متواضعة، بلا شيء يلفت الأنظار. انطباعه العام كان أشبه بشخص يُنسى فور اختفائه وسط الزحام. لكن ذلك الانطباع بذاته كان دليلًا صارخًا على كونه كائنًا شاذًا.

 

 

كان عقلها في حالة من الفوضى، لكن ما قطع تلك الأفكار المحمومة كان ذلك التوهج الشاحب المضيء، الذي عاد ليظهر مجددًا.

 

 

«الختم…»

إنه نفس الضوء الذي ألهم خطة هروبها. تملكتها الحيرة عندما لاحظت كيف تراقص الضوء تمايل أثناء اقترابه منها، ثم بدأ بريقه يزداد تدريجيًا—

كان من المهم الوفاء بالوعد واحترام الآخرين والالتزام بما تقرر. هكذا علمتها أمها البديلة، فورتونا.

 

همست إميليا بالكلمة مرة أخرى وهي تعود إلى غرفة الأميرة. هرعت إلى تلك الحفرة الصغيرة، عازمة على خلق أدلة تثبت أنها قضت الوقت كله في الغرفة.

«—رائع.»

«…»

 

 

عندما لمست إميليا ذلك الضوء الشاحب، شعرت بالدفء وهو يشفي الجروح والخدوش التي غطت جسدها. وفي ثوانٍ قليلة، اختفت العلامات دون أثر. بقيت مشكلة الطين، لكن إذا وجدت حلًا لذلك، فستكون في أمان.

 

 

 

نظرت حولها ثم قلبت إناء الحبر المستخدم في الرسم، لتلطخ ملابسها بالكامل بالسواد. باتت الثياب متسخة لدرجة يصعب تنظيفها حتى بالغسل. هكذا، ظنت أن الطين لن يكون ظاهرًا وسط هذه الفوضى—

—أول مرة وعت إميليا الصغيرة بوجود الختم، كانت عقب إحدى محاولاتها المتكررة والمثيرة للهرب.

 

 

«—إميليا، هل أنت مستيقظة؟»

بدت كلمات إكيدنا الساخرة وكأنها تعبر أيضًا عن شعور بالشفقة على إميليا لاستخدامها كلمة ”جنية“ لوصف الروح. كانت الجنيات، في الحقيقة، تُعتبر أرواحًا شريرة، ولم تكن أي روح لترضى أن يُطلق عليه هذا الوصف البغيض. ومع ذلك، كانت لإميليا أسبابها في أن تطلق على تلك الروح الصغيرة هذا الاسم.

 

 

«ميــاهه! أ-أنا مستيقظة! مستيقظة، أمي! لـ-لكن…»

 

 

«لا بأس. هذا أكثر مما أتمناه. يكفيني أن السيدة إميليا تُربى جيدًا. فلا يمكن لمذنب مثلي أن يتطلع إلى أكثر من ذلك.»

«هممم؟ لماذا تبدين في عجلة من أمرك…؟ ها؟»

 

 

////

سمعت صوت القفل وهو يُفتح من الخارج، ثم أطلت فورتونا برأسها عبر الباب المفتوح. كان على وجهها ابتسامة لطيفة، لكنها تجهمت فور دخولها الغرفة.

«نحن نقبل كلماتكم اللطيفة بامتنان. يؤلمنا أن نقول إن هذه هي الطريقة الوحيدة التي نستطيع بها تقديم الدعم. سيدة فورتونا، نعلم أننا نلقي عليكم عبئًا كبيرًا في كل مرة.»

 

في قلب هذا الفضاء، محاطًا بالأشجار البيضاء النقية، كان هناك باب يقف وحيدًا.

«تنتشر هنا رائحة حبر قوية… ماذا حدث؟»

«لماذا لا تسقط بارتطام مدوٍ؟»

 

«—هل الختم لا يزال في مكانه؟»

«آآه… أ-أنا آسفة! انسكب مني إناء الرسم في كل مكان…»

 

 

بخطوات خفيفة، انطلقت إميليا في جري مرح، تاركة غرفة الأميرة خلفها. بالنسبة لها، كانت هذه الغابة بمثابة فناء بيتها الخلفي. بطريقة ما، عرفت بالغريزة أين تتواجد فورتونا وبقية الكبار.

«يا لها من فوضى حقًّا…»

 

 

وبذراعها ما زالت داخل الفجوة، خطرت لإميليا فكرة مقلقة.

وضعت فورتونا يدها على جبينها، متأففة من رائحة الحبر التي ملأت الغرفة، بينما انقلب الإناء مائلًا على جانبه. ومع أن ملامحها بدت للحظة حائرة، إلا أنها سرعان ما ابتسمت لإميليا.

 

 

«كفى عن هرائك الأناني! مَن تكون؟!»

«حسنًا، لا فائدة من البكاء الآن. علينا أن نخرجك من هذه الملابس ونغسل عنك الحبر. أما بالنسبة لتغيير الملابس… آآه، ها نحن ذا. لو لم أجد شيئًا، لاضطررت إلى أن أعيد إميليا إلى البيت عارية معي.»

«…»

 

 

«امم، أمي، أنا…»

 

 

 

«أوه، كم أنتِ قلقة دائمًا يا إميليا. لا داعي للخوف بهذا الشكل. أعلم أنك لم تفعلي ذلك عمدًا، بالطبع لن أغضب منك. الأهم الآن أنكِ بخير، أليس كذلك؟»

 

 

رغم تقطيب وجهها غاضبة، مشت إميليا نحو فورتونا حين أشارت إليها بيدها. وبمجرد أن اقتربت منها، حملتها فورتونا بسهولة في ذراعيها.

تقدمت فورتونا نحو ابنتها، وبدأت تخلع عنها الملابس المتسخة. وبعد أن تأكدت من خلو جسدها من أي إصابات واضحة، ضمَّت ابنتها الصغيرة بحنان.

 

 

وبذراعها ما زالت داخل الفجوة، خطرت لإميليا فكرة مقلقة.

«أمي؟»

نطقت إميليا تلك الكلمات بوجه بريء، لكن قولها جعل وجه فورتونا يحمر خجلًا حتى بدت كأنها حبة طماطم ناضجة. لوَّحت بيدها بارتباك، ثم بدأت تربت على رأس إميليا عشوائيًّا.

 

 

«مم، لا شيء. فقط… كنت أشتاق لرؤيتكِ يا إميليا.»

«ولكني أستطيع أن أشمَّ الرياح وأشعر بالأرض هنا… الأمر غريب جدًا، هاه؟»

 

 

استمرت فورتونا في عناق ابنتها، ملتصقة بخدها. لم تكن عادة ما تقول كلمات مماثلة تجعلها تشعر بالحرج، مما جعل إميليا تشعر بأن والدتها بدت حزينة على نحو غير مألوف. ومن ثم—

 

 

 

«…ما أوقحكِ.»

عبست فورتونا من اهتمامه غير المناسب، لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على زوايا شفتيها، مما كشف أنها لم تنزعج من حديثه، بل على العكس— كانت تستمتع بوقتها معه.

 

 

تمتمت فورتونا بعينيها نصف مغمضتين بينما كانت إميليا، المحتضَنة في حضنها، تلامس شعرها الفضي القصير وتداعبه. ومع ذلك، لم تطلب منها التوقف. بل تقبلت الأم بصمت لمسات ابنتها على رأسها.

«أثق بسوبارو. ولهذا أريد أن أكون الفتاة التي لا تخذل مشاعره.»

 

 

بلطف وحنان، واصلت إميليا تمسيد رأس والدتها الحبيبة.

 

 

 

«إميليا؟»

«آرتشي بات يقلق أكثر مؤخرًا، لذا يجب أن أكون حذرة.»

 

 

«…مم؟»

«نعم، انتهت— المناوشات الأولى انتهت. وهذه المرة، ستبدأ المحاكمة التي حطمتك حقًّا.»

 

 

«—أنا أحبكِ.»

بعد ذلك، مشى الثلاثة معًا نحو مستوطنة الغابة جنبًا إلى جنب— كان ذلك هو المشهد.

 

نطقت إميليا بالكلمات بينما حدقت إيكيدنا في الباب باستفهام.

كانت في ذهنها الكثير من الأسئلة، وأشياء كثيرة أرادت معرفتها.

 

 

 

لكن في تلك اللحظة، شعرت إميليا الصغيرة أن سماع تلك العبارة من والدتها كان كافيًا تمامًا.

 

 

 

٤

«وكان ذلك تصرفًا سيئًا جدًّا منكِ، إميليا.»

 

 

«أتصوَّر أن الذكريات والمشاعر التي كانت حبيسة في أعماق قلبكِ بدأت تتداخل معًا شيئًا فشيئًا، أليس كذلك؟»

بدت شجاعة ومهيبة، وشكلها كان محفورًا في ذاكرة إميليا بعمق لدرجة تكاد تسبب لها الألم. فهذا الشخص كان—

 

 

كانت هذه الكلمات من إيكيدنا، التي كانت تنظر إلى الأم وابنتها المتعانقتين وسط غرفة الأميرة. لم يكن في سؤالها أي سوء نية؛ بل بدت إميليا مستغربة من بساطة السؤال.

«أوه، أعذريني… كان ذلك مجرد تعبير مجازي. بالطبع أعرف عمركِ بدقة، سيدة فورتونا أطول وأجمل من أن تُعتبر طفلة صغيرة…»

 

تقدمت فورتونا نحو ابنتها، وبدأت تخلع عنها الملابس المتسخة. وبعد أن تأكدت من خلو جسدها من أي إصابات واضحة، ضمَّت ابنتها الصغيرة بحنان.

«لقد تفاجأت حقًّا. ظننت أنكِ ستقولين أشياء أشد قسوة عني وعن أمي.»

 

 

«—جيوس، هل أنتَ بخير؟»

«… حتى لو فكَّر المرء في ذلك، من غير المستحب أن يعبر عن مثل هذه الأفكار للآخرين. في الحقيقة، رأيي السلبي عنكِ، الذي لم يكن مرتفعًا أصلًا، على وشك أن يهوي أكثر.»

 

 

—كان على إميليا أن تقبل المحاكمة القادمة بكل ما تحمله.

«أوه، لا بأس. لا تقلقي. لن أقول مثل هذه الأمور إلا لكِ يا إيكيدنا.»

كان صدر إميليا قد انتفخ شعورًا بالفخر، لكن كلمات الرجل التالية بددت ذلك الشعور تمامًا. استطاعت أن تشعر بوطأة المشاعر المعقدة التي طغت على صوته.

 

«والدي… ووالدتي؟»

«… سواء كان للأفضل أو للأسوأ، يبدو أنكِ تتأثرين به أكثر فأكثر.»

 

 

كانت كلماتها الخافتة مجرد همس، لم يكن موجَّهًا لأحد بعينه، بل مجرد رغبة عبَّرت عنها لنفسها. لكن هذه الرغبة لم تصل إلى الكبار، بل استجاب لها… شيء آخر.

«حقًّا؟ شكرًا لكِ.»

 

 

 

تلاعبت إيكيدنا بشفتيها باشمئزاز، لكن إميليا، التي أدركت أن ”هو“ المقصود هو ناتسكي سوبارو، نفخت صدرها قليلًا بشعور طفيف بالفخر.

«أنا آسفة، هل أنتِ بخير؟ هل سرت بسرعة كبيرة؟»

 

 

«—لكن وقاحتك تبدو أقرب إلى طبيعتك أكثر من كونها أمرًا اكتسبتِه منه. لقد ازددت يقينًا بهذا بعد مراقبتي لأفعالك التي كنتِ تفخرين بها وأنتِ صغيرة.»

لم ترغب في أن تتحمَّل والدتها، التي أحبتها حبًّا جمًّا، أعباء الحزن والوحدة. فحملت في قلبها أمنية طفولية بأن ربط عبارات فورتونا المفضَّلة بذكريات جميلة قد يمحو كل الذكريات السيئة.

 

«خرج الحديث قليلًا عن مساره، لكني وسيدة فورتونا نعرف بعضنا منذ زمن بعيد، منذ أيام كان والداك في أتم صحة…»

«هذا… صحيح أنني لا أستطيع التبرير لتصرفاتي حينها، لكن…»

 

 

 

دفعت ملاحظة إيكيدنا إميليا للتفكير بتصرفاتها الماضية بعيون أكثر نضجًا. لقد خالفت القواعد، وتسللت من الغرفة، واسترقَّت السمع على حديث بين البالغين، بل وابتكرت حيلة لإخفاء ما فعلته.

كان الرداء واسعًا، لكن إميليا استطاعت أن تميِّز فورًا أن جسد الرجل كان رشيقًا وممشوقًا. على عكس الجان، الذين كانوا عادة نحيفين، كان هذا مظهرًا جديدًا بالنسبة لها. تحت شعره الأخضر المرتب، بدا وجهه يقظًا، لكن عينيه المنخفضتين أظهرتا تواضعًا عميقًا أثناء حديثه مع فورتونا.

 

«… مووو.»

«إن جذور ابتذال شخصيتك ضاربة في العمق. حتى مع وجود أم عظيمة تغمركِ بالحب، بقيتِ عصية على الإصلاح.»

 

 

تمتمت إميليا بأسماء الشخصين اللذين كان لهما تأثير بالغ في ماضيها، وقد انخفضت عيناها نحو الأرض. كان أحدهما الرجل ذو الشعر الأخضر في الغابة، جوس، أما الآخر—

«… شكرًا على نصف هذا الإطراء.»

حدقت إميليا إليها بعينين متوسلتين، لكن إيكيدنا اكتفت بهز كتفيها، متظاهرة بالجهل. هل كانت حقًا تجهل الأمر، أم أنها تعرف ما يحدث لكنها تخفي ذلك؟ اعتقدت إميليا أن الاحتمال الثاني هو الأرجح.

 

«اسمي هو…»  

سعدت إميليا بسماع مديح فورتونا كأم جيدة. نعم، والدتها كانت رائعة. لطالما أجلَّتها، بينما كانت مشاعر حبها لوالدتها تتجدد في داخلها، إلا أنها شعرت بالأسى على عيوبها الواضحة.

 

 

كان باب غرفة الأميرة مغلقًا بإحكام، ولا يمكن فتحه إلا عند عودة فورتونا. بمعنى آخر، بالنسبة لإميليا، قد تصبح هذه الفجوة طريقها إلى الحرية. لكنها كانت تعلم أيضًا أن والدتها أمرتها بالبقاء في الغرفة مهما حدث. انقسم قلبها بين فضولها الشخصي وأمر والدتها.

ولم تكن تلك المشاعر وحدها التي استحضرتها ذاكرتها.

 

 

 

«جوس والجنية…»

 

 

«أعتذر منك؛ أعلم أننا نعتمد عليك في الكثير بالفعل، ومع ذلك أطلب المزيد باستمرار… هل أحضرتَ ملابس للكبار أيضًا؟»

تمتمت إميليا بأسماء الشخصين اللذين كان لهما تأثير بالغ في ماضيها، وقد انخفضت عيناها نحو الأرض. كان أحدهما الرجل ذو الشعر الأخضر في الغابة، جوس، أما الآخر—

 

 

 

«روح العلاج الصغيرة التي أعلمتكِ بوجود الفجوة في الجدار… يا للسخرية أن تسميها جنية.»

 

 

 

بدت كلمات إكيدنا الساخرة وكأنها تعبر أيضًا عن شعور بالشفقة على إميليا لاستخدامها كلمة ”جنية“ لوصف الروح. كانت الجنيات، في الحقيقة، تُعتبر أرواحًا شريرة، ولم تكن أي روح لترضى أن يُطلق عليه هذا الوصف البغيض. ومع ذلك، كانت لإميليا أسبابها في أن تطلق على تلك الروح الصغيرة هذا الاسم.

حتى لو مرَّ الناس بالتجربة ذاتها، فإن الطريقة التي يتجاوزون بها ماضيهم تتباين باختلاف كل فرد.

 

 

«قرأتُ في أحد الكتب هنا قصة تقول إن الجنيات ليست سيئة، بل هي طيبة في الحقيقة. لا أذكر التفاصيل جيدًا.»

 

 

«هاه؟ آه، فهمت.»

تذكرت أنها قرأت ذات يوم قصة خيالية من بلاد أخرى في ذلك الكتاب، لكن لا العنوان ولا المحتوى كان حاضرًا في ذهنها، بدا أن تلك الحكاية تركت في قلبها انطباعًا قويًا عن الجنيات بوصفها مخلوقات لطيفة وموثوقة.

«—آه!»

 

 

«إذًا، لقد تذكرتِ والدتك، وصديقًا قديمًا، وهذه الجنية. هل هذا هو الماضي الذي كنتِ تتوقين لاستعادته؟»

«—إميليا، هل أنت مستيقظة؟»

 

 

«لا، ليس بعد. لم أستعد ما يكفي من ذكرياتي بعد.»

《٨》

 

 

هزَّت إميليا رأسها ردًّا على سؤال إيكيدنا وهي تغادر التجويف أسفل الشجرة العملاقة. لم تكن تتجه نحو مشهد عالق في ذاكرتها، بل كانت تمضي أعمق في الغابة، نحو طريق تعترضه أشجار كثيفة. كان هناك شيء ما بانتظارها لتتذكره. أمامها كان…

الغريب أنها لم تشعر بالضياع؛ فقد عرفت على نحو غامض إلى أين ينبغي لها الذهاب، ومضت بثقة تامة. وكأن انقطاعها عن العالم جعلها قادرة على السير عبر مسالك وعرة، شقت طريقها من خلالها دون تردد، متجاوزة الأرض الموحلة والأشجار المتشابكة بإحكام.

 

هذا ما أخبرتها به فورتونا لأول مرة. وكان الأثر الذي تركه ذلك في نفس إميليا صعب النسيان.

«ماذا هناك؟»

 

 

 

«—الختم.»

 

 

لم ترغب في أن تتحمَّل والدتها، التي أحبتها حبًّا جمًّا، أعباء الحزن والوحدة. فحملت في قلبها أمنية طفولية بأن ربط عبارات فورتونا المفضَّلة بذكريات جميلة قد يمحو كل الذكريات السيئة.

٥

«يا له من تصرف مزعج… إلى جانب ذلك الشخص وأصدقائي، قد تكونين الوحيدة التي تنجح في استفزاز مشاعري إلى هذا الحد، رغم أنها مشاعر نفور بحتة.»

 

«ينطبق هذا على كلينا، جيوس.»

—أول مرة وعت إميليا الصغيرة بوجود الختم، كانت عقب إحدى محاولاتها المتكررة والمثيرة للهرب.

شعرت إميليا بنسيم الرياح على خدها، واشتعلت عيناها بشعور غريب من الإنجاز.

 

 

«لقد نجحت! رائع! نجحتُ مرة أخرى!»

«أريد أن أخرج…»

 

صوت غارق في البكاء كان يعتذر.

أطلقت همهمة سعيدة وهي تنتفخ صدرها اعتزازًا، بينما امتلأ شعرها بالأوراق التي تناثرت عليها.

 

 

 

كان المكان هو غرفة الأميرة— أو بالأحرى خارجها، حيث خرجت عبر فتحتها التي كانت بمنزلة خط حياتها نحو الحرية. كان هذا يومًا آخر تُركت فيه وحدها في الغرفة، لكنها تمكنت بخفة من الهرب بينما كانت فورتونا منشغلة بشيء آخر. وقد خففت الأوراق المتراكمة تحت الفتحة من أثر سقوطها، فنجحت في تنفيذ هروب جديد بكل مهارة.

«أراك لاحقًا، جيوس. لا تبكِ كثيرًا حتى… حتى نلتقي مرة أخرى، اتفقنا؟»

 

«… دائمًا ما تبذلين جهدًا كبيرًا من أجلنا بهذه الطريقة.»

«آرتشي بات يقلق أكثر مؤخرًا، لذا يجب أن أكون حذرة.»

«مهلًا، هل هكذا تتحدثين مع مَن يشعر بالقلق عليكِ؟ إذا كان حذاؤكِ لا يصلح للسير هنا، قد يكون من الأفضل أن تمشي حافية القدمين. عشب الغابة ناعم، لذا لن تواجهكِ مشكلة.»

 

«لـ-لم أقصد ذلك إطلاقًا! فقط ظننت أن مهمة الوصي قد تكون مرهقة جدًا…»

تفحصت إميليا المكان حولها بحذر، متيقنة من غياب آرتشي الذي كُلِّف بمراقبتها.

 

 

 

كان آرتشي، الخائن الذي تعاون مع الكبار، أشبه بحارسٍ يشرف عليها. صحيح أن اللعب معه كان ممتعًا، لكنها كانت تعتبر هذا الأمر قصة مختلفة تمامًا.

قالت إميليا بحسد: «إذًا حتى أنتِ لديكِ أصدقاء، يا إيكيدنا. هذا رائع جدًا.»

 

أرادت أن تقول لذلك الصوت الباكي شيئًا.

لا يمكنني التهاون على الإطلاق فكرت وهي تشد قبضتيها بإصرار.

 

 

 

«حسنًا، تعالي أيتها الجنية.»

 

 

استمرت فورتونا في عناق ابنتها، ملتصقة بخدها. لم تكن عادة ما تقول كلمات مماثلة تجعلها تشعر بالحرج، مما جعل إميليا تشعر بأن والدتها بدت حزينة على نحو غير مألوف. ومن ثم—

تأكدت إميليا من خلو المكان من أي خصوم، فنادت على الوهج الفوسفوري الذي كان يطفو في الأعلى. منذ لقائهما الأول، أصبحت إميليا والوهج أصدقاء مقربين، وأطلقت عليه بمحبة لقب ”الجنية“.

 

 

شعرت إميليا بفخر غريب. كانت والدتها عظيمة بما يكفي لتكسب احترام رجل بهذا الحجم.

بفضل تعاون الجنية، شعرت إميليا وكأنها ملكة الغابة. استطاعت التنصت على أحاديث الكبار، وتناول الحلوى من دون إذن، وتبديل الزينة في منازل الآخرين، مما جعلها بحق مجرمة عظيمة.

 

 

 

«أتُرى، هل سيأتي جوس والبقية اليوم أيضًا؟»

 

 

 

أخذت إميليا تصوغ خطتها التالية وهي تزيل الأوراق العالقة في شعرها.

 

 

«—أنا أحبكِ.»

بسبب تكرار هروبها، اكتشفت أنها تُركت دائمًا وحدها في غرفة الأميرة عندما يأتي جوس ومَن معه إلى الغابة. كانوا يحضرون عربات محمَّلة بالطعام والملابس، ويتجمع الجميع في الساحة لتوزيع تلك المؤن.

«أنا أحد أعضاء طائفة الساحرة، رئيس أساقفة الخطايا السبع الذي أُسند إليه ”الجشع“— ريغولوس كورنياس.»

 

وإذا كرهتها فورتونا، فستكون تلك نهايتها، وكأن العالم كله قد انهار. إن لم تخفِ الخدوش على جسدها، ستدرك فورتونا فورًا ما حدث. حتى فكرة دخول الحمام مع هذه الخدوش باتت ترعبها.

«ظننت أن أمي والبقية يخفون شيئًا أكثر مرحًا وإثارة.»

 

 

 

لكن بعدما اكتشفت سرَّهم، شعرت بخيبة أمل طفيفة، فقد الأمر بريقه. ومع ذلك، استمرت في التنصت، حيث سمعت في بعض الأحيان اسمها يُذكر إلى جانب كلمات بدت وكأنها مرتبطة بوالديها الحقيقيين خلال أحاديث فورتونا وجيوس.

 

 

 

لم تتحدث فورتونا كثيرًا عن والدي إميليا الحقيقيين، وكانت تتردد في فتح هذا الموضوع. لذا، اعتبرت إميليا أحاديث فورتونا مع جيوس فرصة ذهبية لمعرفة المزيد عن والديها.

«إجابتي الآن كانت تقليدية تمامًا، لكنني أعتقد أن أي شخص سيتفهم رغبتي في الرد بهذه الطريقة في مثل هذا الموقف. نحن نلتقي للمرة الأولى ونقف على أرض متساوية، فلماذا تنظرين إليَّ باحتقار وتطالبين باسمي بهذا الشكل؟ هل تدركين أنك صنَّفتني بلا وعي ودون اكتراث على أنني أدنى منكِ؟»

 

«لقد تفاجأت حقًّا. ظننت أنكِ ستقولين أشياء أشد قسوة عني وعن أمي.»

«صحيح أنهم لا يتحدثون عن ذلك كثيرًا، لكن… هيا، نبدأ!»

 

 

 

رغم أن خطتها لم تُحقق الهدف بعد، لم تفقد إميليا حماسها. تسلقت الشجرة مجددًا واتخذت موقعها المعتاد، تراقب المشهد أسفلها حيث تجمع الكبار في الساحة. كان جيوس وفورتونا هناك أيضًا، يتبادلان الحديث على ما يبدو، وبدت تعابير فورتونا مريحة على نحوٍ خاص.

«… ما أوقحك! لا تعاملني وكأنني عجوز بعد. قد أكون أكبر سنًا من شاب مثلك بكل حيويته، لكنني ما زلت في كامل قوتي.»

 

 

«لقد أصبحت إميليا في الآونة الأخيرة نشيطة جدًا. تعود دائمًا وثيابها مغطاة بالطين. أغسلها وأغسلها يومًا بعد يوم، لكني لا أتمكن من مواكبة ذلك.»

«أنا آسفة يا إميليا. سنتحدث عن هذا في وقت لاحق… لكن الآن، عليكِ العودة إلى غرفتك. ما زال عليكِ التفكير في تصرفاتك.»

 

«أ-أرجوكِ، سيدتي فورتونا، لا تمزحي بشأن هذا…»

«طالما أنها بصحة جيدة، فهذا كل ما يهم. لقد أحضرت معي ما استطعت من الملابس. في الخارج، الشتاء يوشك على الانتهاء، لذا قد لا نحتاج إلى هذه الثياب بعد الآن.»

نطقت إميليا بالكلمات بينما حدقت إيكيدنا في الباب باستفهام.

 

 

«أعتذر منك؛ أعلم أننا نعتمد عليك في الكثير بالفعل، ومع ذلك أطلب المزيد باستمرار… هل أحضرتَ ملابس للكبار أيضًا؟»

«أفترض أن تلك الطفلة هي أنتِ. رغم أنها لا تعرف شيئًا عما ينتظرها، فإن ملامحها الطفولية الخالية من الهموم تجعلني أرغب في التنهد.»

 

«أوه، صحيح؛ لا أستطيع لمس الباب. هل يمكنني العبور من خلاله؟»

«نعم، بالطبع. هناك بلا شك بعض الثياب التي ستليق بكِ، يا سيدة فورتونا.»

«أتصوَّر أن الذكريات والمشاعر التي كانت حبيسة في أعماق قلبكِ بدأت تتداخل معًا شيئًا فشيئًا، أليس كذلك؟»

 

 

وفي أثناء حديثهما عن إميليا، ردَّ جيوس بإجابة ناعمة جعلت فورتونا تتجمد في مكانها، وكأن كلماته قد تسللت عبر فجوة في درعها. عندها، احمرَّت قليلًا وهي تحدق به بنظرة غاضبة لكن مرتبكة.

 

 

«لكن… ربما لم أكن لأتمكن من قبولها حتى وقت قريب.»

«… حقًا، لقد عرفتك كل هذا الوقت، ولم أدرك أنك من النوع الذي يُطلق مثل هذه المزحات.»

 

 

 

«—؟ لم أقصد سوى قول ما يجول في خاطري. هل قلتُ شيئًا غريبًا؟»

«إذا نشأتِ بصحة جيدة وظلَّت الأرواح تحبكِ كما الآن، يا سيدة إميليا، فلا شك في ذلك…»

 

 

«… أعرف أنك رجل بلا خداع. وهذا يجعل الأمر أسوأ، كما تعلم.»

 

 

دون أن تدرك أن أمها كانت قلقة بشأن أصدقائها غير المرئيين، نادت إميليا عليهم برفق. وفي اللحظة ذاتها، تدفقت أضواء لا حصر لها من حولها، مما جعل فورتونا وجيوس يحدِّقان بدهشة.

مال جيوس برأسه في حيرة، بينما حولت فورتونا عينيها بتعبير متضايق. رأى ذلك على وجهها، فمد يده برفق نحو جبينها، ولامست راحة يده جبينها بحنان.

 

 

 

«… جيوس، ماذا تفعل؟»

«—جيوس، هل أنتَ بخير؟»

 

 

«لا، تذكرتُ الآن أنكِ كنتِ غاضبة مني ذات مرة لأنكِ كنتِ مصابة بحمى… لكن يبدو أنك بخير الآن.»

«أوه، لا بأس. لا تقلقي. لن أقول مثل هذه الأمور إلا لكِ يا إيكيدنا.»

 

فكرت في البداية أن تعتذر، على أمل أن يغفر لها الأمر. لكن بعد استراقها السمع لما دار في الفسحة، لم تعد تعتقد أن ذلك ممكن. أصبحت متأكدة أن فورتونا لم ترغب في أن تستمع إلى ذلك الحديث.

«كم مضى من عقود على ذلك؟ يا إلهي، أنت تتعامل معي وكأنني طفلة صغيرة.»

«إميليا، هل كنتِ فتاة مطيعة اليوم أيضًا؟»

 

أنزلت فورتونا إميليا التي ما زالت تحدِّق في الأرض، ثم أمسكت وجنتيها بكلتا يديها ورفعت وجهها ليقابل وجهها. انعكست أعينهما البنفسجية في بعضهما البعض.

عبست فورتونا من اهتمامه غير المناسب، لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على زوايا شفتيها، مما كشف أنها لم تنزعج من حديثه، بل على العكس— كانت تستمتع بوقتها معه.

ظهرت أمامهما شجرة عملاقة، أكبر من أي شيء آخر في غابة إيليور الكبرى—

 

«يا للعجب، أيتها الفتاة الصغيرة اللطيفة، هل جئتِ لزيارتـ… ها؟»

«… مووو.»

 

 

 

ومع ذلك، لم تجد إميليا مشهد والدتها على ذلك الحال مسليًا على الإطلاق.

استسلمت إميليا لفكرة أنها لن تتمكن من خداعه، فنطقت بكلمات استسلام لم تفهمها تمامًا. وما إن رفعت راية بيضاء حتى ارتسمت ابتسامة على وجه الرجل— جيوس.

 

«نعم، انتهت— المناوشات الأولى انتهت. وهذه المرة، ستبدأ المحاكمة التي حطمتك حقًّا.»

كانت صورة فورتونا في ذهن إميليا أنها امرأة حادة النظرات، شجاعة، وصارمة مع الآخرين. أما وجهها اللطيف والمحب، فقد كان امتيازًا خاصًا بابنتها المحبوبة، إميليا وحدها.

تمامًا مثل إميليا، كانت المرأة ذات شعر فضي وعينين بنفسجيتين. لكنها قصَّت شعرها الفضي اللامع ليصبح أقصر لاعتبارات عملية، وكانت عيناها الجميلتان اللتان تشبهان الأحجار الكريمة لوزيتي الشكل وحادتين.

 

 

«همف، جيوس الأحمق. وأنت أيضًا يا آرتشي، أحمق أيضًا!»

 

 

 

أفرغت إميليا غضبها على جيوس، الذي لم تلتقِ به يومًا، وعلى آرتشي، الفتى الذي كان يساعد في تفريغ البضائع.

اتسعت عينا إميليا، مندهشة من هذا الخرق الواضح لقوانين الطبيعة.

 

 

ثم عزمت في نفسها أن تجعل جيوس يدفع الثمن إن خرج هذا اليوم بلا فائدة. رسمت في ذهنها خطة انتقام شيطانية: سأُغرق عجلات العربات بالقماش وأسكب عليها الزيت!›، لكن هذه الخطة انتهت قبل أن تبدأ.

اجتاحت الذكريات عقلها بعنف.

 

«لقد تفاجأت حقًّا. ظننت أنكِ ستقولين أشياء أشد قسوة عني وعن أمي.»

«—هل الختم لا يزال في مكانه؟»

«لا تبدأي بالشكوى من نفسي الصغيرة أيضًا. إلى جانب ذلك، هناك الآن أمر أهم…»

 

 

خفض جيوس صوته وهو يطرح السؤال الذي اعتادت إميليا سماعه في كل مرة. لم تتفاجأ برد فورتونا، فقد حفظته عن ظهر قلب.

 

 

 

«كما هو دائمًا. يبدو أنك حريص على التأكد في كل مرة.»

 

 

«قولك ”بالنسبة لرجل“ هو في حد ذاته مقارنة ظالمة، مبنية على مظهري فقط. إن الرجال في هذا العالم لا يُحصون، فبأي معيار تحكمين عليَّ؟ هذا التصرف… لا أستطيع التغاضي عنه. إنه يتجاهل فرديتي وحقوقي.»

«هذه مسؤوليتي… ورغم أني لا أرغب في إثارة القلق، فإنني أشعر هذه المرة بشيء غريب خارج الغابة. ربما هو مجرد وهم، لكن عليكِ الحذر.»

تذكرت إميليا المشهد كما رأته في ذاكرتها وفي النسخة التي أعيد إنتاجها منها. ليس هناك مجال للشك— باب معلق في الفراغ، لا يُفتح ولا يرتبط بأي شيء، باب يُطلق عليه ”الختم“.

 

 

«… حسنًا، سأكون يقظة. سأحمي كل شيء هنا— الختم والمفتاح معًا. وأنت اعتنِ بالأمور في الخارج.»

«لقد ورثتِ شعركِ الفضي من أخي، هاه؟ ويبدو أن هذا اللون البنفسجي في أعيننا يسري في العائلة أيضًا… لكن هذا الوجه اللطيف، بلا شك، من والدتكِ. جميع أفراد عائلتنا يحملون نظرات حادة في أعينهم.»

 

 

«أعتمد عليكِ في هذا— لأجل السيدة إميليا، ولأجل الاثنين الآخرين أيضًا.»

 

 

—في تلك اللحظة، طفت ذكرى كانت نائمة في أعماق النسيان بهدوء إلى السطح.

انحنى جيوس قليلًا، وردَّت فورتونا بإيماءة جادة ارتسمت على وجهها.

 

 

تحدثت فورتونا إلى ابنتها التي كانت تحتضنها بنظرة تجمع بين الحنان والصرامة. تململت إميليا تحت ثقل كلمات أمها ونظرتها، وأطرقت رأسها في خجل.

«… الختم.»

شعرت إميليا بنسيم الرياح على خدها، واشتعلت عيناها بشعور غريب من الإنجاز.

 

لم تكن هذه كلمات من الماضي، بل جاء الصوت من الحاضر، ينادي إميليا من الخلف.

تردد هذا المصطلح في أذني إميليا، وهمست به لنفسها.

«—إميليا، لديَّ الآن شيء بالغ الأهمية عليَّ فعله، لذا عليك أن تتصرفي كما ينبغي وتبقي هنا، حسنًا؟»

 

 

لطالما سمعته في نهاية كل محادثة بين فورتونا وجيوس، لكنها لم تُعره اهتمامًا يُذكر. إلا أن الأمر اختلف هذه المرة، فقد ذكر الختم واسمها معًا. كما أثارت الكلمات التي نطق بها جيوس فضولها.

 

 

 

—ربما، وربما فقط، كان يقصد بـ ”الاثنين“ والديها الحقيقيين؟

 

 

نظرت إليه فورتونا بوجه يشوبه الاستياء، بينما كان جالسًا تحت ظل شجرة يخفي دموعه بأكمام قميصه. تأثر بعمق من المشهد الحميم بين الأم وابنتها، ما أكد صفة البكَّاء التي ألصقتها به إميليا.

«الختم…»

 

 

 

همست إميليا بالكلمة مرة أخرى وهي تعود إلى غرفة الأميرة. هرعت إلى تلك الحفرة الصغيرة، عازمة على خلق أدلة تثبت أنها قضت الوقت كله في الغرفة.

 

 

دفعت ملاحظة إيكيدنا إميليا للتفكير بتصرفاتها الماضية بعيون أكثر نضجًا. لقد خالفت القواعد، وتسللت من الغرفة، واسترقَّت السمع على حديث بين البالغين، بل وابتكرت حيلة لإخفاء ما فعلته.

رسمت بسرعة بعض الصور، وغيَّرت ملابس الدمى، واستمتعت بتناول مختلف أنواع الحلوى. وبعد انتهائها من كل ذلك، كانت تمسح العرق عن جبينها عندما سمعت صوت فورتونا يناديها من الخارج.

 

 

بسبب تكرار هروبها، اكتشفت أنها تُركت دائمًا وحدها في غرفة الأميرة عندما يأتي جوس ومَن معه إلى الغابة. كانوا يحضرون عربات محمَّلة بالطعام والملابس، ويتجمع الجميع في الساحة لتوزيع تلك المؤن.

«إميليا، هل كنتِ فتاة مطيعة اليوم أيضًا؟»

«بالمناسبة، يا إميليا… تحدثتِ عن جنية؟»

 

«هـ… هـذا صحيح؟ لكن إن كان ذلك في مصلحة السيدة إميليا، فأنا… أنا…!»

«أوه… أ-أنا كنت فتاة مطيعة؟ نعم، نعم، كنت مطيعة جدًا.»

«أ-أرجوكِ، سيدتي فورتونا، لا تمزحي بشأن هذا…»

 

 

«ما-ما الأمر يا أمي؟ لا تنظري إليَّ هكذا. لم أفعل شيئًا. أكلت بعض الحلوى، ورسمت صورًا، ولعبت بالدمى. لم أخرج إلى الخارج أو أي شيء من هذا القبيل.»

 

 

 

«…أفهم. هذا جيد إذًا…»

 

 

تذكرت إميليا المشهد كما رأته في ذاكرتها وفي النسخة التي أعيد إنتاجها منها. ليس هناك مجال للشك— باب معلق في الفراغ، لا يُفتح ولا يرتبط بأي شيء، باب يُطلق عليه ”الختم“.

بدت تمثيلية إميليا ناجحة، فقد انخدعت فورتونا على ما يبدو. ورغم إحساس خفي بالذنب بدأ يتسلل إلى قلبها، أصرت إميليا على الصمود، مذكرة نفسها بأنه لا مجال للتراجع الآن.

 

 

 

ما سمعته في الساحة اليوم يجب أن يبقى سرًا. فقد أدركت أن الختم مهم جدًا، وبدأت تتيقن أن الختم يعني مكانًا مخفيًا.

 

 

«… الختم.»

وربما، وربما فقط، يكون والداها مخفيين هناك. وإن كان هذا الختم موجودًا في غابة إليور العظيمة، فإن—

 

 

《٦》

«…أرجوكِ، حسنًا؟»

 

 

رأت نفسها وهي طفلة صغيرة، تميل برأسها ببراءة بينما تحدق في الباب الغامض.

غمزت إميليا بعين واحدة وهي تطلب من ذلك الضوء الفوسفوري، صديقتها اللامعة، أن تبحث لها في الغابة.

 

 

«لا أفهم تمامًا، لكن… هل يعني هذا أنني لو بدأت بإثارة الفوضى هنا، ستتدمر الغابة؟»

حتى في تلك المرحلة من طفولتها، كانت ملامح جمالها الاستثنائي قد بدأت تتفتح— جمال سيجعلها حين تكبر قادرة على إبهار الناس بابتسامة واحدة. أما الآن، فقد استخدمت إميليا جزءًا صغيرًا فقط من تلك الجاذبية الطفولية في إقناع صديقتها الباهرة.

كان المكان هو غرفة الأميرة— أو بالأحرى خارجها، حيث خرجت عبر فتحتها التي كانت بمنزلة خط حياتها نحو الحرية. كان هذا يومًا آخر تُركت فيه وحدها في الغرفة، لكنها تمكنت بخفة من الهرب بينما كانت فورتونا منشغلة بشيء آخر. وقد خففت الأوراق المتراكمة تحت الفتحة من أثر سقوطها، فنجحت في تنفيذ هروب جديد بكل مهارة.

 

 

٦

كانت رحلة استعادة تلك الذكريات المفقودة مرتبطة بالندم الذي كان ينهش قلب إميليا. لو لم تكن مستعدة لمواجهة ماضيها، لما استطاعت استرجاع تلك الذكريات أبدًا. ولأن باك فهم ذلك، فقد استخدم عهده معها ذريعة لإخفاء تلك الذكريات.

 

 

بدا أن قوة خفية قادت خطوات إميليا بينما تقدمت هي وإيكيدنا نحو أعماق الغابة.

 

 

«لقد ورثتِ شعركِ الفضي من أخي، هاه؟ ويبدو أن هذا اللون البنفسجي في أعيننا يسري في العائلة أيضًا… لكن هذا الوجه اللطيف، بلا شك، من والدتكِ. جميع أفراد عائلتنا يحملون نظرات حادة في أعينهم.»

الغريب أنها لم تشعر بالضياع؛ فقد عرفت على نحو غامض إلى أين ينبغي لها الذهاب، ومضت بثقة تامة. وكأن انقطاعها عن العالم جعلها قادرة على السير عبر مسالك وعرة، شقت طريقها من خلالها دون تردد، متجاوزة الأرض الموحلة والأشجار المتشابكة بإحكام.

 

 

ما سمعته في الساحة اليوم يجب أن يبقى سرًا. فقد أدركت أن الختم مهم جدًا، وبدأت تتيقن أن الختم يعني مكانًا مخفيًا.

بعد أن اجتازت تلك العقبات، وجدت نفسها أمام مشهد ناصع البياض.

 

 

 

لم يكن هذا الثلج. هنا، بدت الأشجار بكل ما فيها -من أوراق وفروع إلى جذور- ناصعة البياض.

«لـ-لم أقصد ذلك إطلاقًا! فقط ظننت أن مهمة الوصي قد تكون مرهقة جدًا…»

 

 

في هذا المكان الغريب، الذي يقع في أعماق غابة إليور العظيمة، كان الهواء مشبعًا بجو مهيب. رغم وجود أرواح أصغر تحمي المستوطنة والغابة المقدسة، إلا أن هذا المكان كان مميزًا، وكأنه معزول عن قوانين العالم.

«ربما أغلقتُ تلك الذكريات بنفسي لأني لا أريد رؤيتها. لهذا السبب، لا أستطيع استعادتها بمفردي. حتى الآن… لست مستعدة لمواجهتها.»

 

 

وفي وسط هذا الفضاء المقدس—

 

 

 

«—إنه باب… مشهد عجيب حقًا.»

أظهرت إميليا إصرارًا واضحًا، بينما بدت فورتونا وكأنها رفعت يديها مستسلمة. أما جيوس، فقد وجد نفسه عالقًا بينهما، محتارًا ومتوترًا. هذا المشهد جعل إميليا تضيق عينيها وتقول متأملة:

 

«يا لهذه الفتاة… لا أعلم من أين تعلمت الجدال بهذا الشكل.»

في قلب هذا الفضاء، محاطًا بالأشجار البيضاء النقية، كان هناك باب يقف وحيدًا.

ثم، ووجهه يحمل ارتباكًا واضحًا، أومأ جيوس نحو إميليا وقال:

 

كانت ذكرى تتعلق بما كانت تتحدث عنه مع والدتها في غرفة الأميرة حينها.

لم يكن شكل الباب غريبًا في حد ذاته، لكن ما جعله استثنائيًا هو طريقة وجوده.

في وسط الفسحة، تحدث ممثلو الطرفين. فورتونا، ممثلة الجان، بدت وكأنها تحاول إخفاء شيء ما، إذ كانت تمسك بزمام الحديث منذ البداية ولا تزال مسيطرة عليه.

 

 

كان بابًا مزدوجًا قائمًا في الفراغ، دون أن يكون متصلًا بأي بناء. بدا كما لو كان منعزلًا عن أي هيكل، ولم يتغير مظهره حتى عند الالتفاف حوله من الخلف.

كان يبدو هشًّا ومنكسرًا، كطفل ضائع وجد والده أخيرًا، أو كمُسافر ظل يتخبط في الظلام حتى عثر على بصيص من النور. بدت ملامحه مزيجًا من الخوف والأمل.

 

 

«هذا هو الختم.»

«لا بأس… نعم، نعم، أنا بخير. لا مشكلة أبدًا. لأنني… الآن، في هذه اللحظة تحديدًا، لم أشعر قط بخلاص أعظم من هذا…»

 

—لا بد لأحد أن يتحدث إليه. لا بد لأحد أن يمسك بيده.

نطقت إميليا بالكلمات بينما حدقت إيكيدنا في الباب باستفهام.

 

 

«…مَن تكون؟!»

الختم— ذلك السر المقدس المخفي في أعماق غابة إليور العظيمة. كانت فورتونا وسكان المستوطنة يحمونه، ولم ينسَ جيوس يومًا التحقق من سلامته.

إنه نفس الضوء الذي ألهم خطة هروبها. تملكتها الحيرة عندما لاحظت كيف تراقص الضوء تمايل أثناء اقترابه منها، ثم بدأ بريقه يزداد تدريجيًا—

 

 

تذكرت إميليا المشهد كما رأته في ذاكرتها وفي النسخة التي أعيد إنتاجها منها. ليس هناك مجال للشك— باب معلق في الفراغ، لا يُفتح ولا يرتبط بأي شيء، باب يُطلق عليه ”الختم“.

بصوت يحمل مزيجًا من الجدية واللين، خاطبت فورتونا ابنتها التي كادت الدموع تنهمر من عينيها.

 

«أوه، بما أنكِ فكرتِ في الأمر لهذا الحد، ربما عليكِ التفكير أيضًا في ما قلته لكِ، أليس كذلك؟ أتساءل… لماذا تطارد أمك وجيوس الصغيرة إميليا؟»

«لكن إن كان هذا هو الختم، فماذا يعني ذلك…؟»

«ربما أغلقتُ تلك الذكريات بنفسي لأني لا أريد رؤيتها. لهذا السبب، لا أستطيع استعادتها بمفردي. حتى الآن… لست مستعدة لمواجهتها.»

 

كانت فورتونا قد حدثتها قبل قليل عن أهمية الوفاء بالوعود، والآن تستخدم إميليا تلك الكلمات ذاتها. ابتسمت فورتونا على مضض، واحتضنت ابنتها الصغيرة بحنان.

«—يبدو أن الإجابة قد وصلت.»

 

 

 

شعرت إميليا بدوار مفاجئ وضعت يدها على جبينها لتخفيفه. بدأت الذكريات تتدفق، كما لو تحفر في جراح قديمة. تنهدت إيكيدنا بهدوء خلفها، فيما التفتت إميليا لترى ما ينتظرها.

«قولك ”بالنسبة لرجل“ هو في حد ذاته مقارنة ظالمة، مبنية على مظهري فقط. إن الرجال في هذا العالم لا يُحصون، فبأي معيار تحكمين عليَّ؟ هذا التصرف… لا أستطيع التغاضي عنه. إنه يتجاهل فرديتي وحقوقي.»

 

 

أمامها، كان ضوء فوسفوري خافت ينساب بخفة. وما وراءه—

 

 

 

«أهذا هو الختم؟»

برفَّة خفيفة من أذنيها الطويلتين، شدَّت إميليا سمعها لتلتقط أجزاء من الحوار الذي دار بين فورتونا وجيوس. ورغم قدرتها على سماع الكلمات، لم تفهم معناها تمامًا، لكنها شعرت بشيء من المودة في الابتسامة الحزينة التي علت وجه والدتها.

 

 

رأت نفسها وهي طفلة صغيرة، تميل برأسها ببراءة بينما تحدق في الباب الغامض.

 

 

كانت إكييدنا تستند إلى شجرة، وتمدُّ يدها إلى الأمام بينما يعيقها طول فستانها. عندها، هرعت إميليا نحوها بقلق.

٧

 

 

كان الصوت معذَّبًا بالحزن، يتوسل المغفرة تحت وطأة إحساس لا يُحتمل بالذنب.

رمشت إميليا الصغيرة بعينيها الواسعتين مرارًا، وهي تنظر إلى الباب الغامض الذي يقف أمامها.

تدخَّل جيوس برفق ليخفف من ارتباك فورتونا، لكن إميليا لاحظت أن كلامه أثار انزعاج والدتها، رغم أنه لم يلحظ ذلك بنفسه.

 

 

أخيرًا، نجحت في تحديد موقع الختم الذي كان فورتونا والآخرون يخفونه. كان البحث العشوائي في غابة كبيرة مهمة شاقة، حتى بمساعدة الجنية. لكن—

كانت هذه المرة الثانية التي تحاول فيها إميليا اجتياز المحاكمة، لكن محاولتها السابقة باءت بفشل ذريع تركها تتمنى لو تختفي من شدة الخجل. والأسوأ من ذلك، أنها لم تتمكن حتى من تذكر ما حدث بالضبط.

 

تذكرت الأوقات التي قضتها مع والدتها، وكيف كان آرتشي وجميع أهل القرية لطفاء معها، والجنية التي ساعدتها في إيجاد الختم وفي غرفة الأميرة، ولقاءها مع جيوس، الرجل الذي لم يكن من المفترض أن تلتقي به، لكنها انتهت إلى مصادقته— كلها ذكريات غالية أضاعتها من ذاكرتها.

«بفضل الجميع، حللنا اللغز! مرحا!»

«همف، أمي والجميع مذنبون… وكذلك جيوس.»

 

«الختم…»

ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه إميليا الصغيرة وهي تنظر إلى الأضواء الفوسفورية التي تدور من حولها.

 

 

 

زاد عدد الأضواء عن السابق، لكنها لم تكن كثيرة بحيث يصعب عدَّها. فقد تمكنت، من خلال مفاوضات شاقة مع العديد من الجنيات المنتشرة في أنحاء الغابة، من جمع هذه الكائنات إلى صفها، مشكِّلة مجموعة لا بأس بها.

«لهذا السبب—»

 

«أ-أيتها الصغيرة… لا، لا يمكن… هل أنتِ حقًا…؟»

«لماذا لا تسقط بارتطام مدوٍ؟»

 

 

«امم، أمي، أنا…»

رغم أن الختم قد عُثِر عليه بفضل تعاون الجنيات، إلا أنه لم يتحرك مهما دفعت أو سحبت.

 

 

 

بدا الباب، للعين المجردة، وكأنه مصنوع من الخشب، غير أن ملمسه كان باردًا أشبه بالجليد. وعندما مررت أصابعها على سطحه، شعرت بنعومة ممتعة، كأنها تتحسس حجرًا كريمًا مصقولًا. كل ما في هذا الباب أثار الفضول، فهو يخفي في طياته غموضًا يصعب فهمه.

 

 

أمسك جيوس بيدها الصغيرة، مبتسمًا، وتبادلا مصافحة بسيطة، كانت حرارة كفيهما بمثابة تحية وداع بينهما.

كان هناك قفل في منتصف الباب المغلق، بدا قديمًا، وفي وسطه ثقب مفتاح بحجم راحة يد إميليا تقريبًا. تساءلت عن حجم المفتاح الذي يناسب هذا الثقب، وعن الشخص الضخم الذي قد يحتفظ بمفتاح كهذا في جيبه.

كانت الوعود ذات أهمية كبيرة؛ لهذا، هزَّت إميليا رأسها مطمئنة إلى وعد والدتها.

 

 

«لا أفهم شيئًا… لكننا وجدناه، هذا يستحق التصفيق!»

 

 

اندفعت إميليا بحماس عبر الأعشاب الطويلة، متقدمة على ممر حيوانات ضيق، فيما علقت أغصان الأشجار بشعرها الفضي مرارًا أثناء عبورها. حتى وصلت إلى—

*تصفيق! تصفيق!*

قفزت إميليا بمرح على طول ممر الغابة، تسخر من جيوس وكأنه طفل ضعيف يتعثر بخطاه، بينما ارتسمت على وجه فورتونا ابتسامة متألمة عند سماع حديثه. هزَّ جيوس رأسه سريعًا، مرتبكًا.

 

 

كانت تأمل في قلبها أن يكون والداها مخفيين خلف هذا الختم، فقد وضعت أخيرًا يدها على أول دليل ملموس يقودها إليهما. لكنها لم تكن راضية بمجرد إشباع فضولها، فالأمر لم ينتهِ هنا.

«ما هو… اسمك؟»

 

«نعم، شكرًا لك، آرتشي.»

كانت عازمة على كشف كل ما يخفيه الآخرون بمساعدة الجنيات. لا يزال أمامها الكثير لتفعله.

«أمي؟»

 

«هممم؟ لماذا تبدين في عجلة من أمرك…؟ ها؟»

«همف، أمي والجميع مذنبون… وكذلك جيوس.»

 

 

 

تذكرت الرجل الطويل بردائه الأسود الذي لم يكن موجودًا الآن، فأخرجت لسانها بسخرية. كان عدوًّا رأى جانبًا من والدتها الغالية لم يظهر لأحد سواها— دون إذن منها. بتصميم على المواجهة القادمة، عقدت العزم على إعداد خطة لإلحاق الهزيمة بجيوس.

 

 

كان الصوت معذَّبًا بالحزن، يتوسل المغفرة تحت وطأة إحساس لا يُحتمل بالذنب.

«سأفاجئ جيوس بمساعدة الجنية، وعندما يصيبه الهلع، سأدوس على قدمه! سأدوس على قدميه كلتيهما، وبكعبي أيضًا! …لكن هذا قد يؤلمه كثيرًا، لذا سأكتفي بأصابعه فقط.»

 

 

 

رغم مخططها الانتقامي، حرصت على أن تتضمن خطتها شيئًا من الرحمة. فمَن يصر على خوض معركة باردة القلب، لا يأبه فيها للدموع ولا للآلام، سيفقد ثقة حلفائه في النهاية. وكان عليها أن تحافظ على روابطها مع الجنيات.

 

 

 

«حسنًا، لنعد إلى البيت. أشعر أنني سأرسم اليوم سماءً حمراء وغابة ناصعة البياض!»

«أجل، أذكر أنني كنتُ عاجزة إلى درجة لا أستطيع إنكارها.»

 

وضعت فورتونا يدها على جبينها، متأففة من رائحة الحبر التي ملأت الغرفة، بينما انقلب الإناء مائلًا على جانبه. ومع أن ملامحها بدت للحظة حائرة، إلا أنها سرعان ما ابتسمت لإميليا.

بعد تحقيق هدفها الأخير، هرولت إميليا عائدةً في طريقها مع الجنيات، قافزة بخفة فوق العوائق التي تعترض طريقها. كانت تلك الطريق مليئة بالمخاطر، لكن خفتها ومهارتها ساعدتاها على تجاوزها بسلاسة.

 

 

«… لكنني أحب عينيكِ حقًا.»

في الأصل، كانت فورتونا قد منعتها من دخول هذا الجزء من الغابة، ولهذا لم تكتشف الختم لفترة طويلة. أمي ذكية للغاية.›

«هناك لحظات في الحياة تصبح بذورًا للندم وتتجذر في قلب الشخص. وفي الوقت ذاته، يمكن أن تصبح تلك اللحظات أساسًا للعلاقات. الطريقة التي يواجه بها المرء ندمه تعتمد على الظروف المحيطة به. فهناك ماضٍ لا يمكن تجاوزه دون تكوين روابط والتحدث مع الآخرين.»

 

كانت الوعود ذات أهمية كبيرة؛ لهذا، هزَّت إميليا رأسها مطمئنة إلى وعد والدتها.

لكنها الآن شعرت أنها تفوقت عليها، وهتفت: «ألم نخدعها؟ …ما الأمر؟»

 

 

 

في أثناء سيرها في المسار غير المألوف، توقفت فجأة عندما بدأت الجنيات تومض بغير انتظام، متناثرة عبر مجال رؤيتها قبل أن تنجرف نحو غابة كثيفة على جانب الطريق.

 

 

 

«مم… هممم؟ رائحة المغامرة تفوح من هنا!»

«—!»

 

«بالمناسبة، يا إميليا… تحدثتِ عن جنية؟»

أعادتها تصرفات الجنيات إلى اللحظة التي التقت فيها بهم لأول مرة في غرفة الأميرة، حيث وُلدت حينها علاقتها الوثيقة بهم. كان لهذا الوقت أيضًا، على الأرجح، معنى خاص.

《٢》

 

 

«يوهوو!»

 

 

 

اندفعت إميليا بحماس عبر الأعشاب الطويلة، متقدمة على ممر حيوانات ضيق، فيما علقت أغصان الأشجار بشعرها الفضي مرارًا أثناء عبورها. حتى وصلت إلى—

كانت في ذهنها الكثير من الأسئلة، وأشياء كثيرة أرادت معرفتها.

 

 

«هذا مقلق حقًا… لقد تجاوزت الوقت المحدد.»

 

 

 

«—آه!»

«لا تقلق. إميليا طفلة مفعمة بالحيوية، وستكبر لتصبح فتاة جيدة. فتاة بهذا اللطف تكاد تكون نعمة زائدة عن حاجتنا… لكنني أعتذر، لا يمكنني السماح لها بمقابلتها بعد.»

 

 

بينما كانت تخرج من بين الأشجار الكثيفة، رأت ظهرًا أسود اللون يقف في الغابة. أطلقت شهقة صغيرة، ثم أسرعت بتغطية فمها واختبأت وسط الأعشاب. لكن الوقت كان قد فات.

 

 

 

«أوه؟ مَن عساه يكون صاحب هذا الظهر الظريف؟»

رغم أنها خرقت القواعد للتو، راودتها رغبة في الركض إلى فورتونا لتتباهى بما فعلت وتقول: ”هيهي! لقد فعلتها!“ لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة، مدركة أن ما ينتظرها سيكون توبيخًا أشبه بعاصفة عاتية. لقد كادت أن تتهوَّر.

 

تمتمت إميليا بأسماء الشخصين اللذين كان لهما تأثير بالغ في ماضيها، وقد انخفضت عيناها نحو الأرض. كان أحدهما الرجل ذو الشعر الأخضر في الغابة، جوس، أما الآخر—

خاطب صوت مألوف إميليا وهي تختبئ وسط الأشجار، فيما كان جزء من جسدها مكشوفًا. جعلها الصوت تنتفض وترتجف؛ فرغم أنه لم يكن يعرفها، إلا أنها تعرفه جيدًا— ذاك الشرير المشؤوم.

 

 

 

«أ-أطلب معاملة لطيفة كأسير بين يديك…»

«إميليا؟»

 

—كان عليها ذلك الآن، بعدما تبادلا أسرارهما ولم يعودا خصمين، بل أصبحا أقرب إلى صديقين.

استسلمت إميليا لفكرة أنها لن تتمكن من خداعه، فنطقت بكلمات استسلام لم تفهمها تمامًا. وما إن رفعت راية بيضاء حتى ارتسمت ابتسامة على وجه الرجل— جيوس.

 

 

رسمت بسرعة بعض الصور، وغيَّرت ملابس الدمى، واستمتعت بتناول مختلف أنواع الحلوى. وبعد انتهائها من كل ذلك، كانت تمسح العرق عن جبينها عندما سمعت صوت فورتونا يناديها من الخارج.

«يا للعجب، أيتها الفتاة الصغيرة اللطيفة، هل جئتِ لزيارتـ… ها؟»

شعرت فورتونا وجيوس على الفور بوجوده الغريب. سارعت فورتونا إلى جذب إميليا إليها بحذر بالغ، وهي تراقب الفتى الذي خرج من بين الأشجار بخطوات هادئة، يمرر أصابعه في شعره الأبيض.

 

الختم— ذلك السر المقدس المخفي في أعماق غابة إليور العظيمة. كانت فورتونا وسكان المستوطنة يحمونه، ولم ينسَ جيوس يومًا التحقق من سلامته.

بدا مرتاحًا لمقاومتها الطفولية، غير أن تعابير وجهه تجمدت فجأة. قُطعت كلماته في منتصفها، وتجمد وجهه الهادئ، متصلبًا من شدة الصدمة. شهقت إميليا بدورها حين رأت عينيه تتسعان دهشة، بينما تبادلا نظرات غارقة في مشاعر متشابكة ومتلاطمة.

 

 

 

«أ-أيتها الصغيرة… لا، لا يمكن… هل أنتِ حقًا…؟»

 

 

مهما كانت نوايا إيكيدنا مليئة بالخبث، لم تعد كلماتها قادرة على زعزعة عزيمة إميليا. ربما أدركت الساحرة ذلك من خلال الحوارات التي جرت بينهما خلال رحلتهما عبر الذكريات، فخفضت كتفيها وسحبت سمومها.

ارتعش صوته وبدأ يهز رأسه وكأنه لا يصدق ما يرى. رفعت إميليا بصرها نحوه بقلق، والشعور بالريبة ينهش صدرها الصغير.

 

 

 

كان يبدو هشًّا ومنكسرًا، كطفل ضائع وجد والده أخيرًا، أو كمُسافر ظل يتخبط في الظلام حتى عثر على بصيص من النور. بدت ملامحه مزيجًا من الخوف والأمل.

«لكني هنا، أليس كذلك؟»

 

تذكرت أنها قرأت ذات يوم قصة خيالية من بلاد أخرى في ذلك الكتاب، لكن لا العنوان ولا المحتوى كان حاضرًا في ذهنها، بدا أن تلك الحكاية تركت في قلبها انطباعًا قويًا عن الجنيات بوصفها مخلوقات لطيفة وموثوقة.

—لا بد لأحد أن يتحدث إليه. لا بد لأحد أن يمسك بيده.

 

 

 

في اللحظة التي خطرت هذه الفكرة في بالها، نسيت إميليا تمامًا كل مشاعر الحقد التي كانت تخفيها نحوه طوال هذا الوقت.

 

 

 

«—جيوس، هل أنتَ بخير؟»

رسمت بسرعة بعض الصور، وغيَّرت ملابس الدمى، واستمتعت بتناول مختلف أنواع الحلوى. وبعد انتهائها من كل ذلك، كانت تمسح العرق عن جبينها عندما سمعت صوت فورتونا يناديها من الخارج.

 

«نعم، شكرًا لك، آرتشي.»

«—؟! آه، آآه، آآآآه…!»

عندما أطرق جيوس بعينيه نحو الأرض، لم تحاول فورتونا أن تخفف عنه بكلمات مواساة مبتذلة. اكتفى هو بإيماءة بسيطة، وكأن صمتها ذاته كان شكلًا من أشكال الخلاص.

 

 

عندما خاطبته، تحطمت مشاعر جيوس بالكامل. وكأن كلماتها كانت صاعقة أصابته في الصميم، سقط على ركبتيه، وبدأ ظهره يرتجف.

غادر جوس الفسحة بابتسامة أخيرة لطيفة، ومضى في طريقه. تابعت فورتونا بعينيها القافلة حتى توارت عن الأنظار، ثم أغمضت عينيها للحظة واحدة وأطلقت زفرة عميقة.

 

 

انهمرت دموعه بغزارة وهو يحدق في إميليا بذهول. كان جيوس أول بالغ تراه إميليا يبكي بهذا الشكل. وبينما كان يجذب جسده إلى الخلف، هز رأسه وكأنه يرفع دعاءً، أو يقدم رجاءً، أو يعبر عن امتنان عميق.

رغم أن الختم قد عُثِر عليه بفضل تعاون الجنيات، إلا أنه لم يتحرك مهما دفعت أو سحبت.

 

«—أمي، فورتونا.»

«لا بأس… نعم، نعم، أنا بخير. لا مشكلة أبدًا. لأنني… الآن، في هذه اللحظة تحديدًا، لم أشعر قط بخلاص أعظم من هذا…»

«ربما أغلقتُ تلك الذكريات بنفسي لأني لا أريد رؤيتها. لهذا السبب، لا أستطيع استعادتها بمفردي. حتى الآن… لست مستعدة لمواجهتها.»

 

كانت تلك المودة موجهة نحو الرجل الطويل الذي يرتدي رداءً أسود، والذي خاطبته والدتها باسم جيوس.

«حقًا…؟ إذا كان هذا صحيحًا، فلماذا تبكي؟»

 

 

تذكرت الأوقات التي قضتها مع والدتها، وكيف كان آرتشي وجميع أهل القرية لطفاء معها، والجنية التي ساعدتها في إيجاد الختم وفي غرفة الأميرة، ولقاءها مع جيوس، الرجل الذي لم يكن من المفترض أن تلتقي به، لكنها انتهت إلى مصادقته— كلها ذكريات غالية أضاعتها من ذاكرتها.

«أنا لا… أبكي من الحزن… هذه دموع فرح وبهجة وسعادة… دموع دفء لا أستطيع احتواءها من شدة السعادة. هذا فقط… لأنكِ أ-أنتِ… أنتِ مَن أنقذني… لهذا السبب أنا…»

 

 

 

استمعت إميليا إلى صوته المختنق بالبكاء، وأمسكت بيده. كان فعلًا عفويًا وطبيعيًا بالنسبة لها. ومن خلال لمس أصابعه، شعرت بمشاعره تتدفق نحوها. وبإحكام قبضتها على يده، تمنَّت من قلبها أن تصل مشاعرها إليه أيضًا.

داخل التجويف، وفي ضوء شاحب وخفيف، وقعت عيناها على قاطني الشجرة.

 

«كم مضى من عقود على ذلك؟ يا إلهي، أنت تتعامل معي وكأنني طفلة صغيرة.»

—استمرت دموع جيوس، تلك التي وصفها بأنها دموع السعادة، في التدفق دون توقف.

لم ترغب في أن تتحمَّل والدتها، التي أحبتها حبًّا جمًّا، أعباء الحزن والوحدة. فحملت في قلبها أمنية طفولية بأن ربط عبارات فورتونا المفضَّلة بذكريات جميلة قد يمحو كل الذكريات السيئة.

 

 

«البكاء من السعادة…»

 

 

«نعم، بناءً على طريقة إدراك هذا العالم لكِ. لكن، الشخص الذي يفتقر إلى المرونة في تفكيره قد…»

فهمت إميليا إحساسه بطريقة ما. فقد مرت ليالٍ شعرت فيها بالوحدة، غير قادرة على النوم. وفي تلك الأوقات، كانت تزحف إلى فراش فورتونا، وتستسلم لدفء حضن والدتها.

كانت هذه المرة الثانية التي تحاول فيها إميليا اجتياز المحاكمة، لكن محاولتها السابقة باءت بفشل ذريع تركها تتمنى لو تختفي من شدة الخجل. والأسوأ من ذلك، أنها لم تتمكن حتى من تذكر ما حدث بالضبط.

 

«بغض النظر عن كل شيء، ”طفلة صغيرة“ وصف مبالغ فيه. هل تعرف حتى كم عمري الآن؟»

داخل ذلك الحضن، تحررت من مخاوفها، وغالبًا ما تشعر برغبة في البكاء دون سبب. ربما شعر جيوس الآن بشيء مشابه لما كانت تشعر به حينها.

«لـ-لا! لم أفكر بمثل هذه الوقاحة أبدًا! كل ما في الأمر أنني قلق فقط على السيدة إميليا… آآه! السيدة إميليا، لا تذهبي إلى هناك!»

 

 

تساءلت في نفسها: هل بإمكانها أن تمنحه السعادة كما فعلت والدتها معها؟

 

 

وفي أثناء حديثهما عن إميليا، ردَّ جيوس بإجابة ناعمة جعلت فورتونا تتجمد في مكانها، وكأن كلماته قد تسللت عبر فجوة في درعها. عندها، احمرَّت قليلًا وهي تحدق به بنظرة غاضبة لكن مرتبكة.

«لا بأس، جيوس. لا تقلق. كل شيء سيكون على ما يرام.»

«لقد أصبحت إميليا في الآونة الأخيرة نشيطة جدًا. تعود دائمًا وثيابها مغطاة بالطين. أغسلها وأغسلها يومًا بعد يوم، لكني لا أتمكن من مواكبة ذلك.»

 

 

راحت تطمئنه وهي تمرر يدها الأخرى على رأسه بحنان. في البداية، تصلب جيوس تحت لمستها، لكنها ضمته برفق إلى صدرها الصغير. اخترقت ارتجافاته قلبها مباشرة، وشعرت بدفء جسده يغمر أعماقها.

 

 

بالنسبة إليها، كان معرفة نهاية ذلك الحلم والعثور على عائلتها بمثابة البداية لكل شيء.

—برغم خطتها الجريئة بدوس قدميه، انتهى الأمر بهما معًا هكذا.

«لماذا؟» تذكَّرت أنها سألت ذاك الصوت.

 

 

يا له من شخص عاجز. ويا له من عدو ضعيف. كيف يمكنها أن تؤذي شخصًا يبكي بهذا الشكل؟ ليس لديها خيار سوى مواساته، وستسامحها والدتها بالتأكيد على ذلك.

«…»

 

 

«لا بد أن البكاء وحيدًا شعور مرير…»

 

 

 

عندما هدأ جيوس أخيرًا، توجها معًا حيث كانت والدتها. والآن عليها أن تخبر والدتها بكل شيء— عن لقائها بجيوس، وعن مغامرتها في أعماق الغابة، وعن كيف بكى جيوس كطفل صغير رغم كونه رجلًا بالغًا.

 

 

 

 

 

 

—كان عليها ذلك الآن، بعدما تبادلا أسرارهما ولم يعودا خصمين، بل أصبحا أقرب إلى صديقين.

«لماذا لا تسقط بارتطام مدوٍ؟»

 

 

٨

 

 

قالت إميليا بحسد: «إذًا حتى أنتِ لديكِ أصدقاء، يا إيكيدنا. هذا رائع جدًا.»

«—!»

 

 

 

للحظة، تسببت الذكريات التي عادت لتطفو إلى السطح في شعور إميليا بدوار شديد.

دون أن تدرك أن أمها كانت قلقة بشأن أصدقائها غير المرئيين، نادت إميليا عليهم برفق. وفي اللحظة ذاتها، تدفقت أضواء لا حصر لها من حولها، مما جعل فورتونا وجيوس يحدِّقان بدهشة.

 

 

رمشت بعينيها عدة مرات محاولة استعادة أنفاسها، لكن قلبها ظل ينبض بقوة داخل صدرها. لقد استرجعت ماضيها الثمين برؤية نفسها في تلك الذكريات القديمة التي عاشت من خلالها.

كان قد نقش عبارات تشجيع ومشاعر لا تحصى على جدران القبر لتدعمها في مواجهتها للمحاكمة. تلك الكلمات التي رافقتها هي ما أوصلها إلى هذه المرحلة.

 

مال جيوس برأسه في حيرة، بينما حولت فورتونا عينيها بتعبير متضايق. رأى ذلك على وجهها، فمد يده برفق نحو جبينها، ولامست راحة يده جبينها بحنان.

«لا أصدق أنني نسيت كل تلك الأمور التي حدثت…»

«—؟»

 

«همف…»

لم تشعر إميليا بأي فرحة لعودة تلك الذكريات، بل أحست بندم عميق حين أدركت كم الأشياء التي اعتبرتها أمرًا مسلمًا به. كانت ذكريات دافئة وثمينة، حتى إنها شعرت بندم مؤلم على نسيانها.

«أوه، كم أنتِ قلقة دائمًا يا إميليا. لا داعي للخوف بهذا الشكل. أعلم أنك لم تفعلي ذلك عمدًا، بالطبع لن أغضب منك. الأهم الآن أنكِ بخير، أليس كذلك؟»

 

 

تذكرت الأوقات التي قضتها مع والدتها، وكيف كان آرتشي وجميع أهل القرية لطفاء معها، والجنية التي ساعدتها في إيجاد الختم وفي غرفة الأميرة، ولقاءها مع جيوس، الرجل الذي لم يكن من المفترض أن تلتقي به، لكنها انتهت إلى مصادقته— كلها ذكريات غالية أضاعتها من ذاكرتها.

 

 

لم يكن الكبار منصفين. يعلمون الأطفال قاعدة معينة، ثم يكسرونها هم أنفسهم بحجة ما أو عذر آخر.

«لكن… ربما لم أكن لأتمكن من قبولها حتى وقت قريب.»

«لا يجوز أن تخلفي وعودك. الوفاء بها أمر في غاية الأهمية. الوعد تعبير عن الثقة، ولا ينبغي لكِ أن تكسريه فتخوني ثقة مَن وضع ثقته بكِ.»

 

لم يكن هذا الثلج. هنا، بدت الأشجار بكل ما فيها -من أوراق وفروع إلى جذور- ناصعة البياض.

كانت رحلة استعادة تلك الذكريات المفقودة مرتبطة بالندم الذي كان ينهش قلب إميليا. لو لم تكن مستعدة لمواجهة ماضيها، لما استطاعت استرجاع تلك الذكريات أبدًا. ولأن باك فهم ذلك، فقد استخدم عهده معها ذريعة لإخفاء تلك الذكريات.

 

 

 

في تلك الحالة، حتى لو التقت شخصًا كان عليها أن تتذكره بطريقة ما، كانت الذكريات المختومة ستمنعها من استيعاب ما يجري، لتبقى فقط في دوامة من الألم والأسى— كل ذلك لحماية قلب إميليا من ذكرياتها.

 

 

«لقد انتهت المقدمات، أليس كذلك؟»

ولكن بعد أن انكسر العهد، انفتح باب الذكريات، وانكشف الطريق المؤدي إلى ماضيها المختوم. الآن، وقد أعادت استذكار تلك الذكريات، أصبحت مستعدة لمواجهة ماضيها— منبع الندم الذي عجزت عن مواجهته سابقًا.

 

 

 

كانت تمتلك ما تحتاجه لتحدي تلك الندوب العالقة في روحها. ففي المرة الماضية، لم تفعل شيئًا في المحاكمة سوى الانهيار والبكاء. أما الآن—

 

 

«ظننت أن أمي والبقية يخفون شيئًا أكثر مرحًا وإثارة.»

«—أشعر بالخوف، لكنني لن أستسلم.»

لكنها الآن شعرت أنها تفوقت عليها، وهتفت: «ألم نخدعها؟ …ما الأمر؟»

 

 

«هل يمكنكِ التوقف عن التصرف وكأنك تلك المرأة البائسة التي تبكي وتتشبث برجل ليملأ فراغ الأب في حياتها؟»

كان وصف ”الأم البديلة“ مصطلحًا ملتفًّا إلى حد ما، لكن فورتونا نفسها مَن أصرت على هذا الوصف، مدعية بإلحاح أنها مجرد بديل لا أكثر.

 

ارتبك آرتشي وامتقع وجهه خوفًا من أن يكون سوء الفهم قد وقع. لكنه أدرك أنها كانت تمازحه حين انفجرت ضاحكة.

عندما عبرت إميليا عن مشاعرها تجاه المحاكمة، ردت إيكيدنا من خلفها بفيض من السخرية. لكن إميليا واجهت كلماتها بنفخة جريئة في صدرها، كأنها تتحدى تلك الإهانة.

 

 

 

«أنا متأكدة أن سوبارو سيغفر لي ذلك… لكنني لا أريد أن أفقد ثقته، ولا أن أفقد ثقتي بنفسي. أنا ضعيفة، لكنني لا أريد البقاء كذلك.»

 

 

 

ثم أضافت:

 

 

 

«ولا أريد أن أجعل كل الكلمات التي خطها سوبارو من أجلي تتحول إلى أكاذيب.»

 

 

أخذت إميليا نفسًا عميقًا، ثم تقدمت نحو الشخص الآخر بخطوات حذرة. ما إن وقفت أمامه، حتى رفعت نظرها نحو الشخصية التي كانت تتحدث إلى طفولتها— إلى امرأة جان ذات ملامح أنيقة وآذان أطول قليلًا من آذان البشر.

كان قد نقش عبارات تشجيع ومشاعر لا تحصى على جدران القبر لتدعمها في مواجهتها للمحاكمة. تلك الكلمات التي رافقتها هي ما أوصلها إلى هذه المرحلة.

 

 

«… حسنًا، مادامت أمي والكبار يفعلون أمرًا سريًّا، فهذا يجعلنا متعادلين.»

«أثق بسوبارو. ولهذا أريد أن أكون الفتاة التي لا تخذل مشاعره.»

نطقت إميليا بالكلمات بينما حدقت إيكيدنا في الباب باستفهام.

 

—كان هناك فتى بدا كأنه تجسيد للون الأبيض.

«—افعلي ما يحلو لكِ. كل ما أفعله هنا هو التلذذ بمراقبة عذابك.»

«يا له من تصرف مزعج… إلى جانب ذلك الشخص وأصدقائي، قد تكونين الوحيدة التي تنجح في استفزاز مشاعري إلى هذا الحد، رغم أنها مشاعر نفور بحتة.»

 

«امم، أمي، أنا…»

مهما كانت نوايا إيكيدنا مليئة بالخبث، لم تعد كلماتها قادرة على زعزعة عزيمة إميليا. ربما أدركت الساحرة ذلك من خلال الحوارات التي جرت بينهما خلال رحلتهما عبر الذكريات، فخفضت كتفيها وسحبت سمومها.

 

 

 

أدركت إميليا تمامًا معنى هذا التغيير في موقف إيكيدنا.

 

 

 

«لقد انتهت المقدمات، أليس كذلك؟»

 

 

 

«نعم، انتهت— المناوشات الأولى انتهت. وهذه المرة، ستبدأ المحاكمة التي حطمتك حقًّا.»

 

 

 

جعلت كلمات إيكيدنا إميليا تهز رأسها موافقة، وفي اللحظة ذاتها تغيَّر المشهد من حولها.

«هاه؟ آه، فهمت.»

 

«ولا أريد أن أجعل كل الكلمات التي خطها سوبارو من أجلي تتحول إلى أكاذيب.»

بعد لقائها مع جيوس، غادرت إميليا وإيكيدنا الغابة المختومة عبر ممرِّها، يسيران جنبًا إلى جنب حتى وصلا إلى فورتونا، التي تفاجأت بهما ثم انفجرت غضبًا كالنار المشتعلة.

تلاعبت إيكيدنا بشفتيها باشمئزاز، لكن إميليا، التي أدركت أن ”هو“ المقصود هو ناتسكي سوبارو، نفخت صدرها قليلًا بشعور طفيف بالفخر.

 

 

بعد ذلك، مشى الثلاثة معًا نحو مستوطنة الغابة جنبًا إلى جنب— كان ذلك هو المشهد.

 

 

حتى في تلك المرحلة من طفولتها، كانت ملامح جمالها الاستثنائي قد بدأت تتفتح— جمال سيجعلها حين تكبر قادرة على إبهار الناس بابتسامة واحدة. أما الآن، فقد استخدمت إميليا جزءًا صغيرًا فقط من تلك الجاذبية الطفولية في إقناع صديقتها الباهرة.

وكأن هذا المشهد كان ينتظر إميليا لتسد الفراغات في ذاكرتها… بل، هذا ما كان يحدث بالضبط. كانت ذكرياتها، ووطنها، وفورتونا وجيوس ينتظرون عودتها… ليحتضنوها برفق، كما فعلوا مع إميليا الصغيرة في الماضي.

 

 

أهم من إهانات إيكيدنا -وأهم من لقاء ذاتها الطفولية- كان الشخص الآخر الذي كان في الغرفة.

—كانوا هناك ليستقبلوا إميليا بحنان حين عادت إلى وطنها الذي كان يقطن ذاكرتها.

 

 

«—أنا أحبكِ.»

«لهذا السبب—»

تلاشت كل التساؤلات التي دارت في ذهن إميليا فور سماعها كلمات فورتونا. قفزت بسرعة من الشجرة وكادت أن تتعثر، لتتجه مسرعة عائدة إلى غرفة الأميرة.

 

 

—كان على إميليا أن تقبل المحاكمة القادمة بكل ما تحمله.

وبذراعها ما زالت داخل الفجوة، خطرت لإميليا فكرة مقلقة.

 

 

«—انتظري يا سيدة إميليا! الجري هكذا خطير…»

 

 

 

«ليس خطيرًا على الإطلاق! أنت مَن يقع دومًا ويجرح ركبتيه يا جيوس.»

—كان هناك فتى بدا كأنه تجسيد للون الأبيض.

 

 

«مهما كانت إصاباتي، لا أبالي. سلامة جسد السيدة إميليا تأتي أولًا! لو أصاب خدشٌ جلدكِ الصافي كالجوهر، فلن يكفيني الموت عقابًا!»

 

 

«—افعلي ما يحلو لكِ. كل ما أفعله هنا هو التلذذ بمراقبة عذابك.»

«جيوس، طريقتك في الكلام تبدو بذيئة بعض الشيء…»

 

 

«لا يجوز أن تخلفي وعودك. الوفاء بها أمر في غاية الأهمية. الوعد تعبير عن الثقة، ولا ينبغي لكِ أن تكسريه فتخوني ثقة مَن وضع ثقته بكِ.»

قفزت إميليا بمرح على طول ممر الغابة، تسخر من جيوس وكأنه طفل ضعيف يتعثر بخطاه، بينما ارتسمت على وجه فورتونا ابتسامة متألمة عند سماع حديثه. هزَّ جيوس رأسه سريعًا، مرتبكًا.

«هذا هو الختم.»

 

 

«لـ-لا! لم أفكر بمثل هذه الوقاحة أبدًا! كل ما في الأمر أنني قلق فقط على السيدة إميليا… آآه! السيدة إميليا، لا تذهبي إلى هناك!»

 

 

 

«لكنني أريد ذلك! حاول أن تلحق بي إن استطعت!»

«لقد تفاجأت حقًّا. ظننت أنكِ ستقولين أشياء أشد قسوة عني وعن أمي.»

 

«—؟»

قفزت إميليا إلى داخل الأحراش بحماسة، بينما حاول جيوس عبثًا اللحاق بها. ضحكت فورتونا من قلبها عندما رأت جيوس عاجزًا عن التصرف.

رغم أن تلك المرأة وصفت نفسها دائمًا بأنها بشعة، كانت إميليا تحب مظهرها كثيرًا.

 

 

«آه، كنت أعلم ذلك. تلك الفتاة لا تُطاق بمرحها حتى بالنسبة إلينا.»

 

 

—كان هناك فتى بدا كأنه تجسيد للون الأبيض.

«من الجيد أنها مفعمة بالحيوية، لكنني أتمنى أن تتجنب المخاطر بقدر الإمكان… لو عاشت في المنزل بصحة جيدة وتحت ضوء الشمس، يمكنها أن تقفز وقتما تشاء دون قلق…»

—برغم خطتها الجريئة بدوس قدميه، انتهى الأمر بهما معًا هكذا.

 

 

«جيوس… هذه طريقة صارمة للغاية للعيش…»

 

 

احتضنت فورتونا ابنتها الحبيبة بعدما سمعت وعدها المغلف بالدموع. ضمَّتها بقوة إلى صدرها، تمسح على شعرها بينما تهتز كتفا الفتاة الصغيرة من شهقاتها.

«هـ… هـذا صحيح؟ لكن إن كان ذلك في مصلحة السيدة إميليا، فأنا… أنا…!»

«—أنا أحبكِ.»

 

 

وقع جيوس في مأزق بين محبته الأبوية وقلقه الشديد، فأمسك برأسه متحيرًا. زادت ابتسامة فورتونا المتأملة عمقًا وهي ترى حيرته، وعينيها الضيقتين لمعتا بمزيج من الحب والغيرة الأبوية.

كان صدر إميليا قد انتفخ شعورًا بالفخر، لكن كلمات الرجل التالية بددت ذلك الشعور تمامًا. استطاعت أن تشعر بوطأة المشاعر المعقدة التي طغت على صوته.

 

«البكاء من السعادة…»

كان المشهد وكأن تلك اللحظة تحديدًا حملت معها إحساسًا بسعادة لم يكن من المفترض أن تتحقق.

«… سواء كان للأفضل أو للأسوأ، يبدو أنكِ تتأثرين به أكثر فأكثر.»

 

 

«ياااه!! أمي! جيوس! لماذا لا تلاحقاني؟!»

تمامًا مثل إميليا، كانت المرأة ذات شعر فضي وعينين بنفسجيتين. لكنها قصَّت شعرها الفضي اللامع ليصبح أقصر لاعتبارات عملية، وكانت عيناها الجميلتان اللتان تشبهان الأحجار الكريمة لوزيتي الشكل وحادتين.

 

 

خرجت إميليا من بين الأحراش متذمرة بعدما نفد صبرها. كانت وجنتاها الحمراوان منتفختين وهي تتهم الكبار بالتكاسل، الواحد تلو الآخر.

«في الحقيقة، تستحقون أفضل من هذا. ليس من العدل أن تُجبروا على العيش في مكان صعب كهذا.»

 

كان يبدو هشًّا ومنكسرًا، كطفل ضائع وجد والده أخيرًا، أو كمُسافر ظل يتخبط في الظلام حتى عثر على بصيص من النور. بدت ملامحه مزيجًا من الخوف والأمل.

«هذا ليس وقت الراحة! نحن في منتصف المطاردة!»

«سيدة فورتونا، لن تبقى السيدة إميليا صغيرة إلى الأبد. سيأتي يوم لا يمكنها فيه العيش مختبئة في جوف شجرة عظيمة. وسيكون هناك أوقات لا يمكن منعها فيها من الوقوف بجانبكِ وبجانب الآخرين. وعندما يحين ذلك الوقت، ستمنحها الأرواح قوتها.»

 

رفعت الساحرة -إيكيدنا- وجهها وأزاحت شعرها الأبيض الثلجي عن وجهها، ووجهت لإميليا توبيخًا مباشرًا. انفجرت إميليا في نفخ وجنتيها، منزعجة من نبرة إيكيدنا الساخرة.

«آآه! أعتذر بشدة! سأندم على هذا الخطأ طيلة حياتي…»

كان آرتشي، الخائن الذي تعاون مع الكبار، أشبه بحارسٍ يشرف عليها. صحيح أن اللعب معه كان ممتعًا، لكنها كانت تعتبر هذا الأمر قصة مختلفة تمامًا.

 

«لا، ليس بعد. لم أستعد ما يكفي من ذكرياتي بعد.»

«جيوس، لا يجب أن تدللها هكذا… تعالي يا إميليا، اقتربي قليلًا.»

بالنسبة إليها، كان معرفة نهاية ذلك الحلم والعثور على عائلتها بمثابة البداية لكل شيء.

 

《٣》

«ماااذا؟ أمي…؟ حقًا، أمي متساهلة جدًا… هممم!»

«أ-أنتِ مخطئة يا أمي… الجنية أرادت الخروج، ثم…»

 

 

رغم تقطيب وجهها غاضبة، مشت إميليا نحو فورتونا حين أشارت إليها بيدها. وبمجرد أن اقتربت منها، حملتها فورتونا بسهولة في ذراعيها.

 

 

 

«آه، يا للأسف! لقد أمسكت ماما بإميليا!»

عندما لمست إميليا ذلك الضوء الشاحب، شعرت بالدفء وهو يشفي الجروح والخدوش التي غطت جسدها. وفي ثوانٍ قليلة، اختفت العلامات دون أثر. بقيت مشكلة الطين، لكن إذا وجدت حلًا لذلك، فستكون في أمان.

 

«—لأنني تركتك وحيدة تمامًا.»  

«هذا غير عادل! لا يمكنك فعل هذا يا أمي! هذا لا يُحتسب! لقد غششتِ! عليكِ التفكير في ما فعلتِ!»

«أجل، أجل.»

 

«أنا آسفة يا أمي. منذ أن صادقت جيوس، أردت أن أخبركِ بذلك… وأيضًا لأن جيوس يبكي كثيرًا، ولا بد لأحد أن يساعده.»

«أوه، بما أنكِ فكرتِ في الأمر لهذا الحد، ربما عليكِ التفكير أيضًا في ما قلته لكِ، أليس كذلك؟ أتساءل… لماذا تطارد أمك وجيوس الصغيرة إميليا؟»

«في الحقيقة، تستحقون أفضل من هذا. ليس من العدل أن تُجبروا على العيش في مكان صعب كهذا.»

 

«هل تتذكرين أن محاولتكِ السابقة للمحاكمة انتهت بفشل بائس ومؤلم؟»

«فواه!»

«هـ… هـذا صحيح؟ لكن إن كان ذلك في مصلحة السيدة إميليا، فأنا… أنا…!»

 

 

أصابتها تلك الكلمات في موضع مؤلم، فغطَّت إميليا فمها بيديها.

 

 

 

«أ-أنتِ مخطئة يا أمي… الجنية أرادت الخروج، ثم…»

جعلت كلمات إيكيدنا إميليا تهز رأسها موافقة، وفي اللحظة ذاتها تغيَّر المشهد من حولها.

 

 

«أمك تكره الفتيات اللواتي يلقين باللوم على الجنيات فيما يقمن به. أفهمتِ، إميليا؟»

«لا أصدق… أرواح صغرى؟ وبهذا العدد الكبير…»

 

 

تحدثت فورتونا إلى ابنتها التي كانت تحتضنها بنظرة تجمع بين الحنان والصرامة. تململت إميليا تحت ثقل كلمات أمها ونظرتها، وأطرقت رأسها في خجل.

«بالنسبة لرجل، يبدو أنك تستمتع بالخطب الطويلة.»

 

 

«أنا آسفة يا أمي. منذ أن صادقت جيوس، أردت أن أخبركِ بذلك… وأيضًا لأن جيوس يبكي كثيرًا، ولا بد لأحد أن يساعده.»

 

 

 

«تلك المشاعر مهمة للغاية. هذا شيء رائع منكِ يا إميليا. لكن، في الأصل، هل لم تصادقي جيوس لأنكِ ذهبتِ إلى مكان وعدتِني بألا تذهبي إليه؟»

 

 

«لكن… ربما لم أكن لأتمكن من قبولها حتى وقت قريب.»

«نـ-نعم… فعلتُ ذلك…»

 

 

 

«وكان ذلك تصرفًا سيئًا جدًّا منكِ، إميليا.»

 

 

في تلك الحالة، حتى لو التقت شخصًا كان عليها أن تتذكره بطريقة ما، كانت الذكريات المختومة ستمنعها من استيعاب ما يجري، لتبقى فقط في دوامة من الألم والأسى— كل ذلك لحماية قلب إميليا من ذكرياتها.

أنزلت فورتونا إميليا التي ما زالت تحدِّق في الأرض، ثم أمسكت وجنتيها بكلتا يديها ورفعت وجهها ليقابل وجهها. انعكست أعينهما البنفسجية في بعضهما البعض.

«آه…»

 

 

«لا يجوز أن تخلفي وعودك. الوفاء بها أمر في غاية الأهمية. الوعد تعبير عن الثقة، ولا ينبغي لكِ أن تكسريه فتخوني ثقة مَن وضع ثقته بكِ.»

 

 

—أول مرة وعت إميليا الصغيرة بوجود الختم، كانت عقب إحدى محاولاتها المتكررة والمثيرة للهرب.

بصوت يحمل مزيجًا من الجدية واللين، خاطبت فورتونا ابنتها التي كادت الدموع تنهمر من عينيها.

 

 

 

«إميليا، أريدكِ أن تعاهدي أمك الآن. عِديني بأنكِ ستلتزمين بوعودكِ دائمًا.»

 

 

كانت كلماتها الخافتة مجرد همس، لم يكن موجَّهًا لأحد بعينه، بل مجرد رغبة عبَّرت عنها لنفسها. لكن هذه الرغبة لم تصل إلى الكبار، بل استجاب لها… شيء آخر.

«نعم… أعدكِ يا أمي. لن أخلفها بعد الآن. أنا آسفة.»

صوت غارق في البكاء كان يعتذر.

 

 

«جيد. إذًا، كل شيء على ما يرام.»

«واو.»

 

«لا شك أنني عشت قرنًا من العذاب من أجل سماع هذه الكلمات فقط.»

احتضنت فورتونا ابنتها الحبيبة بعدما سمعت وعدها المغلف بالدموع. ضمَّتها بقوة إلى صدرها، تمسح على شعرها بينما تهتز كتفا الفتاة الصغيرة من شهقاتها.

تذكرت الرجل الطويل بردائه الأسود الذي لم يكن موجودًا الآن، فأخرجت لسانها بسخرية. كان عدوًّا رأى جانبًا من والدتها الغالية لم يظهر لأحد سواها— دون إذن منها. بتصميم على المواجهة القادمة، عقدت العزم على إعداد خطة لإلحاق الهزيمة بجيوس.

 

«أحمل في قلبي حقًا الكثير من الندم. كان يجب أن أكون أكثر لطفًا مع كثير من الناس. لو أنني فكرت في ذلك مبكرًا، ربما ما كنت سأعتمد على أخي حتى النهاية.»

«إذًا، جيوس، هل أنتَ بخير؟»

 

 

 

«أ-أنا… غارق في هذا المشهد المؤثر… لا أستطيع كتمان دموعي…»

«أراك لاحقًا، جيوس. لا تبكِ كثيرًا حتى… حتى نلتقي مرة أخرى، اتفقنا؟»

 

أخذت إميليا تصوغ خطتها التالية وهي تزيل الأوراق العالقة في شعرها.

نظرت إليه فورتونا بوجه يشوبه الاستياء، بينما كان جالسًا تحت ظل شجرة يخفي دموعه بأكمام قميصه. تأثر بعمق من المشهد الحميم بين الأم وابنتها، ما أكد صفة البكَّاء التي ألصقتها به إميليا.

«هذا صحيح، يا سيدة إميليا. لقد عشنا أنا وسيدة فورتونا طويلًا… وبالنسبة لي، حتى سيدة فورتونا تبدو كأنها طفلة صغيرة.»

 

«سأتسلل خلسة…»

ومع أن فورتونا تركت الأمر جانبًا في الوقت الحالي، عادت بنظرها نحو إميليا.

في الماضي، رأت هذا الحلم مرارًا وتكرارًا.

 

 

«بالمناسبة، يا إميليا… تحدثتِ عن جنية؟»

استدارت إميليا لتتفقد الساحرة عندما لم تتلقَّ أي إجابة. وعندما التفتت، رأت الساحرة الجميلة ذات الشعر الأبيض الكثيف تتأخر خلفها، وهي تكافح للمضي قدمًا عبر الغابة.

 

 

«آه، نعم. الجنيات يساعدنني منذ فترة… تعالوا، أخرجوا.»

«سحر… روحي؟ ساحرة… أرواح؟»

 

 

دون أن تدرك أن أمها كانت قلقة بشأن أصدقائها غير المرئيين، نادت إميليا عليهم برفق. وفي اللحظة ذاتها، تدفقت أضواء لا حصر لها من حولها، مما جعل فورتونا وجيوس يحدِّقان بدهشة.

 

 

 

«لا أصدق… أرواح صغرى؟ وبهذا العدد الكبير…»

في نهاية تلك اللحظة الصامتة، بدأ الضيوف ذوو الأثواب السوداء بقيادة العربات خارج الفسحة—

 

«هذا هو الختم.»

«أُذهلتُ تمامًا من أن تخدمها كل هذه الأرواح وهي بهذا العمر. يبدو أن السيدة إميليا تملك موهبة فطرية في السحر الروحي.»

مال جيوس برأسه في حيرة، بينما حولت فورتونا عينيها بتعبير متضايق. رأى ذلك على وجهها، فمد يده برفق نحو جبينها، ولامست راحة يده جبينها بحنان.

 

 

«سحر… روحي؟ ساحرة… أرواح؟»

 

 

 

جعلت ردود فعلهما والكلمات الغريبة على مسامعها إميليا تطرف بعينيها في حيرة وتُميل رأسها. أومأ جيوس برأسه بجدية وهو ينظر إليها.

 

 

 

«سيدة إميليا، الكائنات التي تدعينها جنيات هي في الواقع أرواح صغرى. إنها موجودة في كل مكان في هذا العالم. الساحر الروحي هو مَن يستطيع نقل قلبه إليها، ويستعير قوتها عبر إبرام عهد معها.»

بصوت يحمل مزيجًا من الجدية واللين، خاطبت فورتونا ابنتها التي كادت الدموع تنهمر من عينيها.

 

برفَّة خفيفة من أذنيها الطويلتين، شدَّت إميليا سمعها لتلتقط أجزاء من الحوار الذي دار بين فورتونا وجيوس. ورغم قدرتها على سماع الكلمات، لم تفهم معناها تمامًا، لكنها شعرت بشيء من المودة في الابتسامة الحزينة التي علت وجه والدتها.

«وهل أستطيع أن أصبح واحدة منهم؟»

مدركة أنها تقوم بعمل سيئ، اختارت الاختباء ومراقبة ما يجري من وراء غطاء. لتجنب أن يراها أحد، تسلقت شجرة كبيرة برشاقة واعتلت أغصانها. فقد كان تسلق الأشجار مهارة تتقنها، رغم أنه كان دائمًا يثير قلق آرتشي والباقين.

 

في وقت قصير، عثرت على البالغين الذين تجمعوا في فسحة وسط الغابة. كان بينهم آرتشي، الطفل الوحيد بعد إميليا في القرية. ورغم أنه كان قريبًا منها في السن وكأنه شقيق أكبر، إلا أنه شارك في حرمانها من الانضمام إليهم، شأنه شأن الكبار. كان ذلك أمرًا يصعب على إميليا مسامحته.

«إذا نشأتِ بصحة جيدة وظلَّت الأرواح تحبكِ كما الآن، يا سيدة إميليا، فلا شك في ذلك…»

كان الرداء واسعًا، لكن إميليا استطاعت أن تميِّز فورًا أن جسد الرجل كان رشيقًا وممشوقًا. على عكس الجان، الذين كانوا عادة نحيفين، كان هذا مظهرًا جديدًا بالنسبة لها. تحت شعره الأخضر المرتب، بدا وجهه يقظًا، لكن عينيه المنخفضتين أظهرتا تواضعًا عميقًا أثناء حديثه مع فورتونا.

 

«… حقًا، لقد عرفتك كل هذا الوقت، ولم أدرك أنك من النوع الذي يُطلق مثل هذه المزحات.»

تألَّق وجه إميليا بوضوح بعد سماع كلمات جيوس. إذا كان الساحر الروحي يعني مَن يُحسن التفاهم مع الجنيات، فهي بالتأكيد تريد أن تصبح كذلك، إذ قفز قلبها فرحًا بالفكرة.

 

 

«—!»

«انتظر، جيوس. لا تزرع أفكارًا غريبة في رأسها. مجرد قدرتها على التواصل مع الأرواح الصغرى لا يعني أنها ستكون ساحرة أرواح… ليس هذا ما تحتاج إليه هذه الفتاة.»

تغيَّرت ملامح الفتى مع مقاطعة الحوار. شحب وجهه قليلًا، لكن شفتيه اللتين كانتا متجمدتين قبل لحظات، ارتسمت عليهما ابتسامة باهتة وغامضة.

 

—أول مرة وعت إميليا الصغيرة بوجود الختم، كانت عقب إحدى محاولاتها المتكررة والمثيرة للهرب.

«سيدة فورتونا، لن تبقى السيدة إميليا صغيرة إلى الأبد. سيأتي يوم لا يمكنها فيه العيش مختبئة في جوف شجرة عظيمة. وسيكون هناك أوقات لا يمكن منعها فيها من الوقوف بجانبكِ وبجانب الآخرين. وعندما يحين ذلك الوقت، ستمنحها الأرواح قوتها.»

بينما كانت تخطو فوق السجاد الأخضر، حرصت على تجنُّب الأزهار المختبئة في ظلال الأشجار وهي تتقدم. شعرت بصلابة الأرض تحت قدميها، فمالت برأسها في حيرة، إذ تسلَّل إلى قلبها إحساس غريب.

 

 

«ولكني لا أريد أن أعرض صغيرتي إميليا لأي شيء قد يكون خطرًا عليها…»

 

 

رمشت بعينيها عدة مرات محاولة استعادة أنفاسها، لكن قلبها ظل ينبض بقوة داخل صدرها. لقد استرجعت ماضيها الثمين برؤية نفسها في تلك الذكريات القديمة التي عاشت من خلالها.

تحوَّل النقاش حول تعليم إميليا إلى جدال بين الاثنين، وحين لاحظت إميليا ذلك، تسللت خلف جيوس وأخرجت لسانها في وجه فورتونا بمكر.

 

 

«كفى عن هرائك الأناني! مَن تكون؟!»

«أنا في صف جيوس اليوم! سأصبح ساحرة أرواح مهما حدث!»

 

 

 

«الآن انظر ماذا فعلتَ، جيوس. لقد أثرتَ حماستها تمامًا. كيف ستتحمَّل مسؤولية هذا؟»

 

 

 

«آه… ماذا عساي أفعل؟ حسنًا… يبدو أن الوضع أصبح جديًّا…»

«أتُرى، هل سيأتي جوس والبقية اليوم أيضًا؟»

 

أحالت تلك الكلمات مشاعر فورتونا إلى جليد، مما زاد من حذرها. غير أن الفتى خفض كتفيه بنبرة مُحبطة، متأملًا بعين السخط نظرات العداء الموجهة إليه.

أظهرت إميليا إصرارًا واضحًا، بينما بدت فورتونا وكأنها رفعت يديها مستسلمة. أما جيوس، فقد وجد نفسه عالقًا بينهما، محتارًا ومتوترًا. هذا المشهد جعل إميليا تضيق عينيها وتقول متأملة:

 

 

«لكنني أريد ذلك! حاول أن تلحق بي إن استطعت!»

«يبدوان وكأنهما أم وأب…»

«أجل، أجل.»

 

«أريد أن أخرج…»

«ماذا—؟!»

رفضت إيكيدنا أن تمشي بجانب إميليا، وواصلت التهكم عليها من الخلف.

 

 

نطقت إميليا تلك الكلمات بوجه بريء، لكن قولها جعل وجه فورتونا يحمر خجلًا حتى بدت كأنها حبة طماطم ناضجة. لوَّحت بيدها بارتباك، ثم بدأت تربت على رأس إميليا عشوائيًّا.

 

 

 

«مـ-مهلًا، إميليا، لا تقولي أمورًا غريبة كهذه. جيوس وأنا نعرف بعضنا منذ زمن طويل، هذا كل ما في الأمر. لا توجد بيننا علاقة يمكن وصفها بتلك الكلمات، حسنًا؟»

 

 

 

«هذا صحيح، يا سيدة إميليا. لقد عشنا أنا وسيدة فورتونا طويلًا… وبالنسبة لي، حتى سيدة فورتونا تبدو كأنها طفلة صغيرة.»

لم تكن هذه مجرد كلمات تواضع عابرة؛ بدا واضحًا أن صوت الرجل حمل إحساسًا عميقًا بالخزي والندم.

 

أمامها، كان ضوء فوسفوري خافت ينساب بخفة. وما وراءه—

«همف…»

 

 

 

تدخَّل جيوس برفق ليخفف من ارتباك فورتونا، لكن إميليا لاحظت أن كلامه أثار انزعاج والدتها، رغم أنه لم يلحظ ذلك بنفسه.

 

 

 

«بغض النظر عن كل شيء، ”طفلة صغيرة“ وصف مبالغ فيه. هل تعرف حتى كم عمري الآن؟»

«أ-أنتِ مخطئة يا أمي… الجنية أرادت الخروج، ثم…»

 

 

«أوه، أعذريني… كان ذلك مجرد تعبير مجازي. بالطبع أعرف عمركِ بدقة، سيدة فورتونا أطول وأجمل من أن تُعتبر طفلة صغيرة…»

 

 

«—أمي، فورتونا.»

«هممم حسنًا… سأعفو عنك. لكن عليك حقًّا أن تعيد التفكير في كلامك.»

 

 

بدت شجاعة ومهيبة، وشكلها كان محفورًا في ذاكرة إميليا بعمق لدرجة تكاد تسبب لها الألم. فهذا الشخص كان—

«ها…»

«آرتشي بات يقلق أكثر مؤخرًا، لذا يجب أن أكون حذرة.»

 

«…مم؟»

أمال جيوس رأسه بأسى بينما طوت فورتونا ذراعيها وطالبته بالتفكير في تصرفاته. ومع ذلك، أدركت إميليا أن فورتونا استعادت حيويتها. بدا أن جيوس ما زال غير قادر على اللحاق بإيقاعها.

 

 

 

ثم، ووجهه يحمل ارتباكًا واضحًا، أومأ جيوس نحو إميليا وقال:

سعدت إميليا بسماع مديح فورتونا كأم جيدة. نعم، والدتها كانت رائعة. لطالما أجلَّتها، بينما كانت مشاعر حبها لوالدتها تتجدد في داخلها، إلا أنها شعرت بالأسى على عيوبها الواضحة.

 

لم تكن هذه مجرد كلمات تواضع عابرة؛ بدا واضحًا أن صوت الرجل حمل إحساسًا عميقًا بالخزي والندم.

«خرج الحديث قليلًا عن مساره، لكني وسيدة فورتونا نعرف بعضنا منذ زمن بعيد، منذ أيام كان والداك في أتم صحة…»

رغم مخططها الانتقامي، حرصت على أن تتضمن خطتها شيئًا من الرحمة. فمَن يصر على خوض معركة باردة القلب، لا يأبه فيها للدموع ولا للآلام، سيفقد ثقة حلفائه في النهاية. وكان عليها أن تحافظ على روابطها مع الجنيات.

 

عندما خاطبته، تحطمت مشاعر جيوس بالكامل. وكأن كلماتها كانت صاعقة أصابته في الصميم، سقط على ركبتيه، وبدأ ظهره يرتجف.

«—جيوس!»

 

 

 

«…أنا آسف جدًّا.»

 

 

 

بمجرد أن حاول جيوس العودة إلى موضوع أكثر رقة، تغير لون وجه فورتونا وهي توبِّخه بحدَّة، لتتلاشى الأجواء الهادئة التي كانت بينهما. انعكس الألم على ملامح جيوس بسبب زلَّته.

 

 

«—؟! آه، آآه، آآآآه…!»

«والدي… ووالدتي؟»

 

 

 

«أنا آسفة يا إميليا. سنتحدث عن هذا في وقت لاحق… لكن الآن، عليكِ العودة إلى غرفتك. ما زال عليكِ التفكير في تصرفاتك.»

كانت صورة فورتونا في ذهن إميليا أنها امرأة حادة النظرات، شجاعة، وصارمة مع الآخرين. أما وجهها اللطيف والمحب، فقد كان امتيازًا خاصًا بابنتها المحبوبة، إميليا وحدها.

 

«آه… ماذا عساي أفعل؟ حسنًا… يبدو أن الوضع أصبح جديًّا…»

«لاحقًا… هل ستفعلين ذلك حقًّا؟»

 

 

 

نفخت إميليا وجنتيها، معبرة عن استيائها من انتهاء الحديث في منتصفه. إلا أن فورتونا ضغطت بإصبعها على إحدى وجنتي إميليا، لتتسرب منها نفخة هواء صغيرة مع صوت “بُوو“.

«أوه؟ مَن عساه يكون صاحب هذا الظهر الظريف؟»

 

«—هل الختم لا يزال في مكانه؟»

«كوني فتاة طيبة وانتظري بصبر، حسنًا؟ ستكون هناك فرص أخرى لتلتقي جيوس مجددًا… سأحرص على ذلك بنفسي…»

 

 

وفي أثناء حديثهما عن إميليا، ردَّ جيوس بإجابة ناعمة جعلت فورتونا تتجمد في مكانها، وكأن كلماته قد تسللت عبر فجوة في درعها. عندها، احمرَّت قليلًا وهي تحدق به بنظرة غاضبة لكن مرتبكة.

«حقًا، حقًا؟ هل تعدينني؟ أليس كذلك؟»

 

 

 

«يا لهذه الفتاة… لا أعلم من أين تعلمت الجدال بهذا الشكل.»

 

 

«—آسفة. أنا آسفة جدًا.»

كانت فورتونا قد حدثتها قبل قليل عن أهمية الوفاء بالوعود، والآن تستخدم إميليا تلك الكلمات ذاتها. ابتسمت فورتونا على مضض، واحتضنت ابنتها الصغيرة بحنان.

 

 

كانت تمتلك ما تحتاجه لتحدي تلك الندوب العالقة في روحها. ففي المرة الماضية، لم تفعل شيئًا في المحاكمة سوى الانهيار والبكاء. أما الآن—

«نعم، إنه وعد. وعد بالغ الأهمية بيني وبين إميليا.»

 

 

 

«…حسنًا. سأعود إلى غرفتي إذًا.»

 

 

 

كانت الوعود ذات أهمية كبيرة؛ لهذا، هزَّت إميليا رأسها مطمئنة إلى وعد والدتها.

 

 

لم تُعر كلامه أي اهتمام، وكررت سؤالها بنبرة صارمة.

وعندما أطلقتها فورتونا من حضنها، أسرعت الفتاة الصغيرة نحو جيوس ومدَّت يدها نحوه بابتسامة.

 

 

كانت الفتاة الصغيرة التي التفتت نحو المدخل ذات شعر فضي طويل وعينين دائريتين بنفسجيتين. وما إن عرفت ذلك الوجه من ذاكرتها، حتى أدركت على الفور أنها كانت ترى نفسها في طفولتها.

«أراك لاحقًا، جيوس. لا تبكِ كثيرًا حتى… حتى نلتقي مرة أخرى، اتفقنا؟»

 

 

 

«—نعم، بالتأكيد سنلتقي مجددًا. أتطلع إلى ذلك بشغف.»

«نعم… أعدكِ يا أمي. لن أخلفها بعد الآن. أنا آسفة.»

 

«—إميليا، لديَّ الآن شيء بالغ الأهمية عليَّ فعله، لذا عليك أن تتصرفي كما ينبغي وتبقي هنا، حسنًا؟»

أمسك جيوس بيدها الصغيرة، مبتسمًا، وتبادلا مصافحة بسيطة، كانت حرارة كفيهما بمثابة تحية وداع بينهما.

«… حتى إن لم يقلها أحد غيري، نحن ممتنون لكم جميعًا. أقصد ذلك حقًّا.»

 

في الأصل، كانت فورتونا قد منعتها من دخول هذا الجزء من الغابة، ولهذا لم تكتشف الختم لفترة طويلة. ‹أمي ذكية للغاية.›

وفي اللحظة التي همَّت فيها إميليا بالعودة إلى ”غرفة الأميرة“—

 

 

شعرت إميليا بدوار مفاجئ وضعت يدها على جبينها لتخفيفه. بدأت الذكريات تتدفق، كما لو تحفر في جراح قديمة. تنهدت إيكيدنا بهدوء خلفها، فيما التفتت إميليا لترى ما ينتظرها.

«—يبدو أنه قد وصل.»

«نعم، بناءً على طريقة إدراك هذا العالم لكِ. لكن، الشخص الذي يفتقر إلى المرونة في تفكيره قد…»

 

 

لم تكن هذه كلمات من الماضي، بل جاء الصوت من الحاضر، ينادي إميليا من الخلف.

تمامًا مثل إميليا، كانت المرأة ذات شعر فضي وعينين بنفسجيتين. لكنها قصَّت شعرها الفضي اللامع ليصبح أقصر لاعتبارات عملية، وكانت عيناها الجميلتان اللتان تشبهان الأحجار الكريمة لوزيتي الشكل وحادتين.

 

—كان هناك فتى بدا كأنه تجسيد للون الأبيض.

كان صوت الساحرة، الوحيدة التي تعيش الزمن كما تعيشه إميليا في هذا العالم من الذكريات.

في تلك الحالة، حتى لو التقت شخصًا كان عليها أن تتذكره بطريقة ما، كانت الذكريات المختومة ستمنعها من استيعاب ما يجري، لتبقى فقط في دوامة من الألم والأسى— كل ذلك لحماية قلب إميليا من ذكرياتها.

 

 

لفت همس إيكيدنا، التي تابعت الأحداث بصمت حتى الآن، انتباه إميليا. وسرعان ما أدركت ما عنته تلك الكلمات.

 

 

«ولا أريد أن أجعل كل الكلمات التي خطها سوبارو من أجلي تتحول إلى أكاذيب.»

—كان هناك فتى بدا كأنه تجسيد للون الأبيض.

في هذا المكان الغريب، الذي يقع في أعماق غابة إليور العظيمة، كان الهواء مشبعًا بجو مهيب. رغم وجود أرواح أصغر تحمي المستوطنة والغابة المقدسة، إلا أن هذا المكان كان مميزًا، وكأنه معزول عن قوانين العالم.

 

«أنا الأخت الصغرى لوالدكِ يا إميليا. أخي… والدكِ ووالدتكِ مشغولان للغاية، لذلك لا يمكنهما البقاء معكِ الآن. ولهذا السبب وثقا بي لأعتني بكِ جيدًا.»

شعره أبيض لا طويل ولا قصير، وبشرته شاحبة لا تحمل أدنى أثر للشمس. ارتدى ثيابًا ناصعة البياض، لم تخالطها أي ألوان أخرى، وكأن جسده يرفض أي تدخل خارجي من الألوان.

ظهرت أمامهما شجرة عملاقة، أكبر من أي شيء آخر في غابة إيليور الكبرى—

 

ولكن بعد أن انكسر العهد، انفتح باب الذكريات، وانكشف الطريق المؤدي إلى ماضيها المختوم. الآن، وقد أعادت استذكار تلك الذكريات، أصبحت مستعدة لمواجهة ماضيها— منبع الندم الذي عجزت عن مواجهته سابقًا.

كانت ملامحه عادية، بوسامة متواضعة، بلا شيء يلفت الأنظار. انطباعه العام كان أشبه بشخص يُنسى فور اختفائه وسط الزحام. لكن ذلك الانطباع بذاته كان دليلًا صارخًا على كونه كائنًا شاذًا.

 

 

«إيه…؟»

«…مَن تكون؟!»

«جيوس، طريقتك في الكلام تبدو بذيئة بعض الشيء…»

 

شعره أبيض لا طويل ولا قصير، وبشرته شاحبة لا تحمل أدنى أثر للشمس. ارتدى ثيابًا ناصعة البياض، لم تخالطها أي ألوان أخرى، وكأن جسده يرفض أي تدخل خارجي من الألوان.

شعرت فورتونا وجيوس على الفور بوجوده الغريب. سارعت فورتونا إلى جذب إميليا إليها بحذر بالغ، وهي تراقب الفتى الذي خرج من بين الأشجار بخطوات هادئة، يمرر أصابعه في شعره الأبيض.

*تصفيق! تصفيق!*

 

 

«عندما ترغب في معرفة اسم شخص ما، أليس من اللباقة أن تبدأ بذكر اسمك أولًا؟»

«حقًا، حقًا؟ هل تعدينني؟ أليس كذلك؟»

 

 

أحالت تلك الكلمات مشاعر فورتونا إلى جليد، مما زاد من حذرها. غير أن الفتى خفض كتفيه بنبرة مُحبطة، متأملًا بعين السخط نظرات العداء الموجهة إليه.

 

 

«إذًا، لقد تذكرتِ والدتك، وصديقًا قديمًا، وهذه الجنية. هل هذا هو الماضي الذي كنتِ تتوقين لاستعادته؟»

«إجابتي الآن كانت تقليدية تمامًا، لكنني أعتقد أن أي شخص سيتفهم رغبتي في الرد بهذه الطريقة في مثل هذا الموقف. نحن نلتقي للمرة الأولى ونقف على أرض متساوية، فلماذا تنظرين إليَّ باحتقار وتطالبين باسمي بهذا الشكل؟ هل تدركين أنك صنَّفتني بلا وعي ودون اكتراث على أنني أدنى منكِ؟»

 

 

 

«بالنسبة لرجل، يبدو أنك تستمتع بالخطب الطويلة.»

«هذا أقل ما يمكنني فعله. أرى أنك أصبحت أكثر جدية، سيد آرتشي.»

 

لكنها الآن شعرت أنها تفوقت عليها، وهتفت: «ألم نخدعها؟ …ما الأمر؟»

«قولك ”بالنسبة لرجل“ هو في حد ذاته مقارنة ظالمة، مبنية على مظهري فقط. إن الرجال في هذا العالم لا يُحصون، فبأي معيار تحكمين عليَّ؟ هذا التصرف… لا أستطيع التغاضي عنه. إنه يتجاهل فرديتي وحقوقي.»

 

 

«مـ-مهلًا، إميليا، لا تقولي أمورًا غريبة كهذه. جيوس وأنا نعرف بعضنا منذ زمن طويل، هذا كل ما في الأمر. لا توجد بيننا علاقة يمكن وصفها بتلك الكلمات، حسنًا؟»

في مقابل جُمل فورتونا المختصرة، تصاعد هذيان الفتى تدريجيًا. ومع كل كلمة منه، أحست فورتونا بالخطر في كلماته وسلوكه، بل وفي نظرته ذاتها.

 

 

«—الندم الذي قد يظهر في المحاكمة يتخذ أشكالًا عديدة، كثيرة لدرجة يصعب معها تصنيفها.»

وضعت إميليا خلفها لتحميها، ثم رفعت صوتها غاضبة وهي تحدق به بحزم:

همست إميليا بالكلمة مرة أخرى وهي تعود إلى غرفة الأميرة. هرعت إلى تلك الحفرة الصغيرة، عازمة على خلق أدلة تثبت أنها قضت الوقت كله في الغرفة.

 

 

«كفى عن هرائك الأناني! مَن تكون؟!»

—برغم خطتها الجريئة بدوس قدميه، انتهى الأمر بهما معًا هكذا.

 

رغم الحقائق، كانت ترى فورتونا كأمها الحقيقية. وفكرة أنها تمتلك أمًّا أخرى أدهشتها. فقد كان من المعتاد أن يعيش الناس مع والد واحد وأم واحدة، لكن إميليا كان لديها اثنتان— وكان هذا مفاجئًا وسعيدًا في آنٍ واحدًا.

لم تُعر كلامه أي اهتمام، وكررت سؤالها بنبرة صارمة.

«ما هو… اسمك؟»

 

 

تغيَّرت ملامح الفتى مع مقاطعة الحوار. شحب وجهه قليلًا، لكن شفتيه اللتين كانتا متجمدتين قبل لحظات، ارتسمت عليهما ابتسامة باهتة وغامضة.

«حسنًا، لا فائدة من البكاء الآن. علينا أن نخرجك من هذه الملابس ونغسل عنك الحبر. أما بالنسبة لتغيير الملابس… آآه، ها نحن ذا. لو لم أجد شيئًا، لاضطررت إلى أن أعيد إميليا إلى البيت عارية معي.»

 

 

ثم، مخاطبًا إميليا في الماضي والحاضر، قال بصوت غريب:

 

 

 

«أنا أحد أعضاء طائفة الساحرة، رئيس أساقفة الخطايا السبع الذي أُسند إليه ”الجشع“— ريغولوس كورنياس.»

«… الختم.»

 

«ما-ما الأمر يا أمي؟ لا تنظري إليَّ هكذا. لم أفعل شيئًا. أكلت بعض الحلوى، ورسمت صورًا، ولعبت بالدمى. لم أخرج إلى الخارج أو أي شيء من هذا القبيل.»

////

 

حسابنا بتويتر @ReZeroAR

 

للحظة، تسببت الذكريات التي عادت لتطفو إلى السطح في شعور إميليا بدوار شديد.

---

ترجمة موقع ملوك الروايات. لا تُلهِكُم القراءة عن اداء الصلوات فى أوقاتها و لا تنسوا نصيبكم من القرآن

أشترك الان من هنا. ولامزيد من الاعلانات
لا تنسى وضع تعليق للمترجم فهذا يساعده على الاستمرار ومواصلة العمل عندما يرى تشجيعًا.

Comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعدادات القارئ

لايعمل مع الوضع اليلي
لتغير كلمة إله الى شيء أخر
إعادة ضبط