رائحة الدخان والنيران التي ملأت أنفه لم تشتت انتباه غارفيل إلا لوهلة قصيرة.
كان يدرك بوضوح الحرارة المشتعلة في مكان بعيد. شيئًا فشيئًا، ظلت ألسنة اللهب تتمدد، مما يعني أن الحريق بدأ يلتهم أجزاء القصر تدريجيًا. ولكن من أشعل هذا الحريق؟
“هل تنشغل عني مرة أخرى؟”
لم تفوت إلزا أي لحظة من شروده، فتقدمت بسرعة شاهرةً نصلها لتستهدف حياة غارفيل.
محاولتها لاغتنام الفرصة وافتكاك حياته مقابل غفلة قصيرة بدت مطلبًا مبالغًا فيه، وخصوصًا بالنسبة لغارفيل، الذي كان ذات يوم رسولًا لساحرة الجشع.
ولكن بعد أن قطع كل روابطه مع الساحرة ، لم يعد ليتأثر بمثل هذا الجشع.
“كما لو أن هذا سيحدث!”
“ياله من أمر مؤسف.”
مرة أخرى، تمكن غارفيل من التصدي لضربة السكين بأسنانه، قبل أن يعض النصل حتى تحطم بين فكيه.
بفقدانها سلاحها، تركت إلزا المقبض على الفور وتراجعت بخفة إلى الوراء. بقي غارفيل في موضعه عند مسافة متوسطة، بينما استلت إلزا خنجرًا جديدًا وأمسكته بحذر، مائلةً برأسها بخفة.
“لقد تظاهرت بالتشتت. أممثل بارع أنت، أم كان ذلك فخًا؟”
“كفاك بالحديث المليء بالتلميحات… أما آن لك أن تتوقفي عن التظاهر بالغباء؟”
“—؟ همم؟ عن ماذا تتحدث؟”
الابتسامة التي علت شفتي إلزا اللامعتين عمّقت شكوك غارفيل أكثر. من رد فعلها، استنتج أنها ليست لها علاقة بالحريق.
خلال الوقت الذي قضياه في هذه المعركة القاتلة، أدرك أنها ليست من النوع الذي يعتمد على الحيل أو الخداع.
وفي هذه الحالة، بدا الاحتمال الأكبر أن أحدًا من جانبه هو المسؤول عن إشعال الحريق، غالبًا كجزء من خطة وضعها سوبارو.
“إنه تصرف جريء للغاية… لكنه بالتأكيد فعّال. أحسنت أيها القائد!”
“ألا تعتقد أنك تمنحه ثقة زائدة؟ يبدو لي أنك تبالغ في تقديرك له.”
“ها، لا تتعبي نفسك بالتحسر. قلت لكِ من قبل، تلك الوحوش الشيطانية التي تعترض طريقنا لا تُشكل أي خطر على القائد! سيتجاوزهم بسهولة!”
إذا كان سوبارو هو العقل المدبر وراء الحريق، فمن المحتمل أن الهدف كان إخافة الوحوش الشيطانية. سواء جاءت الفكرة من سوبارو أو أوتو، فهي بالتأكيد نوع الخطط التي قد يلجآن إليها.
الوحوش الشيطانية تخشى النار أيضًا. يبدو أنهم نجحوا في تأمين طريق الهروب، مما يعني —
“إن تمكنت من سحقك هنا، فسنحقق انتصارنا بالكامل!”
“تتحدث بثقة كبيرة — ولكن أليس ذلك أسهل قولًا من الفعل؟”
بينما استجمع غارفيل عزيمته، لمح ظلًّا مبتسمًا دامياً يلوح في مجال رؤيته مع تلاشي هيئة إلزا.
بخطوة واحدة، اخترقت إلزا عالم السرعة الخالصة، فخفض غارفيل من وضعية جسده واقتحم الممر ليواجهها. وفي لحظة، التقى الاثنان في منتصف الرواق —
أو بالأحرى، قبل أن يحدث ذلك تمامًا، قفزت هي عن السقف بينما ارتد هو عن الأرض، وكل منهما تفادى الاصطدام مباشرةً.
في اللحظة التالية، اهتز الجدار المطل على الفناء الخارجي بعنف، محطماً نتيجة صدمة بدت وكأنها هزّت المبنى بأكمله. هذه الصدمة استهدفت ساحة المعركة في الطابق الأول، لكن الطابق الأعلى لم يسلم من الضرر وبدأ في الانهيار.
كل هذا بسبب وحش شيطاني هائل، أشبه بصخرة ضخمة، اقتحم المبنى بعنف شديد.
بطبيعة الحال، كان ظهور هذا الوحش الضخم صادمًا لخيال غارفيل وغير متوقع تمامًا. وما زاد من غرابته هو صوت مرح صغير يحتج من فوق كتلة الصخور.
“آآآه! لا أصدق أنكم تفعلون هذا! انهض يا خنزيري الصخري! بسرعة!!”
“هاه؟! أهذا صوت فتاة تركب هذا الشيء؟”
صوت طفولي عالٍ قادم من فوق الوحش الضخم جعل ملامح غارفيل تتقلص. عندما نظر عن كثب، رأى فتاة ذات شعر أزرق مضفر تجلس على ظهر الوحش.
— هل هذه هي سيدة الوحوش بعينها؟
وكان سبب دخولها المفاجئ إلى هنا هو —
“غارف! إذًا أنت هنا!”
“أختي؟!”
ظهرت فجأة خادمة شقراء — فريدريكا — وهي تتخطى الجدار المحطم لتصل إلى الممر نصف المدمر. جعل هذا اللقاء مع فريدريكا، التي من المفترض أنها تهرب، غارفيل يهرع إليها وعيناه متسعتان.
“ما الذي تفعلينه هنا؟! ماذا عن أخت رام، القائد، والبقية؟!”
“لقد أتممت المهمة التي أوكلت إلي. ألا تفهم سبب بقائي هنا؟”
حينما أغلقت فريدريكا إحدى عينيها وهي تنطق بهذه الكلمات، صمت غارفيل تمامًا.
رأى الإصابات التي تعرضت لها فريدريكا بوضوح. لا شك أن إبقاء سيدة الوحوش تحت السيطرة يعني أنها تصدت لعدد لا يحصى من الوحوش خلال المعركة.
على عكس غارفيل، الذي تدرب بلا كلل ليصبح أقوى، قضت أخته الكبرى أيامًا لا علاقة لها بالقتال. تُرى، إلى أي مدى أثقلت هذه المعركة جسد أخته وعمقت جراحها؟
“…لا ترتسم ذلك التعبير البائس على وجهك.”
حينما لاحظت فريدريكا تعبير غارفيل الكئيب، ضربته بكف مفتوح على جبهته العريضة. وعلى الرغم من أن الضربة لم تؤلمه، إلا أن غارفيل أطلق “آخ” عفوية، محدقًا في أخته بنظرات غاضبة.
“غارف، أعلم أنك تحاول أن تكون مراعياً، ولكنني أيضًا خادمة في عائلة ميزرس… سواء كان ذلك للأفضل أو الأسوأ، فقد تدربت على أساسيات الدفاع عن النفس.”
“تقولين هذا لكن… آه، ثم مجددًا، رام قوية للغاية. حسنًا، لقد أقنعتِني.”
“كونك اخترتها كنقطة المقارنة الرئيسية يضعني في موقف محرج بعض الشيء…”
وضعت فريدريكا يدها على جبينها وهي تقرع أنيابها، وتبدو في حيرة بعض الشيء. ربما يعود ذلك إلى كونهما شقيقين، لكن غارفيل وفريدريكا كانا متشابهين بشكل ملحوظ في بعض العادات.
ويبدو أن غارفيل وفريدريكا لم يكونا الوحيدين اللذين تربطهما علاقة كهذه.
“ميلي، هل أنت بخير؟ آمل أن تكوني بأمان، لكنني أتمنى لو أنكِ لم تتدخلي.”
“حقًا، إلزا، أنتِ أنانية للغاية! السبب الرئيسي وراء اضطراري للعمل بهذا الجهد هو أنكِ اندفعتِ وحدكِ! عليكِ التفكير في ذلك بجدية!”
“بمجرد أن ننتهي هنا، سأعوضكِ — الآن، قومي بعملكِ.”
رد إلزا جعل ميلي تعبس وهي تبدأ العمل بطاعة. وفي اللحظة التي صفقت فيها الفتاة الصغيرة بيديها، انقلب المخلوق الشبيه بالصخرة الضخمة بجسده على الفور، ثم بدأ يدير رأسه ببطء نحو غارفيل وفريدريكا.
شعر غارفيل باقتراب وحوش أخرى من داخل القصر وخارجه. لم يكن هناك شك في أنها هي “سيدة الوحوش”.
ومع ذلك، أمالت إلزا رأسها بفضول، وارتسمت على وجهها علامة استفهام.
“عدد الوحوش يبدو منخفضًا نوعًا ما…”
“الخادمة الكبيرة قضت على عدد كبير منها قبل وصولنا! بالإضافة إلى ذلك، القصر اشتعلت فيه النيران. وعلى ما يبدو، أسد الظلال قُتل أيضًا.”
أجابت ميلي على سؤال إلزا بتعبير حامض على وجهها، ثم تابعت.
“لقد كان نادرًا بما يكفي ليطيعني رغم احتفاظه بقرنه، لكن مزاجه السيئ كان نقطة ضعفه. وقد خذلني عندما كنت بحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى…!”
“لا أفهم لماذا جلبتِ وحشًا بهذه الصعوبة من الأساس.”
“لأنه لم يكن أحد غيره قادرًا على السيطرة على الآخرين! …على أي حال، إلزا، ماذا عن خصمكِ؟”
من أعلى الوحش، ألقت ميلي نظرة على الممر ورأت غارفيل.
“همم”.
أطلقت زفيرًا مثيرًا للاهتمام بابتسامة مليئة بالشغف، غريبة للغاية بالنسبة لفتاة في عمرها.
“إلزا تضع عينيها عليك، أيها الوجه المخيف. يا لكَ من مسكين.”
“إذا كنتِ تبحثين عن وجه قبيح، فلا أحد يتفوق على الجنرال. إذًا، هل ستواجهانني معًا، أنتما الأختان؟”
رد غارفيل جعل الدهشة ترتسم ليس فقط على وجه ميلي، بل حتى على وجه إلزا.
لم تكن الصدمة من وصفهما كأختين. بالطبع، لم يبد أن هناك صلة دم تربطهما. ربما بدتا متشابهتين في المظهر، لكن من الصعب الادعاء بوجود شبه عائلي.
لكنّهما كانتا بالتأكيد أختين — هذا ما أخبره به حدس غارفيل.
“أختان؟ نعم، أعتقد أنك محق… الآن وقد اجتمعت الأختان على جانب، والأشقاء على الجانب الآخر، أعتقد أن الوقت قد حان للعودة إلى العمل. ألا تظن ذلك؟”
وقفت إلزا بجانب الوحش، موجهةً طرف خنجرها نحو غارفيل.
بإلقاء نظرة سريعة، تفحص غارفيل حالة فريدريكا وهي تقف بجانبه. بدا تنفسها متقطعًا، ووجهها شاحبًا من فقدان الدم، وإصاباتها الظاهرة لم يمكن تجاهلها ببساطة.
“غارف.”
عندما لاحظت فريدريكا نظراته، نادته باسمه. لم يستطع غارفيل إلا أن يرسم ابتسامة مجبرة على وجهه عندما شعر بالمشاعر المتدفقة في مجرد ذكرها لاسمه — نظراتها توسلت إليه ألا يُخيب ظنها فيه.
تقدم غارفيل بهدوء إلى الأمام — هنا، سيتم حسم كل شيء.
“القصر يشتعل بالنيران، وحشد من وحوش الشياطين في الخارج، وأختي الكبرى تقف خلفي تحاول التظاهر بالقوة رغم حالتها المتضررة.”
“—؟”
“لدي الكثير من الأشخاص الذين يجب أن أنقذهم، وأعداء أقوياء يجب أن أحطم أنيابهم. القائد قال إنه يعتمد عليّ. والفتاة التي أحبها وبختني بقسوة أيضًا.”
“ما الذي يقصده السيد ذو الوجه المخيف…؟”
“أليس واضحًا؟!”
الغريب أن إلزا وميلي أمالتا رأسيهما بنفس الزاوية بالضبط، بينما ظهرت علامات الاستفهام على وجهيهما. وعلى النقيض من نظراتهما المتسائلة، قرع غارفيل أنيابه بابتسامة مشعة على وجهه.
“في وضع كهذا، أي رجل في العالم لن يشعر بالاندفاع والحماسة؟! حان وقت العمل! هذا الموقف يشبه تمامًا اللحظة التي سحب فيها قديس السيف ريد سيفه وضحك!”
“هذا تعبير يُقال عن شخص مختل تمامًا، كما تعلم.”
“أجل، وماذا بعد؟ أنا على وشك مواجهتكما معًا، فكيف يبدو ذلك خاطئًا؟”
اعترف غارفيل صراحةً بمدى تهوره.
رمشت إلزا بعينيها بذهول، فاقدةً التركيز للحظات. لكن ذلك لم يدم سوى بضع لحظات.
سرعان ما رسمت إلزا ابتسامة مجنونة على وجهها، وعيناها تتوهجان بنور الجنون ، لاحسةً شفتيها بشوق.
“نعم. معك كل الحق.”
ضرب غارفيل درعيه ببعضهما البعض استعدادًا لمواجهة خصمه المتحمس.
“انتظري لحظة، إلزا — هل نسيتِ ما جئنا لنفعله هنا؟ ماما ستوبخنا.”
“ربما. إذن، اهتمي بالآخر. أريد التركيز على هذا الصغير.”
“آه، دائمًا تفعلين هذا، تطلبين مني أشياءً في اللحظة الأخيرة. أعني، حقًا —”
كانت ميلي تشتكي من أن إلزا تتخلى عن المهمة، لكن قبل أن تكمل حديثها، أثبت غارفيل أهمية التركيز وعدم التشتت.
“—آاااه!”
فجأة، أطلق غارفيل صرخة قتالية، وركز كل قوته في قدمه. على الفور، اخترقت قدمه أرضية القصر شبه المدمرة ووصلت إلى التربة أسفلها، محدثةً كتلة مربعة من الأرض، ثم ركلها بقوة هائلة إلى الأمام.
“—؟!”
انخفضت إلزا إلى وضع منخفض يكاد يشبه الزحف على أطرافها الأربعة لتتفادى القذيفة الطينية التي انطلقت بسرعة. لكن الوحش الشبيه بالصخرة الضخمة خلفها، الذي لم يستطع المناورة بسرعة بسبب حجمه الهائل، تلقى الضربة مباشرة، فتدحرج بفعل الصدمة، ليرتطم بالحائط بقوة.
“آآآآه!”
ألقت قوة الارتطام ميلي، التي كانت تمتطي ذلك الوحش، بعيدًا عنه. ولكن إلزا انزلقت لتلتقطها قبل أن تصطدم بالأرض رأسًا.
“غ – غارف! ماذا فعلتَ الآن بحق السماء؟”
“هذا هو تأثير البركة التي أتمتع بها. طالما قدماي على الأرض، أستطيع أن أضرب أي شيء أراه. سأقولها مرة واحدة فقط: لن أسمح لكِ بالتدخل في هذه المعركة. لا أنتِ، ولا تلك الأخت الصغيرة هناك.”
كشر غارفيل عن أنيابه وهو يعلن كلماته. ولكن الحقيقة أن بركة الروح الأرضية التي يملكها لم تكن بالقوة التي زعمها.
فبينما كانت تعزز قدراته العلاجية، فإنها أيضًا تمكنه من تحريك الأرض أو التسبب بانهيارها. مع ذلك، كانت حدود قوتها مقتصرة على مدى أطرافه.
بعبارة أخرى، كان يخادع. ولكن، لأنه كان خداعًا، ارتسمت على وجهه ابتسامة واثقة. فقد تعلم من سوبارو وأوتو أن مثل هذه اللحظات تتطلب ابتسامة لا غنى عنها.
“— ميلي. اتركي الحد الأدنى من الوحوش بالخارج للحفاظ على الحصار، ثم استدعي الآخرين وأيقظي ذلك الوحش هناك.”
“…هذا سيجعل ماما غاضبة.”
بعد أن تحررت من ذراعي إلزا، تمتمت ميلي بصوت منخفض. لكنها أدركت بالفعل أن الموقف لم يترك أمامها الكثير من الخيارات.
تنهدت وأطلقت صفيرًا حادًا بإصبعها.
انتظرت بصمت بينما تردد الصوت الحاد في أرجاء القصر.
أصبحت الوحوش الشيطانية في الطريق، قوة كبيرة تتجمع لسحق غارفيل وفريدريكا.
اشتعلت شهوة القتال في عينيه أكثر. صرخ قلبه بأنه لا يمكنه الخسارة هنا.
“سأقتلع أطرافك لتخفيف وزنك وآخذك معي إلى المنزل. سأحبك أكثر من الشخص الذي تعتز به.”
“أليس هناك خيار واحد يجعلكِ تتخلين عن فكرة الأمعاء؟”
قالها بنبرة مُحبَطة وهو يفرقع رقبته، ثم اتخذ وضعية هجومية استعدادًا لاعتراض خصمه.
أرجحت إلزا بجذعها العلوي بينما أسقطت سكاكين الكوكري من يديها على الأرض. بدلاً من ذلك، حملت زوجًا من السيوف الشريرة — واحد أبيض وآخر أسود، وكلاهما يلمع في ضوء القمر.
“أختي، ركّزي فقط على حماية نفسك.”
“ميلي، لا تتحركي خطوة واحدة إلى الأمام.”
دون أي إشارة، اصطدم الاثنان وجهًا لوجه، تاركين أختيهما خلفهما.
دخلت المعركة بين “صائدة الأمعاء” و”درع الملاذ” مشهدها الأخير.
ثم انفجر الممر داخل القصر في معركة مشوشة وفوضوية، مأدبة من الدماء واللحم والرغبة القاتلة.
“—!!”
عندما مرّ ذيل أخضر أمام عينيه، فتح غارفيل أنيابه وغرزها فيه دون تفكير.
اندفعت سوائل أرجوانية، وسالت مادة كريهة لاذعة تحرق جلده. لكنه لم يعر الأمر اهتمامًا. بضربة قوية من ذراعه، حطم جمجمتَي الثعبان ذو الرأسين.
في لحظة تالية، مرّ الموت الخبيث في صورة شفرة منحنية بجانب طرف ذقنه.
وفي أعقاب تلك الضربة، هبت ريح قوية جرفت بقايا الوحش المدمر بعيدًا.
بعد نجاته من الموت للحظة، تقدّم غارفيل بدلاً من التراجع، دافعًا وجه الهلاك الوشيك بعيدًا.
فتح ذراعيه على مصراعيهما، وقبض على خصمه من الجذع والجانب. صرير عظامها وأحشائها تصاعدا عندما بدأت يديه القويتين في الالتواء بكل قوة حيثما أمسكها.
” ــــ ”
في أذنيه وأمام عينيه، ارتفع ضجيجٌ من زئير الوحوش من كل الاتجاهات.
اختلطت الصرخات المؤلمة والصيحات اليائسة مع هديره هو نفسه. تداخلت هذه الأصوات مع أصوات ارتطام المعادن وصرير الفولاذ المتشابك. بدا الصوت والضوء فوضويين إلى درجة يصعب فهم ما كان يجري بالفعل.
لكن غارفيل لم يهتم. كل ما يهمه هو المقاومة التي شعر بها، وأنيابه التي انغرست في العدو، والابتسامة الملطخة بالدماء التي ظل يلمحها بين الحين والآخر.
قوته الوحشية في الهجوم جعلت القاتلة أمامه تلفظ الدماء، مما لطّخ ابتسامتها الجميلة لدرجة أن سواد الدماء فاق حمرتها. ومع ذلك، وعلى الرغم من تلك الهجمات العنيفة المصممة لانتزاع حياتها، لم تغادر المتعة عيني المرأة الحالكتين.
أدرك غارفيل غريزيًا أن خطر هذه المرأة لم يكمن في قدرتها القتالية أو قوتها الجسدية، بل عقلها الذي يبدو وكأنه لا ينكسر.
“هاااه!”
“غراااااه!!”
جاء نفسٌ قصير من المرأة، فرد بزئيرٍ غاضبٍ.
ذراعها اليسرى قُطعت، واختفى السلاح الشرير الذي كانت تمسكه عن ناظري غارفيل. وبعد ذلك مباشرةً، بدأت سلسلةٌ من الأصوات الحادة تصدر من خلفها، لترتد من الجدران، وتنعكس عن السقف، وتصطدم بالأرض. ومن هناك، انطلق السلاح الشرير متجهًا مباشرةً نحو ظهر غارفيل.
لحظة من التردد مرّت عليه، لكنه اختار ألا يلتفت للخلف، وركّز كل انتباهه على المرأة التي تستعد للهجوم بذراعها اليمنى. ترك السلاح يخترق كتفه الأيمن، ما جعله يتوقف للحظة واحدة فقط.
بات الهجوم القاتل على وشك الوقوع.
“—؟!!”
عندها، ركل غارفيل بقايا الأفعى ذات الرأسين بينه وبين السلاح الذي كان متجهًا نحو مؤخرة رأسه.
الجثة صدّت الحافة الحادة، ولكن القوة الكامنة في الضربة أثرت عليه بشدة.
جعلته الضربة يشعر بالدوار وألقته في دوران، ما خلق فرصة قاتلة — أو هكذا بدا. لكن غارفيل، الذي كان قد صبّ كل قوته في قدميه مسبقًا، استخدم نعمة روح الأرض ليدفع نفسه عن الأرض بقفزة واحدة.
تصرفه غير المتوقع وهجومه المضاد أدهش المرأة. وخلال لحظات، تأرجحت ذراعه اليسرى في قوس منخفض للإمساك بوجهها — بذراعٍ بدأت بالنمو والتحول إلى طرفٍ وحشي.
باستخدام تحول جزئي، أمسك بوجهها ومزقه كأنه ينزع الجلد عنه.
“غراااااااااااه!!”
ترك التمزيق جروحًا عميقة للغاية، أقوى وأعمق من تلك التي أصابت وجهها من قبل. أصابعه الخمسة المحوّلة حفرت عميقًا في جمجمتها، ما جعل المرأة تصرخ بصوتٍ عالٍ للمرة الأولى، وأبطأت من حركتها.
“غرااااه!!”
بركلة مباشرة إلى جذعها، دفع جسدها بعيدًا بسهولة، لتطير إلى الخلف بقوة هائلة.
مع أضلاعها المحطّمة وأعضائها الداخلية المهشّمة، بدا من الطبيعي أن يُرديها الألم الناجم عن تلك الإصابات قتيلة.
ومع ذلك، وبينما يتدفق الدم الطازج من جسدها الممدّد، خرجت من شفتيها صوت ضحكة مكسورة وغير مستقرة.
— لم تُطفأ حياتها بعد. لم يُخمد عزمها على القتال. بدت طبيعتها معيبة إلى الأبد، لا أمل في إصلاحها.
“تشه! أمر تلو الآخر!”
تمامًا عندما استعد غارفيل لتنفيذ هجوم جديد، قطعت الوحوش الشيطانية ساحة المعركة لتهاجمه.
فئران ذات أجنحة سوداء، وكلاب ضخمة متوحشة بنقوش غريبة على أجسادها، وحشد من الأفاعي ذات الرأسين التي اشتعلت غضبًا بسبب مقتل أفرادها — إلى جانب كائن ضخم، صخرة متحركة تُعرف باسم “خنزير الصخر”، كلها هرعت نحوه.
“غارف! أنا سأتعامل مع هؤلاء!”
في اللحظة التي شدّ غارفيل نفسه لمواجهة الوحوش الشيطانية التي تحاول تنفيذ هجوم مباغت، تمزقت تلك الوحوش إلى أشلاء خلفه.
لم يكن لديه وقت ليلتفت، لكنه استطاع أن يدرك من شدة الهجمات أن فريدريكا بدأت تحصد أعداءهم بلا هوادة.
كل ما تبقى هو أن يتعامل غارفيل مع الوحش الذي يندفع نحوه، بجسم ضخم ينافس حجم القصر نفسه.
“استعد للسحق!!”
بأمر من ميلي، اندفع خنزير الصخر على أقدامه القصيرة، قافزًا نحوه. لم يعد مجرد وحش يندفع؛ لقد تحول إلى قذيفة بوزن مبنى ساقط.
لم يكن بمقدور أي شخص عادي مواجهة مثل هذه الضربة — وهذا ما أملت عليه غريزته الوحشية.
ثبت غارفيل قدميه بثبات واستدعى كامل قوة بركة روح الأرض. البركة التي انتقلت عبر قدميه جعلت أوتار عضلاته تتضخم وتنقبض، فيما تحول دمه إلى طاقة خام.
“—آآآآآآآآآآ!!!”
انطلق زئير صاخب من أعماقه، ليس موجّهًا للخارج، بل يتردد في جسده ولحمه ودمه.
دماؤه الملعونة، التي كانت مصدر معاناته لسنوات، استدعاها الآن بإرادته، وأخضعها لسيطرته، وحوّلها إلى قوة خام لينحت بها مصيره.
تغيّرت هيئته؛ عظامه أصدرت صريرًا أثناء تحوّلها، وعنقه وصدره ورأسه اتخذوا شكل وحش. ظهرت لبدة ذهبية عظيمة على رأسه، بينما تمزقت ملابسه تحت الضغط، لكن الدروع التي تغطي ذراعيه بقيت مكانها، وبدت كأنها أساور على ذراعين ضخمتين، أشبه بالتجسيد الحي للعنف، مما يجعله ينافس خنزير الصخر في ضخامة الجسد.
“!!!!”
تصادم الوحشان، أو بالأحرى الوحش والنمر العظيم. تردد صدى الهجوم الصاخب عبر القصر بأكمله، وانطلق صوت انفجار يمزق الهواء.
توقف اندفاع الوحش الصخري أمام مخالب غارفيل، التي بدت كسيوف عظيمة تضرب وجه الخنزير. وعلى الرغم من أن المخالب قطعت بشكل عميق، إلا أن بعضها تحطّم عند جذوره بسبب الجلد السميك للوحش. لم يُقتل النمر العظيم بقوة الاندفاع، لكنه تقهقر مع تلقيه ضربة جديدة عندما داس الوحش على صدره، مغرسًا جسده في الأرض ومثيرًا رذاذًا من الدماء.
“استمر، أيها الخنزير الصخري!!”
على الرغم من سماعها أصوات تحطم عظامه وسحق لحمه، لم تتخل ميلي عن حذرها.
استجابةً لأمر سيدته الذي بدا أقرب إلى البكاء، أطلق “خنزير الصخر” زئيرًا عظيمًا ورفع كلتا قوائمه الأمامية في الهواء، مستعدًا ليوجه ضربة ثانية نحو جمجمة النمر العظيم.
— لكن قبل أن يتمكن من ذلك، استخدم النمر المتوحش قوة عضلات بطنه ليدفع جسده إلى الأعلى؛ ووجه ضربة قوية إلى بطن الوحش المفتوح على مصراعيه.
كان جلد “خنزير الصخر” أشبه بالدرع الصلب، لكنه أخفى نقطة ضعفه الأكثر هشاشة عند بطنه المكشوف.
تغلغلت أنياب حادة في جلده السميك الذي لم تتمكن مخالب النمر من اختراقه، وشقت طريقها عميقًا في لحمه.
“غرررراااااااغغغغ—!!”
بينما أبقى النمر فكيه مغروسين في بطن “خنزير الصخر”، دحرج جسده إلى الجانبين. مزّقت هذه الحركة اللحم المحاصر بين أنيابه في تصرف مفترس يميز التنانين المائية.
أنياب النمر العظيم لم تمزق اللحم لتأكله، بل لتقتل بلا رحمة.
انهمر الدم والأحشاء بغزارة تتناسب مع حجم الفريسة الهائل، وملأت الممر داخل القصر في موجة من الدمار.
“أووو…”
بينما برز بياض عينيه، أطلق “خنزير الصخر” أنينًا ضعيفًا قبل أن ينهار ميتًا.
“لا… مستحيل…! لا أصدق هذا!”
تراجعت ميلي للخلف بينما بصق غارفيل الدماء والأحشاء ودفع بجثة الوحش العملاق بعيدًا.
كانت قد صفّرت بأصابعها لجمع حشد من الوحوش الشيطانية، لكن الآن، بعد القضاء على الوحوش الكبيرة مثل “خنزير الصخر”، لم يتبقَ سوى الوحوش الصغيرة والمتوسطة لتلبية النداء. في لحظات قليلة، تلاشت ميزتها بالكامل.
“آاااه! انظري ماذا فعلتِ! إلزا! إلزااا! افعلي شيئًا!”
“…يا لكِ من قائدة مستبدة.”
عبثت إلزا بضفيرتها بينما استجابت لنداء ميلي الباكي للمساعدة.
بخطواتها المتثاقلة، تقدمت إلزا غراهيلد، وشعرها الأسود الغامق يتمايل بينما اقتربت. وجهها الدموي المتوحش قد عاد إلى حالته الطبيعية بالفعل.
بجمال مميت وسحر قاتل، ألقت نظرة مشبعة بالشغف على غارفيل.
“لقد مزّقت وجه امرأة دون تردد… إنك حقًا مذهل.”
“غررر… رااااااغغغ…!!”
أثار وجه المرأة الملطخ بالدماء والمبتسم زئيرًا حادًا من النمر العظيم الذي ارتجف بينما ظلت أكتافه المكسورة تهتز بعنف. شدّ النمر العظيم عضلات جسده الضخم حتى بدأت أبعاده المتضخمة تعود تدريجيًا إلى شكلها البشري.
وبعد ثوانٍ قليلة، عاد فتى نصف عارٍ ليقف مجددًا على ساحة المعركة.
“آااه… تبًا، يبدو أنني عدت. رأسي يؤلمني بشكل لا يُحتمل…”
“فهمت… إذن أنت نصف وحش. كنت أعتقد أنك مجرد إنسان ذو نظرة كريهة في عينيه.”
“لو كان هذا معيارنا، ما كان القائد ليكون بشريًا قط.”
هزّ غارفيل رأسه بينما تحسس حالة جسده بعد عودته إلى شكله البشري.
عملية ضغط هيكله العظمي وإعادته إلى شكل أصغر أعادت بعض التئام الكتفين المكسورين بدرجة كافية ليتمكن من تحريكهما على الأقل. مع ذلك، حتى الحركات البسيطة سببت أصوات صرير وألمًا لاذعًا، مما يعني أن عودته إلى قوته الكاملة ستتطلب وقتًا طويلًا.
“قلتَ إنه لا يُزعجكِ… لكن لا بد أنكِ تفكرين الآن أنه أمر سخيف، أليس كذلك؟”
“…”
“على الرغم من أنك مصاب في كل مكان، إلا أن جروحي تُشفى ببساطة. الفجوة بيننا تتسع مع مرور الوقت… ألا تعتقد أن هذا غير عادل؟”
لم يكن على أطراف إلزا الطويلة النحيلة أي خدش يُذكر. لو تم مسح الدم عنها، لبدت بشرتها البيضاء اللامعة بلا شائبة تحتها. في المقابل، ظلت جراح غارفيل تزداد خطورة.
ربما بدا من المنطقي أن يُدين هذا الخلود المزعوم باعتباره ميزة غير عادلة.
“أنا؟ ما زلت غير مستعد للاستسلام. ولن أتراجع عن الذي قلته.”
هزّ رأسه رافضًا تلك الأفكار الجبانة. لم يكن بحاجة إليها أبدًا منذ البداية.
“أنتِ لستِ خالدة. أنت فقط لن تموتي حتى يقتلك أحد ما، صحيح؟ أليس هذا قصدك، يا مصاصة الدماء؟”
“…كنت تعلم.”
“كان لدي إحساس. أما عني؟ لطالما أحببت القراءة، وكنت أعرف عن وجود أنواع مثلك. لم أتوقع فقط مقابلتي لأحدهم حين خروجي من المنزل.”
من وقت لآخر، كانت كتب العالم الخارجي تصل إلى الملجأ، رغم أن غارفيل لم يعرف من هو المرسل، ولا كان يستطيع أن يستنتج من أنواع الكتب ما الذي أرادوه أن يتعلمه منها.
قرأ غارفيل كل ما استطاع الوصول إليه، لعلّه يجد يومًا طريقة للقضاء على أي شيء يجعل المرأة التي أحبها حزينة.
خلال تلك الدراسات، قرأ في مكان ما عن خصائص الكائنات المعروفة باسم مصاصي الدماء.
“من الواضح أن إحدى الساحرات القدماء كانت واحدة منهم. لقد ماتت الساحرة، وهذا يعني إمكانية موتكِ أيضاً.”
كان غارفيل قد وجّه لإلزا بالفعل أربع ضربات من المفترض أن تكون قاتلة. حتى لو كانت قد ورثت هذه خصائصها من وحش خالد أسطوري، فلا بد أن قدرتها على التجدد لها حدود.
ربما سيحتاج الأمر ضربة أو اثنتين إضافيتين، وستنتهي الأمور. ولكن قبل أن يصل إلى ذلك —
“…إذا وعَدَت أختكِ الصغيرة بأنها لن تقومَ بشرٍ أبدًا مرة ثانية، ليس لدي مانعٌ في تركها.”
“…حقًا، يا لك من طفلٍ وديعٍ للغاية.”
مع ابتسامة، قام بتحطيم آخر بقايا من الرحمة التي قدمها لها.
كان ذلك إشارةً له.
بخطوة انفجارية، قفز غارفيل مباشرة إلى الأمام. واجهته شفرة شريرة تهدف إلى شطر رأسه، مدمرةً الممر في القصر بقوة الهجوم.
أوقف الهجوم بدرعه، لكن الشفرة جرحت صدره بشكل سطحي. دون أن يكترث لرش الدم، استمر في التقدم—
“غوستيكو، البلد اللي وُلدت فيه، هو أرض باردة جدًا جدًا في أقصى الشمال.”
بينما يتبادلان الضربات، تسللت فجأة كلماتها، المنسوجة كأنها أغنية، إلى أذنيه.
لم يكن من المفترض أن يسمعها. ظل وعيه مشتعلًا، يعترض للهجمات ويوجه ضربات قاتلة كل لحظة، مما لا يترك مجالًا لمثل هذا الصوت للتسلل.
لكنها تسللت رغم ذلك.
“إنها بلد فيه فجوة شاسعة بين الأغنياء والفقراء. الأطفال الذين يتخلى عنهم الفقراء ليسوا نادرين. كنت واحدة منهم، بلا والدين منذ وعيي على الحياة، أعيش على المياه الراكدة وبقايا الطعام التي أجدها.”
“—غرااااااه!!”
“كنت أسرق وأؤذي الناس. بدت الأيام متشابهة، تمضي بلا معنى… لماذا أعيش؟ ما هي السعادة؟ لم يكن لدي وقت للتفكير في أمور كهذه آنذاك.”
لوّح غارفيل بذراعه بقوة ساحقة محاولًا تمزيق وجه إلزا، لكنها تفادت الهجوم. ارتسم قوس فضي وامض أمام عينيه، مما اضطره إلى إمالة جسده لتفاديه. تحولت محاولته للتفادي إلى هجوم مضاد، لكنه قوبل بمراوغة أخرى. ابتعدت المسافة بينهما مرة أخرى.
“كان ذلك اليوم شديد البرودة بشكل خاص.”
“اصمتي! لا أريد سماع كلامك!!”
“في ذلك اليوم، بدت الرياح القادمة من الجبل المقدس باردة للغاية، مما جعل الجو متجمّدًا داخل المدينة. وسط عاصفة ثلجية شديدة البرودة تجمد الأنفاس نفسها، كنت أعمل كـ لصّة عندما أمسك بي صاحب متجر.”
تنهدت إلزا بتنغيم ناعم، وكأنها تشاهد حلمًا.
ازداد جنون ضرباتها الشرسة، مخترقةً دفاعات غارفيل المتهاوية بسبب إصاباته في الكتف.
“لم يكن أحد سيعترض لو قتلني في تلك اللحظة، لكنني كنت امرأة. حتى الآن، لا زلت أذكر الابتسامة القذرة على وجه ذلك الرجل عندما بدأ في تمزيق ملابسي.”
“غاااااه…!”
“وسط تلك الرياح الباردة المتجمدة، نزع عني قميصي الداخلي، وحتى ملابسي السفلى… وعندما فكرت أن الموت من البرد أفضل من تحمل الإذلال الذي كان يخطط له، أمسكت بقطعة زجاج كانت قريبة.”
رفعت إحدى ساقيها الطويلتين وركلت جانب رأس غارفيل، مرسلةً إياه ليرتطم بالحائط. أصابه الاصطدام بالذهول وأربك عقله، لكنه كسر قوس قدمها في نفس الوقت. ومع ذلك، بدت تعابير النشوة على وجهها كفيلة بأن تبثّ قشعريرة في عموده الفقري.
“لم أكن أقصد فعل ذلك. حدث فقط أنني غرست قطعة الزجاج في بطنه.”
“…”
“لم أشعر بأي تردد في أخذ حياة شخص آخر. لم أشعر بأي شيء أثناء سماعي صرخات الرجل. لكن وسط تلك الرياح الباردة، راودتني فكرة واحدة.”
توقف تنفس غارفيل للحظة بينما ارتسمت على وجه إلزا ابتسامة شاغرة، مليئة بالانغماس، تشبه ابتسامة فتاة عاشقة.
“— لماذا الدم والأحشاء دافئين إلى هذا الحد؟”
هرب غارفيل من نطاق شفرتها الملتوية، التي زحفت على الأرض كأنها تهدف لقطع كاحليه. ومع ذلك، استطاع إطلاق ركلة مضادة. تفادت إلزا هجومه بقفزة بعيدة، مما جعله ينقر بلسانه بامتعاض.
لم يكن غضبه مجرد نتيجة لصعوبة إسقاطها.
“إذا كانت هناك أي سعادة حقيقية في هذا العالم، فلا بد أنها توجد في ذلك الدفء الذي يجعلك تنسى البرد. في ذلك اليوم، أنا، التي وُلدت بلا شيء، اكتسبت أخيرًا شيئًا يخصني بحق. ولأول مرة، شعرت بالسعادة. أعتقد أنك لا تستطيع أن تفهم ذلك، أليس كذلك؟”
“ولا أريد أن أفهمه.”
“هذا جيد. لم أكن آمل أن تتعاطف معي على أي حال.”
“إذًا لماذا تخبرينني بكل هذا الهراء؟ إنه مقرف.”
“أتساءل عن السبب بنفسي.”
نظرت إلزا إلى غارفيل، الذي لم يُظهر في عينيه سوى العداء، مائلةً رأسها بفضول. ثم أغمضت عينيها بنظرة غامضة، واحمرت وجنتاها قليلاً بينما تحدق فيه.
“ربما… لأنني معجبة بك.”
*…آسف، لكنني مغرم بالفعل بامرأة أخرى. ليس لدي وقتٌ لأفكار مشوشة مثلك.”
“كم أنت قاسٍ. ولكن لا بأس. فاهتمامي ينحصر بما هو داخلك، في النهاية.”
بدت كلماتها شبه منطقية، لكن في النهاية، لم يستطع غارفيل أن يفهم أي شيء منها.
بعد سماعه لحكايتها الشخصية، توصل غارفيل إلى استنتاج وحيد.
لم يكن لديه نية لفهمها أو مسامحتها. الشيء الوحيد الذي يمكنه فعله هو إنهاء وجودها.
“— سأنهي أمرك، يا إلزا غرامهيلد.”
“— لأنك ستقتلني، أصبحت أول حب لي، غارفيل تينزيل.”
مناداة كل منهما الآخر باسمه كان الرابط الوحيد بينهما.
أما البقية، فقد تركوها للعنف الذي تحدثه المعركة.
انطلقت السيوف الشريرة كأضواء عاصفة، ممزقة شظايا ممر القصر المحطم بالفعل.
وسط هذا المطر العنيف من الشفرات، لم يكن غارفيل يراوغ وحسب — بل ظل يدافع بأقل حركة ممكنة مستخدمًا دروعه، ثابتًا في مكانه.
أصبح الدم يتدفق من جروح أحدثتها شفراتها التي خدشت كتفه وبطنه وساقه ورأسه، ومع ذلك، لم يتزحزح غارفيل.
تضاءلت المسافة بينهما إلى ست خطوات. لوّح غارفيل بذراعه اليسرى، وأطلق الدرع المثبت عليها ليطير مباشرة نحو إلسا.
عند الخطوة الخامسة، أصاب الدرع ذراع إلزا، محطّمًا أصابعها وجاعلاً سلاحها يسقط من يدها اليسرى.
عند الخطوة الرابعة، انهالت هجمات لا تُحصى على الجانب الأيسر غير المحمي من جسده، مسببة المزيد من الجروح. لكنه لم يتوقف.
عند الخطوة الثالثة، ضرب غارفيل الأرض بكعب قدمه، مما تسبب في انفجار جعل الأرض ترتفع، فيما أطلق القصر صرخة موت وهو ينهار.
عند الخطوة الثانية، أطلقت صائدة الأحشاء هجمة دوامية بأقصى سرعة رأتها عيناه في حياته كلها، استهدفت صدره بقوة مدمرة.
عند الخطوة الأخيرة، غطى غارفيل صدره بدرعه الأيمن، محطمًا ذراعه في الوقت الذي صد فيه هجومها.
“— تظن أنك تصدّها؟ لا تكن مغرورًا.”
سمع غارفيل صوتها المليء بالضحكات وهي تهوي بساقها الطويلة نحو وجهه. تساقط الكعب، مع النصل الذي يلمع كئيبًا بداخله، متجهًا نحو مركز رأسه مباشرة —
“—إلزا!”
فجأة، صوت صرخة كاد يشبه العويل جعل إلزا تتراجع للخلف.
الجناح الشرقي للقصر، الذي ابتلعته النيران وتحمل ضربات متكررة، بدأ أخيرًا في الانهيار.
تحت أحد الأجزاء المتساقطة، كانت ميلي، ممسكةً برأسها، تصرخ مستنجدةً بأختها الكبرى.
قفزت إلزا باتجاهها على الفور، غارسةً شفراتها في الأنقاض المتساقطة فوق رأس ميلي.
مزقت، وخدشت، وقطعت قطعًا متساقطة واحدة تلو الأخرى. ومع ذلك، لم يتوقف انهيار الأنقاض —
بلا سابق إنذار، اندفعت عاصفة هادرة أسفل قدميها.
رياح تحمل على ظهرها مخلوقًا رائعًا ذو عرف ذهبي لامع، أنقذت الطفلة التي كانت على وشك أن تُسحق، وأخذتها بعيدًا إلى بر الأمان.
“إلزاااا!”
كانت ميلي تستصرخ أختها في يأس بينما قفز المخلوق ذو الأرجل الأربعة خارج القصر.
لكن إلسا لم تستدر نحوها.
كان غارفيل قد وصل بالفعل نحوها.
“—!!”
تصادم النصل في يد إلزا اليمنى مع مخالب غارفيل الوحشية في يده اليسرى.
بصوت مدوٍ مليء بالدمار، تحطمت ذراع غارفيل اليسرى بالكامل، في حين تشوه معصم إلزا الأيمن بشكل بشع.
انتشر الدم الطازج في كل مكان بينما دفعت إلزا بذراعها المدمرة نحو الأمام لتطيح بغارفيل أرضًا.
تدافعا بشراسة، كأنهما في عناق قاتل، عضّا أعناق بعضهما البعض، ثم تفرقا وكأن قوة غامضة دفعتهما بعيدًا.
“أوغغ، غغهه…”
أصبح الجانب الأيسر من رقبة إلزا ساخنًا. لم تستطع حتى أن تضع يدها على الجرح، الذي ظل ينزف بغزارة، ومع ذلك، بدا وجهها محمرًا بصورة لافتة.
أنفاسها كانت ساخنة لدرجة بدت وكأنها تغير لون الهواء. عيناها بدتا مليئتين بشغف لا يُروى.
— حينها، رأت غارفيل يرفع جثة خنزير الصخر الضخم ويلقي بها.
كانت عيناه متوهجتين بمشاعر وحشية، حتى مع نزيف رقبته من الجرح الذي تركته أسنانها.
رغم أنها تعرف تمامًا أين سينتهي مسار الكتلة الملقاة، ظلت إلزا تحدق بالرجل الذي ألهب مشاعرها حتى اللحظة الأخيرة.
ظلت أنفاسها المتقطعة تهتز بشكل غير منتظم. وبينما تنظر إلى الفتى الأشقر الذي أيقظ هذا الحماس العميق في صدرها، لم تنطق سوى بكلمة واحدة.
“— يا للإثارة.”

المرأة، القاتلة، مصاصة الدماء، صائدة الأحشاء، سُحقت تمامًا وبالكامل تحت الكتلة الهائلة.
تناثر الدم الطازج، مختلطًا بسوائل جسد الوحش.
لم يعد هناك أي علامة على عودتها — فقط رائحة الموت الباقية.
أطلق غارفيل صيحة حرب، صرخة ارتفعت عاليًا في السماء، يتردد صداها في أنحاء القصر المشتعل المتهاوي.
— وهكذا انتهت المعركة بين “صائدة الأحشاء” و”درع الملاذ”.
////
حسابنا بتويتر @ReZeroAR
التعليقات
سيُحمّل النقاش عند الاقتراب منه.